مسلمو ساحل العاج.. الأزمة وسيناريوهات المستقبل!

  • 11 -4 - 2011
  • بسام المسلماني


بسّام المسلماني

 عادت أجواء التوتر والاضطرابات لتضرب المشهد السياسي والأمني مجدداً في ساحل العاج؛ بعد رفض الرئيس المنتهية ولايته «لوران جباجبو» Laurent Gbagbo القبول بنتائج الانتخابات الرئاسية والإقرار بهزيمته أمام مرشّح تجمُّع الجمهوريين «الحسن واتارا» Alassane Ouattara المعترف به من قبل المجتمع الدولي رئيساً منتخباً للبلاد، والذي يعوّل عليه كثيراً- بعد القبض على غريمه ( لوران جباجبو)- لطيّ صفحة عقد دموي شهدته البلاد؛ أفضى إلى تقسيمها بين جنوب تسيطر عليه الأقلية المسيحية, وشمال تحكمه الأغلبية المسلمة.

 لكن ما قصـة هذا الصراع ومراحله؟ وكيف تطورت الأوضاع حتى تم القبض على "جباجبو" .

مسلمو ساحل العاج:

 يبلغ عدد سكان ساحل العاج, وفق إحصائيات عام 2009م، قرابة 19.997.000 مليون نسمة، وكشأن كل الإحصائيات تختلف الأرقام حول نسب السكان؛ إذ تتراوح تقديرات عدد المسلمين بها بين 60% - 65% (أي قرابة 13 مليون نسمة)، يدين معظمهم بالمذهب المالكي كشأن معظم دول غرب إفريقيا، وتتراوح نسبة النصارى بين 20% - 25% معظمهم كاثوليك (80%)، ويشكّل الوثنيون النسبة الباقية.

ويوجد بالبلاد 70 طائفة عرقية، لعل من أبرزها: الماندينجو، والجيولا أو الديولا (التي ينتمي إليها «الحسن واتارا» زعيم حزب تجمع الجمهوريين المعارض) المسلمتين في الشمال، ومن أشهر القبائل المسيحية قبائل البيتيPete  التي ينتمي إليه الرئيس «لوران جباجبو»، والبوليPoli  التي ينتمي إليها كل من الرئيس الراحل «هوافييه بوانييه» والرئيس «كونان بيديه» في الجنوب، فضلاً عن قبيلة ياكوبا في الغرب التي ينتمي إليها الرئيس العسكري الراحل «روبرت جيه».

 وهناك أكثر من ستين لهجة محلية؛ أبرزها لهجـة المانـدي الخاصة بقبائل الماندينجو، إلا أن الفرنسية هي اللغة الرسمية في البلاد.

أغلبية المسلمين يعملون في الزراعة في الشـمال، وخصوصاً في محصول الكاكاو، في حين يعمل الجنوبيون في مجال التجارة والصناعة.

هذا التقسيم الاقتصادي بالإضافة للتقسيم الجغرافي كانا سببين في زيادة حدّة الانقسامات في البلاد، وخصوصاً في ظل سياسة التمييز ضد المسلمين؛ حيث انقسمت البلاد إلى قسمين تقريباً؛ هما: شمال مسلم زراعي فقير يشكّل الأغلبية، وجنوب مسيحي صناعي تجاري غني يشكّل الأقلية.

«لعب الاستعمار الفرنسي منذ قدومه للبلاد أواخر القرن التاسع عشر، وحتى حصول البلاد على استقلالها عـام 1960م, دوراً هاماً في تكريس هذه الفوارق, فقام بإخضاع البلاد لنظام الحكم المباشر، وعمل على التمييز بين المواطنين على أساس الدين, فسمح لأبناء القبائل الوثنية والمسيحية باستكمال تعليمهم في فرنسا، وفي المقابل حُرم المسلمون من شغل الوظائف الهامة في البلاد.

ثم أصدر قانوناً عام 1939م تم بموجبه وضع أنصار كل ديانة تحت إشراف وزارة الداخلية، حتى يسهل تتبع تحركات أتباع كل ديانة، ومن ثم احتواء أي حركة اضطراب أو تذمّر، (ولعل ذلك كان سبباً في بروز الخلاف بين النظام الكاثوليكي، والمعارضة الإسلامية بعد ذلك, حيث كانت المعارضة تطالب دائماً بحقيبة الداخلية؛ من أجل تحاشي عملية التتبع والاعتقال، فضلاً عن إسقاط الهوية عن المسلمين، كما سنرى بعـد ذلك).

ولم تكتفِ باريس بهذا، بل كانت تكافئ كل من يرتد عـن دينه من المسلمين بمنحه الجنسية الفرنسية، وبذلك ساهمت فرنسا في تمكين الأقلية الكاثوليكية مـن السيطرة على مقاليد الحكم في البلاد, كما سعت لطمس الهوية الثقافية للأغلبية المسلمة؛ من خلال جعل الفرنسية هي اللغة الرسمية، كما حظرت لغة الماندي التي كانت لغة الإسلام في غرب إفريقيا، فضلاً عن منعها تدريس الإسلام في المدارس.

لم يرغب الاستعمار الفرنسي في الرحيل دون تسليم البلاد لأحد الأتباع الأوفياء الذي يسمح لهم بالبقاء - بصور مختلفة - في البلاد، ولم تجد فرنسا رجلاً أوفى من «هوفييه بوانييه» رئيس الحزب الديمقراطي ذي الغالبية الكاثوليكية، وعضو البرلمان الوطني الفرنسي, حيث إنه يتمتع بالجنسية المزدوجة، فصار «بوانييه» رئيساً للبلاد، وصار حزبه هو الحزب الوحيد، بالرغم من أنه أخذ بالمبادئ الليبرالية في المجال الاقتصادي.

وتم وضع أول دستور - علماني - في البلاد، واحتفظت فرنسا بقاعدة عسكرية كبيرة، هي قاعدة ميناء بويه بالقرب من أبيدجان Abidjan‏، ويوجد بها قرابة ألف جندي من الكتيبة 43 مشاة بحرية، ولم يمضِ سوى عامين فقط حتى قام «بوانييه» بتوقيع معاهدة للدفاع المشترك مع باريس عام 1962م، يحق لفرنسا بمقتضاها التدخل لإنقاذ البلاد من أي عدوان خارجي، أو تمرد داخلي، كما تم تغيير اسم البلاد إلى الفرنسية، فأصبحت «كوت ديفوار».

كان لنشـأة «بوانييه» في المدارس التبشيرية بصماتها الواضحة على سياسته, فلقد أقسـم أمام بابا الفاتيكان على جعل بلاده قاطبة تحت «راية الصليب»، وعمد إلى إشاعة فكرة تفوّق الكاثوليكية على الديانة الإسلامية، وذلك أثناء بناء كنيسته الشهيرة في العاصمة ياماسوكرو، وقام بتسخير المال العام لخدمة الكنيسة والمدارس الكاثوليكية، كما فتح وسائل الإعلام الرسمية لتغطية الاحتفالات الكاثوليكية، خاصة يوم الأحد الذي كان يوم العطلة الأسبوعية الرسمية في البلاد، كما أعلن أيام الأعياد الكاثوليكية أيام عطلات رسمية، في حين رفض الاعتراف بأعياد المسلمين، وهو أمر غير مسموح به حتى اليوم»(1).     

اعتمد «بوانييه» مبدأ الحريات الاقتصادية, وعمل على تشجيع الاستثمار الحر، وقد ساهمت هذه السياسة في دخول عدد كبير من المستثمرين الأجانب للبلاد، «كذلك شجّعت على هجرة العمالة - خاصة في مجال زراعة الكاكاو الذي تعد ساحل العاج أكبر منتج له على مستوى العالم؛ إذ تنتج قرابة ثلث الناتج العالمي - من دول الجوار الإسلامي، خاصة مالي - بوركينافاسو - غينيا، وسمح لهؤلاء المستثمرين الأجانب بالحصول على الجنسية العاجية، حتى بلغ تعداد هؤلاء قرابة 60 ألفاً - منهم 40 ألف فرنسي - يسيطرون على 41% من رأس المال، و 55% من تجارة البلاد، في حين بلغ عدد الأجانب الأفارقة من دول الجوار قرابة 5 ملايين نسمة - معظمهم مسلمون -، وهو ما أحدث مشكلة بعد ذلك، خاصة بعدما تزاوج هؤلاء بالعاجيين؛ لذا تمت إثارة قضية المواطنة فيما يتعلق بالترشيح في الانتخابات، وكان أول من أثار هذه القضية الرئيس «كونان بيديه» عندما أراد الحيلولة دون منافسة «الحسن واتارا» له في الانتخابات التي شهدتها البلاد عام 1995م»(2).

بدأ الوضع السياسي للمسلمين أوائل التسعينيات في التحسّن التدريجي، وخصوصاً «بعد انهيار الاتحاد السوفييتي من ناحية، ومظاهرات الطلبة المنادية بالأخذ بمبدأ التعددية من ناحية ثانية، وتم إجراء أول انتخابات رئاسية تعددية في البلاد، وكانت المفاجأة أن المرشّح الرئيس لـ «بوانييه» كان كاثوليكياً أيضاً، وهو «لوران جباجبو» رئيس الجبهة الشعبية الإيفوارية ذات التوجهات الاشتراكية، ورئيس البلاد الحالي، كما بدأ «بوانييه» يشعر بمزاحمة من رئيس البرلمان «كونان بيديه», وهو كاثوليكي أيضاً من قبيلته نفسها, ومِن ثَمّ قام باستحداث منصب رئيس الحكومة، وعهد به إلى شخصية مسلِمة من الشمال هي «الحسن واتارا» - نائب رئيس صندوق النقد الدولي ورئيس حزب التجمع الجمهوري الذي ينتمي إلى قبيلة الجيولا، ولقد ساهمت هذه الخطوة في إيجاد حالة من التوازن النسبي بين المسيحيين والمسلمين»(3).

المواقف الأخيرة لـ «بوانييه»، من تعيين «الحسن واتارا»، وإتاحة بعض الحريات للمسلمين، أغضبت فرنسا والفاتيكان وأتباعهم في «ساحل العاج», فقاموا بإبراز شخصية جديدة لم تكن سوى «كونان بيديه» (رئيس البرلمان) الذي تولّى رئاسة البلاد تلقائياً بعد وفاة «بوانييه» طبقاً للدستور.

ولكن الصراع بين «بيديه» ومنافسه الانتخابي «واتارا» الذي يتمتع بشعبية كبيرة في صفوف المسلمين، وبعض المسيحيين والوثنيين الراغبين في استكمال الإصلاحات الاقتصادية التي شهدتها البلاد على يد «واتارا», دفع «بيديه» ومعاونيه إلى التلاعب بقضية «الجنسية», حيث شكّكوا بـ «إفوارية» المنافس الانتخابي القوي، وقالوا: إنه من أصول «بوركينية»، وقد أدّت هذه الخدعة إلى فوز «بيديه» بمدة رئاسية جديدة وسط أجواء من الغضب الشعبي والتوترات؛ انتهت بإطاحة الجيش به عام 1999م، واختير «روبرت جي» رئيساً مؤقتاً للبلاد، وفي موعد الانتخابات رشّح «جي» نفسه للرئاسة واستخدم الورقة القديمة «الجنسية» لإبعاد «واتارا» عن الصراع الانتخابي؛ بيد أنه هُزم أمام «جباجبو».

وما هذه الورقة إلا إحدى وسائل سيطرة الجنوب على الشمال؛ إذ من المعلوم أن فرنسا في أعقاب مؤتمر برلين 1884 – 1885م الذي أعطى مشروعية تقسيم إفريقيا للقوى الاستعمارية الأوروبية؛ قد شرعت في تأسيس اتحادين رئيسين يضمّان مستعمراتها في إفريقيا:

الأول: أُطلق عليه «اتحاد غرب إفريقيا الفرنسية», وعاصمته «داكار»، وكان يضم كوت ديفوار.

الثاني: هو «اتحاد إفريقيا الاستوائية الفرنسية», وعاصمته «برازافيل».

وقد انتهجت فرنسا أسلوب الإدارة المباشرة في حكم هذه المستعمرات، ومن ثم كانت جميعها مثل أقاليم تابعة للدولة الأم التي تشرف عليها من خلال وزارة المستعمرات في باريس، يعني ذلك أن مسألة «المواطنة» في إقليم معيّن لم تنشأ إلا بعد الاستقلال عن فرنسا, وأنها مسألة حديثة نسبياً ترجع في حالة كوت ديفوار إلى عام 1960م.

وعلى صعيد آخر؛ فإن الأعراف والمواريث التقليدية الإفريقية تقرّ وتعترف بكلٍّ من النسب الأبوي والنسب الأمّي (من جهة الأم)، أي أن أحدهما يكفي، وليس بالضرورة كلاهما، علاوة على أن رئيس البلاد لم يُنتخب يوماً بطريقة ديمقراطية فعلية، سواء كان «هوفييه بوانييه» أو «كونان بيديه» أو «روبرت جي» أو «لوران جباجبو» الذي أعلن نفسه بنفسه فائزاً بعد انتخابات أكتوبر 2000م التي واجهت أكثر الاعتراضات في تاريخ البلاد؛ بسب استبعاد «الحسن واتارا» منها(4).

حكم «جباجبو» واضطهاد المسلمين:

عقب تسلّم «جباجبو» للسلطة لم ينجح في احتواء الشمال وزعيمه «واتارا» بعد الانتخابات الرئاسية، صحيح أنه التقاه، إلا أنه لم ينجح في التوصّل لاتفاق ودّي معه بالترضية له، مثل: منحه منصب رئيس الحكومة - كما فعل «بوانييه» -، أو إحدى الحقائب الوزارية السيادية، خصوصاً أن «واتارا» لم يعترف بنتيجة الانتخابات بسبب استبعاده منها, إلا أن «جباجبو» أصرّ على تطبيق مبدأ الاستبعاد، وقرر كذلك عدم مشاركة «واتارا» في الانتخابات البرلمانية التي شهدتها البلاد في شهر ديسمبر، كما تمّ استبعاد حزب «واتارا» من تشكيلة الحكومة الجديدة، والتي استأثر فيها حزبه بأغلبية مقاعدها؛ 18 مقعداً من إجمالي 23 مقعداً.

ولم يكتف «جباجبو» باستبعاد المسلمين سياسياً، بل سعى إلى تصفيتهم جسدياً من خلال تشكيل ميليشيات عسكرية موالية له عُرفت باسم «كتائب الموت»، وتضمّ بالأساس أفراد قبيلته (البيتي)، فضلاً عن الحرس الخاص به, ولقد كان الهدف الأساس لهذه الكتائب: هو تصفية خصومه الشماليين (المسلمين)، وفي مقدمتهم «واتارا» الذي دعا أنصاره إلى ضرورة العمل على إسقاط النظام, وهنا شهدت البلاد حرباً دينية بين أقلية حاكمة ظالمة، وأغلبية مضطهدة؛ فقامت «كتائب الموت» بذبح المسلمين، وحرق مساجدهم، وكادت تظفر بـ «واتارا» لولا هروبه خارج البلاد.

كما قام «جباجبو» بفرض حظر تجول في الشمال خوفاً من حدوث تمرد ضده، لكن ما كان يخشاه حدث، فقد قام بعض الضباط المسلمين في الجيش في الأسبوع الأول من يناير 2001م بالسيطرة على مبنى الإذاعة والتليفزيون، وأذاعوا بياناً يؤكد إسقاط النظام، لكن «جباجبو» تمكّن من سحق الانقلابيين.

ولم يكن الانقلاب هو المفاجأة الوحيدة له؛ حيث جاءت المفاجأة الثانية في نتائج الانتخابات البلدية، حيث فاز فيها حزب «واتارا» بالمركز الأول بالرغم من فراره خارج البلاد؛ في حين جاء حزبه في المركز الثالث.

حاول «جباجبو» احتواء الاحتقان المتزايد, فبدأ في اتخاذ بعض الخطوات نحو تحقيق المصالحة الوطنية، فعقد مؤتمر للمصالحة في يناير 2002م، وكان من أهم مخرجاته تشكيل حكومة جديدة، لكنها كانت شكلية بسبب استبعاد الشماليين منها؛ لذا صارت الأوضاع مهيأة لحدوث انقلاب ثانٍ، وقد تحقق  هذا الانقلاب في 19/9/2002م، وذلك بعد قرار «جباجبو» تسريح أكثر من 800 جندي وصف ضابط من الجيش (معظمهم من مسلمي الشمال), وهو ما دفع هؤلاء إلى الانقلاب عليه، ونجحوا في زمن قياسي من السيطرة على نصف مساحة البلاد، واحتلوا أهم مدينتين، هما: «بواكيه»، و «كورجوهو» ذات الأغلبية المسلمة، وكانوا على وشك السيطرة على العاصمة «ياماسوكرو» Yamoussoukro ؛ إلا أن القوات الفرنسية حالت دون ذلك.

وقد أعلن قادة الانقلاب تشكيل جبهة سياسية أُطلق عليها اسم «الجبهة الوطنية لساحل العاج» بزعامة «جويلومي سورو» Guillaume Soro‏ (مسيحي)، وتم إعلان اسم الضابط «شريف عثمان» قائداً للجناح العسكري للجبهة.

وإزاء هذا الوضع المتأزم تحرك «جباجبو» على عدة محاور؛ هي:

1 - طلب الدعم العسكري من فرنسا، لكنها رفضت التورط في قمع الانقلاب.

2 - الاعتماد على دعم خارجي، وخصوصاً من أنجولا التي تمتلك سلاحاً جوياً كبيراً، ولها خبرة طويلة في مواجهة الانقلابات العسكرية، وذلك وفق اتفاق عسكري بين الجانبين، كما استعان بمرتزقة من جنوب إفريقيا للمشاركة في قمع الانقلاب، وهو الأمر الذي قوبل باستنكار دولي وإفريقي واسع النطاق.

3 - الحسم العسكري للصراع, حيث ارتكبت قواته جرائم ضد الإنسانية في مواجهة الانقلابيين، وكذلك ضد مواطني دول الجوار؛ بزعم إيوائهم لهم، وقامت بحرق بيوت هؤلاء، وكان من بين الضحايا الجنرال العسكري السابق «روبرت جيه» الذي ينتمي لقبائل ياكوبا المسيحية في الغرب، وهو ما أدى بعد ذلك لقيام حركتي تمرد - مسيحيتين - في الغرب؛ هما: «حركة العدالة والسلام»، و «الحركة الشعبية لغرب ساحل العاج»؛ بهدف الثأر لمقتله.

ولقد كشفت الصحف والتقارير الدولية أعمال الإبادة التي وقعت بالمسلمين على أيدي قوات «جباجبو»، ومن ذلك ما ذكرته صحيفة «سياتل بوست انتليجينسز» الأمريكية، والتي قالت: إن ميليشيات «جباجبو» تسرق أموال المسلمين، وتعتدي عليهم. وهو الأمر نفسه الذي ذهبت إليه بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق، حيث قالت: إن قوات «جباجبو» تقوم بخطف المسلمين والاعتداء عليهم.

لكن بالرغم من ذلك أخفق «جباجبو» في احتواء الموقف، وتدخّلت أطراف إقليمية للتوسّط بين الطرفين، وبخاصة الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)؛ بناء على أن ساحل العاج عضو بها، وقد توصل الطرفان لاتفاق لوقف إطلاق النار في توجو 2003م، مع النصّ على قيام القوات الفرنسية الموجودة في البلاد بالإشراف عليه لحين وصول قوات «إيكواس»، لكن «جباجبو» لم يحترم وقف إطلاق النار, فاندلع الصراع مجدداً, وهو ما دفع فرنسا إلى ضرورة التدخّل للتوسّط بين الطرفين، وانتهى الأمر بتوقيع «اتفاق ليناس ماركوسي» (24/1/2003م).

كان من أهـم بنوده:

1 - تشكيل حكومة وحدة وطنية، يرأسها رئيس وزراء، يعيّنه الرئيس بالتشاور مع الأحزاب الأخرى، على أن تضم الحكومة كل أطراف النزاع بما فيها حركتا التمرد في الغرب، بحيث يتم تخصيص تسع حقائب وزارية لفصائل المتمردين الثلاثة، منها حقيبتا الداخلية والدفاع، على أن يكون نصيب الحركة الوطنية التي قادت الانقلاب سبع حقائب، كما يتم تخصيص سبع حقائب مماثلة لحزب «واتارا».

2 - بقاء الرئيس الحالي «جباجبو» في منصبه حتى موعد الانتخابات القادمة, مع تقليص صلاحياته لحساب رئيس الوزراء.

3 - إجراء تعديل للمادة 35 من الدستور بخصوص الترشّح لمنصب رئيس البلاد؛ بحيث يتيح لأي شخص من أم عاجية أو أب عاجي الترشّح في الانتخابات؛ بشرط أن يكون مقيماً في البلاد لمدة خمس سنوات متتالية قبل الانتخابات.

4 - التحديد الدقيق لمواصفات الهوية والمواطنة في صياغة لا تسمح بأي تمييز بين المواطنين، وأن تصدر التعديلات القانونية طبقاً لهذه الصياغة.

5 - نزع أسلحة الفصائل المسلحة الثلاثة في الشمال والغرب، وإعادة تنظيم الجيش، على أن تتولى فرنسا إعادة بنائه، مع دمج قادة الانقلاب في الجيش وفقاً لمواصفات عسكرية تحدّدها فرنسا، مع طرد المرتزقة من البلاد.

6 - إنشاء لجنة لمراقبة تنفيذ الاتفاق، تتألف من ممثلين عن الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، و «إيكواس»، والمنظمة الفرانكفونية، وغيرها، على أن يكون مقر اللجنة في أبيدجان.

7 - استمرار العمل بقانون الملكية العقارية الصادر عام 1998م، والذي يمنع الأجانب من تملّك الأراضي الزراعية، مع إصدار تعديلات قانونية، تسمح للورثة بالحق في وراثة عقود الإيجار طويلة الأمد التي نص عليها الدستور.

و «يلاحظ على هذا الاتفاق عدة أمور:

- مشاركة كل القوى فيه, بشقيها العسكري والسياسي، وعدم اسـتبعاد أي منها خشية تجدد النزاع من جديد؛ لذا كان من بين المشاركين «حزب واتارا» الذي حصل على سبع حقائب وزارية.

- التوزيع العادل - نسبياً - للحقائب الوزارية بين القوى المختلفة (سبع حقائب لكل من «واتارا» الحركة الوطنية التي قادت التمرد الأخير, وحقيبة واحدة لكل جبهة من جبهتي التمرد الغربي).

- إعطاء الاتفاق حقيبة الداخلية للمسلمين يعد أمراً ذا دلالة بالغة؛ إذ يساهم في حل قضية المواطنة التي كانت لبّ الصراع مِنْ قَبْل؛ على اعتبار أن وزارة الداخلية هي المسؤولة عن شؤون الهوية والجنسية.

- أن الاتفاق تضمّن بنوداً عملية واضحة ومحددة؛ على عكس مسودة الاتفاق التي توصّل إليها الطرفان في توجو في نوفمبر 2003م، وباءت بالإخفاق.

- الاتفاق على تعديل المادة (35) من الدستور بشكل لا يستبعد المسلمين - وقائدهم «واتارا» تحديداً - من خوض الانتخابات القادمة»(5).

تطورات الأزمة:

تصاعدت الأزمة مرة أخرى في أواخر نوفمبر الماضي 2010م إثر الانتخابات الرئاسية الأخيرة، عندما أعلنت لجنة الانتخابات المستقلة التي تضم (الأمم المتحدة والولايات المتحدة وفرنسا ودول غرب إفريقيا) عن فوز «واتارا» بنسبة 54 % مقابل 46 % من الأصوات لـ «جباجبو»؛ إلا أن رئيس المجلس الدستوري سرعان ما خرج على الملأ ليعلن أن «جباجبو» هو الفائز بعد أن أحرز 51 % من الأصوات؛ موضحاً أن نتائج التصويت في سبع من المناطق الشمالية المؤيدة لـ «واتارا» ألغيت بسبب ما أسماه تجاوزات انتخابية خطيرة، ولم يقف الأمر عند ذلك، بل إن رئيس الوزراء «جويلومي سورو» أعلن استقالته من منصبه وتأييده لمرشّح المعارضة، فيما تعهد الجنرال «فيليب مانجو» قائد القوات المسلحة بالولاء لـ «جباجبو»، وترافق مع هذه التطورات أعمال عنف محدودة أسقطت عشرات القتلى.

الموقف الدولي:

ومع هذه التطورات تدخلت عدة دول إقليمية ودولية على خط الأزمة، لكن اللافت في هذه الأزمة هو تأييد واشنطن وباريس لـ «الحسن واتارا»، بل اللافت أيضاً أن فرنسا، وهي الدولة التي كانت تحتل ساحل العاج في السابق، بدت متوافقة تماماً مع موقف أمريكا على الرغم من الصراع بينهما على النفوذ في القارة السمراء!

واختلفت  التفسيرات حول موقف فرنسا وأمريكا حيال هذه الأزمة, فأرجعها بعض المحللين إلى تهديد «واتارا» وأنصاره بحرب أهلية جديدة في حال عدم اعتراف «جباجبو» بنتائج انتخابات الرئاسة، وهو ما يضع فرنسا وأمريكا في مأزق خشية أن تندلع الحرب مجدداً، وهو ما قد يؤثر بشدة على مصالحهما وشركاتهما المستفيدة من زراعة الكاكاو التي تتركز أساساً في شمال ساحل العاج ذي الأغلبية المسلمة، وهو الذي جعلها واحدة من أغنى الدول المستقلة حديثاً في غرب إفريقيا.

ويضاف إلى ذلك قلق أمريكا وفرنسا من المسلمين الذين تبلغ نسبتهم 65% من عدد السكان، وباتوا في غضب عارم بسبب الظلم الواقع عليهم والقادم من الجنوب؛ حيث رفاهية النخبة السياسية التي تخصصت في نهب الفارق بين السعر الدولي للكاكاو والسعر البسيط جداً الذي يدفعونه لمزارعي الكاكاو؛ لدرجة دفعت بعض المحللين للقول إن ما يحدث في ساحل العاج حالياً هو ثورة «الظلم ضد الطغيان» أو «ثورة مسلمي كوت ديفوار».

غير أن الذي يدعو للشك هو رفض «جباجبو» التنحي عن السلطة على الرغم من التأييد الدولي والإقليمي المعلَن لـ «الحسن واتارا»، والاعتراف به رئيساً للجمهورية، ويسوّغ أصحاب هذا الاتجاه مخاوفهم بأن الموقف الغربي المعلن لن يؤثر كثيراً في التغيرات على أرض الواقع, فلن يتخذ الغرب خطوات جادة ضد «جباجبو»؛ وخصوصاً أنه يسيطر بشكل شبه تام على الأوضاع في الجنوب العاجي، وولاء الجيش وقبائل الجنوب له، فضلاً عن دعم استخباراتي فرنسي تقليدي - قد يشوبه التوتر أحيانًا - مكَّنه طوال السنوات الماضية من تحدي الجميع، والقيام بوضع العراقيل أمام تنفيذ «اتفاق سلام بوركينافاسو»، وتأجيل الانتخابات مرة تلو الأخرى، دون أن يواجه موقفاً دولياً يتجاوز المطالبة بتسريع عقد هذه الانتخابات، يضاف إلى ذلك أن باريس لا تبدي ارتياحاً لخلفه «واتارا»، وتعده معادياً لها.

ولكن هناك من يرفض هذا الطرح، ويقصر توتر علاقات باريس مع الزعيم الشمالي على حقبة الرئيس السابق جاك شيراك، مدللين على تبدّل مواقف باريس تجاهه بالاعتراف السريع به رئيساً من جانب ساركوزي، ومطالبته لخصمه بالقبول بالهزيمة، وهو ما يوحي بأن الجهة الوحيدة التي راهن عليها «جاجبو» قد تخلّت عنه، ولم يبق أمامه إلا الاعتماد على مواقف الكيان الصهيوني ومنظمات التنصير التي غضّ الطرف عن اختراقها للمجتمع العاجي طوال العقد الماضي، وإن كان تأثير الطرفين يبدو محدوداً جداً، بالرغم من أنهما مارسا دوراً في دعم أنشطة «فرق الموت» في مناطق المسلمين، وتأييدهما لتصفية القادة الشماليين؛ إيماناً منهما بأن وصول مسلم لسدة السلطة يعني نهاية عصر عرّابي الفرانكفونية والموالين للغرب، وتجفيف منابع نفوذهما في البلاد.

الدور الصهيوني:

نجح الكيان الصهيوني في اكتساب أرضية في البلاد عبر دعمه الشديد لـ «جباجبو», وإمداده له بالأسلحة والخبراء، وتدريب قواته وحرسه الرئاسي, فالصهاينة موجودون في جميع المؤسسات في جنوب البلاد, سواء كانت عسكرية أو مدنية، تكنولوجية أَو زراعية.

كانت صحيفة «هآرتس» الصهيونية قد ذكرت تفاصيل صفقة عَقَدَها تجّار سلاح من الكيان الصهيوني مع ساحل العاج عن طريق «شركة أنظمة الدفاع الجوي»، اشتملت على معدات عسكرية بينها طائرات استطلاع، وصفقة ذخيرة، وقنابل مضيئة(6), فضلاً عن الأنشطة المشبوهة ضد المسلمين في الشمال, ومحاولة إثارة الاضطرابات في صفوفهم عبر قيام جهاز الموساد بدور مهم في تصفية وجهاء المسلمين في المجتمع العاجي، بل إن بعض التقارير تشير إلى دور صهيوني مباشر يسعى  لتفريغ اتفاق السلام الموقّع في بوركينافاسو من أي مضمون؛ لإدراكهم أن الفوضى تصبَّ في مصلحة حلفائهم من الأقلية النصرانية.

وفي السياق نفسه؛ ذكرت مصادر إعلامية فرنسية أن عناصر الصهيونية كانوا يديرون مركزاً للاستخبارات والتنصت في أبيدجان عاصمة ساحل العاج، قادوا عملية غارات جوية على شمال البلاد، «لعل هذا يلقي الضوء على الدور الصهيوني للتغلغل في إفريقيا، وفى منع المسلمين من الوصول للسلطة رغم أنهم الأغلبية، إذا ما وضع إلى جانب ذلك المعلومات المعروفة عن الدور الصهيوني في جنوب السودان، وفي منطقة دارفور، وإريتريا، وجنوب إفريقيا.. الذي يتلخص في اكتساب عملاء لـ «المستعمر الجديد», ودراسة الحالة لاسـتغلال المشكلات والصراعات المحليـة، وتأجيج هـذه الصراعات»(7).

سيناريوهات المستقبل:

كانت هناك سيناريوهات متوقعة لهذه الأزمةٍ قبل حسمها بالقبض على " جباجبو", ولعلنا نعرض لها, ثم نتوقف عند كيفية الحسم ومآلاتها, وهذه السيناريوهات كالتالي:

1 - السيناريو الأول: ويُطلق عليه السيناريو «الكيني - الزيمبابوي»: حيث يقبل بمقتضاه «واتارا» تقاسم السلطة, والحصول على منصب رئيس الوزراء وعدد من المناصب السيادية لصالح تحالف المعارضة، وهذا السيناريو يسعى أنصار «جباجبو» لترويجه وتطبيقه، غير أن كل المؤشرات تؤكد صعوبة تَكراره في ظل وجود موقف دولي وإقليمي قوي مؤيد لـ «واتارا»، ورفض لجميع مزاعم خصمه.

2 - السيناريو الثاني: يمكن أن يُطلق عليه «سيناريو المصالح»: حيث تضغط فرنسا وأمريكا بشدة على «جاجبو» لمغادرة السلطة، مع ضمان دور سياسي للقوى التقليدية في البلاد عبر تشكيل حكومة وحدة وطنية بشكل مشروع، وإعادة توحيد البلاد، وصياغة دستور جديد، وبناء مؤسسات الدولة وفق معايير جديدة, أهم أولويتها ضرورة عدم تجاهل دور دول الجوار العاجي، وموقف دول الرابطة الاقتصادية لغرب إفريقيا «إيكواس» بقيادة نيجيريا الداعمة بقوة لطيّ صفحة «جاجبو»، لكن هذا السيناريو يعيقه موقف " جباجبو" المتشبث بالسلطة, وغير قابل للتنازل عن الحكم, مما قد يستغرق وقتا طويلا, يزيد من حالة الانقسام, وعدم الاستقرار التي تشهدها البلاد

3 - السيناريو الثالث: وهو سيناريو الحسم الذي تم بالفعل وكان يُطلق عليه << سيناريو الحسم السريع»: من خلال إعطاء الولايات المتحدة أو فرنسا الضوء الأخضر للقوات الشمالية للزحف على العاصمة، وإبعاد «جاجبو» وتنصيب «واتارا» بالقوة بشكل خاطف من خلال تقديم دعم محدود لها, دون التورط في الحرب, وقد رجحت كفة هذا السيناريو نتيجة للشرعية الشعبية والدولية التي حظى بها " وتارا" عقب فوزه في الانتخابات, وتعهده ببناء مجتمع جديد في ساحل العاج يقوم على التعددية وإتاحة الحرية لجميع أطياف المجتمع, وإزالة الاحتقان الطائفي في البلاد .

ساحل العاج وآفاق المستقبل:

يتعين على "واتارا" خلال المرحلة القادمة أن يبدأ ببسط الأمن, والعمل على استقرار البلاد, التي تعاني من فوضى عارمة, حتى يتمكن من السيطرة على الأوضاع, ومنع السرقة وأعمال الشغب والعنف المتوقعة من المتعاطفين مع "جباجبو", وهناك مؤشرات لإمكانية استعادة "واتارا" الأمن مرة أخرى؛ حيث أعلنت محطة تلفزيونية مواليه لـ "وتارا" أن قادة الجيش الذين قاتلوا من اجل "جباجبو" اعلنوا ولاءهم لمنافسه "وتارا", وقالت المحطة إن "فيليب مانجو" رئيس أركان الجيش وكل قادة القوات البرية والجوية والبحرية تعهدوا للولاء لـ "وتارا" , كما أن القوات الشمالية بدأت في مصادرة الأسلحة الثقيلة التي كان يستخدمها خصوم "وتارا".

القضية الأخرى التي تحتاج قرارات سريعة هى إجراء مصالحة شاملة حتى لا تنجر البلاد إلى حرب أهلية مرة أخرى, خاصة وانه لا يزال هناك الكثير من مؤيدي "جباجبو" في الجنوب, لذلك يجب على "وتارا" أن يعمل على استيعابهم واحتوائهم؛ للحفاظ على النظام, وتوفير الاستقرار اللازم؛ لتصدير الكاكاو وإخراج البلاد من الأزمة الإنسانية التي تعاني منها .

وقد تنبه "وتارا" لأهمية هذه الخطوات فدعا في كلمته التي ألقاها عقب اعتقال "جباجبو" إلى طي صفحة الماضي المظلمة, معربا عن عزمه تشكيل لجنة للمصالحة الوطنية, وداعيا جميع المقاتلين إلى إلقاء سلاحهم.

وبشكل عام فان اتجاه الأحداث يسير في مصلحة الأغلبية المسلمة الشمالية لإنهاء سنوات من الاضطهاد والتمييز ضدهم .

 

[1] - كاتب وباحث مصري

(1) ساحل العاج، موسوعة الإخوان المسلمين.

http://www.ikhwan.net/wiki/index.php?title=%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D9%84_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%AC

(2)  مصدر سابق.

(3)  مصدر سابق.

(4) اضطرابات ساحل العاج.. مصالح فرنسا فوق حقوق الأغلبية المسلمة، رضا عبد الودود، منارات إفريقية.

(5) ساحل العاج، موسوعة الإخوان المسلمين، مصدر سابق.

(6) ساحل العاج.. صراع إمبراطوري بوقود محلي، خالد يوسف، منارات إفريقية.

(7) ساحل العاج.. صراع إمبراطوري بوقود محلي، مصدر سابق.