مستقبل مالي في ضوء التدخّلات الغربيّة

  • 2 -4 - 2013
  • كمال محمد جاه الله


بين الفينة والأخرى تُبتلى بلاد المسلمين التي كرّمها الله وجعلها خير أمّة أُخرجت للناس بأزمة من الأزمات التي تُهدر طاقتها، وتبدّد قدراتها، وتُعطّل مسيرة الدعوة إلى الله في رحابها، فتصير تلك البلاد مسرحاً مشاعاً لتدخّلات دوليّة، لا تريد خيراً ولا نفعاً للأمّة الإسلامية.

إن ما جرى في جمهورية مالي طوال السنة الماضية، وحتى الآن، ليقف دليلاً قاطعاً على أن أمّة الإسلام في هذا البلد، الذي يشهد تاريخه القديم والحديث على قيام ممالك وحضارات إسلامية كان لها السبق في نشر الإسلام وسماحته في تلك البقاع من قارة إفريقيا، مستهدفة للنيل من خصوصيتها الإسلامية التي صهرت التنوع الإثني واللغوي والجهوي، وجعلت منه مثالاً يُحتذى في التآخي والتعاون.

يشير التاريخ القريب إلى أن هناك أزمات عديدة، من هذا النوع، مرّ بها هذا البلد الذي يدين أكثر من 95% من سكّانه بالإسلام، أولاها تمرّد حدث في العام 1963م، وثانيتها تمرّد حدث في العام 1990م، وثالثتها تمرّد حدث في العام 2006م.

أما الأزمة الحاليّة، والتي انطلقت شرارتها الأولى في مدينة ميناكا يوم 17 يناير 2012م، فتختلف عن سابقاتها من الأزمات، إذ أن هذه الأزمة، على غير العادة، اجتذبت اهتماماً دولياً مفاجئاً، كان يمكن أن يكون مُعلّلاً لو أن مالي تُعد واحدة من المناطق الغنيّة بمواردها الطبيعية التي تتنافس عليها القوى العظمى.

ولهذا يطرح السؤال الآتي نفسه في هذا المضمار: ما الذي يجعل من بلد إفريقي يخلو من مقدّرات الدولة الاستراتيجية، والتي تتمثّل في مصادر الطاقة (النفط والغاز)، يجتذب هذا الانتباه الدولي الكبير إلى أزمته الداخلية؟

والإجابة عن هذا السؤال تستدعي قراءة واعية، ليست فيما يتعلق بمالي وحدها بمعزل عن جاراتها؛ لأن القوى العظمى لا يمكن أن تسعى لتحقيق هدف واحد تحشد له كلّ طاقاتها، وإنما تستنفر هذه الإمكانات لتحقيق جملة من الأهداف المعلنة وغير المعلنة.

إن المتابع لما ينشره الإعلام الغربي والعربي عن هذه الأزمة ليقف على أن ما يُسمّى «ملف مكافحة الإرهاب في منطقة ساحل الصحراء الإفريقي» يتصدّر الأسباب التي من أجلها حشد المجتمع الدولي حشوده بقيادة فرنسا للتدخّل في مالي، لكن مع التسليم بهذا السبب الجوهري فلا يُعقل أن ننسى دول جوار مالي، لا سيما الجزائر التي تتربعّ على كنزي مصادر الطاقة النفطية والغازية.

كما أن فرنسا لا تنسى مستعمراتها القديمة، وإن طال الزمن، إذ تظل تراقب الوضع انتظاراً لفرصة سانحة حتى تحقّق ما تريد، ولا يغيب عنها في كلّ الأحوال أن الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً، بسطاً لهيمنتها على الدول الإفريقية وعلى نحو أخص في هذه المنطقة، تسعى إلى تشييد قاعدة عسكرية دائمة في منطقة الساحل، مما ينال من مصالح فرنسا الحيوية، علاوة على أن فرنسا ما تزال تنظر بريبة للانقلاب الذي حدث في مالي في 22 مارس 2012م بقيادة النقيب أمادو سونجو، والذي تلقّى تدريبات عسكرية سابقة في الولايات المتحدة.

ولهذه الأسباب وغيرها؛ تصدّرت فرنسا قيادة التدخّل في مالي، وبخبثها الاستعماري التليد استطاعت أن تنال دعم القوى الغربية والمنظّمات الأممية لأداء دورها المزعوم في «تخليص» أرض مالي من «شرور» الجماعات المسلّحة.

إن أزمة مالي الحالية تقف من خلفها الحركة الوطنية لتحرير أزواد، وهي حركة علمانية مسلّحة وسياسية، تتألف من قومية الطوارق، ومطلبهم الأساس فصل مناطق شمال مالي عن بقية الدولة وتأسيس دولة قومية باسم جمهورية أزواد، وجماعة أنصار الدين وحلفاؤها، وهي حركة طارقية بشكل أساسي، تدعو إلى تطبيق الشريعة في جميع أرض مالي، وقد تحالفت الجماعة مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، ومع حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا، بل مع جماعة بوكوحرام النيجيرية، وجميعها حركات إسلامية مسلّحة تتبنّى الفكر الجهادي.

لقد خلّفت – وستخلف - أزمة مالي الحاليّة، وقد مرّت عليها أشهر عديدة، الكثير من الآثار، وخصوصاً على المستويين الديني والاجتماعي، من أبرزها التقاتل والشحناء بين أبناء الوطن الواحد، وتدخّل قوى خارجية في البلاد، وآلاف القتلى والجرحى، والحالات الإنسانية الحرجة من اللاجئين داخل مالي وخارجها، وإثارة الحساسية نحو العرب الذين أُخذوا بجريرة غيرهم، وإتاحة فرص إلصاق التّهم بأهل السنّة، وما تبع ذلك من تعقّب أئمتهم ومنسوبيهم، والتنفير من المدارس القرآنية وتشويه صورتها، وتشويه المفهومات الإسلامية كالجهاد وتطبيق الشريعة وغيرها، وسلب الحكومة المالية إرادتها الحرة، إضافة للولاء لفرنسا التي صُوّرت كالمنقذ من الضلال، حتى بثت بعض الفضائيات مشاهد لجموع من بسطاء الشعب المالي وهم يكيلون المدح لفرنسا ويحملون علمها ابتهاجاً وفرحاً بدعمها العسكري!

ومن الآثار الاجتماعية السلبية التي خلّفتها الأزمة وتداعياتها فقدان الثقة بين القبائل، إذ أصبحت بعض القبائل محلّ استهداف من قبائل مالية أخرى، وتحطيم البنية الاجتماعية للمجتمع المالي على ما عليها من ضعف، والإعجاب بالفرنسيين وتقليدهم، وإغلاق المدارس لمدة سنتين دراسيتين، مما يفتح الباب واسعاً للفاقة والبطالة، إضافة لهدم البنية التحتيّة والاقتصادية للمناطق في دولة مالي.

هذا، وتأبى الأزمة إلا أن تُحدث كارثة في أعز ما تملك مالي من شواهد الحضارة الإسلامية التي تربّعت على عرش التاريخ الإفريقي حيناً من الدهر، ونقصد المخطوطات، تلك الكنوز المهملة التي تقف شاهداً على أن الحضارة الإسلامية كانت - وما تزال - ملء السمع والبصر في تلك البلاد، فقد احترقت في تمبكتو عاصمة الثقافة في إفريقيا جنوب الصحراء آلاف الوثائق النادرة والشاملة لعلوم متعدّدة شرعيّة ودنيويّة جرّاء الأزمة الحالية.

ومجلة قراءات إفريقية لشعورها بحجم القضية المالية وتأثيراتها في المنطقة كلّها، قامت بإعداد هذا الملف ليلقي الضوء على أبعاد هذه القضية.

ويشتمل الملف على المحاور الآتية:

- تاريخ القضية الأزوادية وتطوّرها.

- الأبعاد التاريخية والفكرية لأزمة شمال مالي.

- النزاع المسلح في مالي.

- التدخّل العسكري في مالي.

- الآثار الدينية والاجتماعية للأزمة في مالي.

- التداعيات الاقتصادية على القضية المالية.

- قراءة في الأزمة الإنسانية في مالي.

- الدولة المحاربة.. تدخّل فرنسا في مالي.

- أحداث مالي رؤية شرعية