هجمة تنصيرية في السودان بعد فصل جنوبه

  • 15 -3 - 2014
  • نجم الدين السنوسي


نجم الدين محمد عبدالله السنوسي  

يحاول هذا المقال تسليط الضوء على الهجمة التنصيرية التي برزت في شمال السودان، وبخاصة  في ولاية الخرطوم، والنشاط المستعر خفية وعلانية عقب انفصال جنوب السودان في يوليو 2011م، حيث ظهرت عدة حالات تنصيرية بين المسلمين الذين ينحدرون من أسر مسلمة محافظة، وينتمون إلى أقاليم كانت بعيدة عن التنصير وأهدافه.

سوف يسعى المقال إلى تسليط الضوء على هذه الهجمة وخطرها وأسبابها ونتائجها، منطلقاً من خلفية تاريخية وإحصاءات قديمة وحديثة عن الوجود الكنسي في السودان وفي ولاية الخرطوم تحديداً، ثم يأخذ المقال منحى آخر في بيان ما اتُّخذ من إجراءات رسمية تجاه بعض الجهات والمنصّرين الذين يمارسون النشاط التنصيري دون أن يكون لهم وضعية قانونية في نشاطهم، وربما في وجودهم ابتداءً في السودان، أو يخالف نشاطُهم الغاية من وجودهم في السودان.

نبذة عن ولاية الخرطوم:

تقع ولاية الخرطوم في وسط السودان تقريباً، «وتحاذي ولاية الخرطوم من الشمال ولاية نهر النيل، ومن الشمال الغربي ولاية شمال كردفان والولاية الشمالية، ومن الجنوب الشرقي ولاية الجزيرة»[1].

وتبلغ مساحة ولاية الخرطوم قرابة 22.736 كيلو متر مربع، ويبلغ عدد سكانها قرابة 7,118,796 نسمة، ويدين أغلب سكان ولاية الخرطوم بالإسلام، وتُعَدّ اللغة العربية اللغة السائدة للتخاطب والتعليم بين المواطنين، مع وجود اللغة الإنجليزية لكن بنسبة محدودة بين المثقفين والوافدين الأجانب من الخارج.

وتتميز ولاية الخرطوم بوفرة الخدمات، مثل: التعليم والصحة ووسائل النقل والاتصال[2]، وهو ما شجّع عدداً كبيراً من سكان الأقاليم الأخرى على النزوح إليها والاستقرار فيها، وبخاصة العاصمة الخرطوم, كما ساهمت الحروب التي اندلعت في الجنوب ودارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان في نزوح عدد كبير من السكان نحو ولاية الخرطوم واستقرارهم في المناطق الطرفية بالولاية، حيث أقاموا أحياء سكنية عشوائية ومعسكرات خاصة للنازحين، وهو ما شجّع بعض الكنائس للعمل بين هذه الفئات، حيث توجد البيئة الملائمة للتنصير في هذه الأحياء.

وتضم ولاية الخرطوم العاصمة القومية لجمهورية السودان، والتي تُعرف بالعاصمة المثلثة؛ لأنها تتكون من ثلاث مدن رئيسة، هي:

1 - مدينة الخرطوم: وتقع على الضفة  الجنوبية الغربية للنيل الأزرق والضفة الشرقية للنيل الأبيض، وتعد العاصمة السياسية للسودان، وهي تضم المصالح الحكومية والدواويين، وأبرزها القصر الجمهوري ووزارة الدفاع ووزارة المالية والخارجية، كما توجد فيها جميع السفارات الأجنبية، وهي تعد أيضاً من أقوى المراكز التجارية بالبلاد.

2 - مدينة أم درمان: وتُعَدّ العاصمة التاريخية لارتباط تطورها بالثورة المهدية، وتقع على الضفة الغربية للنيل الأبيض ونهر النيل، أي المجرى الذي يتكون بعد التقاء نهري النيل الأبيض والنيل الأزرق عند نقطة الالتقاء بالخرطوم، وتعرف بالمقرن.

3 - مدينة بحري: ولفظ بحري يعني الشمال، وتقع على الضفة الشمالية للنيل الأزرق والضفة الشرقية لنهر النيل، وتُعَدّ مدينة بحري المدينة الصناعية الأولى في الولاية[3].

تأسّست الخرطوم بوصفها مدينة في عهد الحكم التركي المصري عام 1821م, وعندما قامت الدولة المهدية 1885م قامت بتحويل العاصمة إلى أم درمان, ثم بعد ذلك قام الاستعمار البريطاني بتحويل إدارة العاصمة مرة أخرى إلى مدينة الخرطوم.

يوجد ضعف كبير في مواجهة هذه الحملة التنصيرية الحديثة من قِبَل المسؤولين والدعاة في السودان

الوجود المسيحي بولاية الخرطوم:

تُعَدّ المسيحية أول ديانة سماوية يعرفها السودان منذ القرن السادس الميلادي، وتمركز وجودها قديماً في ضفاف النيل ببلاد النوبة في الشمال، وفي بعض المناطق الأخرى جنوباً إلى ولاية الجزيرة, أما المسيحية الحديثة فقد ارتبطت بدخول الاستعمار البلاد، وركّزت نشاطها في الأغلب في الجنوب وجبال النوبة والنيل الأزرق, مع الأخذ بالاعتبار أن ولاية الخرطوم كانت هي نقطة الارتكاز للتحرك التنصيري، ويبرز ذلك من خلال التعرض للوجود الكنسي في الولاية وأشكاله وأنواعه، وهي كالآتي:

1 - الكنيسة الكاثوليكية:

تُعَدّ الكنيسة الكاثوليكية الأولى من حيث الانتشار والإمكانات في ولاية الخرطوم والسودان عامة قبل الانفصال, ويرجع تاريخها إلى القرن التاسع عشر مع الحكم التركي المصري, حيث قدم القس لويجيمنتوري للسودان بغية نشر المسيحية، ثم أعقبه عدد من المنصّرين، أبرزهم القس دانيال كمبوني الذي قام بإعادة فتح الإرسالية الكاثوليكية مرة أخرى في الخرطوم عام 1878م، حيث ارتبط اسمه بالتعليم والرعاية الصحية والاجتماعية[4].

وتتميز الكنيسة الكاثوليكية بارتباطها المباشر بالفاتيكان، وتُعَدّ ولاية الخرطوم أكبر مركز لنشاطها الكنسي بالرغم من وجود ثماني مطرانيات في الجنوب (سابقاً)، حيث تتصدر ولاية الخرطوم نشاط هذه الكنيسة باحتوائه على أكبر نشاط تنصيري، فهي تدير 25 كنيسة ثابتة، و 45 كنيسة عشوائية، و 200 منصّر أجنبي، و 47 منزلاً، و 40 مدرسة ومعهداً، و 15 مركزاً صحياً، و 9 منظمات طوعية، و 4 مراكز اجتماعية، ومزرعتين[5].

ولكن فيما يبدو أن هناك تغيرات قد طرأت عقب انفصال الجنوب في نشاط هذه الكنيسة؛ حيث قلّت  نسبة منسوبيها في الخرطوم الذين كان أغلبهم من جنوب السودان؛ إذ رجع عدد كبير منهم إلى دولتهم الوليدة، ويظهر ذلك في الانخفاض الملاحظ على نشاط كلية كمبوني بشارع القصر الجمهوري بوسط الخرطوم، والذي كان يعجّ بترانيمهم واحتفالاتهم، وخصوصاً في أيام الأحد وأعياد الكريسماس ورأس السنة الميلادية.

2 - الكنيسة الأُسقفية:

يعود تأسيس الكنيسة الأسقفية في السودان إلى القس لويلين غوني الذي حضر مع الاستعمار البريطاني عام 1898م، وكان هدفهم تأسيس إرساليات في الجنوب، لكن الأوضاع الأمنية حالت دون ذلك، فأنشؤوا كنيسة الكاتدرائية في وسط الخرطوم بالقرب من القصر الجمهوري عام 1912م، وقد أنشأت هذه الكنيسة كليةَ غوردون عام 1902م (جامعة الخرطوم حالياً) إضافة إلى مستشفى أم درمان الحالي عام 1912م[6]، وتنقسم الكنيسة الأسقفية في السودان إلى مجموعتين: الأولى في الجنوب، وتضم 20 مطرانية، والثانية في الشمال، وتضم 4 مطرانيات، وهي: مطرانية الخرطوم ورئاستها في مدينة أم درمان، ومطرانية جبال النوبة ورئاستها في مدينة كادوقلي، ومطرانية غرب السودان ورئاستها في مدينة الأبَيٍّض، ومطرانية الشرق ورئاستها في مدينة بورسودان.

والملاحظ أن هذه الكنائس يقودها أبناء النوبة[7]، كما يلاحظ أنها تنشط في ولاية الخرطوم التي يوجد بها 4 كنائس ثابتة،  و 25 كنيسة عشوائية، و 15 مبشراً أجنبياً، و 14 منزلاً، و 7 معاهد، ومدرسة، ومنظمتان، ومركز اجتماعي واحد[8].

3 - الكنيسة القبطية الأرثوذكسية:

دخل الأقباط السودان منذ القرن التاسع عشر الميلادي مع الحكم التركي المصري الذي اصطحب معه عدداً منهم للسوادن لشغل مناصب إدارية في الدولة, ومن خلالها سعى الأقباط إلى تنظيم نشاطهم التنصيري، فأرسيت كاتدرائية السيدة العذراء بالخرطوم عام 1914م[9].

وتُعَدّ ولاية الخرطوم الأكثر نشاطاً لهذه الكنيسة، حيث يوجد بها 5 كنائس ثابتة، و 12 مبشراً أجنبياً، و 25 منزلاً، و 10 مدارس ومعاهد، و 3 مراكز صحية، و 20 مركزاً اجتماعياً[10].

ويمتاز الأقباط بخصوصية عن غيرهم من المسيحيين، حيث يقطنون في أماكن معينة بوسط الخرطوم في شكل مجموعات في الغالب الأعم, ولديهم إمكانات مادية واقتصادية كبيرة، ويمتازون بالنشاط في مجالي التجارة والصناعة، ولهم طريقة حسنة في التعامل مع المسلمين؛ إذ يُعرفون بالصدق في البيع والشراء, ويُلاحظ أنهم نشطوا أكثر من ذي قبل في الآونة الأخيرة في مشروع التنصير بين المسلمين في ولاية الخرطوم.

4 - الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية:

تُعَدّ الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية من الكنائس القديمة في السودان، ومقرّها الخرطوم، ومعظم عضويتها من الإغريق اليونان الذين قدموا مع الاستعمار واستوطنوا في السودان منذ فترة طويلة، حيث كانوا تجاراً وموظفين، بالإضافة إلى أعضاء السلك الدبلوماسي وبعض الجاليات المرتبطة بهم.

5 - الكنيسة الإثيوبية الأرثوذكسية:

يقع مقرّ الكنيسة الإثيوبية الأرثوذكسية في منطقة الخرطوم 2، ويرتادها عدد كبير من الجالية الإثيوبية التي تقطن بالسودان، بالإضافة إلى أعضاء السلك الدبلوماسي, وقد تم تأسيس هذه الكنيسة في العام 1960م[11]، ومن الملاحظ أن الإثيوبيين تضاعفت أعدادهم وازداد انتشارهم في كلّ أنحاء السودان والخرطوم بصورة خاصة في الآونة الأخيرة، وهم يرتادون هذه الكنيسة بأعداد كبيرة أغلب أيام الأسبوع، كما أن بالكنيسة، والتي تقع على الشارع العام قرب مطار الخرطوم، معرضاً وسوقاً دائماً لبيع الكتب والصور والملصقات التنصيرية والملابس.

6 - الكنيسة الإيرترية الأرثوذكسية:

تأسّست الكنيسة الإيرترية الأرثوذكسية عام 1983م في ولاية الخرطوم، ومع تزايد أعداد اللاجئين إلى السودان في السنوات الأخيرة تنامى عدد المصلين فيها، وأغلبهم من الإيرتريين.

7 - الكنيسة المشيخية الإنجيلية بالسودان:

هي طائفة انشقت عن الكنيسة الإنجيلية، ومركزها الرئيس في جنوب السودان بولاية أعالي النيل، ولديها نشاط واضح في الخرطوم.

8 - الكنائس الإنجيلية:

الكنائس الإنجيلية في السودان متعدّدة، ولكن أبرزها الكنيسة الإنجيلية في شمال السودان، والمسيح السوداني، والمارونية، والإخوة السبتية، وإفريقيا الداخلية[12].

إن المتابع لما سبق لأنشطة الكنائس في ولاية الخرطوم يجد أنها رسّخت وجودها في العاصمة القومية الخرطوم منذ القدم، وجعلت منها مقرّها الرئيس، وذلك لما لولاية الخرطوم من مزايا تفضيلية وخدمية تشجّع على العمل التنصيري، ومن أبرز تلك المزايا وجود النازحين في أطراف ولاية الخرطوم، بالإضافة إلى موقف السلطات المتساهل تجاه الأحياء العشوائية، ثم قرب هذه الكنائس من البعثات الدبلوماسية للدول المسيحية، ومن هنا سعت البعثات التنصيرية إلى بناء الكنائس في وسط الخرطوم بشكل معماري جذّاب يفوق جماله مساجد الخرطوم[13].

ومن الملاحظ أيضاً أن معظم الكنائس انتقلت للعمل التنصيري في أطراف ولاية الخرطوم في الأحياء العشوائية غير المخططة التي تستوعب النازحين من مناطق الحروب، فنشطت الكنائس بتشييد المدارس والمعاهد والمراكز الصحية والمراكز الاجتماعية[14].

الهجمة التنصيرية في ولاية الخرطوم عقب انفصال الجنوب:

كان الظن السائد قبل انفصال الجنوب أن النشاط التنصيري موجّه نحو سكان الجنوب ومناطق جبال النوبة ومنطقة النيل الأزرق، إلا أنه بعد اكتمال مخطط فصل الجنوب عن الشمال ظهر أن الشمال الذي أصبح الإسلام فيه دين الأغلبية بشكل كامل مستهدف بهجمة تنصيرية منظّمة، حيث فجّرت مؤخراً وسائل الإعلام السودانية بعض المعلومات عن نشاط تنصيري يجري بجرأة مدهشة في العاصمة القومية الخرطوم، مستهدفاً كلّ قطاعات المسلمين؛ بمن فيهم الأسر البسيطة والفقيرة من المسلمين بوسط الخرطوم وفي أطرافها.

المعاهد التعليمية والثقافية التي كانت تُستخدم لخدمة المسيحيين أصبحت أداة لتنصير المسلمين عقب الانفصال في الشمال، حيث تستقطب الشباب المسلم لتعلّم اللغة الإنجليزية والحاسوب

فقد كشفت بعض الصحف السودانية، ومنها صحيفة الانتباهة ذات التوجّه الإسلامي والمعادي لوجود الحركة الشعبية والمنظمات الكنسية المرتبطة بها، عن نشاط كنسي مكثّف في ولاية الخرطوم، يهدف لجعل الولاية مركزاً للتنصير في إفريقيا, وقد أكدت هذه الصحيفة أن حالات الردة بين المسلمين قد بلغت 15 حالة في عام 2013م[15]، وأن أغلب الذين ارتدّوا ينتمون إلى شمال السودان الجغرافي، أي ليسوا من الجنوب أو المناطق التي كان يتم فيها التبشير من قبل، وذلك يعني أن التنصير أصبح يأخذ منحى جديداً، يستهدف المسلمين المحافظين أنفسهم، ويستخدم أساليب حديثة أضحت تجني ثمارها بشكل فعّال في وسط المجتمع المسلم.

وقد لوحظ وجود عمل تبشيري منظّم ومكثّف من قِبَل الكنائس التي تسعى إلى تنصير المسلمين في ولاية الخرطوم وشمال السودان بشكل عام برغم اختلاف مذاهب هذه الكنائس، وذلك من خلال مجلس الكنائس السوداني الذي ينسّق عمل الكنائس في إطار منظّم، ويضم 12 طائفة من الكنائس السودانية[16].

واتضح أن هذه الكنائس تعمل في شكل شبكات، فالكنيسة الكاثوليكية تستغل أعمال الإغاثة في المناطق الطرفية بولاية الخرطوم لتنصّر المسلمين، أما الكنيسة الإنجيلية فتنشط في وسط الشباب المسلم، وبخاصة طلاب الجامعات، من خلال معارض الكتاب المقدّس، وتقوم بتشكيك الشباب في الإسلام بشكل خفي، أما الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فقد نشطت مؤخراً في تنصير الطالبات بالجامعات بصفة خاصة، والواضح كذلك أن هذه الكنائس أضحت تشترك فيما بينها بتنظيم معارض للكتاب المقدّس في الكنائس بصورة دائمة في شارع القصر الجمهوري بوسط الخرطوم، أو عبر معارض مؤقتة في الجامعات[17].

وفي الإطار نفسه أصبحت الكنائس تلجأ إلى استخدام أساليب قديمة مستحدثة بشكل متطوّر، مثل السحر الأسود المعروف بالتعلّق، فقد أوضح الداعية الإسلامي عمار خالد مدير المركز الإسلامي للدراسات المقارنة، وهو المركز الذي تأتي إليه بعض الحالات التنصيرية، ويتم من خلاله إعادة  المرتدين إلى الإسلام مرة أخرى، أوضح أن إحدى الكنائس اسخدمت السحر الأسود في مشروب غازي من أجل تنصير فتاة، ولكن الرقية الشرعية أبطلت هذا السحر، وتمّت إعادة الفتاة إلى الإسلام مرة أخرى[18].

وقد أوردت صحيفة الانتباهة «أن لجنة الحسبة وتزكية المجتمع أعلنت عن عودة 5 طالبات بعد تنصّرهن بعمل منظم من جهات لم تذكرها اللجنة، لكن المهتم بشأن التنصير في السودان الشيخ عمار صالح مدير المركز الإسلامي للدراسات المقارنة كشف عن عدد كبير يفوق هؤلاء الخمسة تم تنصيرهم بواسطة الكنائس الأرثوذكسية والكاثولكية والإنجيلية التي تعتبر الأخطر في تلك العمليات التي تستهدف المسلمين»[19].

وقد استُخدمت بعض المعاهد التعليمية والثقافية أداة لتنصير المسلمين عقب الانفصال، ففي السابق كانت هذه المعاهد تُستخدم لخدمة المسيحيين، لكن بعد فصل الجنوب أوضح واقع هذه المعاهد التعليمية أنها أصبحت أداة من أدوات التنصير في الشمال، حيث تستقطب الشباب المسلم لتعلّم اللغة الإنجليزية والحاسوب، خصوصاً لضعف أبناء المسلمين في هذه المواد، ومن خلال ذلك تقوم بتنصير الشباب المسلم، وقد قامت السلطات الأمنية بإغلاق عدد من تلك المعاهد والمراكز التعليمية في يناير 2013م، أبرزها معهد «كريدو» الذي يقع في أطراف ولاية الخرطوم بمنطقة الحاج يوسف، حيث ضبطت السلطات الأمنية مدير المعهد - وهو سويدي الجنسية - ومعه زوجته يقومون بتوزيع الإنجيل، ويدعون المسلمين للدخول إلى المسيحية، وكلمة «كريدو» تعني الإيمان باللغة الإيطالية.

أيضاً قامت السلطات الأمنية بإغلاق معاهد أخرى، مثل معهد لايف لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها وصادرت ممتلكاته، وهذا المعهد يديره مصري مسيحي تم إخطاره بمغادرة السودان، كما تمّ إغلاق معهد أصلان لتعليم اللغة الإنجليزية والحاسوب، وأكاديمية نايل فلاي لتعليم الأساس، لارتباط هذه المعاهد بأنشطة تنصيرية في ولاية الخرطوم, ونلاحظ أن هذه المعاهد قد تم إغلاقها جميعاً في شهر يناير 2013م، وتُتّهم بأنها تتلقى دعماً غربياً في شكل منح إنسانية باسم تنمية المجتمع السوداني[20].

وفي سياق ذي صلة كذلك لوحظ أن عملية التنصير تتم عبر طريقتين:

الأولى: بتهيئة التربة، وكسر الحاجز النفسي للمسلمين عبر عناصر مسيحية سودانية ارتدت عن الإسلام، بعضهم لم يغيّر اسمه، وبعضهم الآخر غيّر اسمه ليتناسب مع الديانة الجديدة، مثل المدعو «تاج الدين» الذي أصبح اسمه «القس وجدي إسكندر»، وهو ينحدر من منطقة الزومة بالولاية الشمالية، و «الفاضل كباشي» الذي أصبح قسيساً ويدرس اللاهوت، ويقوم هولاء المرتدون بدعوة المسلمين للدخول في النصرانية، ويشكّكون في عقيدة المسلمين، وهم متمرسون ومدرّبون بشكل جيد لاستقطاب المسلمين[21].

أما الطريقة الثانية: فتتم عبر عناصر مسيحية أجنبية تسعى لنشر الشبهات حول الإسلام، وتقوم بتوزيع الإنجيل في شكل مصحف يُعرف باسم «الإنجيل الشريف» الذي عُدّلت بعض نصوصه، فبدلاً من كلمة «المسيح» تُكتب «عيسى»، وبدلاً من «يوحنا» تُكتب «يحيى»، ولهم كتب بالعامية السودانية توزّع في وسط الخرطوم وفي المناطق الطرفية, وقد قامت السلطات الأمنية في يناير 2013م بضبط مجموعة من الأجانب من جنسيات مختلفة تقوم بتوزيع الإنجيل في بعض المناطق الطرفية بولاية الخرطوم، مثل: الكلاكلات والحاج ومايو، حيث تسعى لتنصير الأسر الفقيرة في تلك المناطق، وقد قامت السلطات بإبعادهم ومصادرة كتب الإنجيل[22].

مما سبق يتضح لنا أن هناك حملة تنصيرية عقب انفصال الجنوب بشكل منظّم ومكثّف في السودان، وبصفة خاصة في ولاية الخرطوم، ويرجع ذلك لعدة عوامل وأسباب أبرزها ما يأتي:

1 - اتفاقية نيفاشا التي وُقّعت في العام 2005م بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان: ودستورها الانتقالي الذي يكفل للمنظمات الكنسية العمل بحرية تامة، حيث نصّ الدستور في المادة (6) على حرية التنصير والتمويل لمنظماته[23]، فقد استفادت الكنائس والمنظمات التنصيرية من الواقع السياسي والاجتماعي والديني الذي ترتّب على ذلك، وعليه فقد شهد السودان إقبالاً كثيفاً من قِبَل المنظمات التنصيرية ونشاطاً تنصيرياً محموماً، وبصفة خاصة في ولاية الخرطوم وبين الشباب، وما يزال هذا الدستور المؤقت معمولاً بأحكامه بالسودان، وهو ما يكفل الاستمرارية لعملية التنصير.

2 - فتاوى بعض قيادات العمل الإسلامي في السودان واجتهاداتهم وآرائهم: فقد هيأت المجتمع لتقبّل التنصير وأوجدت بيئة نفسية مناسبة له، بإزالة الحرج من نفوس المسلمين وقلوبهم تجاه الردة بترك الإسلام إلى ما سواه، ومن تلك الاجتهادات والفتاوى: أنه يحق للمسلم في ظلّ العهد الواحد أن يبدل دينه، وأن القتل ليس حكماً على الردة، وإنما على الخروج.

3 - الدعم المعنوي الذي تحقّق للنشاط التنصيري: وفتح الباب أمامه بقيام الجمعية السودانية لحوار الأديان، والترويج لفكرة وحدة الأديان، والدعوة لما أُطلق عليه (الحزب الإبراهيمي)، وتعظيم مناسبات المسيحيين من خلال مشاركتهم في أعيادهم، بل إن بعض الكاتدرائيات المسيحية درجت على إقامة إفطار سنوي في خلال شهر رمضان المعظّم يحضره بعض كبار المسؤولين، وتنقله وسائل الإعلام وبث الفضائيات المباشر.

4 - السماح للمسيحيين ببناء الكنائس، وإعادة ترميم ما تهدّم منها: وهذا ما حفّز المنظمات التنصيرية لتكثيف نشاطها دون قيود، في ظل دعاوى الوحدة الوطنية وحرية الأديان وتعايشها السلمي بالسودان.

5 - تقييد قدرة الدعاة المسلمين لمواجهة الجماعات التنصيرية وعقائدها المنحرفة في ظلّ أجواء الحرية والتعايش التي يستغلونها: مع وجود عقوبة قانونية لمن يتعرض للأديان الأخرى باعتباره انتهاكاً لحرية الأديان، وكذلك ضعف تطبيق حدّ الردة لمن ارتد عن الإسلام، وسهولة زواج المسلمة بالكتابي.

6 - الصراع بين الجماعات الإسلامية السودانية وانقساماتها: فالحركة الإسلامية منقسمة بين المؤتمر الوطني الحاكم والمؤتمر الشعبي المعارض، وقد تبع ذلك صراع عنيف على السلطة, وكذلك الصراع بين السلفيين والطرق الصوفية حول بعض الأفكار والممارسات، وآخر ذلك كان اعتداءات أتباع بعض الطرق الصوفية على أنصار السنّة في احتفال المولد النبوي قبل الأخير، كما تنامى مؤخراً تيار آخر أكثر تشدّداً يكفّر المجتمع المسلم وعاداته, كلّ هذه الثغرات فتحت الباب للجماعات التنصيرية لتتحرك بحريّة وتستغل هذا الفراغ الديني، وذلك في ظل انشغال الجماعات الإسلامية بعضها ببعض.

7 - الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي خلّفها انفصال الجنوب عن شمال السودان: حيث كان السودان يعتمد على 70% من نفط الجنوب في اقتصاده، لكن عقب الانفصال تراجع الاقتصاد السوداني بشكل كبير، وهذا ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وزيادة نسبة التضخم التي بلغت 47% في شهر فبراير 2012م, إضافة إلى ما يشهده السودان من بطالة، وبخاصة بين الشباب الذي تفشّى في أوساطه تعاطي المخدرات، فهذه التغيّرات الاقتصادية أثّرت بشكل كبير في المجتمع السوداني، حيث زادت نسبة الفقر بدرجة أكبر؛ إذ يقل دخل الفرد في بعض المناطق عن دولارين في اليوم، ومن هنا نشطت بعض الكنائس المدعومة بشكل كبير بتقديم الخدمات الاجتماعية؛ في ظل تراخ كبير من الدولة في تقديم مساعدات للأسر الفقيرة.

تنشط المؤسسات التنصيرية في الإعلام بشكل واضح وبطرق حديثة، تجذب الشباب إليها من خلال مخاطبة شغفهم بالعمل والهجرة أو التعلّم بالخارج

ومن الملاحظ مؤخراً أن أغلب حالات الردة سببها العامل الاقتصادي، والدليل على ذلك أن تغلغل النشاط التنصيري وصل إلى داخل السجون السودانية، حيث تقوم الكنيسة بدفع الأموال للمعسرين من المسلمين، وتقدّم الخدمات الطبية والاجتماعية لهم؛ في ظل غياب تام لديوان الزكاة ووزارة الإرشاد والأوقاف.

8 - ضعف عمل المنظمات الخيرية الإسلامية الوطنية والخارجية: فهناك إحجام ظاهر من هذه المنظمات عن العمل وسط المجتمع المسلم الفقير بالسودان، ومن الملاحظ أنه لا يوجد نشاط واضح للمنظّمات الإسلامية وسط الخرطوم أو في أطراف الولاية مقابل النشاط الكنسي، حيث يندر وجود مراكز للخدمات الطوعية، ومعاهد تعليم اللغة الإنجليزية، ومعارض الكتب الإسلامية، حتى الأنشطة الثقافية والرياضية.

9 - ضعف المؤسسة الدينية في التربية الإسلامية للنشء: وضعف الأنشطة التربوية التي تحقّق ربط المدارس والجامعات بالمساجد وبقضايا الدعوة، وتعميق معاني الإسلام وقيمه، وتوجيه سلوك الشباب، وهي الأنشطة والمبادئ التي تحصّنهم من النشاط التنصيري, ففي السابق كانت خلاوي القرآن الكريم تقوم بدور تربوي مهم بالتنسيق مع المدارس والمؤسسات التعليمية الدينية، إلا أن هذا النشاط قلّ بشكل واضح، وهذا ما أحدث فراغاً ونقصاً في الجانب التربوي في المؤسسات التعليمية.

10 - ضعف دور الأسرة المحافظة في المجتمع: وهذا ما شجّع الشباب للجنوح نحو العزلة وعدم الارتباط بالإرث الديني، فكثرت حالات الإدمان والزواج العرفي والجريمة بين الشباب، الأمر الذي شجّع المنظمات التبشيرية لاستقطاب هذه الفئات من الشباب بتنصيرهم أو إبعادهم عن دينهم.

11 - أيضاً في الإطار نفسه يُلاحظ دور الإعلام السلبي: وأنه غير جاذب للشباب والمجتمع، بل يوجد نفور كبير من وسائل الإعلام المحلية، لضعف المواد المقدّمة، وتكرارها، وعدم تفاعلها مع تطوّر المجتمع وحاجاته, في المقابل تنشط المؤسسات التنصيرية في الإعلام بشكل واضح وبطرق حديثة، تجذب الشباب إليها من خلال مخاطبة شغفهم بالعمل والهجرة أو التعلّم بالخارج. 

مما سبق يخلص هذا المقال إلى عدة نقاط من خلال تتبع الهجمة التنصيرية، وأسباب ازدياد الحملة التنصيرية على السودان وولاية الخرطوم في الآونة الأخيرة وتطوّرها، ويحاول الخروج برؤية مستقبلية تحدّ من هذا النشاط الكنسي المحموم، وذلك فيما يأتي:

1 - النشاط التنصيري موجود منذ القدم ويستهدف المسلمين ولا ينأى عن ذلك: لكن استراتيجياته وأساليبة وأنشطته تتغير وفق الأوضاع السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية والأمنية في البلاد.

2 - تنبيه الجهات المعنية بضرورة تقدير ما يحيط بالمسلمين من خطر التنصير: حيث يوجد ضعف كبير في مواجهة هذه الحملة التنصيرية الحديثة من قِبَل المسؤولين والدعاة في السودان، وهذا ما يستدعي تضافر جهود جميع الأطراف الإسلامية وتعاونها، وضرورة نبذ الخلاف والفرقة، والانتباه إلى الخطر المحدق بالجميع، والعمل بروح الفريق الواحد ضد النشاط الكنسي في إطار مجلس أو هيئة إسلامية تقف ضد التنصير.

3 - تفعيل العمل الطوعي الخيري الإسلامي: وتنشيط الجانب الاجتماعي والخدمي والتعليمي، وحثّ الخيّرين على التبرع، وتنسيق الجهود مع المنظات الإسلامية الخارجية بإنشاء معاهد تعليم اللغة الإنجليزية وعلوم الحاسوب في مناطق متفرقة بولاية الخرطوم، وبخاصة الطرفية منها، وتكون بأسعار رمزية.

4 - توعية المجتمع المسلم بخطر التنصير: عبر وسائل الإعلام والمعارض الثقافية والدعوية، مع الحرص على تنشيط دور الخلاوي والمؤسسات التعليمية المختلفة في تربية النشء وتوجيه سلوكه.

5 - الاهتمام بالأحياء السكنية الطرفية: وتطوير الخدمات فيها، وبخاصة الصحة والتعليم، والاهتمام بالأسر الفقيرة ودعمها.

6 - تقديم الدعم المادي والعيني للدعاة والأئمة: وزيادة رفع كفاءاتهم وقدراتهم على التصدي للتنصير وغيره.

7 - تفعيل الأنشطة الدينية والتربوية في المؤسسات التعليمية: وربط الشباب بقضايا الدعوة وتوعيتهم بما يستهدف كيان الأمة ومستقبلها من خلالهم.

8 -  وضع خطط مدروسة لحلّ مشكلات الشباب: والعمل على إتاحة فرص عمل لهم من خلال مشاريع إنتاجية تقلّل من أعداد البطالة المتزايدة في السودان.

9 - مراقبة النشاط التنصيري في الأحياء الطرفية الفقيرة: وفي المؤسسات التعليمية، وبخاصة الجامعات والمراكز والمعاهد العليا.

10 - متابعة الوافدين: ومراقبة تحركاتهم، وبخاصة المنصّرين منهم.

11 - مراجعة التشريعات والقوانين: التي تساعد على إطلاق يد البعثات والمنظمات والمنصّرين في البلاد.

* باحث دراسات استراتيجية.

[1] محافظة الخرطوم, دار الطباعة, الخرطوم, 1974م.

[2] ولاية الخرطوم, مفوضية الاستثمار.

[3] محمد إبراهيم بوسليم: تاريخ مدينة الخرطوم, دار الجيل, بيروت, لبنان, ط 2, 1979م، وانظر: الخرطوم (ولاية)، http://ar.wikipedia.org/wiki/

[4] إنجيل إسحاق جيرجيس: المسيحية في السودان، الخرطوم، 1997م، ص 11.

[5] إدارة الكنائس، وزارة التخطيط الاجتماعي.

[6] جيوفاني فانتيني: المسيحية في السودان, مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية, جامعة أم درمان الأهلية، الحرم للمنتجات الورقية 1998م، ص 67.

[7] المصدر السابق, ص 257.

[8] إدارة الكنائس، وزارة التخطيط الاجتماعي.

[9] عادل توفيق عبدالنور: المشاركة السياسية للأقباط في انتخابات 1986م، ط 1, 1988م, ص 9.

[10] إدارة الكنائس، وزارة التخطيط الاجتماعي.

[11] المنصور الجعفري: المسيحية بالسودان 2, الحوار المتمدن 13/2/2013م.

[12] كمال محمد جاه الله: الوجود الكنسي في السودان وطوائفه وإمكاناته في مجال التنصير, التقرير السنوي للتنصير في إفريقيا 2009م, منظمة الدعوة الإسلامية، الخرطوم, 2010م، ص 175.

[13] المصدر السابق, ص 175.

[14] حسن مكي محمد: التنصير في العاصمة المثلثة, الدار الوطنية للطباعة والنشر, الخرطوم, 1983م, ص 16.

[15] صحيفة الانتباهة, 2 يناير, 2013م.

[16] النشرة التعريفية لمجلس الكنائس, تحت شعار نحن تحت قوة الله, ص 3.

[17] صحيفة الانتباهة, 2 يناير, 2013م.

[18] المصدر السابق.

[19] المصدر السابق.

[20] المصدر السابق.

[21] المصدر السابق.

[22] صحيفة آخر لحظة, العدد 2315, 6 فبراير 2013م.

[23] الدستور الانتقالي لجمهورية السودان سنة 2005م, ص 9.