وتوريث الخبرات

  • 9 -1 - 2008
  • تحرير المجلة

 

الحمد لله الذي علم بالقلم , علم الانسان ما لم يعلم , وصلى الله على محمد واله وصحبه وسلم , وبعد :

تمثل المعلومة ركيزة من ركائز العمل التنموي أيا كان , تعليميا , او اغاثيا , او اجتماعيا , او اعلاميا, او غيره , فالعمل الناجح ينبني اولا على المعلومات الدقيقة والافكار الصحيحة , وبحسب دقة تلك المعلومات والافكار وصحتها , وتراكمها وكثافتها ؛ يتحدد مدى نجاح ذلك العمل واثره .

غير انّا كثيرا ما نشاهد اعمالا او مشروعات تبذل بعض الجهات لإنشائها جهودا كبيرة في جمع المعلومات , ودراسة الواقع , وتخطيط البرامج .. الى قائمة طويلة من الخطوات المعلوماتية اللازمة لكل عمل – وان لم تسمها معلومات - , دون ان تعتني بالتعرف الدقيق على التجارب السابقة وجوانب نجاحها واخفاقها واسباب ذلك . وقد تتحفظ الجهة التي اقامت مشروعا مماثلا في تقديم خبراتها للجهات الاخرى , وهكذا تضيع كثير من الجهود والخبرات والمعلومات والافكار , او تبقى بعيدة عن الاستفادة منها او استثمارها في مجال التخطيط المستقبلي للأعمال والمشروعات التنموية الخيرية .

وهنا يظهر خلل في كثير من مناطق العالم الاسلامي, وهو انقطاع التواصل المعلوماتي بين العاملين في مجال العمل الخيري والدعوي.

وهكذا تبقى كثير من الاعمال قصيرة المدى , لا تحقق الا اهدافا قريبة او صغيرة , بينما لو تراكمت الخبرات , واستفاد الاخر من الاول , لكان للنجاح في العمل شأن اخر .

والسؤال الذي نطرحه :

متى ينتبه العاملون في مجالات الخير والتغيير والاصلاح والدعوة الى اهمية تبادل المعلومات والخبرات ؟ وكيف يمكن لهم حفظ جهودهم الخيّرة على مر الزمان من الضياع ؟ وكيف يمكن لهم بناء عمل دعوي ينطلق من خبرات سابقة وملومات تراكميه تضمن لهم اختصار المسافة الزمنية , وتوفير الجهود والتكاليف, وتصل بهم الى مستويات عالية من النجاح ؟

ليس توريث الاعمال وتبادل الخبرات والمعلومات في رأينا مجرد فكرة جيدة او برنامج له وقت محدد ,بل نرى انه ضرورة , توازي في اهميتها المشروع نفسه , وثقافة ينبغي لها ان تنتشر بين العاملين في المجالات الخيرية , وتترجم الى صور مختلفة , كمراكز الدراسات والبحوث , والمكتبات الجامعة , وتأسيس قواعد البيانات , وغيرها , في الجانب النظري .

ومثل المجالس التشاورية , ولجان العلاقات العامة او مكاتب الاتصال في المؤسسات , ولجان التعاون المختلفة , والدورات , والمراكز التدريبية , والصحف , والمجلات , في الجانب العملي .

ولكي نقف على الدور الذي يمكن ان تقوم به الوسائل السابقة وغيرها في مجال توريث الخبرات وتبادل المعلومات ؛ نشير هنا الى مثالين على درجة كبيرة من الاهمية , الاول من الجانب النظري , وهو المراكز البحثية , والثاني من الجانب العملي , وهو المجلات .

المراكز البحثية .. توريث الخبرات :

يعتمد البحث العلمي في المقام الاول على المعلومات التراكمية ؛ ليقدم الجديد من المعلومات والنتائج التي تخدم مراكز التخطيط , وصانعي القرار , ومن هنا يعد البحث العلمي احد مقاييس التقدم في العصر الحديث , بل صارت المعلومة التي تقدمها تلك المراكز البحثية ( منتجا ) مهما , تبذل لأجله الدول المتقدمة الكثير من الاموال .

وفي حين نتفق البلدان العربية على البحث العلمي اقل من 1% من موازناتها العامة , وهى النسبة نفسها في اكثر دول افريقيا تقدما في البحث العلمي مثل مصر وجنوب افريقيا , يبلغ انفاق اسرائيل- مثلا – على البحث العلمي نسبة 4.7% من الناتج القومي الاجمالي .

ولهذا تعد مراكز الدراسات والابحاث من المميزات المهمة لتفوق الغرب على بلدان العالم الاسلامي؛ اذ يصل عددها عندهم بالمئات , وفي جميع المجالات , لا نتحدث عن المراكز المستقلة فحسب , بل هناك مراكز تابعة لهيئات ومؤسسات رسمية , وغير رسمية , ومراكز داخل البلد المنشئ , او تابعة له خارج حدوده (1 ) .

وتقوم مراكز البحوث والدراسات بعدة وظائف؛ منها :

معلوماتيا : رصد المعلومات وجمعها , وتوثيقها وحفظها , مع تصنيفها وفهرستها , وتسهيل نظم استرجاعها , وتقديمها للباحثين والمطلعين .

دراسيا : تحليل هذه المعلومات والبيانات , والربط بينها , وتفسير الظواهر المختلفة فيها, واستكشاف القواعد والنظم التي تفيد في بناء التوقعات المستقبلية .

بحثيا : توفير مراجع المعرفة المعلومات ومصادرها للراغبين, وتقديم قنوات متنوعة من اوعية المعلومات المرئية والسمعية والمقروءة للتبادل المعرفي .

اعلاميا : نشر ما يتوفر لديها من معلومات للمهتمين والجماهير المعنية , مع تقديم توصيات, او اقتراح حلول وبدائل, او تقديم خطط وسياسات مقترحة .

المجلات المتخصصة .. توريث ايضا :

تعد المجلات العلمية والمتخصصة ايضا مقياسا للتقدم, فهي تقوم بعمل مشابه لعمل المراكز البحثية, اضافة الى كونها وسيلة مباشرة لنشر المعلومات, وتبادل الخبرات, وتوريثها على نطاق اوسع من المهتمين .

ومن هنا تتنافس المجلات العلمية على التأثير باختلاف توجهاتها, ومن مؤشرات دراسة تأثيرها ما يسمى ( معامل التأثير للمجلات الدورية), يعطي هذا ( المعامل ) مدلولا عن مكانة المجلة العلمية, ومدى استخدامها في المجلات او الدوريات الاخرى, واستخدام الباحثين للبحوث المنشورة فيها من خلال الاشارة اليها في دراساتهم العلمية , فالمجلة التي لها معامل تأثير يساوي صفر يشير الى انها لم يقرأها احد من الباحثين, او قرئت لكن لم يرجع احد لأي من البحوث الواردة فيها. وعليه يحرص محررو المجلات والدوريات على ان تحظى مجلاتهم ودورياتهم بمعامل عال؛ من خلال نشر بحوث ذات مكانة ونتائج بحثية مهمة ومثيرة (2) .

وتشير بعض الدراسات الى ان عدد المجلات العلمية في العالم عام 1865م بلغ مائة مجلة, اما اليوم فعدد المجلات يقارب مائة الف مجلة, اضافة الى مليونين ونصف المليون من المنشورات العلمية.

وعلى مستوى الدعوة الى الله تعالى في افريقيا؛ تفتقر الساحة الى مثل هذه الرسائل لتحقيق ثقافة التوريث الدعوي, وتحرير المعلومات والخبرات التي تظل حبيسة في عقول اصحابها, او في الملفات والأرفف, لتصبح معلومات وخبرات دعوية متاحة لجميع الدعاة .

ولهذا كانت " قراءات ":

( مجلة قراءات ) توريث تنموي على مستوى افريقيا, توريث للمعلومات, والخبرات, والاحصاءات, والتجارب, واخبار التاريخ, وهموم الحاضر, وتطلعات المستقبل, نطمح فيها ان تحقق التواصل بين العاملين في المجال الخيري والدعوي الافريقي, وبينهم وبين غيرهم من الدعاة والمفكرين والمثقفين في العالم الاسلامي, في تبادل المعلومات والافكار والآراء, وان تكون وعاء يحفظ الخبرات للأجيال الحاضرة والقادمة؛ وقنطرة بين تجارب الماضي وخطط الحاضر والمستقبل, وان تسهم في بناء واقع مشرق في افريقيا, بإذن الله تعالى .

انور الخضيري : مراكز البحث والمخاض الصعب .

احصائيات مختصرة حول واقع البحث العلمي, ص 56.