نيجيريا.. الخارطة والبوصلة

  • 16 -7 - 2010
  • أمير سعيد

                                                                                          أمير سعيد(*)

نظرة سريعة على الخريطة السكانية التي وضعها مركز بيو للأبحاث الأمريكية للمسلمين في العالم الصادر في أكتوبر 2009م بوسعها أن تلفت انتباه أي باحث لأكبر دولتين في القارة الإفريقية من حيث الكثافة السكانية للمسلمين؛ فالدائرتان الإحصائيتان اللتان رسمها المركز الأكبر في إفريقيا كانتا من نصيب مصر ونيجيريا باعتبارهما دولتين تضمان عشرات الملايين من المسلمين على أراضيهما، ولا تكاد تنافسهما في ذلك أي دولة إفريقية أخرى بما فيها الدول العربية بشمال إفريقيا وشرقها.

وإذا كانت مصر بتاريخها الإسلامي العريق، وتجانسها الديني والعرقي والمذهبي تعد إحدى حواضر الإسلام التقليدية المعروفة؛ فإن نيجيريا تمثل مخزوناً بشرياً إسلامياً هائلاً لا يمكن تجاهله في إفريقيا، يساوي في مجمله مجموع سكان المسلمين في ثلاث دول عربية بالشمال الإفريقي، أو كتلة سكانية مقاربة لتعداد المسلمين في القرن الإفريقي كله، بمجموع سكان – وفق بيو – يتجاوز 78 مليون نسمة، يمثل نسبة مقاربة لتعداد "المسيحيين" في البلاد التي تحوي أكبر تعداد سكاني في إفريقيا برمتها.

بالتأكيد، لن نكون مضطرين لقبول الأرقام التي وفرها المركز، والتي تمثل نسبة المسلمين في نيجيريا وفقه 50,4%، وهو رقم يقل عن معطيات إسلامية أخرى تقفز

(*) نائب رئيس تحرير موقع المسلم .

بتلك النسبة إلى حجمها الحقيقي، وهو ما لا يقل عن 60% وفقاً لما أكده لي رئيس مركز البحوث العربية النيجيري، حيث يميل إلى أن الأرقام التي تتراوح نسبتها بين 65% - 75% من تعداد السكان وتتردد في الداخل الإسلامي النيجيري، ربما كان مبالغاً فيها بعض الشيء، غير أننا لا نعول كثيراً على هذه المعطيات متى ما كان المسلمون هناك بحاجة إلى

بلورة استراتيجية واعدة لتبوء مكانتهم المفترضة فيها، حيث دأبت الثقافة الإسلامية على النفاذ إلى جوهر ومضامين التأثير دون الاقتصار على شكلية المعطيات.

قد يكون من اللائق البحث خلف الأرقام الصادقة ونسبها الحقيقية حين تتوافر الإرادة الجماعية لتحريك الراكد في معادلات القوة التي يوضع المسلمون في إفريقيا عادة في أطرافها، سواء أكانوا أكثرية أم أقلية، ولدينا بلا شك أكثرية في بلدان إفريقية كثيرة لكنهم يعانون – كالأقليات – تهميشاً ممنهجاً، وحال وجود تلك الإرادة فإن مباشرة إنجاز مشروع إحصائي إسلامي عملاق يتمتع بمصداقية عالية سيكون أحد مشروعات النهضة الإسلامية في إفريقيا، ولاسيما في تلك البلدان التي تضم داخل حدودها عشرات الملايين من المسلمين كنيجيريا، مع التسليم بأن الثقافة الإسلامية التي تقدر كل فرد من أفراد الأمة الإسلامية ترتكز إلى الفاعلية وتنبذ الغثائية التي تعود بالشعوب القهقرى.

الطريق شاق إذن، لكن سلوك دروبه ليس أمراً مستحيلاً، وقد قطعت فيه بعض المؤسسات الإسلامية في نيجيريا خطوات طيبة على الأصعدة الإعلامية والتعليمية والسياسية، وعلى نحو يرتجي شيوع الفعالية، وربط نحو ثمانين مليوناً بثوابت دينها وأمتها العريضة، غير أن المأمول أكبر كثيراً من تلك الجهود المباركة؛ نظراً لوجود قوة بشرية إسلامية هائلة، ولا تبعد كثيراً عن المنطقة العربية، مهد الحضارة الإسلامية.

ويعتقد أن وضع استراتيجية جديدة لنهضة المسلمين في نيجيريا تعالج نقاط الضعف التي سمحت للقوى التي استعمرت نيجيريا أن تغزوها، ولحلفائها أن يكملوا طريق الاستغلال والهيمنة والإنهاك الحضاري لم يحدث على نحو مرضٍ، كما أن نقاط القوة التي يتوافر عليها الشعب النيجيري المسلم لم تستغل أبداً، وهنا يبدو مكمن الخلل في أي مقاربة تهدف إلى معالجة الوضع المتراجع منذ الاحتلال البريطاني لنيجيريا 1903م وحتى هذه اللحظة، وما يستتبع ذلك سيظل في نطاق التشخيص المرحلي لمحاولة رؤية الواقع.

بوسعنا أن نصف الواقع الحالي، ونحلل ما نراه فيه، لكن الأمر سيقف عند حد التوصيف دون العلاج، ما لم تتحمل القوى الوطنية الإسلامية في نيجيريا مسؤوليتها إزاء هذه الدولة، التي تبدو مرشحة لتدخل "مشرط الاستعمار" الدقيق، الذي سيسلب مسلميها بعض ما حققوه من مكتسبات متواضعة في خلال العقود الماضية، وما لم يمد المسلمون خارج حدود نيجيريا يد المساعدة لمسلميها في الجانب المعرفي والتوعوي قبل أي أمر آخر.

وبين يدي هذه الصفحات، تبدو هذه البلاد ثرية بأحداثها التي تفتح شهية الساعين وراء الخبر المثير، ولاسيما إذا تعلق الأمر بمجازر تلفت نظر العالم إليها لأيام، ثم تخطف الكاميرات الأبصار والألباب معاً إلى قضية أخرى، وهكذا، حتى تغدو صور هذه البلاد لدى العالم – ولاسيما الإسلامي – عنواناً لأعمال العنف والمجازر التي ترتكب كثيراً بحق مسلميها، وقليلاً بحق مسيحييها.

وتنصرف الأذهان عنها، لكن أنظار دوائر صنع القرار في عواصم الحرب والمال، الأمريكية والأوروبية لا تتحول عنها، ولن تفعل؛ حيث إنها تعتبر أكبر منتج نفطي في إفريقيا، وخامس أكبر مصدر نفطي للولايات المتحدة، وإحدى أيسر المناطق النفطية تأميناً في نقل هذه السلعة الاستراتيجية إلى مستودعات الولايات المتحدة الأمريكية (لعدم وجود قوى عسكرية يمكنها اعتراضها أو مضايق بحرية بطريق سير ناقلاتها)، ومن قبل هي أكبر دولة إسلامية إفريقية بعد مصر.

وفي الشهور الأخيرة، لدينا جملة من الأحداث قد تكون معبرة عن بعض ما يجري داخل المجتمع النيجيري المنقسم إلى حد كبير، لكنها ليست إلا حماً للظى بركان ربما ينفجر في توقيت غير محسوب، على الأقل لدينا نحن المسلمين، دون القوى النافذة في عظام الجسد النيجيري.

اللحظة الراهنة:

1 ـ ثمة أخبار تتعلق بمجازر، بعضها ضد مسلمين تم تقليل أعداد ضحاياها عمداً، وبعضها أشاعت الأنباء أنها ضد مسيحيين، رغم سقوط أعداد كبيرة من المسلمين من بين قتلاها.

وأخبار أخرى تتعلق بتصفية أعداد كبيرة من حركة بوكو حرام بعد عملية قامت بها السلطات الأمنية.

وثالثة ـ وفقاً لجماعة "تعاون المسلمين" النيجيرية ـ،  تتعلق بشائعات تطلقها الكنائس الإنجليكانية التي يقال إن بعضها لها علاقات مع وكالة الاستخبارات الأمريكية ، عن وجود معسكرات لتنظيم القاعدة في "طول البلاد وعرضها" – بحسب مصادر "مسيحية" -، وذلك في أعقاب اعتقال النيجيري عمر فاروق عبد المطلب المتهم بمحاولة تفجير طائرة أمريكية، ونسبة ذلك لتنظيم القاعدة.

2 ـ وهناك أخبار تتعلق بصحة الرئيس النيجيري المسلم عمر موسى يارادوا المتدهورة، واحتمال استبداله بنائبه "المسيحي" جودلاك جوناثان، الذي ينحدر من الجنوب ذي الغالبية المسيحية، وقد خلف يارادوا، سلفه "المسيحي" أولوسيجون أوباسانجو، عام 2007م بعد فترتين قضاهما أوباسانجو في الحكم، تمكن فيهما من تنشيط عمل المنظمات التنصيرية، وبذل جهداً كبيراً من أجل تهميش الغالبية المسلمة.

3 ـ وأيضاً لم تزل قضية إقليم بيافرا جنوب شرق نيجيريا ذي الغالبية "المسيحية"، الذي تسعى جماعات مسيحية إلى فصله عن نيجيريا بعد اكتشاف النفط فيه، وأضرمت بسبب ذلك حرباً أواخر ستينات القرن الماضي، أسفرت عن نحو مليون قتيل، بعد أن دعمت إسرائيل انفصاله، لكنها عادت وتراجعت بسبب انشغالها بحرب الاستنزاف التي أشعلتها مصر معها بعد هزيمة عام 1967م، ومن بالجدير الانتباه إليه أن الجزء الشرقي من نيجيريا قد ضم إليها من الكاميرون عام 1959م ـ أي قبل عام فقط من الاستقلال ـ وهو ما ساهم في صناعة بذور أزمة مكتومة في شرق البلاد.

4 ـ رفض الحزب الحاكم النيجيري تولي جودلاك جوناثان نائب الرئيس الحالي في حال غياب الرئيس المسلم يارادوا الذي ساعد مرضه معظم فترة حكمه ـ ولا يزال  مريضاً ـ على وجود حالة مثالية للنشاط الاستخباري الغربي، والكنسي على الصعيدين السياسي، والديني (الشعائري)؛ حيث نشط التنصير أكثر في الجنوب مستغلاً هشاشة الحكم. حيث يقضي نظام الحزب بأن يتناوب المسلمون في الشمال، والمسيحيين في الجنوب على رئاسة نيجيريا؛ وإذ أمضى أوباسانجو فترتي حكم، ولم يقض يارادوا إلا نحو نصف فترة؛ فإنه يتوجب أن يحل مسلم مكان يارادوا حال غيابه.

5 ـ عودة القلق إلى السوق النفطي النيجيري بعد عودة حركة تحرير دلتا النيجر إلى شن بعض الهجمات على المنشآت النفطية، بعدما كانت وافقت على وقف الهجمات والإستفادة من عفو منحه الرئيس المريض لقادتها المحكومين بقضايا تتعلق بهجمات على المنشآت والشركات النفطية في أكتوبر الماضي، ما سمح للدولة التي تعد ثامن منتج للنفط في العالم بزيادة إنتاجها اليومي إلى ما فوق مليوني برميل (مقابل 2,6 مليون برميل في اليوم مطلع 2006م) بعد انهياره إلى ما دون مليون برميل في اليوم في صيف 2009م، بسبب عنف الهجمات التي شنتها حركة تحرير دلتا النيجر على المنشآت النفطية[1].

اللحظة الراهنة تشي باحتمال تغيير نظام الحكم تحت ذريعة الطوارئ، أو على الأقل تهيئة المناخ لذلك؛ لاعتبار أن الظرف الدولي في مصلحة مسيحيي نيجيريا، وربما تؤدي "فوضى خلاقة" (على حد تعبير وزير الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس) لإحداث خرق في اتفاق التناوب العرفي على السلطة بين الأكثرية المسلمة والأقلية غير المسلمة في البلاد. أو ربما لا تعبر الحوادث الأخيرة إلا عن تطور طبيعي تستدعيه بطء الإجراءات الاحترازية لمنع وقوع حوادث العنف أو الإخفاق في التحقيق فيها، وتحقيق القصاص للمتضررين.

ومهما يكن من أمر؛ فإن أي تأويل يرجح للأحداث الأخيرة في نيجيريا إنما يأتي تعبيراً عن أزمة أوجدها الفراغ الذي تركه المسلمون سواء من النيجيريين، أم من المحيط الإقليمي، أم من الخارج عموماً.

الفراغ الاستراتيجي:

برغم التحريش بين مسلمي نيجيريا ومسيحييها؛ فإنه مما ينبغي التذكير به، أن كليهما مستغل بشكل أو بآخر من الخارج الأجنبي، وأن بقاء حوادث العنف كفيل بإفلات القوى الدولية التي جعلت ـ بنهبها للنفط النيجيري ـ، هذا البلد الذي يعد ثامن أكبر مصدري النفط في العالم، ويمتلك سابع أكبر احتياط من الغاز في العالم، وتخطط لتعزيز إمدادات الغاز بالسوق المحلية بمقدار خمسة مليارات قدم مكعبة يومياً بحلول عام 2013، جعلته  تلك القوى الدولية بلداً فقيراً برغم ثرواته التي لا تقتصر على النفط والغاز؛ حيث يعد متوسط دخل الفرد في البلاد أقل من دولار يومياً.

وإذا كان المسيحيون يحظون بامتيازات محلية، إلا أننا لابد أن نعترف أن المسلمين وغير المسلمين لا ينعمون بثروات البلاد التي نهبت بواسطة عقود نفطية جائرة، علاوة على ما يتم سرقته فعلاً من النفط النيجيري.

وهنا، لابد أن يصبح تحقيق العدالة في توزيع الثروات بالبلاد والارتقاء الاقتصادي، ومباشرة صناعة اقتصاد "وطني" مستقل، من بين أعلى سلم أوليات الأحزاب والهيئات السياسية التي تعبر عن المسلمين، والاضطلاع بمسؤولية رائدة في هذا الاتجاه بغية الوصول إلى قواسم مشتركة مع الأطراف الأخرى في البلاد. 

أما ما يتعلق بالمسلمين أنفسهم فإن عدة تحديات تبدو أمامهم بحاجة إلى تعامل واعٍ، وقدر من المسؤولية في مواجهتها، ولاسيما من قبل المؤسسات الإسلامية، والهيئات الاجتماعية، ونجمل بعضها فيما يلي:

أولاً: الاختلال الاجتماعي بينهم، وبين الطائفة "المسيحية" في البلاد، التي تهيمن على كثير من مراكز التأثير فيها، وهذا عائد بالأساس إلى الدعم الواضح التي تقدمه الدول الأوربية، والكنائس المختلفة لأتباعها، والفارق التعليمي الناشئ عن التهميش والإضعاف الممنهج، وهذا بحاجة إلى رسم خارطة جديدة للتنمية الإسلامية، العلمية والمعرفية، ولعل من الطبيعي أن يتقدم أطباء مسيحيون مثلاً لشغل فراغ لا يملؤه المسلمون في مستشفياتهم على سبيل المثال.

ثانياً: عطفاً على ما تقدم؛ فإن مهمة التنصير تبدو مأخوذة إلى هذه الدعائم المحلية والدولية، وهي قد نجحت جزئياً في التنصير في الجنوب النيجيري ذي الغالبية "المسيحية"، وأخلت بالتركيبة السكانية للبلاد التي كان فيها المسلمون يتمتعون بتفوق كاسح في تعدادهم قبل قرنين مضيا، ولكنه مما ينبغي الاعتراف به، أن الدعاة المسلمين يقومون بدور جيد على صعيد مناهضة التنصير، لكن يظل هناك تآكل واضح في ديموجرافيا الجنوب.

ثالثاً: تبدو الممارسة السياسية للمسلمين في نيجيريا على الصعيد الشعبي دون المستوى المأمول، وتحتاج إلى الإفادة من المساحة المتاحة لأنشطتهم السلمية، ويلاحظ أن الحزبين المتنافسين الكبيرين في البلاد حزب الشعب الديمقراطي الحاكم، وحزب كل النيجيريين الوطني، وهو أكبر الأحزاب المعارضة ويتزعمه المسلم محمد بخاري، لا يعبران عن المسلمين، ويبقى الأول هو الأقرب إلى جنرالات الجيش، الذين ساهم بعضهم في الإشراف على انتخابات برلمانية ورئاسية شابها تزوير على نطاق واسع.

والآن، حيث الاستحقاق الانتخابي قادم في العام 2011م تبدو الحالة السياسية شديدة الضبابية، مع الإخلال الحاصل في حظوظ مسلمي الشمال النيجيري الذين مثلهم حاكم بدأ حملة الانتخابات بإغماء، ويعاني عدة أمراض باتت معلنة الآن، علاوة على تنفيذ أوباسانجو  سياسة انحازت ضد مسلمي نيجيريا، وعملت على تهميشهم برغم أكثريتهم.

إضافة إلى عدم تمكن الغالبية المسلمة من وضع سياسة دقيقة تفضي إلى اختيار شخصيات إصلاحية مستقلة لا تعتمد على الجهوية التي يدغدغ بها المتنفذون في أبوجا أحلام البسطاء عن تبادلية الحكم بين "الشمال" و"الجنوب" دون النظر عما إذا كان الشمالي يمثلهم في الحقيقة أم لا.

  وفيما يخفق المسلمون في الالتفاف حول زعامات ذات مصداقية عالية، وحضور إسلامي قوي، تتبوأ مسؤوليتها التاريخية؛ فإن التزوير والتلاعب بحصص الدوائر الانتخابات وتعطيل البطاقات الانتخابية لن يكون وحده هو سلاح أعداء المسلمين في إبعادهم عن مراكز السيطرة في السلطة النيجيرية، وإنما سيعمل التشتت الواضح للصوت الإسلامي، وإحجام المصلحين عن الاضطلاع بمسؤوليتهم السياسية على ترجيح الكفة الغربية في فرض خياراتها[2].

رابعاً: نيجيريا كغيرها من الدول النفطية في إفريقيا – أنجولا مثلاً - تعاني من سطوة غربية تفرضها غابة الشركات النفطية متعددة الجنسيات التي تتوافر على حماية خاصة، ولاسيما في مناطق استخراج النفط، والمناطق المتاخمة لها، وتتدخل بشكل واضح في اللعبة السياسية داخل البلاد، وتثير قلاقل حالما شعرت بحاجتها إلى إحداث فوضى، لكن نيجيريا، باتت تجد الآن متسعاً في التخلص من بعض ألوان السيطرة الغربية بعد دخول الصين كلاعب رئيسي في إفريقيا، ولاسيما في الاستثمار النفطي والتنقيب، ومحطات توليد الكهرباء، وتعبيد الطرق، وغيرها، وقد يمنح ذلك نيجيريا هامشاً من الاستقلال يستطيع مسلموها أن يستفيدوا منه، إلا أن هذا التنافس المتنامي بين الولايات المتحدة والصين على أكثر من منطقة استراتيجية ولاسيما الغرب الإفريقي، ومناطق دلتا النيجر وغانا وغيرها قد يعجل بتفجير مشكلات تهدف إلى عرقلة الحضور الصيني إليها، وهو ما يتبدى في بعض الأحداث التي لا تبدو أحياناً منطقية، وبخاصة ما يتعلق بما يُسمى بالإرهاب في نيجيريا، والذي يمهد للولايات المتحدة المناخ الملائم لإبعاد المنافسين عن مناطق  وجود قواتها بدعوى ملاحقة تنظيم القاعدة الذي تردد الدوائر الأمريكية كثيراً أنباء عن وجوده في المناطق النفطية أو المضايق البحرية الاستراتيجية لأهداف أخرى لا تتعلق بـ"الإرهاب".

ومن هنا، ينبغي الانتباه إلى مشكلات كهذه وإيضاحها في المحافل الإعلامية العالمية.

خامساً: يعاني المسلمون في نيجيريا من ضعف المؤسسات الإعلامية التي تحمل صوتهم للخارج بما يتلاءم مع حجمهم وتأثيرهم اللافت في الدعوة الإسلامية في الغرب الإفريقي، لاسيما قبائل الفولاني التي شهدت أكبر تجليات مدها الإسلامي إبان الخلافة الإسلامية التي قادها الإمام عثمان بن فودي وأولاده وأحفاده في القرن تاسع العشر الميلادي.

 ومما يؤسف حقيقة، أن كثيراً من المسلمين لا يكادون يعرفون شيئاً عن هذا المخزون الإسلامي السكاني الاستراتيجي في إفريقيا، وهو الأمر الذي لا يعفى النيجيريون المسلمون منه وكذلك إخوانهم في العالم.

سادساً: التحدي الثقافي لا يقل في فداحته عن التحدي الإعلامي؛ فكما تقدم، فإن التواصل بين المسلمين النيجيريين وإخوانهم في العقيدة في العالم، وخاصة في العالم العربي، لم يزل دون المأمول، والتلاقح الفكري والمعرفي والعلمي تحت سقف الإنجاز بمراحل عديدة، ونتيجة لذلك؛ فإن آخرين بالتأكيد سيتطلعون إلى ملء هذا الفراغ الدعوي، سواء بالتنصير، أو حتى بالتمكين للفرق المشككة في ثوابت الدين الإسلامي، وهو ما يحدث بخطى حثيثة وواضحة الآن.

ناهيكم عن أن الهوة في البناء الثقافي الإسلامي في نيجيريا لم تزل متسعة، وتظل بحاجة إلى مد يد العون لها من قبل المؤسسات الإسلامية العالمية، وفي الجنوب النيجيري تبدو المشكلة أكثر تفاقماً وظهوراً مع ثقل الجهود المضادة ونجاعتها في كثير من الأحيان.

سابعاً: الجهوية والعرقية، لاشك أن الوحدة الإسلامية لمسلمي نيجيريا في الجنوب والشمال هي ضمانة قوتهم ونيل حقوقهم، وفي بلد يتكون من نحو 300 مجموعة عرقية، وتتحدث بلغات ولهجات عديدة، رسم حدوده "الاستعمار" بصورة مصطنعة لا تأخذ في اعتبارها التكوين القبلي والعرقي الممتد في كافة الجهات في محيط نيجيريا ما مثل تحدياً هائلاً فيما بعد؛ فإن العمل على ترسيخ الهوية الجامعة هو أحد آكد المهمات الدعوية المنتظرة في نيجيريا، والتي لا تقوم نجاح مهمتها دون إيلاء هذه القضية ما تستحقه من اهتمام وصدارة.

وبالعودة إلى التاريخ النيجيري (أي تاريخ المنطقة ولاسيما امبراطورية الفولاني مثلاً وما حولها)، يبدو أن أحد أهم عوامل خضوع تلك البقعة الإسلامية لسيطرة البريطانيين في القرن التاسع عشر الميلادي، هو فرقة الإمارات وعدم مركزية تحركها، وهو ما أفضى إلى استئثار الغزاة بكل إمارة على حدة دون عناء كبير، وهو ما يسترعي الانتباه، ويدعو إلى تأمل تلك الفترة؛ نظراً لأن ثمة من يريد أن تبقى تلك الحالة النموذجية التي تمكن فيها بضعة آلاف من البريطانيين (وفي بعض المعارك نحو 500 جندي بريطاني) من سحق القوات المسلمة في شهور معدودة، وهي حالة تكاد تشبه حالة الولايات النيجيرية، بل تماثلها بعض الجهود الإسلامية غير المنسقة في الداخل النيجيري.

وبالنظر إلى الحاضر، فإنه إن كان ينتظر أن تتواصل الهيئات الإسلامية الدعوية العالمية والإفريقية مع نظيرتها الإسلامية على نحو أفضل من الحاصل حالياً؛ فإنه في المقابل لابد أن يدرك النيجيريون المسلمون أن قضيتهم سيتحملون القسط الأكبر من عبئها في خضم ظروف لا تبدو في صالح الأمة الإسلامية عموماً، علاوة على أن المؤسسات الإسلامية العربية قد لا تكون أفضل حالاً في مناخ عملها من نظيراتها النيجيرية بما يعني أن الجهود المحلية يتوجب أن تكون الرائدة في صعيد النهضة الإسلامية في نيجيريا.

وأما المستقبل؛ فإن تلك المنطقة التي كانت ناهضة ـ قياساً بغيرها من المناطق الإفريقية المناظرة ـ قبل الاحتلال البرتغالي والبريطاني، وكانت صناعة الجلود وبعض الصناعات اليدوية الأخرى فيها مؤشراً لريادتها في النصف الأول من الألفية الماضية، ثم نهضتها الإسلامية المعرفية، والمصنفات التي تركها الأجداد من العلماء والمصلحين فيها، تبرهن على أن الاحتلال بتنوعه كان سبب تراجعها وتخلفها بشكل مؤقت، وهذا ما ينبغي أن يرسخه المصلحون في نيجيريا لدى عشرات ملايين المسلمين الدبن كادوا أن يفقدوا الأمل. وثمة آمال لابد أن تدفع الهيئات الإسلامية في نيجيريا إلى تحريك الراكد في هذا الاتجاه، وإلا؛ فسيظل الفراغ قائماً، وتبقى نظرية ملء الفراغ الاستراتيجية في حالتها النموذجية حاضرة في نيجيريا..

[1] - دلتا النيجر منطقة نفطية إستراتيجية تمنح نيجيريا 75% من عوائد تصديرها ومعظمها النفط، بينما لا تشكل سوى 7.5% من مساحة البلاد، ويطالب سكانها بتوزيع عادل للثروة في البلاد، وتقطنها أكثرية مسلمة وأقلية "مسيحية" كبيرة.

- [2]  أعربت واشنطن عن رضاها عن نتائج انتخابات 2007م برغم ما اعتراها من تزوير.