معاناة المرأة الإفريقية المشكلات والحلول

  • 5 -1 - 2013
  • رقية يوسف


رقيّة يوسف 

مقدمة:

على الرغم من رحيل المحتل الأجنبي عن إفريقيا فإن الآثار التي خلّفها ما زالت تطفو على الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وسائر مناحي الحياة.

فمشكلات القارة الإفريقية أكثر من أن تُحصى، والمعاناة دائماً ما تكون هي سيدة الموقف على الرغم من الثروات العظيمة التي تملكها القارة، ففي هذه المنطقة من العالم تكثر الصراعات القَبَلية، وتنتشر الأمراض، ويكثر الفقر، وترتفع معدّلات الأميّة، وتهاجر العقول المثقفة من أبنائها إلى أوروبا وأمريكا وغيرها، وتكثر الكوارث الطبيعية والنزاعات المسلّحة والمجاعات المدمِّرة.

والمرأة الإفريقية ليست معزولة عن مأساة القارة، فهي تمثّل مشكلة كبيرة في حدّ ذاتها؛ حيث تعاني  أوضاعاً إنسانية قاسية، وتشهد تدنياً في مجالات التعليم والصحة والاقتصاد.. وغيرها، فهي تفتقد الكثير من مقوّمات الحياة السلوكية والمعرفية، فضلاً عن تعرّضها إلى العنف بأشكال متعددة.

أبرز مشكلات المرأة الإفريقية:

تشكّل المرأة الإفريقية ما نسبته أكثر من النصف في تعداد السكان في القارة الإفريقية، إلا أن الأرقام تشير إلى تدني المستوى التعليمي والصحي والاقتصادي للمرأة الإفريقية، وكونها أكثر امرأة في العالم في تحمّل الأعباء القاسية، وخصوصاً في إعالة الأطفال، في ظلّ غياب الزوج والمعيل بسبب الموت أو الطلاق أو الهجر، أو غير ذلك من الأسباب.

والمرأة الإفريقية تتزوج أكثر من مرة، وتلد كثيراً من الأبناء، فالمرأة الإفريقية تلد ما متوسطه 5,3 أطفال في حياتها مقابل 2,6 أطفال في المعدّل العالمي، وتعدّ المرأة في النيجر صاحبة أعلى معدّل ولادة في العالم وهو 7,4 أطفال.

والمرأة الإفريقية العاملة هي أساس الاقتصاد ومفتاح النمو، حيث تشكّل 60% من العاملين بالقطاعات الحكومية والرسمية، و 70% من العاملين في الزراعة، وتُنتج 90% من الغذاء، وأبرز التجار نساء، ويدير 50% منهنّ مصانع صغيرة ومتوسطة الحجم.

ومع ذلك ما زالت المرأة الإفريقية مستعبدة إلى اليوم في معظم البلدان الإفريقية، كما تشكّل المرأة أغلبية المشرّدين واللاجئين من الحروب، وهي أعلى نسبة عالمياً.

وبعد وقوع الكوارث دائماً ما يُتوقع من النساء أن يقمن بواجباتهن التقليدية من العناية بالأطفال وتمريض الجرحى؛ لكنهنّ غالباً ما يضطررن أيضاً إلى تحمّل عبء توفير الدعم المالي، خصوصاً إذا كان شركاؤهنّ الذكور قد ماتوا أو أصيبوا، وبما أنهنّ غالباً ما يفتقدن حرية الانتقال للإقامة في مكان آخر من أجل العثور على عمل؛ فإنهن يكنّ معرّضات للفقر، والجوع، والزواج الإجباري، وعمالة السّخرة، والإجبار على التجارة الجنسية.. وغيرها.

وقد أكدت ميفيس ماتيلادي، رئيسة تجمّع النساء في جنوب إفريقيا، أنه «من الأكثر خطورة أن تكوني امرأة من أن تكوني جندية خلال نزاع مسلح»، وقالت: «غالباً ما لا توجد امرأة إفريقية واحدة لم تشهد ممارسة العنف ضد امرأة أخرى، الرجال يقاتلون في الحروب والنساء هنّ الضحايا، سواء بسبب انهيار البنية التحتية، أو إجبارهنّ على الوقوع ضحية الاستغلال الجنسي للبقاء على قيد الحياة، أو معاناة آثار ما بعد الحمل، ناهيك عن الوصم القسري، والأمراض المنقولة جنسياً»[1]، وأصيبت 56% من الإفريقيات في الدول الواقعة جنوب الصحراء بالإيدز، وهو ما يعادل 75% من المصابات بالمرض القاتل على مستوى العالم، وفي بلد مثل ليبيريا أوضحت دراسة أن 93% من نسائها تعرضن لأشكال متعددة من العنف[2].

أصبح التنصير عن طريق المرأة أسلوباً رائجاً عند كثير من الكنائس، وبخاصة في إفريقيا

كما نجدها مثلاً في مملكة «ليسوتو» ما زالت في حكم «الجواري»، حيث يضيف الملك «مسواتي الثالث» واحدة منهنّ إلى حريمه كلّ عام في مهرجان تحضره 20 ألف فتاة، حتى أصبح له أكثر من عشر زوجات و 3 خطيبات وعمره لا يتجاوز 36 سنة! كما توفي والده تاركاً 60 زوجة، وهذا دليل صارخ على استمرار امتهان كرامة المرأة!

وفيما يأتي نلقي الضوء على أهم المشكلات التي تواجه المرأة الإفريقية في ظل التحديات الكبيرة التي تواجه القارة الإفريقية:

أولاً: المرأة الإفريقية والتنصير:

بدأت مخططات التنصير في إفريقيا في وقت مبكر، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالاستعمار ومواكبة له، بل إنها استمدت منه كلّ عون وتأييد، وسعت لتثبيت نفوذها وانتشارها من خلاله، فدخل المبشّرون الكاثوليك ربوع إفريقيا منذ القرن الخامس عشر، أي في أثناء الاكتشافات البرتغالية، وفي أواخر القرن السابع عشر وفي خلال القرن الثامن عشر أخذت الجمعيات البروتستانتية تظهر للوجود[3].

أما بالنسبة للمرأة؛ فقد ركّز المنصّرون عليها أيما تركيز، واستغلوا جهلها ومرضها وحاجتها لإخراجها من دينها، ليس هي فقط بل هي وأبناؤها، وبذلوا في سبيل ذلك الغالي والنفيس.

يقول رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في كينيا: «إن المنظمات التنصيرية تنفق بسخاء وسفه في كينيا، وتعمل على الوصول إلى المناطق النائية في البلاد، وانطلاقاً من أن الذئب يأكل من الغنم القاصية، لدرجة أنها تختار أوقات الضحى والظهيرة وغياب الرجال عن المنازل لمحاولة تشويه وإفساد عقيدة النساء في المناطق الإسلامية، وتقديم مساعدات لهنّ بشرط إحضار أبنائهنّ للكنائس لإبعادهم عن الإسلام، وخلق أجيال علمانية لا ترتبط بدينها الحنيف».

ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ بل استغلوا أنوثتها في تنصير المجتمعات الإفريقية، وحاولوا اجتثاث الأخلاق الحميدة، ونشر الانحلال والتفسخ والاختلاط والزنا، هذا ما أكدته دراسة ميدانية عن التنصير في دولة كينيا في الفترة من (1411هـ - 1420هـ)، حيث كشفت ما تقوم به كثير من الكنائس من تنصير الشباب الإفريقي عن طريق الجنس.

فقد أصبح التنصير عن طريق المرأة أسلوباً رائجاً عند كثير من الكنائس، وبخاصة في إفريقيا، وفي كينيا يعدّ أمراً مشاهداً ومحسوساً؛ فكم من شاب تنصّر بسبب إغراء الفتيات المنصّرات له، إما بالصداقة والحب، أو طمعاً بالزواج من إحداهنّ، وخصوصاً أن معظم النساء اللاتي يعملن في الكنيسة من الجميلات المتعلمات.. ولا سيما منصّرات الكنائس البروتستانتية، وليس هذا فحسب؛ فقد فتحت بعض الكنائس نواديَ للشباب للهو والرقص والغناء[4]. 

ومن الجمعيات التنصيرية التي أفرطت في استخدام النساء في التنصير (جمعية أبناء الربّ وأسرة الحب)، وقد جاء في أقوالها: «إنَّ الخوف من الزنا لم يعد له مكان، وإنَّ عمليتي اللواط والسحاق مباحتان ما دامتا تتمان في جوٍّ من الحب»! وقال ديفيد جاكس المتحدث باسم الجمعية: «إنَّ تقديم العون الجنسي واجب على كلّ فرد، وإن أفراد المجموعة من النساء مطالبات بتقديم كلّ ما يمكن أن يغري أعضاء جدداً، وإنَّه لا بد من تغطية نفقات المجموعة من بيع الجنس إذا اقتضى الأمر».

هكذا تكون المرأة الإفريقية هي وقود العملية التنصيرية؛ إما بكونها مادة للتنصير المباشر، أو تكون الوسيلة التي يستغلها المنصّرون لتحقيق أهدافهم بنشر الرذيلة، وإغواء الشباب ليتم تنصيرهم.

يقول الشيخ سيد عثمان - الأمين العام لمجلس علماء جزر القمر -: إن أهم النجاحات العديدة التي حققتها المنظمات التنصيرية التي تعمل في الأراضي القمرية؛ أنها نجحت في ربط الشباب القمري بفرنسا وأوروبا أكثر من ارتباطهم بجزر القمر ومحيطها العربي والإسلامي، عبر توسّع الفرنسيين بالزواج من قمريات بشكل يدفعهنّ - في أغلب الأحيان - للابتعاد عن الإسلام إن لم يكن اعتناق النصرانية، هنّ وأبناءهنّ.

ويرى الأمين العام لمجلس علماء جزر القمر أن «المركز الفرنسي القمري للثقافة» من أهم مراكز التنصير في جزر القمر؛ حيث يُستخدم هذا المركز للترويج للنصرانية، فضلاً عن نشر الخلاعة والمجون والفكر الفرانكفوني؛ مشدداً على أن أنشطة هذا المركز تحظى بدعم من عشرات المنظمات التنصيرية التي منها الفرع الفرنسي لـ «جمعية كاراتياس» المتخصّصة في مجال تنصير الأطفال.

وأضاف الأمين العام لمجلس علماء جزر القمر أن نشاط المنظمات التنصيرية لا يتوقف عند الشباب والرجال، حيث تمارس جمعية تحرير المرأة ذات الطابع والهوى الفرانكفوني أساليب خبيثة لإبعاد المرأة عن عقيدتها الصحيحة وهدمها، وإبعادها عن العادات والتقاليد الحميدة، ونزع الحياء من وجهها[5].

ومع كلّ ما سبق ذكره؛ فهناك منظمات غربيّة تنادي بضرورة تحرّر المرأة المسلمة وانعتاقها من سلطة أبيها وأخيها وزوجها، وتشنّع بحجاب المرأة المسلمة، وتدّعي أن هناك من يجبرها على ارتدائه، وفي الوقت نفسه تغض الطرف عن استغلال تلك المنظمات التنصيرية والمنصّرين للمرأة الإفريقية وفقرها وحاجتها وجهلها ومرضها في إخراجها من دينها الإسلامي الذي ارتضاه الله لها، حتى استغلال جسدها في التنصير، أليست هذه هي العبودية بعينها، والانعتاق الحقيقي هو التحرر من قبضة تلك المنظمات التنصيرية؟!

كيفية التصدي لهذه المشكلة:

من أهم وسائل التصدي لمشكلة تنصير النساء واستخدامهنّ في التنصير ما يأتي:

1 - التعليم: فهو سلاح بيد المرأة يمكن أن تتصدى به للمشكلات التي تواجهها من المنصّرين، فلا بد من توجيه اهتمام خاص بتعليم المرأة الإفريقية، ولا بد أن يكون تعليماً متكاملاً ومترابطاً، يستوعب جميع الفئات والشرائح، وفي مقدمتها النساء الريفيات، والنساء اللواتي يعشن في الأحياء الفقيرة والمهمّشة في المدن الإفريقية؛ لأنهن أكثر عرضة للتنصير استغلالاً لجهلهنّ وسذاجتهنّ، مع ضرورة النظر إلى التعليم باعتباره أولوية مطلقة لتفادي مشكلة التنصير خاصة، ولحل جميع المشكلات على وجه العموم.

2 - تنمية وعي المرأة الإفريقية: حتى تكون عضواً مؤثراً إيجابياً في المجتمع وليس عضواً سالباً، وتستطيع أن تعي حجم المخاطر من وراء التنصير.

وأهم مجالات الوعي التي يجب الاهتمام بتنميتها الوعي الديني لدى المرأة الإفريقية، ومن أهم ما يعينها على الاستفادة من التوعية الدينية تعلّم اللغة العربية، وإدراك أهمية التوجّه إلى المدارس الخيرية الإسلامية لتعلّم الدين الإسلامي والعقيدة الصحيحة، حتى تتمكن من إقامة دين الله في نفسها، وفيمن استطاعت من أهلها، وفيمن حولها من النساء، ولكي تكتسب خبرات علمية تتمكن بها من نشر الدين الإسلامي، والقيام بواجبها التربوي والدعوي مع بنات جنسها، وانتشال من وقع منهنّ في براثن التنصير، والتصدي للبدع والخرافات.

تتنوع معاناة المرأة المدنية بين القتل والإصابة من جراء الهجمات العسكرية العشوائية وانتشار الألغام

ويشمل الوعي أيضاً الانتباه لنشاط المنصّرين، واليقظة التامة لهم، وفضح أساليبهم ونشاطاتهم.

3 - تحمّل المحيطين بالمرأة للمسؤولية نحوها: ومدّها بكل ما يمكن من أجل تنميتها علمياً ودينياً، حتى المتطلبات الحياتية، وتحسين ظروفها المعيشية، حتى لا تكون ضحية تلك الظروف. 

ثانياً: فقدان المرأة الإفريقية للأمن الاقتصادي:

الأمن الاقتصادي هو التدابير والحماية والضمان التي تؤهّل الإنسان للحصول على احتياجاته الأساسية من المأكل والمسكن والملبس والعلاج، خصوصاً في الظروف التي يواجه فيها كارثة طبيعية أو ضائقة اقتصادية، وضمان الحدّ الأدنى لمستوى المعيشة، والتي تمكّنه من أن يحيا حياة كريمة مستقرة، ويتمثّل الأمن الاقتصادي بالنسبة للكثيرين في امتلاك المال اللازم لإشباع حاجاتهم الأساسية، وهي: الغذاء، والملبس، والمأوى اللائق، والرعاية الصحية الأساسية، والتعليم، ويرتبط الأمن الاقتصادي بإمكانية الحصول على أجر كافٍ وعمل مستقر يضمن الأمن[6] .

ومن هذا المنطلق؛ فإن المرأة الإفريقية تعاني فقدان الأمن الاقتصادي بشكل كبير، ويتجلى ذلك في الفقر (عدم مصادر العيش)، فبالرغم مما تنعم به إفريقيا من ثروات ضخمة نجد أن 59% من الأفارقة يعيشون تحت خط الفقر، وتُصنّف21 دولة إفريقية تحت بند الدول التي تفتقر إلى الأمن الغذائي من بين 37 دولة في العالم، وبما أن المرأة تمثّل نصف سكان إفريقيا، وبما أنها تتأثر دائماً بما حولها، وإذا كان 59% من سكان القارة يعيشون تحت خط الفقر، فإن أكثر من نصف نساء القارة فقيرات[7].

وتعيش المرأة الإفريقية تحت ضغوط نفسية واقتصادية قاهرة نتيجة لتحمّلها العبء الأكبر لشؤون الأسرة، مع غياب شبه كامل لدور الرجل في تحسين مستوى المعيشة لعائلته، كما تعاني المرأة الحرمان من أبسط متطلبات الحياة؛ بسبب الظروف المعيشية القاسية في بيئة تندر فيها سبل العيش الكريم.

فإذا أخذنا الصومال مثالاً سنجد النساء يواجهن معاناة بالغة في تحمّل مسؤولية البيت في غياب الزوج؛ إما بسبب الحرب، وإما بسبب الحجز والسجن، ما يجعلها تتحمل مسؤولية مزدوجة: القيادة، وإدارة العائلة، من حيث إدارة الموارد الاقتصادية، والحفاظ على تماسك العائلة، ومتابعة أبنائها دراسياً، والمحافظة على التوازن النفسي لأبنائها، حتى مع وجود الزوج؛ حيث يكون بلا عمل ويفتقد مصادر العيش[8].

حلول للنهوض بالواقع الاقتصادي للمرأة الإفريقية:

- تحسين مستويات المعيشة وزيادتها، والارتقاء بنوعية حياة المرأة الإفريقية.

- توفير فرص العمل للرجل والمرأة، وضمان المساواة في الحصول على الوظائف.

- إيجاد نُظُم وشبكات فاعلة للضمان الاقتصادي والتكافل الاجتماعي.

- تنمية مهارات قوة العمل للمرأة بالتدريب والتأهيل المستمر، وذلك من أجل زيادة الإنتاجية.

- تشجيع مشاريع التشغيل الذاتي للمرأة من خلال صناديق تستهدف تحقيق التنمية والتكافل.

-  تقديم الحكومات قروضاً ميسّرة وغير ربوية للمرأة للقيام بالمشاريع الصغيرة.

- دعم مشاركة القطاع الخاص بفعالية في تنشيط عمليات الإنتاج، وإيجاد فرص عمل جديدة للرجال والنساء.

- مساهمة الهيئات التطوعية والخيرية، والمنظمات غير الحكومية، وصناديق الإقراض الصغيرة في تشجيع المشاريع الفردية الصغيرة وتقديم الحوافز.

- وللأفراد أيضاً دور رئيس في توفير الأمن الاقتصادي للمرأة، فإذا نظرنا إلى الإسلام، بوصفه ديناً شاملاً لمناحي الحياة المختلفة، نجد هناك نظاماً اقتصادياً فريداً يجمع بين الأمن الاقتصادي والضمان الاجتماعي في سياق مؤتلف، حيث يمكن أن تتعدد الوسائل لتحقيق هذا النظام، وتأخذ صوراً متنوعة، منها على سبيل المثال الزكاة التي يدفعها الأفراد، المساعدات الإنسانية (الصدقة)، الميراث، عون المحتاجين كالأيتام والأرامل والضعفاء وكفالتهم[9].

ثالثاً: فقدان الأمن الغذائي:

الأمن الغذائي هو كلّ ما يتعلق بالحق في الغذاء الذي يجب أن يكون كافياً، وصحياً، ومستمراً، أي الحق لكلّ فرد في أن يأخذ في كلّ وقت غذاءه المناسب.

والمرأة الإفريقية تعاني نقص الغذاء من ناحية، ومن ناحية أخرى تقع على عاتقها في أحوال كثيرة مسؤولية توفير الغذاء لأسرتها، لذا فإن مشكلتها مضاعفة.

فالمرأة هي المسؤولة في أغلب الأحيان عن توفير الغذاء لأسرتها, ووفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة تشكّل النساء الغالبية العظمى من المنتجين الزراعيين في العالم، حيث يوفّرن ما يزيد على 50% من الغذاء الذي يُزرع على الصعيد العالمي، وفي إفريقيا (جنوب الصحراء بالتحديد) تزيد هذه النسبة عن المتوسط العالمي، حيث تزرع النساء ما بين 80 و 90% من المواد الغذائية في المنطقة.[10]

والنساء الحوامل وأطفالهنّ في إفريقيا أكثر عرضة للإصابة بسوء التغذية، ففي مسح أجراه مختصو التغذية في اليونيسيف للمجتمعات النائية في مويالي ومرسابيت وسامبورو في كينيا؛ أظهرت نتائج مسحهم وجود حاجة ماسّة إلى تقديم مزيد من المساعدات لإنقاذ أشد النساء والأطفال ضعفاً، الأمر الذي أصبح حالة طوارئ مزمنة.

وقد تبيّن من نتائج المسح أن أكثر من 60% من النساء الحوامل في سامبورو يعانين سوء التغذية، وهو ما يُعرِّض حياتهنّ وحياة أطفالهنّ الذين لم يولدوا بعد لخطر شديد، وأطفال المنطقة أفضل حالاً نسبياً، حيث تبلغ نسبة المصابين بينهم بسوء تغذية حاد 19%.

إلا أننا نجد في منطقة مرسابيت أن معدلات سوء تغذية الأطفال أعلى (31%)، ومعدلات سوء تغذية النساء الحوامل أقل (37%) بالمقارنة مع المعدلات الموجودة في سامبورو، وفي مويالي تبيّن أن نسبة سوء التغذية بين الأطفال تبلغ 18%، بينما هي 29% بين النساء الحوامل، وتوضّح السيدة تيشوم، مشيرة إلى سامبورو، بقولها: في هذه القرية تختار أغلبية الأمهات التنازل عن وجباتهنّ لأطفالهن الأصغر سناً[11].

وقد أدّت النساء دوراً يفوق الرجل في مواجهة مواسم الجفاف، وكانت معدلات نجاة المرأة أعلى، كما أثبتت قدرتها على التأقلم بشكل أفضل، حيث استطعن العثور على بدائل للطعام ساهمت في المحافظة على حياة الأطفال خلال مواسم الجفاف، ولأن هذه المواسم تحدث مرة واحدة خلال ما يقرب من عقد من الزمن؛ فقد أمكن لأولئك النسوة - ممن شهدن تجارب سابقة - من تمرير تقنيات النجاة السابقة إلى اللواتي يصغرنهنّ سناً[12].

كيفية التغلب على فقدان الأمن الغذائي:

توفير الغذاء المناسب والصحّي للمرأة الإفريقية هو التحدي الأكبر الذي يواجه المهتمين بشأن المرأة الإفريقية، والطريق الأساسي لتوفير الغذاء هو الاهتمام بالزراعة، وتوفير المواد الأولية والإمكانات التي تساهم في بناء مشروعات زراعية وحيوانية صغيرة توفّر الغذاء للأفارقة رجالاً ونساءً.

وتقترح جين كاروكو - أول رئيسة للتحالف من أجل ثورة خضراء في إفريقيا – عدداً من الحلول، وهي:

- صغار المزارعين هم الذين يملكون مفتاح تحقيق الأمن الغذائي في إفريقيا.

- تحويل الزراعة إلى الإنتاجية العالية، والكفاءة، والتنافسية، والنظام المستدام، لضمان الأمن الغذائي، وانتشال الملايين من الفقر.

- تقديم المساعدة للمزارعين من أصحاب الحيازات الصغيرة لمواجهة تأثير تغيّر المناخ على الأمن الغذائي، وتوفير الضمانات البيئية التي يحتاج إليها المزارعون لزيادة الغلة وتحسين أحوالهم المعيشية.

- من خلال التركيز على ممارسات التنمية المستدامة يمكن التقليل من تدهور البيئة، والحفاظ على التنوّع البيولوجي.

- تمكين المزارعين من أصحاب الحيازات الصغيرة في إفريقيا من زراعة المزيد من المزروعات على أراضٍ أقل مساحة؛ لأن ذلك يقللّ الضغط على إزالة الغابات والسافانا وزراعتها، وهو ما يساعد في الحفاظ على البيئة والتنوّع البيولوجي.

- تحسين صحة التربة من خلال الإدارة المتكاملة لخصوبة التربة، ويتم ذلك من خلال استخدام مزيج من الأسمدة، والمدخلات العضوية، والتقنيات المناسبة للظروف والموارد المحلية.

- القيام بعمل الأبحاث أمر بالغ الأهمية لتحقيق أقصى استفادة من سلسلة القيمة الزراعية الكاملة من البذور إلى الحصاد[13].

رابعاً: عدم توفر الماء النظيف:

مع كثرة مياه الأنهار والأمطار والمياه الجوفية والعيون في إفريقيا فإن عدم توفّر الماء النظيف والكافي من أكبر المشكلات التي تواجه المرأة الإفريقية، بل قدّر أن هناك ما يقرب من 300 مليون إفريقي لا يجدون المياه النظيفة أو الآمنة، هذا بخلاف 313 مليون إفريقي مصابين بأمراض سببها الأساسي تلوث المياه[14]، وتمثّل نسبة مَن لا يحصلون على المياه النظيفة، ومَن لا تتوافر لديهم الحمّامات اللازمة لقضاء حاجاتهم في إفريقيا، حوالي 40% من سكان العالم.

وفي هذا الجانب خاصة تعاني النساء والفتيات الريفيات معاناة شديدة، حيث يتعيّن عليهنّ في كثير من الأحيان المشي على الأقدام لمسافات طويلة للحصول على الماء، وهو ما قد يتسبّب في أضرار للمرأة، وفي صرف الفتيات عن دراستهنّ، ويقلّص من قدرة المرأة على مشاركتها في المجتمع، ويصيبها بالإنهاك.

وتقف المياه القذرة، وعدم وجود حمّامات، والأحوال الصحية السيئة، وراء الأزمة الصحية التي تتكرر مشاهدها يومياً في الأحياء والقرى الفقيرة، فالشوارع، والبيوت، والأطعمة، وأيادي الناس مليئة بالجراثيم التي تصيبهم بالأمراض التي تسبّب الوهن والضعف عندما يتناولونها، ومن أهم هذه الأمراض مرض الإسهال الذي يحتل المرتبة الثانية بعد مرض ذات الرئة من حيث عدد الأطفال الذين يقضي عليهم؛ متفوقاً على أمراض الملاريا والحصبة وفيروس مرض المناعة «الإيدزHIV » مجتمعة.

حلول لمشكلة المياه:

إن ارتفاع عدد السكان، وسوء التصرّف في المياه المتاحة، والتلوث، من أهم الأسباب التي تجعل معظم المياه المتاحة غير صالحة للاستخدام، وهناك حلول مقترحة لمشكلة المياه؛ أساسها قيام الحكومات بتغيير أنظمتها المائية التي تؤدي إلى تدهور مستواها، وابتكار وسائل جديدة تساعد على الاقتصاد في استعمال المياه.

ولا بد أن يساهم القطاع الخاص مساهمة فعّالة في ذلك؛ عن طريق زيادة الاستثمارات في هذا المجال، وتوفير المال اللازم لتمويل مشروعات مائية جديدة، مع عدم الإخلال بمبدأ توفير الماء المدعّم للطبقات الفقيرة، مع مساعدة الأفارقة في اكتشاف مصادر المياه الجوفية، وحفر مزيد من الآبار، والمحافظة عليها، مع التوعية بطريقة المحافظة على المياه نظيفة وصحية.

خامساً: المرأة الإفريقية وفقدان الأمن الصحي:

يُقصد بالأمن الصحي توفير وسائل الوقاية والمعالجة من الأمراض والأوبئة، وترتبط الصحة ارتباطاً وثيقاً بتحقيق الأمن الاقتصادي والغذائي للمجتمع، فالمجتمع الذي يخلو من الأمراض يتمتع شعبه بنشاط وقوة تمكّنه من الإنتاج والعمل، وتحقيق معدلات نموٍّ اقتصادي مناسبة، بينما يحدث عكسه تماماً في المجتمع الذي تسيطر عليه الأمراض والأوبئة، كما أن المجتمع القوي اقتصادياً والذي تتوفّر فيه معدلات تغذية مناسبة يتمتع أفراده بمستوى صحي مرتفع، والعكس صحيح.

تعاني النساء الريفيات معاناة شديدة، حيث يتعيّن عليهنّ في كثير من الأحيان المشي على الأقدام لمسافات طويلة للحصول على الماء

ويرتكز الأمن الصحي بصورة أساسية في توفير برامج الرعاية الصحية الأولية، وخدمات التأمين الصحّي للمواطنين، وتوفير الأدوية المنقذة للحياة، وتطوير المؤسسات الصحية وزيادتها، كالمستشفيات والمراكز الصحية ومراكز الإرشاد والتثقيف الصحي، وإعطاء أهمية قصوى لصحة الفئات الضعيفة كالأطفال والمرأة والمعاقين وكبار السن.. إلخ[15] .

لا بد من تحقيق هذا المفهوم لمحاربة أخطر الأمراض التي تعانيها النساء خاصة وأطفالهنّ بإفريقيا، وفي مقدمتها مرض نقص المناعة المكتسبة «الإيدز»، وضرورة أن تقدّم الحكومات ضمانات للأمن الصحّي.

إن الملايين من نساء إفريقيا تتهددهنّ كارثتان متلازمتان: الجفاف، ومرض نقص المناعة المكتسبة «الإيدز»، إذ تتعرض حياة أكثر من 30 مليون شخص لخطر المجاعة في جنوب القارة والقرن الإفريقي، وهذه المجتمعات الزراعية تقاوم أيضاً مرض «الإيدز» الخطير إلى حدّ كبير، حيث انتشرت حدة الإصابة به بشكل مخيف، وبنسب تثير القلق في أوساط النساء.

لقد أدى «الإيدز» إلى وفاة ما يقرب من 10 ملايين نسمة من سكان إفريقيا، ومنذ انتشار هذا الوباء القاتل أصيب به قرابة 30 مليون إفريقي، ويمثّل هذا العدد 70% من حالات الإصابة في العالم، كما أدى إلى فقدان قرابة 11 مليون طفل إفريقي لآبائهم وأمهاتهم، فيما بيّنت إحصائية صادرة عن مؤسسة مراقبة البيئة الدولية «وورلد ووتش» أن مرض «الإيدز» المنتشر في قارة إفريقيا سيودي بحياة 40 مليون إفريقي في السنوات العشر القادمة، وذكرت الإحصائيات أن هذا المرض سيقتل من 1/3 : 1/2 الشباب وكبار السن في العديد من الدول الإفريقية، مثل بتسوانا سوازيلاند وزيمبابوي وجنوب إفريقيا[16].

وبالنسبة للمرأة الإفريقية، ووفقاً لتقرير أصدرته الأمم المتحدة مؤخراً، تشير الإحصاءات إلى أن المرأة تمثّل نصف نسبة أولئك المصابين بالفيروس على المستوى الدولي، أما في إفريقيا فنسبة المصابات تبلغ 58% [17]، وهكذا يبدو أن مرض «الإيدز» بات اليوم يتخذ طابعاً نسائياً.

وبسبب مرض «الإيدز» تدهورت القدرات الزراعية, كما اضمحلّت مساعي التنمية الزراعية, وتعرضت مستويات المعيشة في الريف لأضرار فادحة، كما تضررت القدرة الإنتاجية على العمل, وانخفضت مداخيل العائلات في الوقت الذي تصاعدت فيه نفقات الرعاية الصحية اللازمة للمرضى بشكل جلي، وقد انخفض بسببه متوسط عمر الأفارقة إلى 38 سنة.

 ومع إلحاق الإيدز الضرر بصحة المرأة الإفريقية؛ فإنه يقضى أيضاً على القدرات والتجارب والتجمعات السكانية التي ساهمت في الحفاظ على تواصل الحياة في تلك المجتمعات.

والآن؛ ها هو ذا المرض يحبط قدرات تلك الدول المتعلقة بالتصدي للجفاف بالقضاء على الآلية التي تمكّن السكان من المقاومة، ويضعف قدرات التأقلم التي توفرها النساء.

وتتعدد أسباب انتشار «الإيدز» في القارة، فمنها الجهل والخوف والانحلال الجنسي، قال كي امواكو المدير التنفيذي للجنة الاقتصادية لإفريقيا: «إن التسامح الاجتماعي تجاه العنف الذي يُمارس ضد النساء، والوصم بالعار، وانعدام التعليم، والتمكين الاقتصادي، جعل النساء أكثر تعرضاً للإصابة بفيروس «الإيدز»، إن التشريعات غير المناسبة، وأنواع التجاهل الأخرى، وانتهاك حقوق المرأة، مثل حرمانها من الحصول على أدوية مقاومة فيروس «الإيدز» تُضاف إلى الصعوبات التي تواجه المرأة، وذكر تقرير أصدره برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز أن النساء في العالم يشكّلن الفئة الأكثر إصابة بـ «الإيدز»  والأكثر تعرضاً للإصابة بالفيروس»، وقال امواكو الذي يرأس أيضاً لجنة الأمم المتحدة لمكافحة «الإيدز» وإدارته في إفريقيا: إن «الانحلال الاجتماعي والتفكك الأسري سيهدد النسيج الاجتماعي والاقتصادي في قارتنا»، وأضاف أمواكو أن «ستة من بين كل عشرة أفارقة مصابين بالإيدز هم من النساء والفتيات»، مضيفاً أن «المجتمعات الإفريقية أصبحت في خطر»[18].

كما تعاني المرأة الإفريقية أزمات صحية أخرى، مثل معاناتها في الوصول لدرجة الأمومة الآمنة, والتي تشمل احتياجات النساء المتعلقة بالصحة الإنجابية, الحماية من العنف الجنسي، والوقاية والعلاج من الأمراض المنقولة بواسطة الاتصال الجنسي.

وتجدر الإشارة إلى أن أكثر من نصف مليون امرأة يمتن كلّ سنة نتيجة مشكلات مرتبطة بالحمل أو الولادة, بما في ذلك حوالي 70 ألف فتاة وامرأة شابة تتراوح أعمارهنّ بين 15 و 19 سنة[19]، كما أن قضية وفيات الأمهات في أثناء الولادة من القضايا المهمّة في مجال الصحة، وهي مشكلة منتشرة بشكل كبير في إفريقيا.

سبل الوقاية والرعاية:

- زيادة الوعي الديني، والتمسك بالدين الإسلامي الحنيف الذي يحرّم العلاقات غير الزوجية التي هي من أهم أسباب انتشار هذه الأوبئة الفتاكة، والتي قد تكون عقاباً دنيوياً لكلّ من يتعدى حدود الله وينتهك حرماته.

- نشر الوعي الصحي، والتعريف بالمخاطر الصحية والنفسية  لهذه الأمراض.

- حماية حقوق النساء وتبنّي استراتيجيات أكثر فعالية تفوق تغيير السلوك الجنسي.

- يجب على الحكومات أن تعمل الآن، وهي مسلحة بالاستجابة الفاعلة، لإحداث تغيير في مواجهة مرض «الإيدز»، كما أن الجهود القائمة تحتاج إلى التعزيز لتخفيض الانتشار السريع لهذا الوباء.

- اتضح بعد مرور عقدين من انتشار الوباء أن الرسائل الموجهة لمكافحة الوباء لم تكن كافية للمواطنين لتخفيض انتشار فيروس «الإيدز».

- التوعية بعدم نقل الدم غير المفحوص, أو التعرض للدم الملوث؛ إما عن طريق نقل الدم وإما بملامسة الجلد المجروح لدم حامل الفيروس وإفرزاته.

- التوعية بتفادي استعمال الإبر الملوّثة (لأغراض طبية وغيرها).

 - التوعية بتعقيم كلّ الأدوات التي تتعرض لدم أشخاص مختلفين (أدوات طبيب الأسنان، الحلاقة.. إلخ).

- بناء المستشفيات والعيادات الصحية في القرى، وتوفير الأدوية المهمّة والمناسبة لهذا المرض وغيره.

سادساً: المرأة الإفريقية وفقدان الأمن الاجتماعي:

يهدف الأمن الفردي «الاجتماعي» إلى الحماية الإنسانية في مواجهة العديد من أشكال العنف المفاجئ وغير المتوقع, وحماية الفرد في مواجهة التطبيقات القمعية التي تفرضها المجتمعات التسلطية والاضطهاد ضد الجماعات بسبب التمييز العنصري.

الملايين من نساء إفريقيا تتهددهنّ كارثتان متلازمتان: الجفاف، ومرض نقص المناعة «الإيدز»

وإذا نظرنا إلى المرأة الإفريقية نجد أنها تفتقر وبشكل كبير إلى حقها بوصفها إنساناً، وحفظ حريتها، خصوصاً في المناطق التي تتعرض للحروب والنزاعات المسلحة، حيث يقع على كاهلها ضغوط لا تُحتمل.

الحروب والنزاعات المسلحة:

تتنوع معاناة المرأة المدنية بين القتل والإصابة من جراء الهجمات العسكرية العشوائية وانتشار الألغام، وبين الافتقار إلى سبل البقاء الأساسية والرعاية الصحية، والحدّ من سبل كسب العيش وإعالة الأسر، والاختفاء، وأخذ الرهائن، والتعذيب، والسجن، والتجنيد الإجباري في القوات المسلحة والتشريد.

ويمكن للنزاعات المسلحة أن تؤدي إلى تعطيل نُظُم الرعاية الصحية الهشّة أصلاً، وخلق بيئة لا تُطاق بالنسبة للنساء الحوامل والأمهات المرضعات، فهنّ يحتجن إلى وصول كامل وفوري إلى الرعاية قبل الولادة وبعدها, بالإضافة إلى المساعدة الطبية خلال الولادة.

والغالبية العظمى من البلدان العشرة التي تسجّل أكبر خطر يتعلق بوفاة الأمهات؛ تشهد حالة حرب أو في حالة ما بعد نهاية النزاعات, مثل سيراليون وتشاد وأنغولا وليبيريا والصومال والكونغو الديمقراطية.

كما يمكن للنزاعات أن تزيد من ضعف صحة النساء الإنجابية، وذلك من خلال الحدّ من توافر الأغذية الملائمة للنساء الحوامل والأمهات المرضعات، ومن خلال تعطيل حملات التحصين الوطنية.

وتواجه المرأة المدنية مشكلات أخرى بسبب النزاعات، منها:

1 - النزوح:

تدفع النزاعات المسلحة النساء في بعض الأحيان إلى ترك منازلهنّ وممتلكاتهنّ، نتيجة سياسة متعمّدة للنزوح القسري للمدنيين يتبنّاها أحد أطراف النزاع، أو لخوف من الزجّ بهنّ في القتال، أو خشيتهنّ من الاعتداءات، وتشير الإحصاءات في هذا المجال إلى أرقام مخيفة، حيث تشكّل النساء والأطفال «قرابة 80% من ملايين اللاجئين وغيرهم من المشردين في العالم، بمن فيهم المشردون داخلياً»[20].

وقد كان للمعاناة الطويلة للمرأة المهاجرة أثرها في إصدار فقهاء القانون الدولي للاتفاقيات التي تضمن حماية المرأة اللاجئة، منها اتفاقيات جنيف لعام 1949م، والبروتوكولان الإضافيان لها لعام 1977م، حيث منعت أطراف النزاع المسلح من إجبار المدنيين على النزوح بشكل تعسّفي، كما جاءت أيضاً لتدعو إلى حماية اللاجئات، وضمان تلقيهنّ المساعدة الملائمة، وتقليل أخطار الإيذاء والاستغلال.

ويمكن للنزوح أن يزيد من صعوبة حصول النساء على الرعاية الصحية النوعية، فعلى سبيل المثال, قد تُجبر النساء على الهرب حتى إن كنّ يحصلنّ على خدمات جيدة للرعاية الصحية, وهو ما يحرمهنّ من الحصول على المواد المانعة للحمل، ويؤدي من ثم إلى ارتفاع حالات الحمل وزيادة الحاجة إلى خدمات للصحة الإنجابية، كما يمكن للنزوح أن يحرم النساء من نُظُم الدعم الخاصة بهن، ويزيد من صعوبة تبادلهن التوعية بشأن رعاية الأطفال والصحة والنظافة الأساسيتين، ويمكن أن يؤثر ذلك في صحة أفراد العائلة كافة، ويمكن أيضاً بسبب فصلهنّ عن شبكتهن الاجتماعية أن يتسبب في ضغط وقلق كبيرين.

إذا أخذنا المرأة الصومالية مثالاً لتجسيد المعاناة التي تتعرض لها المرأة النازحة؛ نجد أنها تتحمل الجزء الأكبر من معاناة اللاجئين الصوماليين في كينيا، فهي تعمل بكد لتأمين قوت أطفالها، وتشارك في شظف العيش العشرات ممن أجبرتهنّ المواجهات المسلحة في الصومال على النزوح إلى كينيا بحثاً عن ظروف أفضل، وتبدأ رحلة المعاناة لدى النازحات الصوماليات من لحظة الوصول إلى كينيا، حيث يواجهن ضغوطاً نفسية واقتصادية وفقدان هوية[21].

2 - الاحتجاز:  

تعاني النساء مشكلة الاحتجاز، سواءً كان قسرياً أو لسبب، حيث تحتاج النساء إلى رعاية طبية محددة تختلف عن احتياجات الرجال، إذ يمكن أن يكنّ أكثر عرضة للمشكلات الصحية بسبب خصائصهن البيولوجية, ففترة الحيض - على سبيل المثال - تزيد من خطر الإصابة بفقر الدم ونقص المعادن, وتحتاج أيضاً النساء المحرومات من حريتهن إلى الفحوصات الطبية المنتظمة والأدوية والعلاج, بما في ذلك الرعاية الخاصة بأمراض النساء والتوليد والرعاية قبل الولادة وبعدها، ويمكن أن يصبح ذلك مشكلة إذا لم يكن هناك فريق طبي يراقب الحصول على العلاج، أو إذا كان ثمة نقص في الموارد يحد من توافر الرعاية الطبية النوعية، وتكون الأمهات والأطفال الرضّع على السواء عرضة للخطر في الأيام والأسابيع التي تلي الولادة، فهي فترة حرجة قد تعني خلالها الزيارات اللاحقة للولادة، والنظافة الملائمة، والاستشارة بشأن العلامات الخطرة لصحة الأم والمولود الجديد, الخيط الفاصل بين الحياة والموت.

3 - العنف الجنسي:

تولي المعايير الدولية لحقوق الإنسان، بما في ذلك اتفاقيات جنيف، العنف الجنسي الواقع على المرأة في الحروب أهمية كبيرة، لذلك جاءت هذه الاتفاقيات لتحث على منع العنف ضد المدنيين غير المسلحين، و «حماية النساء من الاعتداءات على شرفهنّ، وخاصة الاغتصاب، والبغاء القسري، وأي شكل آخر من الاعتداءات المخلة بالشرف».

ولقد صُنف الاغتصاب على وجه الخصوص في محاكمات نورمبرج «جريمة ضد الإنسانية»، ويعود السبب في اهتمام الاتفاقيات الدولية بموضوع العنف الجنسي الذي تتعرض له المرأة في الحروب إلى تباطؤ الحكومات في اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية المرأة من العنف، حيث لا تزال الحروب، سواء كانت دولية أو أهلية، تسفر عن فظائع ضد النساء والأطفال، «وقد أظهرت الإحصائيات التي صدرت عن بعض البلدان التي خاضت الحروب، استخدام العنف الجنسي كأداة من أدوات الحرب.

ويُستخدم العنف الجنسي كسلاح ضد المرأة بهدف القمع, وعقاب السكان المواطنين, ومحاولة إذلالهم، وكسلاح حرب، فإن الاغتصاب أشد فتكاً من القتل، فالقتل يخلق شهداء يثيرون الحماسة في الأحياء ليقاتلوا من أجل شهدائهم وقضيتهم، أما الاغتصاب فإنه لا يذل المرأة بمفردها، بل يترك جرحاً لا يندمل، خاصة في المجتمعات المسلمة».

كذلك يحدث بهدف الانتقام من الأعداء، فيُستخدم الاغتصاب كأداة من أدوات الحرب، لذلك غالباً ما يكون اغتصاب الجيوش للنساء بمعرفة القيادات، وربما بتأييد منهم!

ويهدف العنف الجنسي إلى التعذيب والإيذاء، وانتزاع المعلومات، والإهانة والإذلال، والترهيب والمعاقبة على أفعال حقيقية أو مزعومة تُنسب إلى النساء أو أفراد عائلاتهن، كما حدث في رواندا وليبيريا وغيرها من البلدان الإفريقية التي عانت ويلات الحروب.

وتتعدد أنواع العنف الجنسي الممارس على المرأة في أثناء الحروب، فإضافة إلى الاغتصاب هناك الاتجار والبغاء القسريان، واللذان غالباً ما يكونان منظمين ومخططاً لهما من قبل الحكومات أو السلطات العسكرية، وهناك أيضاً الحمل القسري[22].   

4 - الاتجار بالبشر للسخرة والاستعباد الجنسي:

تسببت الكوارث الطبيعية والنزاعات المسلحة والمجاعة المدمّرة في منطقة القرن الإفريقي في تكثيف عمليات الاتجار بالبشر الإجرامية، فتشير تقديرات منظمة المرأة غير الحكومية الناشطة في مقاطعة غاريسا شمال شرق كينيا، إلى أنه يجري الاتجار أو تهريب 50 فتاة من الصومال إلى نيروبي كلّ أسبوع في المتوسط.

وقالت هوبي حسين - مديرة منظمة المرأة -: إن «السيارات التي تنقل ورق «miraa» (المخدر) من كينيا إلى الصومال عادة ما تعود من الصومال محمّلة بالفتيات الشابات والنساء لتسليمهنّ إلى بيوت الدعارة في نيروبي أو شحنهنّ إلى وجهات أخرى خارج كينيا»، وأكد هذه المعلومة الضابط ايفانتوس كيورا، نائب قائد شرطة محافظة وادي الصدع العظيم، وهي كبرى محافظات كينيا وأكثرها اكتظاظاً بالسكان، وقال: «يتوافد على هذه المحافظة أكثر من 200 مهاجر غير شرعي، كلّ أسبوع، من السودان وإثيوبيا وتنزانيا وأوغندا والصومال، عبر أكثر من 400 كيلومتر من الحدود سهلة العبور التي تشاطرها كينيا مع هذه الدول».

وقدّرت المنظمة الدولية للهجرة أنه يجري تهريب أكثر من 10,000 شخصاً في محافظة الساحل الكينية كلّ عام، وأفادت المنظمة أن الأطفال المتاجر بهم من رواندا وتنزانيا وإثيوبيا والصومال وأوغندا يعملون في المنازل ورعي المواشي والدعارة في مختلف أرجاء كينيا.

واستطردت مديرة منظمة المرأة هوبي حسين قائلة: «إن نيروبي هي السوق المركزية لتوزيع الفتيات إلى أنحاء مختلفة من كينيا وغيرها من البلدان»، وشرحت أنه «يجري إرسال العديد من الفتيات من نيروبي إلى مومباسا (المنتجع السياحي الدولي على طول الساحل)، حيث يتم تهريب فتيات قاصرات لسياحة الجنس، فيأخذونهنّ إلى مراكز التدليك أو محلات التجميل، حيث يأتي رجال من مكاتب السياحة والفنادق لاختيار البنات الملائمات للعمل الجنسي في القطاع السياحي».

وأضافت أن منظمي الرحلات السياحية والعاملين في الفنادق يعملون «وسطاء» ويتقاضون 600 دولار مقابل كلّ بنت يتراوح عمرها بين 10 و 15 سنوات لبيع معظمهن لتجار الرق الجنسي، في حين «يؤخذ الأطفال المهربين إلى الفيلات المنعزلة في مومباسا حيث تزدهر السياحة الجنسية».

هذا، وقد أشار تقرير صدر في أكتوبر 2012م عن «المعهد الدولي للسلام» و «مركز إفريقيا للحكم المفتوح» إلى أن غالبية ضحايا عمليات الاتجار بالبشر في شرق إفريقيا هم من النساء والأطفال الذين يُباعون لممارسة الدعارة أو العمل القسري[23].

وختاماً:

كانت هذه محاولة للوقوف على أهم ما تعانيه المرأة الإفريقية من مشكلات، وإن كانت صورة الواقع لا تتناسب مع ما ذكرناه، لكنها محاولة لتقريب الصورة، حتى نسعى جاهدين لإيجاد الحلول المناسبة لهذه المشكلات التي تعصف باستقرار المرأة، ومن ثم باستقرار المجتمع كلّه.

* باحثة وكاتبة مصرية.

[1] صالحة بامجيي: حياة المرأة أخطر من حياة الجندي في الحروب، وكالة إنتر بريس سيرفس:  http://ipsinternational.org/arabic/nota.asp?idnews=2273

[2] عطية عيسوي: قارة العجائب والطرائف والمآسي، صحيفة الأهرام المصرية، الأحد 23 من ذي القعدة 1431هـ / 31 أكتوبر 2010م، العدد 45254.

[3] د. مانع بن حماد الجهني: التنصير في إفريقيا، مجلة الجندي المسلم – العدد 99 – ربيع الأول 1421هـ.

[4] نور الدين عوض الكريم إبراهيم بابكر: أساليب المنصّرين في الصدّ عن الإسلام في إفريقيا وطرق مواجهتها.. دراسة ميدانية على دولة كينيا في الفترة من عام 1411 - 1420هـ، رسالة علمية مقدَّمة لنيل درجة الدكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالسعودية - 1423هـ .

[5] التنصير في غرب إفريقيا.. العمل بعيداً عن ضجيج الإعلام (2 - 2)، موقع المسلم: http://almoslim.net/node/115477

[6] د. محمد إسماعيل علي إسماعيل: الآثار الاجتماعية لانعدام الأمن الاقتصادي، مركز التنوير المعرفي، السودان:

http://tanweer.sd/arabic/modules/smartsection/item.php?itemid=94

[7] أحمد إسماعيل: المرأة الإفريقية والدور المنوط بها.. السودان نموذجاً، مجلة قراءات إفريقية - عدد 4 سبتمبر 2009م، ص 74.

[8] http://www.aljazeera.net/mob/f64516034dff4ca19c10122741d17432/e6b8c68a9abf 4aa1850166a0a72a57bd

[9] د. محمد شريف بشير: الأمان الاقتصادي للناس (بتصرف)، موقع رسالة الإسلام، انظر:

http://main.islammessage.com/newspage.aspx?id=8859.

[10] بوساني بافانا: المزارعات مفتاح الأمن الغذائي.. المرأة الإفريقية تزرع أكثر من 80% من الأغذية، وكالة الأنباء العالمية إنتر بريس سيرفس «آي بي إس»، انظر:  http://ipsinternational.org/arabic/nota.asp?idnews=2537

[11] مسح يكشف عن وجود معدلات سوء تغذية مرتفعة بين النساء الحوامل في كينيا، موقع اليونيسيف:

http://www.unicef.org/arabic/emerg/kenya_33879.html

[12] آفة الإيدز تقهر المرأة الإفريقية، كوفي أنان – الأمين العام السابق لمنظمة الأمم المتحدة، جريدة الشرق الأوسط:

http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=144112&issueno=879

[13] المزارعات.. مفتاح الأمن الغذائي...، بوساني بافانا، مصدر سابق.

[14] تقرير ضمن فعاليات «يوم إفريقيا»، بالمنتدى العالمي للمياه، بالعاصمة المكسيكية «مكسيكو سيتي»، الأحد 16 مارس 2006م، تم إعداد التقرير بالتعاون بين البنك الإفريقي للتنمية وبنك المياه الإفريقي ومجلس وزراء المياه الأفارقة.

[15] د. محمد إسماعيل علي إسماعيل: الآثار الاجتماعية لانعدام الأمن الاقتصادي، مصدر سابق.

[16] انظر: http://www.onislam.net/arabic/healthascience/health/9105020001102%20165000.htm

[17] انظر: http://www.unicef.org/arabic/media/24327_49374.html.

[18] انظر:  http://www.panapress.com/%20B21222422046lang1index.html

[19] موقع اللجنة الدولية للصليب الأحمر:  http://www.icrc.org/ara/resources/documents/interview/womenhealthinterview010309.htm

[20] د. نهى قاطرجي: الأوضاع السيئة للمرأة في العالم، موقع صيد الفوائد: http://www.saaid.net/daeyat/nohakatergi/61.htm   

[21] اللاجئين الصوماليين في كينيا معاناة المرأة الصومالية في كينيا، موقع قناة الجزيرة:

http://www.aljazeera.net/news/pages/f197ac2bf9254c8882b443b5b0550901

[22] د. نهى قاطرجي: الأوضاع السيئة للمرأة في العالم، مصدر سابق.   

[23] بقلم بيتر كاهاري: مأساة الجفاف والمجاعة في القرن الإفريقي.. تفشي جرائم الاتجار بالبشر للسخرة والاستعباد الجنسي، وكالة إنتر بريس سيرفس:

 http://ipsinternational.org/arabic/sendnews.asp?idnews=2309