مفاهيم يجب أن تصحّح حول تعليم اللغة العربية في نيجيريا

  • 25 -10 - 2013
  • علي أبولاجي عبد الرزاق

علي أبولاجي عبدالرزاق 

من مستلزمات تقدّم الحياة عند أي مجتمع بشري تكوين مجموعة من المفاهيم والتصوّرات النمطية عن ظواهر الحياة المختلفة، بغضِّ النظر عن مدى صحّة هذه المفاهيم والتصوّرات أو خطئها، ولعلّ ظاهرة تعليم اللغة العربية في المجتمع النيجيري ليست بدعاً من هذه الظواهر الحياتية التي كوّن عنها المعنيّون من أفراد المجتمع النيجيري مفاهيم مختلفة.

عليه؛ فإنَّ هذه المقالة تسعى لتسليط الضوء على بعض هذه المفاهيم؛ بغية تقويم المعوجّ منها على ضوء ما أسفرت عنه تجربة الباحث المتواضعة في ميدان تعليم اللغة العربية في مختلف مناطق البلاد، وعلى ذلك ستدور محاور المقالة على مناقشة ما تيسّر للباحث ضبطه من هذه المفاهيم المترامية الأبعاد، وعلى الله قصد السبيل.

(1) التعليم العربي في الكتاتيب:

أوّل ما حطّت اللغة العربية فيه رحالها في نيجيريا كانت الكتاتيب بأشكالها المختلفة، من حلقات في المساجد ودهاليز بيوت المشايخ وتحت ظلال الأشجار الوارفة وأجنحة خاصة في قصور بعض الأمراء والزعماء المسلمين[1]، فهي الحاضنة الأولى لتعليم اللغة العربية، وهكذا الشأن في غير نيجيريا من بلدان العالم الإسلامي التي دخلها الإسلام مصحوباً باللغة العربية[2].

لم تأل هذه الكتاتيب جهداً في إمداد الأمّة بجهابذة العلماء والمشايخ الذين يقودونها في أمور دينها ودنياها في بدء الأمر، ففي حضنها تخرّج رواد الدولة الإسلامية وقادتها في نيجيريا، أمثال الشيخ عثمان بن فوديو وأخيه الشيخ عبدالله بن فوديو وغيرهما، ثم تغيّر الحال فاقتصر دور الكتاتيب على تخريج رجال الدين الذين لم يعد لهم نفوذ في سياسة الشعب وتسيير أموره، وذلك بعد دخول الاستعمار البريطاني مستصحباً معه أو ممهداً لنفسه بالتبشير الصليبي الذي جعل التعليم الغربي الجديد إحدى أدواته في تنصير أبناء الشعب النيجيري المسلم وغير المسلم.

(1 – 1) تقلّص نفوذ خرّيجي الكتاتيب بين المشيئة الإلهية والمؤامرة الاستعمارية:

من المفاهيم الشائعة لدى بعض الدارسين أن الاستعمار البريطاني بمؤامراته المستمرّة ودسائسه الخبيثة هو العامل الأساسي أو الوحيد وراء تقلّص نفوذ خرّيجي الكتاتيب في سياسة الدولة، حيث يزعمون أن سقوط الدولة الإسلامية ومن ثمّ انحصار سلطة رجال الدين لم يكن ليكون لولا استهداف الاستعمار البريطاني لهذا الدين الحنيف.

لا يُنْكَر صحة بعض جوانب الدعوى السابقة، لكن الإشكال يكمن في عدّها العامل الأساسي أو الوحيد في الأمر، فهل نيجيريا الحديثة بكاملها كانت مسلمة حين دخول الاستعمار البريطاني؟ إذا كان الجواب لا، فَلِمَ لم يختلف الأمر في شمال البلاد – حيث سيطرة الدولة الإسلامية - عنه في جنوب البلاد وشرقها - حيث انتشار الوثنية بأصنافها المختلفة -، فكما سقطت دولة رجال الدين الإسلامي في الشمال سقطت دولة زعماء الوثنية في الجنوب والشرق.

نكاد  ألا نجد مسوّغاً مقنعاً للنظام الذي لا تزال بعض الجامعات النيجيرية تسير عليه، حيث تفرض على طلاب الدراسات العربية كتابة بحوثهم الجامعية باللغة الإنجليزية!

من هنا يعتقد الباحث أن المسألة أقرب إلى سنّة الله في الكون منها إلى المؤامرة الاستعمارية، فقد كانت الكتاتيب الإسلامية في مدن الشمال المنضوية تحت لواء الدولة الإسلامية بعلومها النقليّة والعقليّة المتوافرة آنذاك تخرّج علماء أكفاء في تسيير شؤون البلاد الدينية منها والدنيوية، تماماً كما أن مدارس الكهانة والعرافة والشعوذة في الجنوب - إن صح إطلاق لفظ المدارس في هذه الحالة - تخرّج ما تقتضيه حاجات الشعوب من القادة الدينيين والدنيويين وفق الأوضاع الثقافية والحضارية التي تعيش فيها شعوب هذه المدن النيجيرية في تلك المرحلة التاريخية، فإذا كان الإسلام ديناً ودولة لدى مسلمي الشمال، فالوثنية هي الأخرى كانت ديناً ودولة لدى وثنيي الجنوب والشرق - إن صحّ التعبير عن معتقداتهم الوثنية بلفظ الدين تجاوزاً -، أليس تولية الملوك وتعيين الزعماء لدى وثنيي الجنوب والشرق تتم بعد استشارة رجال الدين الوثنيين وموافقتهم؟! إضافة إلى أن من المواصفات اللازمة لمن يتربّع على عرش الحكم لدى الوثنيين أن يتضلع في الشعوذة إلى أقصى درجة ممكنة.

وبعد دخول الاستعمار البريطاني بحضارته العلمانية التي تفصل بين الدين والدولة كان لا بدّ أن يتقلّص نفوذ رجال الدين المسلمين في الشمال وفي غيره على السَّواء، كلّ ما في الأمر أن سقوط دولة رجال الدين كان حتمية كونية تابعة للحضارة الغربية ذات الطبيعة العلمانية التي تؤمن بالمقولة الباطلة «أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله»، وبعبارة أخرى؛ لم يُسقط الاستعمارُ البريطاني الدولةَ الإسلامية، ولم يقض على نفوذ الكتاتيب بسبب انتمائها إلى الإسلام، بل بسبب انتمائها إلى السلطة الدينية التي تعدّ أكبر أعداء الحضارة الغربية العلمانية التي يروّج لها الاستعمار الأوروبي برمّته بريطانياً أو فرنسياً أو برتغالياً أو غير ذلك، حيث لم يثبت أن المستعمرين في مرّة من المرّات حاولوا فرض دينهم على أحد وإن كانوا يعرضونه على الناس بشتّى المغريات، ولعلّ بقاء الكتاتيب واستمرار المسلمين في ممارسة شؤونهم الدينية، بل حتى إدخال بعض المواد الإسلامية في مقرّرات المدارس الحكومية، وإرسال البعثات التعليمية إلى الدول الإسلامية إبّان فترة الاستعمار البريطاني في شمال نيجيريا، أبرز دليل على هذا القول.

خلاصة ما في الأمر أن للاستعمار البريطاني دوره غير المباشر في القضاء على الكتاتيب، لكن العامل الأساسي يعود إلى عدم تلبية مخرجات الكتاتيب لحاجات الشعوب المعاصرة[3]، فالتفكير في طرق الإصلاح وملاءمة العصر أفضل من تعليق مشكلاتنا على مشاجب الاستعمار البريطاني الذي قد أتى وانجلى منذ أكثر من نصف قرن من الزمن.

(2) التعليم العربي في المدارس العربية النظامية بين العشوائية والمهنية:

قد يتبادر إلى أذهان بعض الناس أن التعليم العربي في الكتاتيب عشوائي، وأنه في المدارس العربية النظامية منظّم كاسمه ومتّسم بالمهنية، لكن هذا التصوّر غير صحيح في كثير من جوانبه، فالمشايخ لم يُقيموا نظام الكتاتيب في البلاد عشوائياً، بل العكس كان لهم منهج واضح يسيرون عليه في تعليم تلاميذهم اللغة العربية والمواد الإسلامية المختلفة، وهذا المنهج وإن لم يعد صالحاً لتلبية المتطلبات الراهنة حقّق الأهداف التي وُضع من أجلها ولم يزل يحقّقها إلى اليوم مع بعض التحفّظات، لكن أكثر المدارس العربية التي اصطُلح على تسميتها باسم «النظامية» ظلّت تتّسم بالفوضى والعشوائية وعدم المهنية في كثير من شؤونها.

(2 - 1) فوضى تأسيس المدارس:

لعل من أبرز مظاهر الفوضى والعشوائية في أكثر هذه المدارس التي يُزعم أنها «نظامية» كون كلّ من هبّ ودبّ يستطيع إنشاء مدرسة من هذا القبيل بغضِّ النظر عن مدى تمتّعه بالمواصفات المهنية والمؤهلات العلمية للمدير الناجح، مع أن إنشاء المدرسة من قِبَل مَنْ لا خبرة له بشؤون الإدارة المدرسية ليس عيباً في حدّ ذاته إذا كان يكتفي بدور المؤسّس ويسند أمور الإدارة إلى المؤهلين علمياً ومهنياً للقيام بها، لكن مسألة توريث المدرسة للأبناء كثيراً ما يحول دون القيام بهذه الخطوة الأخيرة، فمن هنا لا ندري هل الأهداف من وراء إنشاء هذه المدارس النظامية العشوائية دينية جماعية أو تجارية فردية؟

(2 - 2) ضبابية أهداف المدارس العربية النظامية:

من أبرز مظاهر عشوائية أكثر المدارس العربية النظامية التي تحتاج إلى التصحيح أيضاً عدم وضوح أهدافها، الأمر الذي جعل هذه المدارس تخبط خبط عشواء في مختلف المناهج المستوردة من الدول العربية[4]، ما بين مدرسة تسير على المنهج الأزهري وأخرى تطبّق المنهج السعودي، فكأني بمديري هذه المدارس قد نسوا أو تناسوا أنهم يخرّجون التلاميذ ليعيشوا عيشة كريمة في المجتمع النيجيري بالدرجة الأولى قبل التفكير في إعدادهم للالتحاق بهذه الجامعة العربية أو تلك، فكأن القبول في الجامعات العربية هدف في حدّ ذاته وليس مجرد وسيلة كغيرها من وسائل السعادة الدنيوية والأخروية.

من هنا ندعو إلى وضع أهداف مدارسنا العربية النظامية وتوضيحها من منطلق أهداف التعليم للدولة بشكل عام، ثم وضع مقرّرات خاصة بأبنائنا تعبّر عن ثقافة نيجيريا وتنطلق من ثوابتها القومية[5]، فكون مدارسنا عربية إسلامية لا ينبغي أن يعمينا عن أدوارنا بوصفنا مواطنين في هذا الوطن لنا وعلينا ما لغيرنا وعليهم من الحقوق والواجبات، أضف إلى ذلك كلّه أن المناهج المستوردة المشار إليها أعلاه وُضعت لأبناء العرب الذين تعدّ اللغة العربية اللغة الأمّ أو لغة أولى عندهم، ونحن في نيجيريا ندرس اللغة العربية بوصفها لغة أجنبية، وشتّان ما بين طريقتي تدريس هذه وتلك.

(2 - 3) عشوائية توظيف المعلمين:

من نتائج غياب المهنية في التعليم العربي بأكثر المدارس النظامية الاعتقاد الخاطئ بأن كلّ من تعلّم العربية والدراسات الإسلامية يصلح بالضرورة معلّماً في مجال التعليم العربي، بغضِّ النظر عن مدى استعداده الفطري وخبرته المهنية في مجال التعليم، فلو كان الأمر كما زعم هؤلاء لما كانت هناك حاجة لإنشاء كليات المعلمين وكليات التربية بتخصّصاتها المتعدّدة، إضافة إلى معاهد خاصة في إعداد معلمي اللغة العربية وتدريبهم، فأنّى لأي معلّم لم يجتز كلية المعلمين أو كلية التربية ولم يخضع لبرنامج إعداد المعلمين أو تدريبهم، أنّى له أن يدرك الفرق بين طرق تعليم اللغة الأولى وطرق تعليم اللغة الثانية أو الأجنبية؟ ومن له بإدراك أن المقرّر الصالح لبيئة ما لا يصلح بالضرورة لبيئة أخرى؟ إلى آخر ما هنالك من القضايا المتعلّقة بتعليم اللغة العربية مما لا يدركه غير الخبراء التربويين في مجال تعليم اللغة.

(3) تصحيح مفاهيم شائعة بشأن اللغة العربية وطرق تعليمها:

مما لا يكاد يدع مجالاً للشك أن اللغة العربية حيك حولها في نيجيريا ما لم يحك حول اللغات الأجنبية الأخرى من الحكايات الخرافية والمفاهيم المغلوطة، سواء من المعنيين بشأنها أو البعيدين عن اختصاصاتها، وسنتعرّض لتصحيح بعض هذه المفاهيم المغلوطة في المحاور الآتية:

(3 - 1) اللغة العربية بين الدين والحياة:

لعلّنا لا نبالغ إذا زعمنا أن أعقد إشكالية تواجهها اللغة العربية في مختلف دول العالم الإسلامي غير العربية بما فيها نيجيريا هي إشكالية التردد بين اعتبارها لغة كلاسيكية تُمارَس بها الشعائر الدينية الإسلامية شأن اللاتينية[6] والسنسكريتية والعبرانية القديمة وغيرها، وبين اعتبارها لغة معاصرة ودولية شأن الإنجليزية والفرنسية والإسبانية وغيرها.

الحقيقة أن اللغة العربية تصلح لكلا الاعتبارين، وتزول الإشكالية بمجرّد ما يحدّد الدارس هدفه وبأي الاعتبارين السابقين يريد تعلّم اللغة العربية، وهو الأمر الذي لا يزال الكثيرون يتخبطون فيه إلى اليوم، ابتداءً من مستوى التعليم العام إلى مستوى التعليم العالي، ولعلّ من الأولى في هذا الصدد تسليط بعض الأضواء على مظاهر التخبط في تحديد أي الاعتبارين تتعلّم العربية من أجله في نيجيريا بالرغم من أهمية هذا التحديد.

أولاً: في مراحل التعليم العام:

لا شك أن المتوقّع من مدارس التعليم العام إعداد التلاميذ بشكل يؤهّله مبدئياً لاختيار واحد من البدائل التخصّصية المتعدّدة في مراحل التعليم الجامعي، فخرّيج القسم العلمي في المرحلة الثانوية مثلاً أمامه بدائل تخصّصية مختلفة، مثل الطب والهندسة والزراعة والبيولوجيا وعلوم الكمبيوتر وغيرها، كما أن خرّيج القسم التجاري يصلح مبدئياً للتخصّص في الاقتصاد والمحاسبة والعلوم الإدارية وغير ذلك، وخريج القسم الأدبي يتوقّع منه التخصّص في اللغة أو القانون أو التاريخ أو غير ذلك، فإذا صحَّ ما أثبتنا في الفقرة السابقة من أن اللغة العربية تصلح للدراسة بأحد الاعتبارين؛ فإنّ القيام بمسح عشوائي لمحتويات مقرّرات المدارس العربية النظامية في نيجيريا يكشف لنا أن هذه المقرّرات تنصبّ في صالح تعليم اللغة العربية باعتبارها لغة كلاسيكية، يكاد دورها ينحصر في إطار خدمة الدراسات الإسلامية وحسن التعامل مع الكتب التراثية، ومن أوضح الأدلة على ذلك تركيز محتويات هذه المقرّرات على ما يُطلق عليه في علم اللغة الاجتماعي (فصحى التراث)، سواء في ذلك المقرّرات اللغوية من نحو وصرف وأدب وبلاغة ومطالعة وإنشاء.. إلخ، والمقرّرات غير اللغوية من فقه وحديث وتوحيد وسيرة وتاريخ وأصول فقه ومصطلح حديث.. إلخ؛ مما يجعل خرّيجي هذه المدارس في الغالب يمتلكون رصيداً لغوياً ثريّاً في المفردات التراثية، ويفتقرون في الوقت نفسه إلى الحدّ الأدنى من مفردات الحياة اليومية، ولم يكن ذلك ليكون لو أتيح المجال لبعض المقرّرات التي من شأنها تزويد التلاميذ بمفردات العربية المعاصرة وتراكيبها، مثل اتخاذ بعض القصص والروايات العربية المعاصرة مقرّرات في مادتي القراءة والمطالعة، والتخلّي عن التركيز المفرط في الشعر في مادة النصوص الأدبية؛ فهناك أجناس أدبية أخرى لا تقلّ أهمية عن جنس الشعر وخصوصاً في إطار اعتبار العربية لغة معاصرة ودولية تصلح للممارسات اليومية شأن الإنجليزية والفرنسية، مثل أجناس النثر الفني والقصة والرواية والمسرحية.

أكثر المدارس العربية التي اصطُلح على تسميتها باسم «النظامية» ظلّت تتّسم بالفوضى والعشوائية وعدم المهنية في كثير من شؤونها

ثانياً: في مراحل التعليم الجامعي:

لقد أثبتنا سابقاً أن اللغة العربية تصلح لاعتبارها لغة كلاسيكية توظّف لخدمة الإسلام، كما يمكن اعتبارها لغة حية تُمارس بها شؤون الحياة اليومية، ولعلّ هذه الفكرة كانت حاضرة في أذهان الرعيل الأول من واضعي مناهج أقسام الدراسات العربية والإسلامية فجمعوا القسمين معاً، كما هو النظام في بعض الجامعات، مثل جامعة إبادن وفي جامعة ولاية كوغي بأنيغبا حالياً، بهدف دراسة اللغة العربية بالاعتبار الأول، ولعلّ الذين جعلوا العربية وحدة في أقسام اللغات الإفريقية أو اللغات الأجنبية كما في جامعة أحمد بللو بزاريا (بالرغم من أن في هذه الجامعة قسماً مستقلاً للغة العربية)، أو في أقسام اللسانيات واللغات كما هو المعمول به في جامعة ولاية نسراوا بكيفي، لعلهم أرادوا بذلك تحقيق أهداف دراسة اللغة العربية بالاعتبار الثاني.

لكن  يبدو – والله أعلم - أن محتويات مقرّرات هذه الأقسام في الوضع الراهن لا تعبّر تعبيراً دقيقاً عن أهداف هذا الاعتبار أو ذاك؛ فالذين جمعوا اللغة العربية والدراسات الإسلامية تحت مظلة قسم واحد (هو قسم الدراسات العربية والإسلامية) قد انحرفوا عن سبل تحقيق أهدافهم بتقسيم القسم إلى وحدتي اللغة العربية وآدابها من جانب والدراسات الإسلامية من جانب آخر، على أن هذا التقسيم لا بأس به في حدّ ذاته لو تركوه إلى مرحلتي الدراسات العليا ليتخصص الطالب في وحدة اللغة العربية وآدابها أو وحدة الدراسات الإسلامية[7].

وإذا زعم أحد أن الدراسات العربية قد توسعتْ آفاقها اليوم أكثر من ذي قبل مما يجعل الحاجة ماسّة إلى التخصّص فيها من مرحلة البكالوريوس، فواقع المقرّرات في هذه الأقسام يكذّب هذا الزعم، فأغلب مقرّرات مرحلة البكالوريوس هي نفسها المقرّرة في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، فكم من هذه الأقسام تدرس مقرّرات من قبيل اللسانيات الحديثة وتحليل الخطاب والأسلوبية ولسانيات النص والتداولية وغيرها من العلوم اللغوية الحديثة، إضافة إلى أن محتويات هذه المقرّرات لا تزال تخدم «فصحى التراث» فقط، ولا تكاد تعير العربية المعاصرة عناية كافية، ومن ثم فهي إلى خدمة الدراسات الإسلامية أقرب منها إلى خدمة العربية بوصفها لغة حيّة ومعاصرة.

وفي هذه الحالة؛ فمثل خرّيجي أمثال هذه الأقسام مثل المنبتّ الذي لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، فلا الدراسات الإسلامية خدموا بعربيتهم الكلاسيكية التراثية التي لم تنتج لنا إلى اليوم في الغالب أكثر من ناظمي الأشعار بغثِّها وسمينها، فكأني بالدراسات العربية في نيجيريا لا شأن لها غير الشعر قرضاً ودراسة وتحليلاً، ولا العربية المعاصرة أتقنوا ليثبتوا للناس أنها لغة حيّة ومعاصرة لا تقلّ شأناً عن نظائرها الإنجليزية والفرنسية والألمانية.

أما الجامعات التي تدرس العربية فيها تحت مظلة أقسام اللسانيات واللغات، أو أقسام اللغات الإفريقية أو الأجنبية، فالواقع يشهد أن مقرّراتها العربية تكاد ألا تبعد عن محتويات نظائرها في أقسام الدراسات العربية والإسلامية، فأنّى لهذه الجامعات والحالة هذه أن تحقّق الأهداف المتوخّاة من دراسة العربية بوصفها لغة حيّة معاصرة لا لغة كلاسيكية!

(3 - 2) توهّم صعوبة اللغة العربية:

من الأوهام ما بلغ من الشيوع درجةً تقرّبها من الحقائق، ولعلّ هذا هو الشأن في توهّم الناس صعوبة خاصة وربما خرافية في اللغة العربية، الحقيقة حسب معطيات الدراسات اللغوية الحديثة أنه ليست هناك لغة صعبة بطبيعتها أو سهلة، فمردّ الصعوبة أو السهولة إلى عوامل[8] لا علاقة لها باللغة نفسها، ومن أبرز هذه العوامل ما سيأتي.

(3 - 3) اللغة العربية والمهارات اللغوية الأربع:

أجمع المختصون في مجال تعليم اللغات على أن المهارات الأساسية في كلّ لغة بشرية متقدّمة هي مهارات الاستماع والتحدّث والقراءة والكتابة، وعلى أن هذه المهارات الأربع لا تكتسب بدرجة واحدة من الصعوبة أو السهولة، فترتيبها من حيث السهولة والأولوية بالنّسبة للّغات الحيّة والمعاصرة هو: الاستماع فالتحدّث فالقراءة فالكتابة، وبالنسبة للغات الكلاسيكية فترتيبها من حيث السهولة والأولوية هو: القراءة فالكتابة فالاستماع فالتحدث.

وإذا فحصنا واقع مخرجات التعليم العربي بمستوييه (التعليم العام والتعليم الجامعي)؛ فالحاصل أن التركيز كلّه كان في مهارتي القراءة والكتابة باخساً حق مهارتي الاستماع والتحدّث[9]، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على أن التعليم العربي في نيجيريا يعامل اللغة العربية في الغالب باعتبارها لغة كلاسيكية قديمة لا علاقة لها بالحياة المعاصرة، ولعلّ ذلك هو ما جعل الإنتاج الأدبي في نيجيريا إلى اليوم يكاد ينحصر في الشعر العمودي، وإن كانت هناك في الآونة الأخيرة محاولات شحيحة وخجولة في كتابة القصص والروايات والمسرحيات؛ لأن هذه الفنون الأدبية الأخيرة تتطلب إلماماً عميقاً بمفردات الحياة اليومية، وهذا ما لم تحقّقه مناهج التعليم العربي في نيجيريا إلى اليوم.

هذا، ومما لا ينبغي إغفاله في هذا الصدد أن مهارتي الاستماع والتحدّث لا يمكن تحقيقهما داخل جدران الفصل[10]، فعن طريق الممارسات اليومية للغة العربية تتهيأ بيئة اصطناعية - على الأقل - لممارسة التلاميذ لهذه اللغة، تساعدهم على اكتساب أكبر ما يمكن من الطلاقة فيها استماعاً وتحدّثاً[11].

(3 - 4) اللغة العربية بين تعليم اللغة والتعليم عن اللغة[12]:

من المفارقات العجيبة في التعليم العربي الراهن في نيجيريا أن أكثر المدارس العربية التي يتوقّع منها تعليم اللغة ينصب تركيزها أكثر على التعليم عن اللغة، وذلك بسبب تركيزها المفرط في مقرّرات نظرية تعلّم قواعد اللغة العربية أكثر مما تعلّم ممارسة العربية نفسها، مثل النحو والصرف والبلاغة وقواعد الإملاء والتجويد.

على أننا لا نقلّل من شأن هذه المقرّرات في حدّ ذاتها، فمحتوياتها ذات أهمية كبيرة لطلاب مرحلة التعليم العام، لكن المقترح - حسب رؤية كاتب هذه المقالة - أن يتم تدريس هذه المقرّرات تطبيقياً من خلال مقرّرات أخرى، فليست هناك حاجة ماسّة لتخصيص حصص مستقلة لمادة البلاغة، فلمَ لا تضاف حصصها إلى حصص النصوص الأدبية مثلاً؟! فلا شك أن المدرّس الجيّد للنصوص الأدبية لا يقوم بتحليل النصوص دون أن يعرّج على الصور البلاغية، ومن ثم يتم تدريس البلاغة تطبيقياً لا نظرياً، إضافة إلى أن طبيعة علم البلاغة فيما يبدو غير خاضعة للتقعيد في المرحلة الثانوية، وإن كان لا بدّ من الدراسة النظرية للبلاغة، أليس من الأولى تأجيل ذلك إلى حين التخصّص في المرحلة الجامعية؟!

ومما يُستأنس به في هذا الصدد أن مقرّرات إسلامية نظرية، مثل أصول الفقه ومصطلح الحديث وعلوم القرآن، من الممكن دراستها تطبيقياً من خلال مقرّرات الفقه والحديث والتفسير بطريقة تطبيقية في المرحلة الثانوية.

أما مقرّرات النحو والصرف والإملاء فعلى الرغم من الحاجة إلى تخصيصها بحصص خاصة فإنه ينبغي عدم الإفراط في ذلك، بل يجب إتاحة أكثر الحصص لمقرّرات الإنشاء والتعبير والقراءة والمطالعة، حيث إن المدرّس الجيّد لهذه المقرّرات سيقوم حتماً بتدريس النحو والصرف والإملاء بطريقة تطبيقية.

(3 - 5) مناهج اللغة العربية في الجامعات بين المبتدئين والمتقدمين:

كان قسم الدراسات العربية والإسلامية في جامعة إبادن لفترة معيّنة من الزمن، ولمقتضى ظروف لا تزال قائمة إلى اليوم، يعمل بمنهجين، أطلق على أحدهما «المنهج أ» للمتقدمين، وعلى الآخر «المنهج ب» للمبتدئين، فتضمّن المنهج الأول من المحتويات ما يتلاءم مع مستوى الطلاب الذين عندهم خلفية لا بأس بها في اللغة العربية، واشتمل المنهج الآخر على ما يناسب مستوى المبتدئين الذين لم يسبق لهم دراسة اللغة العربية، فنجح هذا المنهج وذاك في تلك الفترة أيما نجاح.

ثم حالتْ أحوال لا مجال لتفصيلها هنا، فتوقّف العمل بالنظام السابق بالرغم من أن الظروف التي اقتضت إنشاءه لا تزال قائمة (وربما لن تزال)، ولعلّ التلفيق بين المنهجين السابقين هو العامل وراء ما يجري في النظام الراهن من اشتمال المقرّرات على محتويات لا مسوّغ لوجودها لولا تلبية حاجات المبتدئين، ومحتويات أخرى لا يفهمها غير المتقدمين في دراسة العربية قبل الالتحاق بالجامعة، وفي هذه الحالة التلفيقية تضيع أوقات المتقدمين سدى عند النزول إلى مستوى المبتدئين، ولا يكاد هؤلاء يستفيدون شيئاً عند الارتقاء إلى مستوى المتقدمين.

ولعلّ الأفضل في هذه الحالة العودة إلى نظام جامعة إبادن السابق مع تعديل طفيف، وهو أن يكون «المنهج ب» للطلاب الدارسين في التخصّصات الأخرى ممن اقتضت تخصّصاتهم معرفة شيء من العربية، وفي هذه الحالة يجب تأليف كتب خاصة تتلاءم مع مستوى هؤلاء الطلاب وطبيعة تخصّصاتهم المختلفة.

(3 - 6) الدراسات العربية في الجامعات والإنتاجات المحليّة:

لا يخفى على أحد أن القرون التي عاشت فيها اللغة العربية في نيجيريا قد أنتجت جهابذة من العلماء الفحول الذين لا يقلّون قدراً عن نظرائهم العرب قديماً وحديثاً، وأن هؤلاء العلماء القدامى منهم والمعاصرين لهم من المؤلفات العلمية والإنتاجات الأدبية ما يستحق أن يُكتب بماء الذهب قيمة ومكانة، الأمر الذي حتّم على واضعي مناهج التعليم العربي في نيجيريا تضمين بعض هذه المؤلفات والإنتاجات في مقرّرات التعليم العربي في مستويي التعليم العام والتعليم الجامعي، ولا شك أن لهذا الصنيع مسوّغه التربوي والعلمي والقومي.

ومما يثير القلق في هذا الصدد أن دارسي العربية في نيجيريا اليوم أصبحوا يغالون ويفرطون في تبجيل بعض الإنتاجات المحلية ومنحها أكثر مما تستحق، إما بدعوى العصبية القبلية أو القومية أو غير ذلك، فصارت هناك مقالات في المجلات العلمية ورسائل جامعية عن بعض الإنتاجات المحلية التي لا ترتقي إلى مستوى ما يستحق النظر فضلاً عن تخصيصه بدراسة أدبية تُنال بها درجات علمية، والأدهى والأمرّ في الأمر أن بعض الدكاترة بلغ بهم الغرور أن صاروا لا يقرّرون على طلابهم غير الإنتاجات المحلية في مقرّرات ذات طبيعة إبداعية وتطبيقية، مثل القصص والروايات والمسرحيات.

لا نغضّ بهذا من قدر الإنتاجات المحلية التي لا شك أن منها الغثّ والسمين، لكن الذي ننكره في هذا الصدد هو تضييق نطاق الدراسات والبحوث على طلابنا، فبدل تقييدهم بإطار الإنتاجات المحلية التي تدمّر بعضها العربية بركاكتها أكثر مما تطوّرها؛ يلزم إطلاعهم على عيون إنتاجات علماء الأقطار العربية وأدبائهم، فتتسع أمامهم آفاق الدراسات والبحوث، وترتقي أساليبهم في التعبير.

(3 - 7) الأدب العربي في نيجيريا أو الأدب النيجيري في اللغة العربية:

مما يكثر حوله الجدل في أوساط دارسي العربية إشكالية المصطلح الملائم للإنتاجات الأدبية المكتوبة باللغة العربية في نيجيريا، فقد شاع بين الكثيرين تسميته باسم «الأدب العربي النيجيري»، ويبدو أن الحجة الوحيدة لدى هذه الفئة أن كلّ ما أُنتج بالعربية فهو عربي، وهم بذلك أعطوا لعامل اللغة التي أنتج بها الأدب حجماً أكبر ممّا للعوامل الأخرى، مثل عوامل الثقافة والبيئة والدين والقومية والقبلية وغير ذلك، أما الذين يذهبون إلى إطلاق مصطلح «الأدب النيجيري في اللغة العربية»، فيبدو أن مستندهم في ذلك هو أن اللغة التي أُنتج بها الأدب إن هي إلا عامل واحد من بين الكثير من العوامل التي تطبع الأدب بطابع خاص، وهذه العوامل غير اللغوية (مثل الثقافة والبيئة والدين والقومية والقبلية وغيرها) ترجّح كافة إطلاقهم مصطلح «الأدب النيجيري في اللغة العربية»[13] على الإنتاجات الأدبية في نيجيريا.

الجامعات التي تدرس العربية تحت مظلة أقسام اللسانيات واللغات، أو أقسام اللغات الإفريقية أو الأجنبية، أنّى لها أن تحقّق الأهداف المتوخّاة من دراسة العربية بوصفها لغة حيّة معاصرة لا لغة كلاسيكية

هذا، ومما يؤيّد هذا المذهب ما شاع في أدبيات الدراسات الإنجليزية من التفريق بين الأدب الإنجليزي English Literature والأدب في الإنجليزية Literature in English[14]، حيث يُقصد بالمصطلح الأول ما أنتجته الشعوب الناطقة باللغة الإنجليزية بوصفها اللغة الأمّ، وبالثاني إنتاجات الأمم غير الناطقة باللغة الإنجليزية، مثل الدول الإفريقية الناطقة بالإنجليزية بوصفها لغة ثانية.

وعلى الرغم من أن كاتب المقالة يميل إلى رأي الفئة القائلة بمصطلح «الأدب النيجيري في اللغة العربية» من ناحية؛ فإن في النفس شيئاً تجاه الوضع الذي لا تزال الإنتاجات الأدبية بالعربية تعيش فيه إلى اليوم في نيجيريا مقارنة بنظائرها المنتجة بالإنجليزية، حيث يبدو أن الإنتاجات بالعربية في الأغلب لم تصل بعد إلى مستوى التعبير عن آلام الأمّة وآمالها شأن الأدب في كلّ أمة، فكأن محاكاة الأدب العربي (الشعر منه خاصة) هي السمة الغالبة على أغلب هذه الإنتاجات، الأمر الذي قلّل من صدقها الفنّي، فما أكثر المتأدبين إلى جانب الأدباء المطبوعين، أو قل ما أكثر المتشاعرين إذا قارنتهم بالشعراء الموهوبين.

أضف إلى ذلك أن فنون القصة والرواية والمسرحية التي تتمتع بأعلى شعبية بين الأمم اليوم، والتي ضربت فيها الإنتاجات الأدبية باللغة الإنجليزية بأسهمها في نيجيريا منذ عقود من الزمن، لا يزال الأدباء باللغة العربية يَحْبُون فيها حبْواً، ولا يخفى أن هذه الفنون الأخيرة أقدر على التعبير عن الطوابع المحلية من الشعر العمودي التقليدي[15].

ومن هنا يصعب البتّ بصلاحية إطلاق مصطلح «الأدب النيجيري في اللغة العربية» على هذه الإنتاجات مقارنة بنظائرها الإنجليزية، ومن ثم نقترح تسميتها باسم «الأدب العربي النيجيري» لا «الأدب العربي في نيجيريا»؛ ريثما ترتقي إلى مستوى أداء وظيفتها في التعبير عن الخصوصيات المحلية النيجيرية شأن أعمال وولي شوينكا وتشينو أتشيبي وإيموس توتوأولا، وغيرهم من منتجي الأدب النيجيري باللغة الإنجليزية.

ولعلّي لا أبالغ إذا قلت باستحالة وصول الأدب المنتج بالعربية في نيجيريا إلى هذه الدرجة ما لم ترتق العربية إلى درجة أن تصبح لغة تُمارس بها الشؤون اليومية، فتصطبغ بالطابع المحلي شأن الإنجليزية، وأنّى لها ذلك في ظلّ الظروف الراهنة؟!

(3 - 8) أهمية اللغة الإنجليزية للدراسات العربية:

لا أحد ينكر اليوم ما للغة الإنجليزية من قيمة ثقافية وعلمية أو مكانة اجتماعية وسياسية على مستوى العالم، وفي نيجيريا بوجه خاص لا يصنّف الإنسان في عداد المثقفين دون هذه اللغة، إضافة إلى أن التمكّن في أي مجال من المجالات العلمية اليوم لا يستغني عن الاطلاع على المصادر الإنجليزية، كلّ هذه حقائق لا ينكرها إلا مكابر جاحد، أما أن يصل الأمر إلى مستوى التضحية بالمتطلبات الخاصة بالتخصّص فهذا ما نلاحظه اليوم في مجال الدراسات العربية.

فإذا كان مقبولاً من المتخصّص في الدراسات الإسلامية أن يكتب بحوثه الجامعية ومقالاته العلمية باللغة الإنجليزية بحكم أن القدر الضروري له من العربية هو مهارة القراءة والفهم، حيث إنه إذا أتقن التعامل مع أمهات الكتب في الدراسات الإسلامية قراءة وفهماً[16]، فذلك يغنيه عن مهارات الاستماع والمحادثة والكتابة باللغة العربية التي لا يفهمها كثير من العوام الذين يشكّلون جمهوره[17] بوصفه مرشداً دينياً في نيجيريا.

وإذا كان مغتفراً للمتخصّص في الدراسات الإسلامية عدم إتقانه لغير مهارة القراءة والفهم من المهارات اللغوية الأربع؛ فإن ذلك مرفوض جملةً وتفصيلاً في حق المتخصّص في اللغة العربية، صحيح أن هذا الأخير هو الآخر ليس في غنى عن اللغة الإنجليزية بمهاراتها الأربع، لكن دون أن يطغى ذلك على اللغة العربية التي يحمل فيها درجاته العلمية.

ومن هنا نكاد ألا نجد مسوّغاً مقنعاً للنظام الذي لا تزال بعض الجامعات النيجيرية تسير عليه حتى الآن[18]، حيث تفرض على طلاب الدراسات العربية كتابة بحوثهم الجامعية باللغة الإنجليزية، في حين أن العكس هو الذي يجب أن يكون، أي جعل كتابة البحوث بالعربية إجبارية لا اختيارية على دارس اللغة؛ لأنه إن لم يتدرب على الكتابة بهذه اللغة في هذه المرحلة فأنّى له ذلك فيما بعد؟!

هذا، ومن المؤسف جداً أن بعض المقرّرات العربية من نحو وبلاغة وأدب وغيرها تدرس في هذه الجامعات باللغة الإنجليزية على منهج المستشرقين الذين لا يخامرني شك في أنهم أحدثوا هذا النظام لمخاطبة غير المتخصّصين من أهل لغتهم، فكتابات أكثرهم باللغة العربية، أمثال «نالينو» (أستاذ طه حسين الذي مكث سنوات يحاضر في الجامعات المصرية)، و «فيرث» (صاحب أول فكرة في تأليف معجم عربي تاريخي لم يستطع العرب القيام به بعد وفاته إلى اليوم)، تدلُّ على أنهم أكيس من إقرار نظام ملفّق من هذا القبيل، أليس من المضحك المبكي أن يقوم دكتور في اللغة العربية في نيجيريا (لا بريطانيا) بتأليف كتاب في علم العروض العربي باللغة الإنجليزية، فإذا كان المستهدف بهذا الكتاب لا يتقن العربية إلى حدِّ فهم كتاب في العروض بالعربية فما حاجته إلى هذا العلم إذن؟! أليس علم العروض موضوعاً لدراسة أوزان الشعر العربي، والشعر بطبيعته لا يتعامل معه غير المتمكن في اللغة؟!

الخاتمة:

بعد هذه الجولات مع كثير من المفاهيم والتصوّرات الخاطئة والشائعة عن اللغة العربية وطرق تعليمها في نيجيريا، نتقدم بالمقترحات المتواضعة الآتية، علّ العمل بها سيغيّر الوضع إلى حال أفضل:

1 - تنظيم مؤتمرات وندوات وملتقيات لتقييم واقع التعليم العربي في نيجيريا، بمستويي التعليم العام والتعليم الجامعي، على ضوء الملاحظات الواردة في صميم البحث.

2 - إعادة النظر في مناهج أقسام اللغة العربية في الجامعات وكليات التربية النيجيرية بهدف جعل مخرجاتها تستجيب لمقتضيات العصر.

3 - إنشاء معاهد خاصة بإعداد معلمي اللغة العربية وتدريبهم بوصفها لغة أجنبية في نيجيريا.

4 - إنشاء هيئة من الخبراء والمختصين في شؤون التعليم لمتابعة سير أعمال التطوير في التعليم العربي.

5 - إنشاء مديرية خاصة بالتعليم العربي في وزارات التعليم أو وزارات الشؤون الدينية في الولايات ذات الأغلبية المسلمة في البلاد، هذا على الأقل إن لم يتيسر ذلك على المستوى الفيدرالي لاعتبارات معينة, ولست أدري لماذا لم تعد الحكومة النيجيرية تعمل بما ذكر عنها في السنوات الأولى بعد الاستقلال من «تعيين موظف مسؤول عن تنظيم الدراسات العربية في وزارة التربية»[19].

6 - ربط أقسام أو وحدات الدراسات العربية في نيجيريا بالجامعات والمؤسّسات العربية ذات التوجه التربوي، وذلك للتمكّن من الاطلاع الدائم على مستجدات الدراسات العربية في العالم العربي بدل الانغلاق على دراسات عقيمة عفا عليها الزمن، والدوران في حلقات مفرغة من البحوث المكرّرة.

7 - تشجيع دارسي العربية على إتقان الإنجليزية إلى أقصى درجة ممكنة من أجل تحقيق الاعتبارات المحلية.

هذا، والله من وراء القصد، وله الحمد من قبل ومن بعد.

* علي أبولاجي عبدالرزاق: Department of Arabic and Islamic Studies, PMB 1008, Kogi State University, Anyigba, Nigeria

[1] آدم عبد الله الإلوري: نظام التعليم العربي وتاريخه في العالم الإسلامي، دار العربية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، ط 3، 1981م، ص 35.

[2] لمعرفة المزيد عن الارتباط بين الإسلام واللغة العربية في نيجيريا راجع: شيخو أحمد غلادنت: حركة اللغة العربية وآدابها في نيجيريا، دار المعارف - القاهرة، ص 55 - 59.

[3] شيخو أحمد غلادنت: حركة اللغة العربية وآدابها في نيجيريا، ص 100.

[4] سراج الدين بلال: التعليم الإسلامي في نيجيريا.. تاريخ وعقبات وحلول، (مجلة أنيغبا للدراسات العربية والإسلامية، قسم الدراسات العربية والإسلامية، جامعة ولاية كوغي، المجلد الرابع، ع/1، 2009م)، ص 128.

[5] صالح محمد جمعة: نحو تطبيع اللغة العربية بالطابع النيجيري، (مجلة أينغبا للدراسات العربية والإسلامية، قسم الدراسات العربية والإسلامية، جامعة ولاية كوغي، المجلد الرابع، ع/2، 2010م)، ص 95.

[6] قاي كوك: علم اللغة التطبيقي، تر: يوسف بن عبد الرحمن الشميمري، جامعة الملك سعود، 2008م، ص 40.

[7] تسمح بعض الجامعات (مثل جامعة إبادن) - اختيارياً لا إجبارياً - بالجمع بين تخصّصي اللغة العربية والدراسات الإسلامية في مرحلة البكالوريوس.

[8] انظر:   R.O.Y Opega: Language Arts Methods: An Introduction, Aboki Publisher, 2008, p. 32

[9] هكتر هامرلي: النظرية التكاملية في تدريس اللغات ونتائجها العملية، تر: راشد بن عبد الرحمن الدويش، جامعة الملك سعود، 1994م، ص 75 - 77.

[10] سوزازم جاس، وولاري سلنكر: اكتساب اللغة الثانية مقدمة عامة، ص 482.

[11] انظر:  R.O.Y Opega: Language Arts Methods: An Introduction, p. 47

[12] انظر: Ibid, p. 38

[13] مسعود راجي: تجدد الأدب العربي في نيجيريا.. الأدب النيجيري في اللغة العربية (مجلة دراسات عربية وإسلامية، قسم الدراسات الدينية بجامعة جوس - نيجيريا، المجلد2، ع/2، 2001م)، ص 50 - 62.

[14] انظر: R.O.Y Opega: Language Arts Methods: An Introduction,  pp.121 - 122

[15] عبود شلتاغ: الأدب والصراع الحضاري، دار المعرفة، دمشق (د. ت)، ص 89.

[16] انظر: ABDULGANIY O Oloruntele: RELIANCE ON TRANSLATED ISLAMIC SOURCES FROM ARABIC TO OTHER LANGUAGES: A CRITIQUE, (AL-LISAN, JOURNAL OF THE NIGERIA ASSOCIATION OF TEACHERS OF ARABIC IN COLLEGES OF EDUCATION AND ALLIED INSTITUTIONS (NATACEDAI), 3RD EDITION, 2005) p 2

[17] عبد الله مسعود غاتا: ثنائية اللغة وأهميتها في مجال الدعوة، (مجلة أنيغبا للدراسات العربية والإسلامية، قسم الدراسات العربية والإسلامية - جامعة ولاية كوغي، المجلد الثالث، ع/2، 2008م)، ص 120.

[18] مما يثلج الصدور أن الغيورين على اللغة العربية في جامعة إبادن قد أفلحوا أخيراً في إقناع السلطة العليا في الجامعة بالسماح لطلاب الدراسات العربية بكتابة بحوثهم الجامعية باللغة العربية في مرحلة الماجستير فقط دون مرحلتي البكالوريوس والدكتوراه، والمرجوّ مضاعفة الجهود لتحقيق أكثر من ذلك في المستقبل القريب.

[19] محمد زكرياء عيسى: تدريس اللغة العربية في ولاية برنو.. مشاكل وحلول، )مجلة اللسان، جمعية مدرسي اللغة العربية في كليات التربية والمعاهد المماثلة بنيجيريا (NATACEDAI)، ع/3، 2005م(، ص 113.