مظاهر تأثير التعليم الغربي في التعليم الإسلامي في إفريقيا

  • 9 -4 - 2012
  • محمد البشير سميلا


محمد البشر سميلا 

الآثار السلبية التي خلّفها التعليم الغربي في إفريقيا، تمس قضايا جوهرية في جوانب الحياة التعليمية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، قال عبده موميني أحد التربويين المشهورين في غرب إفريقيا: إن «التعليم الاستعماري قد أفسد تفكير الإفريقي وحساسيته وملأه بعقد شاذة»[1].

اعتقدت فرنسا - كغيرها من الدول الاستعمارية الأخرى - أنها تحمل رسالة حضارية إلى الشعوب السوداء المتخلفة، وأن ذلك يتطلب التغيير الجذري لكلّ النظم السياسية والثقافية والاجتماعية السائدة في تلك المجتمعات البدائية المتخلفة، وهو ما أكدته حوليات الحكومة الإفريقية الغربية الفرنسية (A.O.F) بقولها: «بواسطة مدارسنا نستطيع أن نقيم علاقات مع الأهالي ليطّلعوا على ثقافتنا ويعترفوا بنا، ومدارسنا في القرى والأرياف تلعب دوراً سياسياً أكثر من دورها التعليمي والتربوي، وكلّ ما نقوله هو أن أهداف هذه المدارس بين الأهالي تجمع بين الأهداف السياسية والاقتصادية»[2].

ومن البديهي أن مضمون التعليم في هذه المدارس كان جزءاً متمماً للنظام الاستعماري، وكان من المهم تجنب أن يكون تعليم سكان البلاد من الوطنيين دافعاً للاضطراب الاجتماعي، بحسب تعبير G. Hardy، ومن هنا أتى التقنين في التعليم والمناهج المبتورة التي كانت تتجنب الخوض في التاريخ الإفريقي الأصيل، بل التوسع في الثقافة العامة التي تؤدي إلى تنوير العقول.

والواقع أن التعليم الاستعماري كان ترجمة مدرسية للعمل الإجباري؛ لذلك لم يكن مستغرباً عن الزعماء الذين كان يُطلب منهم إرسال أبنائهم إلى المدرسة أن يرسلوا بدلاً عنهم ما عندهم من صغار العبيد[3].

أهداف التعليم الاستعماري وسماته قبل مرحلة الاستقلال:

يمكننا تسجيل ملاحظات وسلببيات كثيرة على التعليم الاستعماري ونظامه في إفريقيا خلال القرن التاسع عشر، فقد اتسم هذا التعليم بسمات معينة، تصب في السياق العام لحركة الاستعمار في القرن التاسع عشر، حيث كان يصدر عن مرجعية غريبة عن الواقع الذي يطبق فيه، لا تتلاءم مع ضروريات المجتمع وحاجاته الأساسية، ويستهدف تحقيق أهداف استعمارية محددة.

وكان من أهم أهدافه ما يأتي:

- أن التعليم في إفريقيا لم يكن بغرض الأخذ بيد الإفريقي ليواكب ركب التقدم والحضارة؛ وإنما كان بهدف التأثير في تفكير الإفريقي وروحه؛ بحيث يُصبح من السهل اقتياده وإخضاعه ونهب خيرات بلاده.

- إعداد جيل من المواطنين والكتبة والسعاة لملء الوظائف الشاغرة في إدارة المستعمرات والشركات الرأسمالية الموجودة فوق الأراضي الإفريقية.

- محاربة مراكز التعليم الإفريقي والإسلامي، وتجريدها من قواعدها الاقتصادية؛ حتى تعبث يد التعليم التنصيري بكلّ شيء، وحتى يصبح  للمستعمرين اليد الطولى في هذا المجال.

أما أبرز سمات التعليم الغربي الاستعماري، فهي:

1 - حرص المستعمرين على تقديم تعليم متواضع: ولم تصل التغيرات العلمية الكبيرة إلى الفصول الدراسية إلا في مدارس محدودة للغاية.

2 - لم يكن محتوى التعليم إفريقياً بل كان أوروبياً بحتاً: فعندما ذهب أطفال البمبا إلى المدرسة كي يتعلموا مقرراً دراسياً عن حياة النبات؛ تلقوا تعليماً عن الزهور الأوروبية ولم يتلقوا تعليماً عن أشجار إفريقيا[4].

3 - الانبثاق عن مرجعية غريبة عن بيئة المتعلم وظروفه: وتجاهله التام لتركيبة بيئة المتعلم الاجتماعية والنفسية والجغرافية والاقتصادية، فهو متسم بإسقاطه مشكلات غريبة على البيئة[5].

4 - محاولته غرس روح الانبهار بالغرب والعجز أمام قدراته: وذلك بتلقين الطالب الإفريقي بأن فرنسا - مثلاً - دولة غنية جبارة قادرة على فرض نفوذها.

5 - زرع التفرقة والشتات في المجتمعات الإفريقية: فالاستعمار الأوروبي، حينما وقعت البلاد الإفريقية تحت سيطرته، كان حريصاً على ألا يدع مجالاً لظهور كيانات سياسية كبيرة في إفريقيا، فكانت استراتيجيته قائمة على التفتيت، وتكريس واقع الانفصال القُطري، حتى لو أدى ذلك لتقطيع القومية الواحدة ليصير كل قُطر عالماً بذاته، فالاستعمار البلجيكي - مثلاً - اتبع طريقة تعليم كل مجموعة لغوية على حدة، بلغتها في الكونغو، وهو ما باعد بين هذه المجموعات، وأخلّ بعلاقتها التقليدية[6].

ولهذا حينما عاد قادة التحرر الإفريقي من المهجر الأوروبي ليقودوا عملية النضال من أجل التحرر والوحدة؛ اصطدموا بحالة التجزئة القُطرية التي فرضها الاستعمار، فكيّفوا أنفسهم مع ذلك الواقع، وصارت رؤاهم الوحدوية الكبرى تضمر وتتضاءل لتتلاءم مع ذلك الواقع الجديد[7].

ولقد تحدّث الكاتب النيجيري تشينوا أتشيبي Chinua Achebe عن هذه التفرقة والتجزئة في أولى رواياته عام 1985م، في إنجلترا، بعنوان: (الأشياء تتداعى) Things Fall Apart ومدارها حول مأساة مزدوجة، فلما تنقضي العقوبة، ويعود إلى قريته، يكتشف أن المبشرين أقاموا الكنائس، وعسكروا داخل القرية، وعند ذلك يغضب ويثور، ويحارب رجال الإدارة الاستعمارية حتى يقتل رسولاً بعثه المأمور الأبيض لإيقاف اجتماع العشيرة، الذي دعا إليه (أوكونكو) بطل القصة، ولكنه سرعان ما يجد نفسه وحيداً في هذا الصراع الجديد، فقد انقسم القرويون، وتداعت الوشائج القبلية، وفي غمرة من الإحساس بالغربة والإحباط يشنق نفسه[8].

من أخطر مظاهر تأثير التعليم الغربي التنفير من الدين

 

 

6 - قيامه على سياسة الاحتقار والإذلال والاتهام بالتأخر والبربرية: والتي زرعت خلال فترة طويلة في نفوس الشعوب الإفريقية المحتلة شعوراً بالدونية والنقص، فأسس التربية والتعليم في المستعمرات كانت ترسخ في الطالب الإفريقي فكرة انتمائه إلى العالم «البدائي» الذي يروم العالم الغربي المتحضر تمدينه، فالكتاب المدرسي كان يصوّر الإنسان الإفريقي تعساً في هيئته، مترهلاً في شكله ومنظره، يميل للطرب أكثر من ميله للتفكير، ثنائي الحياة بين دق الطبول وطقوس الأجداد، من ثم يترعرع الطالب الإفريقي قانعاً بحظه الوضيع في الحياة، مقدّساً عبقرية الرجل الأبيض، مؤمناً بأسطورته.

ورواسب هذا العهد ما زالت باقية في سياسة الدول الكبرى، وكذا في نظرتها إلى الشعوب حديثة العهد في الاستقلال السياسي، ولأن الدول الاستعمارية كانت هي دول أوروبا جعلت من لون بشرتها البيضاء علامة التقدّم وأهلية القيادة، تبعاً لنتائج البحث الذي وقع تحت تأثير الاستعمار في العلوم الإنسانية، وفي مقابل ذلك جعلت الألوان الأخرى، ما عدا اللون الأبيض، رمزاً إمّا للتخلف، وإمّا للتقدّم المحدود الذي لا يعطي الصلاحية الكاملة لقيادة البشرية.

وقد عبّر عن ذلك الشاعر السنغالي: دافيدديوب DAVID DIOP بقوله:

«قاس وتألم أيها الزنجي التعس....

                    أيها الزنجي الأسود سواد الأحزان».

وقد جمع «دافيد ديوب» كلّ ألفاظ الإهانات التي تُوجّه لبني جنسه من الزنوج في قصيدة بعنوان: (الأبيض قال لي)، فيقول: ما أنت إلا زنجي!

وكثيراً ما تناول الإفريقيون الشعراء مهمة (أوروبا في نشر الحضارة) في أشعارهم، ساخرين وواصفين، فنجد «أماودو مصطفى واد» تناولها في ملحمة الاستعمار قائلاً في اقتضاب:

ها هم قادمون (ناقلوا الحضارة)..  وهم يصوّبون المدفع والتوراة نحو القلب الإفريقي!

لقد امتلأت الأرض بالدماء لأن أبناءها..   نهضوا لكي يدافعوا عن فجر الحرية[9]!

وقد استطاعت الكنيسة أن تلتقط بعض أبناء الأفارقة، وأن تقتلعهم من الثقافة الأم وتدرجهم في إطار الحضارة الأوروبية لغة وديناً وزيًّا، حتى صار يُشار إليهم باسم «أبناء الإرسالية» Mission Boys تمييزاً لهم عن المواطنين من جهة، وعن رجال الكنيسة البيض من جهة أخرى، وعن موظفي الإدارة الاستعمارية من جهة ثالثة.

ولم يكن هذا التمييز في كل الأحيان مصدر نفع خالص، وإنما كان في أغلب الأحيان مقروناً بشيء من مشاعر الاحتقار التي لا تخفيها أيٌّ من هذه الجهات الثلاث، فالوطنيون لا يرتاحون ولا يطمئنون لأبنائهم الذين انفصلوا عن عاداتهم وتراثهم وأديانهم، والإداريون الأوروبيون العلمانيون لا يُخفون استخفافهم بهذه الفئة الساذجة التي يُراد تطويعها وإدارجها في النظام الكنسي، والذي لم تتطور أوروبا إلا بعد التمرد والخروج عليه، أما القساوسة الأوروبيون أنفسهم فلعلهم كانوا يندبون حظهم  الذي أوقعهم بين هذه «النفوس المتبلدة» التي لا تنفذ إليها روح المسيح بالرغم من جهود السنين!

آن الأوان لابن الإرسالية - مع تزايد معرفته بالظاهرة الاستعمارية – أن يدرك أن الكنيسة التي أخرجته من دينه لم تدخله في شيء يستعيض به عن ذلك إلا في طقوس الدين وأشكاله التي تتناقض مع روحه وتتناقض مع مصالحه المدنية، وأن المنصّرين الذين يبشرونه بوعود زائفة كانوا يغضّون الطرف أو يتواطؤون بصورة مباشرة مع الإدارات الاستعمارية التي سفكت دم الإنسان الإفريقي، ونهبت ثروته، واحتقرت ثقافته، واشمأزت من لون بشرته.

الموقف من التعليم الغربي في ظل الاستعمار وفي عهد الحكومات الوطنية:

يبدو للدارس، في كثير من البلاد الإفريقية، أن الاستعمار ما زال موجوداً وإن اختفى وجوده الإداري، وأظهر ما يكون وجوده في مؤسسات التعليم، حيث بقيت أهداف التعليم ومناهجه ووسائله ومؤسساته كما هي؛ وإن زاد عدد المدارس والمؤسسات التعليمية[10]، ونستعرض هنا موقف كلٍّ من الحكومات والشعوب والمتغربين من التعليم الغربي.

أولاً: موقف الحكومات:

ورثت حكومات العهد الوطني نظمها التربوية عن الإدارة الاستعمارية، ولم يشغل الساسة الأفارقة بعد الاستقلال أنفسهم بشيء آخر غير الصراع على كراسي السلطة وإظهار أيهم أقرب مودة ورحمة للدولة التي كانت تستعمر بلاده، وهي (الدولة الأم) كما كانت تُسمّى عند بعضهم.

ولم يلتفت المسؤولون في البلاد الإفريقية لمعالجة مشكلات التعليم، ولم يعطوا أهمية لدور التعليم في التربية والتوجيه وتكوين الإنسان الحر المستقل؛ ولذا لم يتمكن التعليم من أداء دور في النمو الاجتماعي والاقتصادي[11]، ذلك أن النظم التعليمية في معظم أنحاء إفريقيا صورة من النظم التعليمية للبلاد الأوروبية التي كانت تستعمرها وصبغتها بصبغتها الخاصة، وهي تفرض وصاية تربوية وتعليمية، لا تضر بالعقل الإفريقي وحده، ولكنها أيضا تضر بالسيادة القومية؛ لأن السيادة ليست على الأرض والناس فحسب، ولكنها أيضاً تمتد إلى القيم والنُّظُم التي تعمل في إطارها.

ثانياً: الموقف الشـعبي:

لم يكن موقف الشعوب المسلمة في تحدي التعليم الغربي الاستعماري مناسباً في كلا العهدين – العهد الاستعماري والعهد الوطني-، فقد اقتصر ردّ فعلهم على الإعراض الجزئي عن المدارس الكنسية والحكومية على أيام الإدارة الاستعمارية، ولم يدرك أحد منهم ضرورة تطوير نظام التعليم الإسلامي؛ بالرغم من أنهم وجدوا أنفسهم يقفون في آخر الصف بعيداً عن مواقع التأثير في حركة الحياة.

لقد أورثنا التعليم الغربي تقديم المنفعة المادية – تأليه المنفعة – على المنفعة الأخروية

 

 

كما لم ينشط المسلمون في إقامة الجمعيات التي تنشئ المدارس الحديثة لأبنائهم أسوة بغيرهم من الهيئات والطوائف؛ إذ أن هذا الطريق أخف وطأة عليهم من الالتجاء إلى مدارس الحكومة في غياب الطريقة المثلى، وهي تكمن في وضع مواد اللغة العربية والعلوم الإسلامية في مناهج المدرسة العربية الحديثة، ثم اتباع الطرق الحديثة في تدريس هذه المواد.

كما أنهم لم يستطيعوا حمل حكوماتهم الوطنية على تغيير مناهج التعليم التربوي حتى تساير مصالح المواطنين المسلمين.

ثالثاً: موقف المتغربين:

أما غلاة الداعين لتمدين الأفارقة عن طريق الكنيسة؛ فقد كان هدفهم إسقاط المعارف الإفريقية السابقة للاستعمار الأوروبي واستئناف العملية التعليمية من الصفر، والسير بها في اتجاه النهج الغربي، بغرض تذويب الإنسان الإفريقي وإدراجه في الحضارة الأوروبية[12].

مظاهر تأثير التعليم الغربي في إفريقيا بعد مرحلة الاستقلال:

تعاني إفريقيا في مرحلة ما بعد الاستقلال، ومعظم دولها في عقودها السابعة من الاستقلال الجزئي، مظاهر وتأثيرات غربية خطيرة في العديد من الجوانب، وعلى رأسها التعليم الإسلامي.

فمن أبرز آثار التعليم الغربي في جانب التعليم الإسلامي فقدان الثقة التامة عند بعض الفئات المعنية بالتعليم الإسلامي، كأنما هو تعليم متخلّف رجعي يورث الخوف والاضطراب النفسي، فالتعليم الإسـلامي يعاني غربة يوماً بعد يوم، وخصوصاً بين المتحدثيـن بالثقافة الفرنكوفونيـة والأنجلوسكسونية، بالرغم من المؤتمرات واللقاءات المتكررة لتأكيد أهميته وتعزيز مكانته.

وليس أدل على ذلك من وقوع بعضهم فيما يُسمّى بالتحدي والاستجابة، حيث نجد كثيرين ممن تعلموا في مؤسسات التعليم الإسلامي غلبتهم الظاهرة الاستعمارية – القابلية الاستعمارية - في عقر ديارهم، فأدخلوا معظم أولادهم في المدارس الاستعمارية، مؤمنين ومتيقنين أن المستقبل الظاهر والغد القريب يتحقق به.

ولم يقف طمس معالم الثقافة الإفريقية والإسلامية عند هذا الحد، ولكنه تخطى إلى تغريب الدين والعواطف والقيم والمقاييس والمواقف والاتجاهات ليكون التناسب كاملاً بين الجيل الناشئ الذي تم إعداده وبين المهمة التي يراد إسنادها إليه[13].

لقد أورثنا التعليم الغربي تقديم المنفعة المادية – تأليه المنفعة – على المنفعة الأخروية، وهو ما أفقدنا أحياناً الثقة في منفعة التعليم الإسلامي، ويحضرني في هذا المقام قول أحد الإخوة عندما قال – أسفاً وتحسراً –: هل الذنب علينا نحن الذين قبلنا هذا النوع من التعليم أو الذنب على أولياء أمورنا؟ فقال مجيباً نفسه: الذنب علينا نحن حيث قبلنا مواصلة التعليم بالرغم من وضوح عدم فاعليته، وأنه لا ينبغي لأحد المواصلة في هذا النوع عند بلوغه سنّ الرشد والتمييز!! وقال الآخر: لو كان تعليمي هذا تعليماً فرنسياً أو إنجليزياً لحصّلت منه خيراً كثيراً!!

ومن أخطر مظاهر تأثير التعليم الغربي التنفير من الدين من حيث مبادئه، فالغرب بصفة عامة، والفرنسيون بصفة خاصة، يعملون بجدية على طمس معالم الدين من قلوب المجتمع الذي وقع تحت نيره؛ لتحطيم البنية التحتية أو الدعامة الأساسية العقدية التي يقوم عليها المجتمع المسلم؛ إذ يغرس التعليم الغربي في نفوس الشباب التهاون بأمر الدين، وجعله في نظرة الشبيبة أمراً لا يستحق أدنى تقدير، وينجم عن ذلك في نهاية المطاف عدم التزام الفرد بأوامر الوحي[14].

بالإضافة إلى ترغيب المجتمع في ثقافة الغرب في إطار منظومة القيم والعادات والتقاليد الغربية، حرصاً منه على السيادة الفكرية، والعمل على بلبلة القيم الإسلامية لدى المجتمع المعني، بحيث يكون الفرد كريشة في مهب الريح؛ مما يؤدي إلى إحداث شرخ غير هين في البنية الاجتماعية.

والأساليب التي تتخذها فرنسا لتحقيق ذلك كثيرة، على رأسها الثقافة التعليمية، وذلك الكم الهائل من المنشورات المكتوبة والمجلات المصورة التي تعج بالصور الفاضحة، والكلمات البذيئة المخلة التي تكون لها وقع سيئ في نفوس الناشئين، كما تؤثر سلباً في سلوكهم، فضلاً عن الكم الكبير والمتدفق من الكتب الشيوعية والرأسمالية صوب القارة، والتي تمثل في منهجيتها دعوة سافرة للإلحاد، وفي ظل هذ الوضع المعادي لكلّ ما من شأنه أن يخدم الدين من قريب أو بعيد انتفى ذلك الشعور بالانتماء الديني لدى الأفراد.

ومن آثار التعليم الغربي الهزيمة النفسية، فقد تعرض الأفارقة، والدول التي استُعمرت أنحاء أخرى من العالم، لحرب نفسية وثقافية، جعلتهم على الأقل يقبلون الرؤية الأوروبية للأشياء، ويعني ذلك أن الإفريقي نفسه يحمل شكوكاً حول قدرته على تحويل بيئته الطبيعية وتطوريها[15].

إن النظرة الغربية للحياة – لمعظم سكان إفريقيا – والتأثر بالفرنجة جعلتهم لا يعبؤون بأمور الإسلام والمسلمين، فالدولة علمانية في معظم جوانبها، وينعكس ذلك - دون شك - على العمل الإسلامي الرسمي أو الذي يقوم به الأفراد بمجهوداتهم الشخصية.

ومن مظاهر التأثر بالتعليم الغربي أن مناهج التعليم في جميع الدول الإفريقية لا تغرس في النفوس الرغبة في استرداد الحقوق المعنوية والمادية من ظالميهم بالأمس، وربما كان هذا أبرز الظواهر وضوحاً في تاريخ إفريقيا الحديث، على الأخص إذا استعاد الإنسان ذكرى مشاعر الغضب والمرارة التي كانت تزداد باستمرار داخل القارة على مدى قرون.

ومن آثار التعليم الغربي في الجانب الاقتصادي أنه شجع قيام الاقتصاد على القطاع العام، فصنع أجيالاً هشة متخاذلة، أكلت رصيد الدولة بالكسل والتراخي، والاعتماد على رأس مال الغير، لا يعنيهم كسب أو خسر.

ومن أبرز المظاهر استخدام التاريخ الميلادي في كل المعاملات اليومية، بما فيها مؤسسات التربية والتعليم، وهي من أبرز آثار التعليم الغربي في تاريخ إفريقيا المعاصرة، يُضاف إلى ذلك الاحتفال بـ 31 ديسمبر نهاية العالم الميلادي ووداعه والدخول في عام ميلادي جديد، وصدق أستاذنا عبد القادر عودة حينما كتب كتابه تحت عنوان: الإسلام بين جهل أبنائه وضعف علمائه.

رؤية في معالجة آثار التعليم الغربي، والنهوض بالتعليم الإسلامي:

بعد إخفاق تجربة النُّظُم التعليمية الوافدة على القارة الإفريقية؛ فإن تجربة التعليم الإسلامي هي الأداة الوحيدة التي توحّد الشعوب الإفريقية.

وتتمثل الإصلاحات التعليمية في إعادة كتابة مناهج التاريخ الإفريقي وتفريغه من التشويهات التي بثها المستعمرون وأنصافهم، وإظهار دورهم في تجارة الرقيق على أنه ثانوي، وإثبات الدور الرئيس والكبير للأوروبيين في تلك التجارة التي عبرت المحيط الأطلسي إلى أوروبا وأمريكا، والتعريف بالدور الرائد للأفارقة المسلمين في إثراء المعارف الإسلامية والإنسانية، وإدخال اللغة العربية في مناهج التعليم الإفريقي بوصفها لغة يتكلمها40% من سكان القارة الإفريقية، ولها تاريخها المشهود في إفريقيا، بالإضافة لمعالجة قضايا العلوم الإسلامية داخل المنهج الحكومي[16].

نريد أن يكون للتعليم الإسلامي مكانته السامية، وأن يُعطى القدر اللائق من الاهتمام من الجهات الشعبية، والجهات الرسمية والمسؤولة، وعلى الحكومات الإفريقية أن تستفيد من الازدواجية الثقافية، وأن تضع لها حساباتها في التخطيط لعملية التعليم.


* مدرس الحضارة والأدب الإفريقي بالمدرسة العليا لإعداد المعلمين – مالي.

[1] د. إسماعيل زنغو برزي: قضايا لسانية إفريقية، ط 1، 2011م / 1432هـ، بماكو مالي، ص 126.

[2] توري علي بن موسى: أثر الاستعمار الفرنسي على التعليم الإسلامي في ساحل العاج (كوت ديفوار) أطروحة ماجستير – جامعة إفريقيا العالمية 1996م - 1997م، غير منشورة، ص 92.

[3] جوزيف – كي – زيربو: تاريخ إفريقيا السوداء، ترجمة: يوسف شلب الشام، منشورات وزارة الثقافة، سوريا - دمشق 1994م، ج 2 / ص 782.

[4] عبد العزيز الكحلوت: الاستعمار والتنصير في إفريقيا السوداء، منشورات صحيفة الدعوة الإسلامية، ط 1 1991م، ص 100.

[5] د. قطب مصطفى سانو: النظم التعليمية الوافدة في إفريقيا، كتاب الأمة، قطر، المحرم 1419هـ، العدد: 63، ص 49.

[6] امبايلوبشير: قضايا اللغة والدين في الأدب الإفريقي، مركز البحوث والترجمة السودان، 1995م، ص 53.

[7] محمد البشير سميلا: النكسة الأخيرة لحركة الجامعة الإفريقية، محاضرة لطلاب الكليات والمعاهد العليا بجامعة بماكو.

[8] جيوالدمور: سبعة أدباء من إفريقيا، ترجمة: علي شلش، كتاب الهلال العدد 318، يونيو 1977م، ص 132، بتصرف.

[9] محمد البشر سميلا: النظم الاستعمارية والتناقض الداخلي، محاضرة لطلاب المدرسة العليا لإعداد المعلمين - بماكو مالي.

[10] أحمد عمر عبيد الله: لمحة عابرة عن التعليم في إفريقيا، رسالة إفريقيا، العدد الأول، ديسمبر 1991م، ص 34.

[11] أحمد عمر عبيد الله: المرجع السابق، ص 34.

[12] من محاضرات الباحث لطلاب المدرسة العليا لإعداد المعلمين EN.Sup بماكو –  مالي.

[13] د. إسماعيل زنغو برزي: قضايا لسانية إفريقية، مرجع سابق، ص 112.

[14] محمد البشر سميلا: الأوضاع السياسية وآثارها على التعليم الإسلامي في مالي، رسالة الماجستير، غير منشورة.

[15] د. إسماعيل زنغو برزي: قضايا لسانية إفريقية، مرجع سابق، ص 118.

[16] د. عبد الرحمن أحمد عثمان: مشكلات التعليم الإسلامي في إفريقيا، ندوة التعليم الإسلامي في  إفريقيا، قاعة الصداقة – الخرطوم 3/3/1988م، إصدار مركز البحوث والترجمة، جامعة إفريقيا العالمية، ص 4.