مستقبل الصومال متغيّرات البيئة الاستراتيجية وآفاق المستقبل المرغوب فيه

  • 3 -7 - 2014
  • عبدالله عبدالرحمن محمود


د. عبد الله عبد الرحمن محمود 

المقدّمة:

المستقبل هو ذلك المجهول الذي ينتظرنا، ولا يعلم حقيقة ما سيأتي فيه إلا عالم الغيب والشهادة، ولا يجوز لأحد أن يدّعي معرفته، ولكن لأهميته في الحياة اهتم البشر منذ قديم الزمان باستطلاعه.

وقد جَنّد الإنسان لذلك كلّ ما تمكّن من الاستعانة به لاستشراف المستقبل بواسطته، فظهرت أساليب كثيرة لمعرفة ما يهمّ الإنسان من المستقبل، بدأت بأعمال محرّمة كالكهانة بصورها المتعدّدة، وأساليب مدّعي معرفة الغيب المختلفة، وانتهت إلى أساليب علميّة، مثل: استشارة الخبراء، والألعاب الجادة جداً[1]، والنمذجة والمحاكاة، وتصوّر الرؤى المستقبلية، والتحليل التاريخي.. وتقنية «دلفاي»[2]، وغيرها كثير، حتى نشأ علم المستقبليات الذي يُعَدّ اليوم من أرقى التخصّصات وأهمّها في الجامعات والمراكز العلميّة المختلفة.

وتكمن أهمية الدراسات المستقبلية في أنها تضع بين يدي صنّاع القرار صور المستقبل الممكنة والمحتملة والمتوقّعة وشبه المؤكّدة والمستحيلة؛ مما يعين أصحاب القرار في تعرّف التحدّيات والمخاطر والمهدّدات والفرص التي قد يكنّها المستقبل، وهذا مما يساعدهم في رسم صورة المستقبل المرغوب فيه، أي وضع استراتيجية المواجهة، وهندسة ذاك المستقبل.

وبسبب انعكاسات العولمة السلبيّة، ولتزايد المخاطر والتهديدات الوطنية والإقليمية والكونية، أصبحت الدراسات المستقبلية والاستراتيجية ذات أهمية بالغة في مختلف مجالات الحياة، وتزداد تلك الدراسات أهمية عندما تكون في شأن الدول بحكم كونها الوحدة الأساسية في بناء النظام الدولي.

وتزداد أهمية تلك الدراسات أكثر عندما تكون عن مستقبل دول فاشلة، وتبلغ أهمية الدراسة المستقبلية ذروتها عندما تكون عن مستقبل دولة منهارة، والفرق الرئيس بين الدولة الفاشلة والمنهارة هو أن الدولة في حالة الفشل لا تزال قائمة وذات وجود، ولكنها فاشلة في القيام بوظائفها الأساسية بصورة مقبولة، والأمثلة على ذاك الصنف من الدول كثيرة، أما في حالة الانهيار فلا دولة أصلاً، ولا يوجد أدنى ما يمكن وصفه بنظام، وكل فرد في الوطن راكب رأسه ومتبّع هواه، ولعل الصومال هو المثال الوحيد لهذا الصنف الثاني من الدول في التاريخ المعاصر.

المتغيّرات المؤثّرة في مستقبل الصومال:

هناك العديد من المتغيّرات التي يتوقّع أن تشكّل مستقبل الدولة الصومالية القريب والمتوسط، ويمكن التعرف على تلك المتغيّرات من واقع البيئة الاستراتيجية للمسألة الصومالية، كما يمكن أيضاً تصنيفها إلى متغيّرات محليّة وإقليميّة ودوليّة.

أولاً: المتغيّرات الداخلية:

من أبرز المتغيّرات في البيئة الاستراتيجية المحليّة، والتي سيكون لها أثر في مستقبل الصومال ما يأتي:

1 - بروز ظاهرة الحكم الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة:

استقلت جمهورية الصومال عام 1960م، وبدأ الحكم فيها مدنياً، وامتد إلى عام 1969م، حين اختطف الجيش الحكم بالانقلاب العسكري في ذاك العام، فبدأت مرحلة حكم عسكري صارم ومتفرّد، امتدت حتى سقط النظام العسكري عام 1991م بأيدي الجبهات القبلية المسلّحة، ومنذ عام 1991م دخل الصومال مرحلة اللادولة[3]، والتي امتدت بدورها لتسع سنوات، لتبدأ مرحلة الحكومات الانتقالية (2000م - 2012م)، وتمّ التصديق على الدستور الصومالي الجديد في عام 2012م، واختير رئيس جديد من المجتمع المدني الصومالي، وأُسدل الستار على الفترة الانتقالية، وعاد الصومال إلى الأسرة الدولية دولة ذات سيادة.

كان الصراع العسكري بين الأطراف على السلطة قد أخذ بالاختفاء طيلة العقد الأخير، وبدأت ظاهرة الحزبية تعود إلى الساحة السياسية الصومالية، وهذه كلّها مؤشرات لانتهاء عهد الصراع المسلّح على السلطة، فبروز ظاهرة التداول السلمي للسلطة في الصومال مؤشّر جيد بأن مستقبل الصومال سيكون أحسن مما هو عليه الحال.

2 - ارتفاع مستوى وعي الشعب بسبب ويلات الصراع الأهليّ:

يمكن لكلّ مطّلع على الواقع الصومالي ملاحظة أن وعي الشعب الصومالي ليس بالمستوى الذي كان عليه قبل عقدين عند إسقاطه لحكومته وانهيار دولته بين يديه، فوعي الشعب الصومالي كان في تطوّر مستمر طيلة العقدين السابقين، فقد ذاق الشعب الويلات بسبب غياب الدولة، وعرف بحق أن دولة ضعيفة فاشلة أحسن من لا دولة، فهو الآن متعطّش للدولة وغير متجاوب مع النداءات القبلية والجماعية الداعية إلى العنف، فهو في حاجة حقيقية إلى الأمن والاستقرار ليعيش بسلام.

وهناك بعض القضايا والأمور التي كانت ولا تزال تؤثّر بصورة مباشرة في القضية الصومالية، وكان الصوماليون يواجهونها بتصرفات غير واعية وغير متوازنة، من بين تلك الأمور والقضايا: أهمية وجود الدولة، ومشكلة التعصب للقبيلة، والصراع التاريخي مع دول الجوار، والتطرّف الديني المسلّح، فالشعب الصومالي اليوم مدرك بأن الصراع القبلي والديني والجهوي هو الذي أتى على دولته، وحوّل عاصمته التي كانت تحمل يوماً لقب «درّة المحيط الهندي» إلى أخطر عاصمة في العالم، فالشعب ليس متحمساً إلى خوض صراعات جديدة باسم القبليّة أو الدين.

والشريحة المثقّفة من الشعب الصومالي مدركة تماماً أن الصراع العقيم مع دول الجوار لا ينبغي أن يمتد لأكثر من ذلك، وتدرك تماماً بأن السلام وحسن الجوار مع الجيران هو الشيء الوحيد الذي يفيد الجميع، وأن المشكلات الحدودية التي خلّفها الاستعمار بين الشعوب الشقيقة المتجاورة يجب أن تحلّ بالطرق السلميّة والقانونيّة بعيداً عن العنف، بل إن كثيراً من القيادات الرسمية والشعبية لا ترى أهمية لوجود حدود بين شعوب المنطقة، في وقت يتجه العالم فيه نحو التلاحم والتجمّع، وأن التعاون والتكامل هما الوسيلتان الوحيدتان للارتقاء بالشعوب الإفريقية جمعاء، فالحقيقة أنه «ليس في التاريخ مثال يدل على استفادة الدول من الحرب الطويلة الأمد»[4].

والشعب الصومالي مدرك بأن المتطرّفين ما هم إلا جماعات ضلّت عن الطريق المستقيم والمنهج السوي السليم، وأنهم لوّثوا سمعة الإسلام الذي هو دين السلام والرحمة، وأساؤوا إلى عرف المجتمع الصومالي وتقاليده الأصيلة في احترام الكبير والرحمة للصغير والمرأة والضعيف، إن الشعب الصومالي اليوم مدرك أن العمليات الوحشية التي تمارسها الجماعات التكفيرية تعرقل مسيرة بناء الدولة الصومالية، وقد نادى علماء الصومال بضرورة التصدّي لتلك التصرفات الهمجية بكل الطرق والأساليب، والدفاع عن الدولة الصومالية وعن مؤسساتها مهما كان فيها من فساد وفشل، والتعاون في ذلك مع الكلّ دون استثناء.

إن هذا الوعي المتزايد يوماً بعد يوم يشير إلى نضج الشعب الصومالي وإدراكه لحقيقة ما يجري في وطنه، ومعرفة مصلحته عن مضرته، وهذا مؤشّر جيد بأن مستقبل الصومال سيكون أفضل مما هو عليه الحال.

3 - تطوّر المجتمع المدني الصومالي:

لم يعرف الصومال مجتمعاً مدنياً بالمفهوم الدارج للمصطلح، إلا أن جوهر فكرة المجتمع المدني المتمثل في التكتل الشعبي من أجل المصلحة العامة قد عرفها الصوماليون منذ بدء حياتهم، حيث إن ثقافة التطوّع والتعاون والتكافل كانت جزءاً من ثقافة الصوماليين، ومتأصلة في دينهم وأعرافهم وتقاليدهم الشعبية المتوارثة.

عرف الصومال الأحزاب السياسية والمؤسسات الاجتماعية المختلفة، مثل المؤسسات الشبابية والنسائية والعمّالية مع ظهور الدولة في الصومال، وفي الفترة الأولى من النظام العسكري ظهرت التعاونيات الشعبية، فالنظام الشيوعي الذي تبنّاه النظام الحاكم آنذاك أدّى دوراً فعّالاً في إنشاء نظام التعاونيات انطلاقاً من فكرة الاشتراكية التي هي نقيض الفردية، فانتشرت ثقافة التطوّع آنذاك، وأقيمت أكثر المشاريع الحيوية بسواعد الشعب الصومالي المتطوّع رجالاً ونساء، وكان الميثاق الثاني الذي أصدره العسكريون يتضمن بنداً يشير إلى أن «العمل الجماعي من أجل زيادة الإنتاج سيحظى بكلّ اهتمام»[5]، وقد أدى هذا الأمر دوراً مهماً في انتعاش الاقتصاد الوطني والتطوّر الاجتماعي، وإرساء دعائم الأمن وبث روح الشراكة الوطنية.

لكن اشتراكية النظام لم تكن قادرة على بناء شعب قادر على مراقبة نظامه الحاكم ومحاسبته، فالمجتمع المدني الذي تكوّن آنذاك كان جزءاً من النظام، وتابعاً للحزب الحاكم، وقد أسّسه النظام لخدمة أفكاره وأحلامه لا غير، ثم إن المجتمع المدني الصومالي في تلك الفترة لم تكن له روح سياسية، فاقتصرت إنجازاته على جوانب اجتماعية واقتصادية فقط، ففي تلك الفترة كانت السياسة حكراً للمجموعة الحاكمة، واختار العسكر نظام الحزب الواحد كنموذج للحكم، وهو ما جعل السلطة محصورة في رجال الثورة وأعوانهم.

وبعد سقوط النظام العسكري اختفى المجتمع المدني الذي كان في الأصل جزءاً من النظام الحاكم وليس جزءاً من الشعب، فظهرت بعد ذلك أنماط جديدة للمجتمع المدني الصومالي، تمثّلت بالحركات والجماعات الإسلامية التي انتعشت فترة ما بعد السقوط، وكذلك الجمعيات الخيرية، والمؤسسات التنموية الوطنية، وفي ظلّ غياب النظام تتابع ظهور مؤسسات المجتمع المدني الصومالية، مثل المنظمات الشبابية، والنسائية، والجماعات الدينية، وروابط للتعليم الأهليّ، وجامعات خاصة، ومؤسسات إعلامية أهليّة، كما أصبح الاقتصاد حراً؛ مما ساعد على قيام شركات أهليّة تعمل في مجالات الخدمة الاجتماعية، أبرزها شركات الاتصال والمواصلات والكهرباء والمياه، وأصبحت كلّ المرافق الخدمية بيد مؤسسات أهليّة خاصة؛ مما أوجد في الصومال مجتمعاً مدنياً من نوع خاص حلّ محلّ الدولة، وكان لها دور شريف في إعادة مظاهر الحياة في الصومال.

وحسب هذا السرد التاريخي، فقد كان المجتمع الصومالي في حالة تطور مستمر، وإن كان هناك تذبذب في مسيرة التطور، ويرجى لهذا التطور المستمر أن يكون دوره في المستقبل أكبر وأهم من كلّ الفترات السابقة.

وبعد فوز السيد حسن الشيخ محمود، الناشط في المجتمع المدني الصومالي، برئاسة الصومال في نهاية عام 2012م، وبعد أن تقلّد كثير من رفاقه من أعلام المجتمع المدني الصومالي كثيراً من مقاليد الأمور في البلد، يتوقّع أن يكون للمجتمع المدني الصومالي دور كبير في مجالات الحياة المختلفة في المستقبل، فالمتوقّع أن يشهد المجتمع المدني الصومالي تطوراً ملموساً في السنوات القادمة، وأن يكون له بصمات إيجابية واضحة على تغيير معالم المشهد الصومالي.

ومما يشير إلى ذلك ما يأتي:

- كون الرئيس الحالي، وأكثر أعضاء الدائرة الخاصة حوله، من نشطاء المجتمع المدني الصومالي، والمؤمنين بأهميته، من أجل إحداث التغيير الإصلاحي المطلوب لإعادة بناء الدولة الصومالية.

- تأمين الدستور الصومالي الجديد للظروف المطلوبة لانتعاش المجتمع المدني الصومالي وتطوره في المرحلة القادمة، حيث يشجّع على التجمّعات، والتعاونيات، والنقابات العمالية والاجتماعية، ويحميها بالقانون، ويحترم حقوق الإنسان الصومالي الأساسية، بما فيها حق المعارضة والمشاركة السياسية، ويطلق عنان الإعلام الحرّ القادر على مراقبة النظام الحاكم والضغط عليه.

- أن النظام الديمقراطي الذي تم تأصيله بالدستور الحالي، كاختيار وطني للنهج السياسي، سيقود بالتأكيد إلى تطور المجتمع المدني الصومالي، فالاحتكام سيكون للشعب الذي تمثّل مؤسسات المجتمع المدني القلب النابض فيه، مما سيعطي للمجتمع المدني الصومالي ثقلاً سياسياً ودوراً أكبر وتأثيراً أقوى على مجريات الأمور في البلد.

4 - تراجع القرصنة البحرية في السواحل الصومالية:

لقد كان ظهور القرصنة البحرية في السواحل الصومالية مع بدايات عام 2008م منعطفاً خطيراً دخلت فيه المسألة الصومالية، وذلك من عدة أوجه، أهمها:

- أصبحت الأموال الباهظة التي يجنيها القراصنة أحد العوامل الرئيسة للأزمة السياسية الصومالية، فهذه المبالغ الضخمة تقع في أيدي بعض الأطراف المتصارعة في البلد، مما يزيد من شدّة الصراع بين الأطراف.

- أوجدت أعمال القرصنة ذرائع عدة للأيدي الخارجية للقيام بتدخلات مباشرة في الشأن الداخلي الصومالي، وعرّضت سيادة الدولة الصومالية للخطر، بل أوقعتها فيه.

- أساءت إلى العلاقات الوديّة بين الصومال وكثير من الدول الشقيقة والصديقة، وأصبح الإنسان الصومالي غير مرحب به في البلدان التي تعرّضت لأذى القراصنة.

- ثم إن القراصنة أشاعوا الفساد والانحلال الخلقي في البلد، ولكون مصدر أموالهم خبيثاً أصبحت مشاريعهم التجارية خبيثة ومتصادمة مع ثقافة المجتمع الدينية.

وبعد أن دوّخ القراصنة العالم كلّه، وأصبحت القرصنة في السواحل الصومالية حديث الساعة في كبريات المؤسسات الإعلامية في العالم، يلاحظ الآن تراجعاً حقيقياً لأعمال القرصنة البحرية، وهذا التراجع الملاحظ للقرصنة البحرية في السواحل الصومالية يقود إلى القول بأن المسألة الصومالية قد تجاوزت أحد أخطر منعطفاتها، وأن مستقبل الصومال سيكون أحسن بغياب القرصنة البحرية وتداعياتها المحليّة والإقليميّة والدوليّة.

5 - وجود قوات إفريقية تساعد الحكومة الصومالية:

بقرار من البرلمان الصومالي وبرغبة دولية، وصلت قوات إفريقية إلى الصومال من أجل إيجاد ظرف مناسب لبناء الدولة الصومالية، ولمواجهة الخطر العسكري الذي ظهر في الصومال، ولكنه انشطر ليصبح تهديداً للأمن الدولي.

وصلت تلك القوات إلى الصومال والحكومة الصومالية لا تسيطر إلا على الميناءين البحري والجوي والقصر الرئاسي وشارع مكة المكرمة الموصّل بين تلك النقاط الثلاثة، في مساحة تقدّر بخمسة كيلومترات مربعة، والقذائف تتهاوى على القصر الرئاسي، والرصاص الحي يتساقط على مكتب رئيس الدولة في داخل القصر، وشارع مكة المكرمة الوحيد الذي تسيطر عليه الحكومة عبارة عن مزرعة ألغام ومواقف للسيارات المفخخة.

فنجحت القوات الإفريقية في تأمين حياة رموز الدولة وأهم مؤسساتها، وأبعدت الخطر المباشر عن القصر، ثم عن العاصمة، وشاركت في عملية بناء الجيش والشرطة الصومالية، ونجحت في ذلك بعض الشيء، ثم اتسع نطاق عملياتها بمشاركة فاعلة من القوات المسلّحة الصومالية، واستطاعت تحرير أهم المدن الرئيسة التي كانت خارج سيطرة الحكومة، ونجحت أيضاً في تأمين عملية التصديق على الدستور الصومالي، وتكوين برلمان صومالي، واختيار رئيس من المجتمع المدني الصومالي وفي داخل الصومال، وذلك لأول مرة في تاريخ المسألة الصومالية، حيث كانت كلّ الحكومات الانتقالية المتعاقبة مستوردة من الخارج، وهذا كلّه يشكّل بمجموعه مؤشّراً جيداً بأن الصومال بدأ يفيق من غيبوبته، ويستعيد بناء دولته بنفسه، وهذا ما شجّع كثيراً من الدول المانحة والفاعلة بأن تعيد نظرتها تجاه الصومال وتقف إلى جنبه بجدية.

لقد ساهمت القوات الإفريقية في إعادة الأمل في نفوس الصوماليين وكلّ المحبين لها، ويتوقّع أن يكون استمرار وجودها في الأراضي الصومالية أمراً مهماً وضرورياً لبناء منظومة الأمن الوطني الصومالي، وصناعة مستقبله المرغوب فيه، حتى يصبح الصومال قادراً على القيام بواجبه بوصفه دولة مستقرة.

ولكن مما تجدر الإشارة إليه؛ أن مستقبل الصومال المرغوب فيه لا يمكن بناؤه إلا بسواعد أبنائه، ودماء رجاله ونسائه، وفكرة شيوخه، وعلم علمائه، وعقل عقلائه، ووطنية مواطنيه، وإرادة قياداته الرسمية والشعبية، ولن تكون المساعدات الخارجية أكثر من عوامل مساعدة يمكن أن تساعد ما هو موجود أصلاً.

ثانياً: المتغيّرات الإقليمية:

ثمّة متغيّرات إقليمية ستأخذ دورها في تشكيل مستقبل الصومال، ومن أبرز تلك المتغيّرات الإقليمية ما يأتي:

1 - تحسّن العلاقات الصومالية مع الدول المجاورة له:

 تأثّرت العلاقات بين الصومال وأهم دولتين مجاورتين له بمشكلة الحدود الاستعمارية التي خلّفها الاستعمار في المنطقة، وظلّت تلك المشكلة قنبلة موقوتة، تنفجر من حين لآخر عندما تتوافر لها الظروف المساعدة على الانفجار، فقد اقتطعت بريطانيا أجزاء كبيرة من الأراضي الصومالية الغربية ووضعتها تحت السيادة الإثيوبية، وعلى الشاكلة نفسها اقتطعت بريطانيا الإقليم الجنوبي الأقصى من الصومال وضمتها لكينيا، يُضاف إلى ذلك كون الحدود بين الصومال وهاتين الدولتين (إثيوبيا وكينيا) نقطة تماس بين حضارتين متنافستين ومتصارعتين (الإسلام والمسيحية)، فالقرن الإفريقي إحدى الجبهات المفتوحة للصدام الحضاري بين الإسلام والمسيحية منذ أن دخل الإسلام فيه.

ويرى كثير من الباحثين في شؤون القرن الإفريقي أن الصراع بين الصومال من جهة، وإثيوبيا وكينيا من جهة أخرى، هو صراع حضاري وتاريخي، وأن المشكلة بينهما مشكلة وجود لا مشكلة حدود، ويستدلّ أصحاب هذا الرأي بمساعدة دول الغرب المسيحية لإثيوبيا طيلة صراعها مع الصومال، ابتداءً من القرن الخامس عشر الميلادي أيام النفوذ البرتغالي إلى سبعينيات القرن الماضي، حيث انتصرت إثيوبيا على الصومال في حرب القرن الإفريقي (1977م / 1978م) بمساعدة أمريكية سوفييتية، في وقت كانت الحرب الباردة في أوجها «فالدول الغربية بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية وافقت على التدخّل الروسي في العملية الهجومية [السوفييتية على الصومال]، بل أيّدت العملية العسكرية سياسياً ودبلوماسياً، وهذه أول مرة في الحرب الباردة تتفق فيه الدولتان العظيمتان في عملية عسكرية من نوعها»[6].

ومع اعترافي بوجود العامل الحضاري التاريخي للصراع، إلا أن الأنظمة الحاكمة هي التي تتصادم وتتصارع، أما الشعوب والجماعات البشرية ففي تواصل وتفاعل مستمر، فإذا كانت الأنظمة السياسية السابقة التي حكمت دول القرن الإفريقي متصادمة فلا مسوّغ لاستمرار حالة الصدام والقتال، و «السياسة المبنية على العواطف والانفعالات وردود الأفعال والطرح غير الموضوعي تسبّبت في إساءة العلاقات بين دول الجوار، وشكّلت مدخلاً جيداً للدور الأجنبي في المنطقة»[7].

والمشكلة الحدودية بين الدول ينبغي أن تحلّ بالطرق السلمية، وأن تأخذ الأطراف المختلفة نفساً طويلاً لإيجاد حلول مناسبة ووسطية لها، والحقيقة التي لا مراء فيها هي أن الأسوأ من كلّ شيء هو الاقتتال وإزهاق الأرواح؛ مما يزيد المشكلة تعقيداً، ويؤجّج روح العداوة بين الشعوب، خصوصاً في الوقت الحالي، حيث أصبح من الصعوبة بمكان تحقيق شيءٍ ما بالقوة المجردة، ومفهوم «الحرب الشاملة» كوسيلة، و «النصر» كغاية، أصبح مفهوماً بالياً وقديماً، وقد اعترف بذلك كبار المسيطرين على القصف الاستراتيجي، وقد صرح بذلك مارشال سلاح الطيران الملكي البريطاني «سيرجون سلبسبور»، حيث قال: «إن الحرب الشاملة كما عرفناها في الأربعين سنة الأخيرة غدت جزءاً من الماضي»[8].

وعلى أي حال، ومع السجل الأسود لعلاقات الصومال مع جارتيها إثيوبيا وكينيا، إلا أن الكلّ يلاحظ اليوم تحسناً متزايداً فيما يتعلق بعلاقات الصومال مع جيرانه، ويُعَد الهاجس الأمني المشترك بين هذه الدول الثلاثة هو الذي شجّع على بناء علاقات تعاونية بينها، وذلك بعد أن ظهرت في المنطقة قوة متطرّفة معادية لجميع أنظمة دول المنطقة، وتسعى إلى إسقاطها أو النيل منها، وتدرك كينا وإثيوبيا اليوم أن أمن المنطقة مترابط فيما بين الدول، وأن تداعيات انهيار الدولة الصومالية وإخفاقها لم يعد قاصراً على الصومال، وأن مهدّدات الأمن الوطني الصومالي أصبحت مهدّدات حقيقية للأمن الإقليمي بل الدولي في بعض أبعاده.

ولذلك فالدولتان الجارتان المعاديتان - سابقاً - للصومال تأخذان اليوم، طوعاً أو كرهاً، أدواراً ذات أهمية بالغة لإعادة بناء الدولة الصومالية، ومساعدتها في أن تقف على قدميها وهي قادرة على بناء مستقبلها بنفسها.

إن هذا التحسّن الملموس في علاقات الصومال مع الدول الجيران سيكون له أثر إيجابي بالغ في مستقبل الصومال، ويتوقّع أن يقود المنطقة كلّها إلى الحياة المستقرة الهادئة، وهذا هو المطلب الأساسي لكلّ شعوب المنطقة.

ويقوم هذا التفاؤل على عدة حقائق، أهمها:

- كانت الدول المجاورة للصومال، وبخاصة إثيوبيا، صاحبة المعول الأضخم في عملية إسقاط الحكومة الصومالية عام 1991م، «فقد كانت إثيوبيا أكثر الدول استفادة من المأساة الصومالية، حيث كان يهمّها في المقام الأول والأخير أن يبقى الصومال ضعيفاً مفتتاً؛ حتى لا ينهض مرة أخرى للمطالبة بإقليم الصومال الغربي الذي أصبح جزءاً من الأراضي الإثيوبية»[9]، ففي أرضها تكوّنت الجماعات المسلّحة التي أسقطت النظام، وبسلاحها دمّرت البنية التحتية للدولة الصومالية فيما بعد، وبإرادتها أفشلت أهم محاولتين لإعادة بناء الدولة الصومالية (حكومة عرتا[10]، ومحاولة اتحاد المحاكم الإسلامية).

- تُعَد إثيوبيا - خصوصاً - دولة ذات شأن في الوسط الإقليمي، وحليفاً أساسياً للغرب في المنطقة، ويمكن أن يستفيد الصومال في ظلّ العلاقات الجيدة من مكانة إثيوبيا إفريقياً ودولياً، وهذا أمرٌ في غاية الأهمية بالنسبة لمستقبل الدولة الصومالية.

- يرتبط بالدولتين (إثيوبيا وكينيا) إحدى أهم القضايا الاستراتيجية الصومالية، وهي قضية الأراضي الصومالية التي تسيطر عليها هاتان الدولتان، فقضية الأراضي الصومالية ليست مجرد قضية حدود، بل هي قضية أرض تفوق مساحتها مساحة الجمهورية الصومالية، وهي قضية شعب صومالي لا يقلّ بأي حال من الأحوال الشعب الصومالي القاطن داخل الجمهورية الصومالية، فتوطيد العلاقات مع هاتين الدولتين يوفران للصومال قدراً كبير من الطاقة والوقت والموارد، ويمكّن الصومال من أن يصبح ذا شأن في المنطقة والشرق الإفريقي كلّه بسبب الامتداد الصومالي البشري والطبيعي في داخل كلتا الدولتين، وهذا ما يعطي الصومال عمقاً استراتيجياً في المنطقة والإقليم.

لهذه الأمور كلها؛ يمكن تأكيد أن تحسّن العلاقات بين الصومال وجيرانه يمثّل متغيّراً إيجابياً في البيئة الاستراتيجية للمسألة الصومالية.

ولكن الحقيقة التي يجب الانتباه إليها هي أن العلاقات بين الدول لا يمكن الركون إليها، ولا ينبغي بناء الاستراتيجيات الوطنية عليها، إلا في حالات نادرة، ولعل العلاقات بين الصومال وجيرانه أن تعود إلى سابق عهدها تنافسية تصادمية إذا ما انتهى المهدّد المشترك الأكبر لدول المنطقة، أو حدث شيء آخر لم يكن في الحسبان، ولذا فعلى الصومال السعي لإيجاد مصالح استراتيجية مشتركة، تجبر دول الجوار على الاحتفاظ بصداقاتها معه، وذلك في جميع المجالات.

2 - الصراع بين الدول النيلية:

يعد الصراع بين الدول النيلية على مياه النيل من العوامل المغذية للمسألة الصومالية، فالصراع النيلي صراع بين دول المنبع المسيحية، ودول المصبّ الإسلامية العربية، فهو صراع حضاري حسب المفهوم الهنتنجتوني الذي ينظر إلى الدين بأنه المكوّن الرئيس للحضارة، ولذلك يتأثر بهذا الصراع، ويؤثّر فيه، كلّ من ينتمي إلى الحضارتين (الإسلامية والمسيحية) بشكل أو بآخر، خصوصاً في ظلّ وجود التدخل الإسرائيلي السافر في القضية، والهادف إلى إشعال نار الحرب بين المسلمين والمسيحيين في العالم.

ولكون الصومال أحد الدول العربية والإسلامية، وبسبب موقع الصومال الجغرافي من دول المنبع، وبسبب السجل التاريخي الأسود بين الصومال وإثيوبيا (كبرى دول المنبع وأهمها)، ولأن الصومال يواجه الهاجس الأمني نفسه الذي تواجهه مصر والسودان فيما يتعلق بمياه النيل، حيث إن منابع نهري جوبا وشبيلي في الصومال ينبعان من إثيوبيا، ويمران على مساحات واسعة تسيطر عليها إثيوبيا، فإن العرب وبخاصة مصر والسودان يحاولان دائماً توظيف هذا كلّه لاستغلال الصومال، وجعله في المواجهة دائماً في الصراع بين دول المنبع والمصبّ على مياه النيل.

ولهذا الغرض «كان الموقف المصري طوال مراحل الصراع [بين الصومال وإثيوبيا] مؤيداً للجانب الصومالي، استناداً إلى الاعتبارات المتعلقة بالمبادئ الخاصة لصانع القرار، ودفع هذا الموقف بكثير من التصورات حول المساندة العسكرية المصرية للصومال في مواجهته لإثيوبيا...»[11]، و «ارتبط الصومال بمصر بروابط متينة منذ فجر التاريخ، ولقد احتاج كلّ من البلدين الآخر فتعاونا سوياً في الميادين التجارية والاقتصادية [والعسكرية]، وعاشا معاً كجارين لا ينشد كلّ منهما إلا الودّ والإخاء لأخيه»[12].

ومع أن الصراع النيلي إحدى القضايا الاستراتيجية للأمن القومي العربي، خصوصاً بعد التدخل الإسرائيلي في القضية، وتوظيفه للنَّيْل من العرب والمسلمين، ومع أن على الصومال أن يسدّ ثغرته عربياً وإسلامياً في كلّ قضايا الأمن العربي والإسلامي، فإن الصومال عليه أيضاً أن يدرك أنه بلد إفريقي قبل أن يكون عربياً، وأنه دولة في القرن الإفريقي وليس في شمال إفريقيا ولا في الجزيرة العربية، وأن المصالح التي تربطه بدول المنبع، وبخاصة إثيوبيا، أهم كثيراً من المصالح الحقيقية التي تربط الصومال بكثير من الدول العربية، وأن الأمن الوطني الصومالي مرتبط بعرى وثيقة بالأمن الإقليمي لدول القرن الإفريقي أكثر من ارتباطه بالأمن القومي العربي.

وعلى أي حال؛ فالأمر يتطلب من القيادات الصومالية حنكة سياسية، ومنظوراً استراتيجياً يراعي المصالح الحقيقية الوطنية، ويبعد عن العاطفة، وفي الوقت نفسه يحافظ على الهوية الإسلامية والعربية للصومال.

إن تداعيات الصراع النيلي على الصومال ستستمر بوصفها تحدّيات حقيقية أمام صناعة مستقبل الصومال المرغوب فيه؛ ما دام ذلك الصراع لا يجد حلاً ينهي القضية برمّتها، وعلى القيادة الصومالية التوسّط بين عدم المغامرة بالأمن الوطني الصومالي والمحافظة على الالتزامات الدينية والأخلاقية تجاه الأمن القومي العربي والإسلامي.

والخلاصة؛ أن الصومال في موقف حرج حقيقي فيما يتعلق بالصراع النيلي، وعلى قادته السعي جاهدين إلى المساهمة في إيجاد حلول وسط في هذه القضية بين الأطراف التي تخصّها بالدرجة الأولى.

3 - الصراع الإثيوبي الإريتري:

كانت أطراف الصراع الأهليّ في الصومال طيلة العقدين السابقين على علاقات وطيدة مع كل من إثيوبيا وإريتريا، حيث كانت بعض قيادات الجبهات والجماعات الإسلامية الصومالية على ارتباط مباشر بإريتريا، بينما بعضهم الآخر، وهو الأكثر، كان على علاقة قوية مع إثيوبيا، وكانت الدولتان المصدر الرئيس والأكبر للأسلحة التي دمرت بها البنية التحتية للدولة الصومالية في تلك الفترة.

وبعد أن اندلعت ما سمّي بالحرب على الإرهاب، وأصبح الصومال إحدى الساحات الكبرى للحرب، انصهر الصراع الإثيوبي الإريتري بالحرب الكونية على الإرهاب، وأصبحت إثيوبيا الحليف الأقوى للمجتمع الدولي في شرق إفريقيا، واختار النظام الإريتري بأن يكون في الصف الآخر، وهو ما أساء إلى سمعة النظام الإريتري لدى المجتمع الدولي والصوماليين في آن واحد، وجعل الأسرة الدولية مضطرة إلى فرض عقوبات مختلفة على النظام الإريتري؛ علّه ينسحب من «محور الشرّ» - كما يسمّي الغرب مخالفيه -.

وهكذا، فالصراع الإثيوبي الإريتري ظلّ جزءاً أساسياً من المشكلة الصومالية، ومهدّداً حقيقياً للأمن الوطني الصومالي في الفترات السابقة، وسيستمر خطراً على الصومال إذا لم يجد حلاً سريعاً وناجحاً، وهذا أمر لا يظهر في الأفق؛ مما يؤكّد أن استمرار الصراع سيشكّل عقبة كأداء أمام المساعي الرامية إلى بناء مستقبل أفضل للصوماليين، ولذلك فعلى القيادة الصومالية أن تدرك ذلك تماماً، وأن تسعى إلى المساهمة مع الأسرة الدولية في إيجاد حلّ لهذا الصراع، والتقليل من تداعياته على الصومال.

ثالثاً: المتغيّرات الدولية:

يظهر في البيئة الاستراتيجية الدولية للمسألة الصومالية متغيّرات يتوقّع أن تكون ذات شأن في تشكيل ملامح مستقبل الصومال، ومن بين تلك المتغيّرات:

1 - الموقف الدولي الموحّد لبناء الدولة الصومالية:

يمكن الاعتماد على القرارات الأممية في الجمعية العمومية للأمم المتحدة ومجلسها الأمني كمقياس للموافقة الدولية على أمر ما، وكما يستطيع كلّ متابع للقرارات الأممية المتعلّقة بالحالة في الصومال، والرامية إلى إعادة بناء الدولة الصومالية بعد إخفاقها في الحفاظ على كينونتها ثم انهيارها ثم إخفاقها في النهوض، أن يلاحظ وجود حالة شبه توافقية على إعادة بناء الدولة الصومالية.

ومع أن سعي المجتمع الدولي لبناء الدولة الصومالية بدأ مباشرة بعد سقوط النظام المركزي في الصومال عام 1991م؛ فإن هذا الأمر لم يكن بالمستوى المطلوب، «فالجهود الدولية التي بُذلت من قِبَل المجتمع الدولي والإقليمي بغية إخراج الصومال من أزمته لم تنجح ولم تؤت ثمارها، حيث كان الفشل حليف كلّ جهد يُقَدّم للشعب الصومالي من كافة الأطراف.

وقد بُذلت محاولات على مستوى إيغاد[13]، وجامعة الدول العربية، ومنظمة الوحدة الإفريقية، ومنظمة الأمم المتحدة، كذلك الجهود التي كانت على مستوى الدول الإقليمية، مثل جيبوتي، وإثيوبيا، واليمن، والمملكة العربية السعودية, وكلّ تلك الجهود بما فيها الجهود الدولية الأخرى فشلت نتيجة لعدم تفاعل الشعب الصومالي معها، ونتيجة لعوامل أخرى عدة»[14].

ومع تفاقم الحالة الصومالية، وانشطار أزمتها، وتعدّد أبعادها، وظهورها كمهدّد للأمن الدولي برمّته، أعاد المجتمع الدولي نظرته تجاه الصومال، وبدأ يعمل في محاولة جادة لإنهاء الأزمة الصومالية وبناء دولته، ولعل تبنّي الولايات المتحدة الأمريكية لنظرية «بناء الدولة»، والتي نادى بها «فوكوياما» في سياستها الخارجية تجاه الدول الفاشلة والضعيفة، كان له أثر كبير في توجيه المجتمع الدولي نحو بناء الدولة الصومالية.

دخل المجتمع الدولي شراكة مع الاتحاد الإفريقي في مشروع إنهاء الحالة الصومالية وبناء الدولة، وخطّ لذلك خريطة طريق، فوفّر الاتحاد الإفريقي القوة البشرية التي استلزمها المشروع، ووفّرت الجهات المانحة، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، التمويل اللازم، وفي النهاية نجح المشروع الدولي في الصومال بإيجاد نظام صومالي يسيطر اليوم على معظم الأراضي الصومالية، ومستمر في السيطرة على الأجزاء الباقية من الوطن، وبقيادة مدنية لم تشارك في الحرب الأهليّة الصومالية، بل كان لها مواقف إيجابية في التقليل من آثارها.

إن هذا الموقف الإيجابي الدولي يوحي بأن مستقبل الصومال سيكون أحسن من السابق، وأن الأسرة الدولية لن ترضى عن عودة المسألة الصومالية إلى مربعها الأول مرة ثانية، ولكن الشيء المهم هو مدى قدرة القيادات الصومالية على توظيف هذه الرغبة الدولية لتحقيق المصالح الوطنية الكبرى، «فالدول الفقيرة مثل الأفراد الفقراء، لا يمكن مساعدتهم إلا إذا بدؤوا يساعدون أنفسهم»[15].

2 - بروز دور تركيا في الصومال، وتبنيها لمشروع إعادة البنية التحتية للدولة:

وصل الأتراك إلى الصومال بعد أن عاش الصوماليون فترة طويلة يعانون الوحدة، ويصارعون مظاهر الانهيار، ويفتقدون إلى أخ شقيق شفيق قادر على المساهمة في إعادة البنية التحتية للدولة الصومالية المنشودة، ويستطيع لفت انتباه الأسرة الدولية نحو الصومال، فكانت تركيا أول دولة كبيرة جاءت إلى الصومال بثقل مشهود له، وبمشاريع تنموية وإغاثية متميزة ومتكاملة، وتهدف كلها إلى المساهمة الجدية في بناء مستقبل الصومال.

جاء الأتراك إلى الصومال بأنفسهم، وأموالهم، وقادتهم، وكان لزيارة رجب طيب أوردغان وأسرته لمخيمات النازحين أثر نفسي طيب في قلوب الصوماليين، وكانت كارثة جفاف عام 2011م هي التي جذبت انتباه الأتراك تجاه الصومال، فالدور التركي بدأ إغاثياً، وتطور إلى تنموي مستديم، بدأ بإغاثة الملهوف، ولكنه تطور إلى بناء الدولة، كما أوجد الأتراك لأنفسهم في الصومال شبكة علاقة متفرّدة مع كلّ الأطراف في الصومال، ووفّروا لأنفسهم بيئة أمنية خاصة بهم، مكّنتهم من التحرك في أرجاء الصومال كافّة، وأهّلتهم للظهور أمام العالم بأنهم هم الفاعلون الأكثر نشاطاً في الصومال.

وقد تُوّج الدور التركي في الصومال بالاتفاقيات الثنائية بين تركيا والصومال، إعلاناً لانطلاق مسيرة استراتيجية مشتركة، التزمت فيها تركيا إعادة بناء البنية التحتية للدولة الصومالية، ومساعدة الصومال في تنفيذ استراتيجية الخروج التي جاء بها الرئيس الجديد، والهادفة إلى الاستغناء عن القوات الأجنبية الموجودة ببناء قوات صومالية ذات كفاءة عالية، ومجهّزة لتولّي أعمال القوات الأجنبية، والحفاظ على سيادة الدولة الصومالية على أراضيها وأجوائها ومياهها الإقليمية.

إن الدور التركي المتصاعد في استعادة الدولة الصومالية يشير إلى أن أمام الصومال مستقبلاً مشرقاً وزاهراً، تكتنفه دولة قوية ناشئة وذات وزن وثقل عالمي وإقليمي، وتعدّ من أهم القوى الفاعلة في العالم اليوم، وهذا يفرض على القيادة الصومالية، وعلى الشعب الصومالي كافّة، تثمين هذا الجهد المتميز والمنقطع النظير، واستغلال هذه الفرصة الثمينة التي تمر بالشعب الصومالي، وتوطيد العلاقة مع هذه الدولة الشقيقة التي تبذل أغلى ما لديها من أجل إعمار الصومال وتعزيز أركان دولته، مع عدم الانقلاب على الحِضْن العربي والإفريقي الذي هو المأوى الحقيقي والحصن الأصيل للدولة الصومالية.

وبعد قراءة كلّ تلك المتغيّرات المحليّة والإقليمية والدولية؛ يمكن ملاحظة أن الأثر المتوقّع لأكثر المتغيّرات في مستقبل الصومال أثر إيجابي، مع وجود بعض المتغيّرات التي ستكون سلبيّة في بناء مستقبل أفضل للصوماليين، مثل الصراع على مياه النيل، والصراع الإثيوبي الإريتري.

وعلى هذا؛ يمكن التوصّل إلى أن صورة مستقبل الصومال ستكون إيجابية بصفة عامة، ولكنها لن تخلو من المهدّدات والمخاطر والتحدّيات؛ مما يفرض على القيادة الصومالية التخطيط بمنتهى الحرفية والحذر لصناعة ذلك المستقبل، بتجنب المخاطر والتحدّيات، ومواجهة المهدّدات، والاستغلال الأمثل للفرص.

آفاق المستقبل المرغوب فيه للصومال:

إن صناعة المستقبل المرغوب فيه للدولة الصومالية تحتاج إلى جهود جبارة تقودها الحكومة الصومالية، بشراكة فعلية من المجتمع المدني الصومالي، ومع كلّ من المجتمع الدولي والدول العربية والإسلامية خاصة، كما لا يمكن إغفال دور دول الجوار، وبخاصة دول الجوار المباشر (إثيوبيا، كينيا، جيبوتي، إريتريا، اليمن) في إتاحة الفرصة لبناء مستقبل واعد للشعب الصومالي.

1 - برامج الحكومات الصومالية وكفاءاتها:

يأتي دور الحكومة الصومالية في مقدمة متطلبات بناء الدولة الصومالية، فالسلطة السياسية بأجهزتها المختلفة (الرئاسة، والحكومة، والبرلمان)، هي المكلّفة شرعاً ودستوراً بصناعة مستقبل أفضل للشعب الصومالي، وهي الجهة القادرة على توفير المناخ المناسب لتأخذ الجهات الأخرى أدوارها، فالسلطة السياسية هي التي تتيح الفرصة أمام المجتمع المدني للقيام بدوره الوطني؛ بمساعدته وتشجيعه وحمايته بالقانون والعدالة، «فإهمال مؤسسات المجتمع المدني، أو استغلالها من قبل الدولة، يفتح الأبواب أمام مؤسسات المجتمع المدني العابرة للحدود، واختراق مؤسسات المجتمع المدني الوطنية»[16].

والسلطة السياسية هي التي تتيح للمجتمع الدولي والدول الصديقة والشقيقة بأخذ أدوارها، وبناء على ذلك؛ فإن دور النظام الحاكم سيكون محورياً في صناعة المستقبل المرغوب فيه للدولة الصومالية، وبغيابه أو ضعفه تغيب أو تضعف أدوار المجتمع المدني والجهات الخارجية.

2 - دور المجتمع المدني الصومالي:

إن الحكومات وحدها لا تستطيع سدّ جميع احتياجات المجتمع المتزايدة، وقد ثبت ذلك في تجارب الدول المتقدمة، وأصبحت الدول مضطرة إلى إشراك قطاعات خاصة، محليّة وإقليمية وعالمية، في المشاريع التنموية بمختلف المجالات، بل أصبح الأمن الجنائي الذي هو من صميم وظيفة الدولة الأمنية غير مستغن عن القطاع الخاص.

وأظهر دليل على ذلك؛ ظهور المؤسسات الأمنية الخاصة التي تقوم بحماية أمن المنشئات الخاصة والعامة وأمن الشخصيات المهمة، كما ظهرت مؤسسات أمنية متخصصة وخاصة تستعين بها الأجهزة الأمنية الرسمية في العمليات المعقدة، مثل التحريات الأمنية والإثبات الجنائي؛ لما لتلك المؤسسات الخاصة من قدرة علمية وعملية متميزة، بل إن بعض الدول تلجأ إلى عسكرة مواطنيها وتدريبهم على حمل السلاح والدفاع عن الوطن، واستعدادهم للنفير العام، وفي كثير من الدول توجد شرطة تسمّى «الشرطة المدنية»، وتعمل جنباً إلى جنب مع الشرطة الحكومية في حماية الأمن العام.

وقيام المجتمع المدني بدوره في صناعة المستقبل المرغوب فيه بفاعلية يتطلب تشجيعاً رسمياً من السلطة السياسية الحاكمة، وذلك بأن تخصّص من ميزانية الدولة جزءاً مهماً لمساعدة مؤسسات المجتمع المدني الحقيقية الفاعلة، بما فيها الأحزاب السياسية، في تحقيق أهدافها الوطنية، وهذا يقود إلى التلاحم بين المؤسسات الرسمية والشعبية؛ مما يقوّي الوحدة الوطنية، ويعزز روح الشراكة الوطنية، وعندما تكون العلاقة بين المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني متوترة أو عدائية تتعرض المصالح الوطنية العليا لهزات عنيفة، حيث يحاول المجتمع المدني الإطاحة بالنظام بإحباط مخططاته، مما يجعل السلطة الحاكمة في حالة صدام مع المجتمع المدني، وتبدد طاقاتها في هذا الصراع الذي ينهك لا محالة قدرة الدولة.

ومما ينبغي أن ينتبه إليه الناشطون المدنيون هو «أن أهداف مؤسسات المجتمع المدني رغم استقلالها عن سلطة الدولة، ورغم اختلافها أحياناً مع الدولة وأجهزتها الرسمية، فإنها لا تعتبر بأي شكل من الأشكال موجهة ضد الدولة، إن الدولة ونظم الحكم ما هي إلا جزء من منظومة المجتمع المدني في المقام الأول، والدولة في خدمة المجتمع المدني، كما أن مؤسسات المجتمع المدني في خدمة الدولة طوعاً ودون مقابل»[17].

وللمجتمع المدني الصومالي دور لا يمكن تجاهله، فقد كان البديل الذي ظلّ باقياً طيلة فترة غياب الحكومة المركزية، ولا يزال يدير قطاعات مهمة وحيوية بكاملها إلى الآن، ومنها: قطاع التربية والتعليم، والصحة، والاتصال، والمواصلات، والصحافة والإعلام، والكهرباء والطاقة، والتجارة، وغيرها الكثير من المرافق الحيوية التي لم تصل يد الحكومة إليها إلى الآن، وهذا ما يُذكر للمجتمع المدني الصومالي ويُشكر عليه، ولبناء مستقبل أفضل لأبناء الصومال فلا بدّ من تعزيز العمل المجتمعي المدني الوطني.

3 - الدور العربي والإسلامي:

الصومال باب خلفي للعالم العربي، وجبهة إسلامية مفتوحة منذ أن وصل إليه الإسلام، فعروبة الصومال وإسلاميته لا تحتاج إلى كثير بيان، فقد وصل الإسلام إلى القرن الإفريقي قبل أن يصل إلى المدينة المنورة، وعروبة الصومال عروبة أرض وتاريخ وثقافة ودين، وهذا هو جوهر العروبة.

أما الأصل العرقي فهو أمر لا يمكن أن يكون معياراً للعروبة، ولو تم الاعتماد عليه كمعيار يفرّق به بين العربي وغيره لتغيّر المفهوم الدارج لكلمة العرب، حيث إن من ينتمي اليوم للقومية العربية من المنتشرين بين المحيط والخليج لا ينتمون إلى أصل واحد، ولا أحد يستطيع اليوم أن ينكر عروبة هؤلاء، وهذا لا ينقص من أصالة العروبة، بل يؤكّد العكس، ذلك أن الجنس العربي الأصيل استطاع أن يتغلب على الأجناس والثقافات التي تفاعل معها بنفاسة معدنه وقوة جوهره المتمثل في الثقافة، والتي تمثّل اللغة والدين أهم مكوناتها.

ثم إن الصومال لا يزال يدفع ضريبة انضمامه للجامعة العربية في علاقاته مع العالم الخارجي، حيث يرى كثير من الباحثين أن من أسباب أزمة الصومال المزمنة تدخلات الأطراف المعادية للعروبة والإسلام وفي مقدمتها إسرائيل، وهذا شيء يجب أن يفخر به الصوماليون، حيث يرفع ذلك من سهمهم في العروبة والإسلام.

وعلى أي حال؛ فمع وجود هذه اللحمة الأخوية التي تربط الصوماليين بباقي الشعوب العربية والإسلامية، ومع استراتيجية الموقع الجغرافي للصومال عربياً وإسلامياً، فإن المسألة الصومالية ظلّت نقطة ضعف للأمة الإسلامية جمعاء، والقومية العربية بصفة خاصة، وذلك بعد أن زالت دولة الصومال وأخفقت في القيام بوظيفتها الأساسية كدولة، فأصبح الصومال مرتعاً لكلّ الطامعين فيه والحاقدين على عروبته وإسلامه، وأصبح المشهد السياسي في الصومال وما يحويه من تزايد نفوذ القوى المعادية للعرب والإسلام، وما تشهده السواحل الصومالية من تزايد أعمال القرصنة البحرية، وما جلب ذلك من تدخلات قوات أجنبية في الشأن الداخلي للوسط العربي والإسلامي، إضافة إلى استفحال الفكر الإرهابي وتزايد أنصاره المقتنعين به في الصومال، والذي يُسمع صدى دويه في الجانب الشمالي من خليج بربرة / عدن (اليمن)، أصبح المشهد الصومالي بكلّ تلك العناصر يؤكّد عمق المسألة الصومالية كإحدى أبرز معضلات الأمن القومي العربي والإسلامي؛ الأمر الذي يجعل الدور العربي الإسلامي في غاية الأهمية لتدارك الأمر في الصومال وإعادة بناء دولته، حتى تقوم بدورها كدولة عربية وإسلامية، وتصبح قادرة على سدّ ثغرتها في حماية الأمن القومي العربي والإسلامي، «فمسؤولية إنقاذ الصومال بعد أن انهار البنيان على أبنائه، وأصبحوا تحت رحمة الركام الهائل مسؤولية إسلامية أولاً وقبل كلّ شيء، إن القضية جد خطيرة، تتطلب من المجموعة الإسلامية والدول العربية في المقام الأول نجدة سريعة وإغاثة المنكوبين من إخوانهم»[18].

وتكمن أهمية الدور العربي والإسلامي في صناعة مستقبل الصومال في أنه يقوم على دافع أخوي وعاطفي، وأنه يستجيب لأبرز مهدّدات الأمن الوطني الصومالي بصورة مباشرة، حيث يرى أنها مهدّدات حقيقية للأمن العربي والإسلامي، وبغياب الدور العربي والإسلامي في إعادة بناء الدولة الصومالية يغيب عنصر مهم لا يمكن الاستغناء عنه لأسباب كثيرة، أهمها اعتبارات تاريخية وجغرافية وسياسية واجتماعية، ومع أن الصومال سيعتصم بحبل العروبة والإسلام إلى آخر لحظة من التاريخ ولو منفرداً، فإن غياب الدور العربي والإسلامي يمكن أن يعرّض العمق الاستراتيجي للعرب والمسلمين في الصومال للخطر الذي سيصعب تداركه في حينه، وربما مؤشرات هذا الخطر بدأت تلوح في الأفق.

4 - دور المنظمات الدولية والإقليمية والقوى العظمى العالمية:

الصومال جزء من العالم، ودولة في شرق إفريقيا، فهناك مصالح مشتركة بين الصومال والعالم الخارجي، بين الصومال وجواره الإقليمي أولاً، ثم بين الصومال ودول العالم أجمع ثانياً، وما دامت المنظمات الإقليمية والدولية أقيمت من أجل الحفاظ على المصلحة العامة المشتركة بين الدول؛ فإن على تلك المنظمات التصدي لإفرازات الوضع الصومالي التي تمثّل تهديدات مباشرة للأمن الإقليمي والدولي.

اتخذت التهديدات الصومالية للأمن الإقليمي والدولي صوراً شتّى، أبرزها: الجريمة المنظمة، مثل جرائم العنف الديني، والقرصنة البحرية، وكذلك الهجرة غير الشرعية، وما يرافق ذلك من تزوير وثائق السفر الوطنية.

ومع أن دول الجوار الإقليمي (دول شرق إفريقيا ودول الجزيرة العربية) هم الأكثر تضرراً بتداعيات الوضع في الصومال؛ فإن بعض تلك التداعيات بدأت تأخذ طابعاً دولياً بعد سقوط الحكومة المركزية الصومالية عام 1991م مباشرة؛ مما يجعل المجتمع الدولي ينتبه إلى ذلك ويرسل بعثة أممية لفرض الأمن والسلام، وللتصدي لمخاطر الوضع الصومالي الموجودة والمحتملة على الأمن الدولي في عملية دخلت التاريخ باسم «عملية يونصوم»، إلا أنها لم تنجح لأسباب عدة، خصوصاً في المجال السياسي، وانتهت بفشل ذريع.

لم تتوقف محاولات المجتمع الدولي في أخذ دور ما تجاه القضية الصومالية، فتوالت مؤتمرات مصالحة، وتشكّلت حكومات صومالية في الخارج بجهود دولية وإقليمية، لكن كلّ ذلك لم يحقّق إيجاد حلٍّ مناسب للمسألة الصومالية، بل ظلّت تداعياتها تتطور يوماً بعد يوم، وتأخذ أشكالاً وأبعاداً جديدة؛ مما جعل المجتمع الدولي مضطراً يقوم بتدخل عسكري مباشر من جديد لفرض إرادته على الصومال، متمثلة في إيجاد حكومة صومالية مركزية قادرة على بناء مستقبل أفضل للصوماليين، والقضاء على التهديدات الإقليمية والدولية التي أفرزها الوضع الأمني الصومالي.

تجسّد دور المجتمع الدولي في الصومال الأخير في عملية ذات طابع عسكري، قادها الاتحاد الإفريقي بموافقة من مجلس الأمن الدولي، وبمساندة سخية من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، عرفت هذه العملية باسم «عملية أميصوم»، وقد كانت هذه العملية أكثر نجاحاً، وأحدثت تغييراً ملموساً على الأرض، حيث استطاعت الحكومة الصومالية توسيع نفوذها، وترميم هياكلها، والشروع في بناء مقدراتها العسكرية ومنظومتها الأمنية، والسبب الأكبر في تحقيق ذلك الإنجاز يعود إلى:

- اقتناع المجتمع الدولي بضرورة إعادة بناء دولة صومالية قادرة على القيام بوظيفتها الأساسية، والمتمثلة في بناء منظومة أمنية وطنية قادرة على التصدي للتهديدات التي تسبّب بها الوضع في الصومال.

- اقترن بالعملية التي هي ذات طابع عسكري مشروع سياسي متكامل لإعادة بناء الدولة الصومالية، وقد تمّ توضيحه في وثيقة سُمّيت بخارطة الطريق.

- تزامنت عملية «أميصوم» بمرحلة توصّل المجتمع الصومالي إلى ضرورة إيجاد دولة صومالية توقف سيل الدماء بين أبناء الوطن، وتعيد هيبة الدولة في المحافل الدولية.

هذا، ويُنتظر من المجتمع الدولي، بمنظماته الدولية والإقليمية وقواه العظمى، مواصلة دوره الإيجابي الحالي، وتأكيد التزامه الأدبي والأخلاقي؛ لإخراج الصومال من مأزقه المظلم، وإعادته إلى الأسرة الدولية دولة ذات سيادة، وقادرة على سدّ ثغرتها من حماية الأمن الدولي وتعزيز مقوماته.

* باحث صومالي متخصص في العلوم الاستراتيجية.

[1] وهي تجسيد سيناريو متوقّع في تمثيلية، والتمرن على مواجهته، وتحديد المفاجآت الممكنة فيه، وغالباً ما يستخدم من قبل الفرق الأمنية والعسكرية المنوط بها المهمات الخاصة.

[2] هي استشارة خبراء مطوّرة، ولها جولات عدة، قام بتطويرها وتوظيفها للدراسات المستقبلية كلُّ من أولاف هلمر (Olaf Helmer) ونورمان دالكي (Norman Dalkey).

[3] «اللادولة» ظاهرة غريبة في الفكر السياسي المعاصر، وتعني الغياب الكامل للسلطة السياسية في البلد لفترة طويلة، وربما يمثل الصومال البلد الوحيد الذي شهد هذه الظاهرة السياسية في التاريخ المعاصر.

[4] هارت، ليدل (ترجمة: الأيبولي، الهيثم) (2000م): الاستراتيجية وتاريخها في العالم، (ط 4)، بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، ص 25.

[5] دريّل، محمد حسين علي (2000م): النزاع الصومالي.. دراسة نقدية حول المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الصومال، (ط 1)، (د. م. ن)، ص 173.

[6] محمد، علي إسماعيل (2010م): الصومال والصراع الدولي والإقليمي في القرن الإفريقي وكفاح الشعب الصومالي وغياب الوعي القومي، (ط 1)، صنعاء: مكتبة خالد بن الوليد للطباعة والنشر والتوزيع، ص 196.

[7] العقيد، سيد أحمد علي (2006م): مصر والقرن الإفريقي في القرن التاسع عشر الميلادي، (ط 1)، مدينة نصر: الدار العربية للنشر والتوزيع، ص 196.

[8] هارت، ليدل (ترجمة: الأيبولي، الهيثم) (2000م)، مرجع سابق، ص 23.

[9] محمد، علي إسماعيل (2010م)، مرجع سابق، ص 227.

[10]عرتا: مدينة في جيبوتي، عُقد فيها أهم مؤتمر للمصالحة الصومالية.

[11] يحيى، جلال (1981م): مشكلة القرن الإفريقي وقضية الشعب الصومالي، (د. ط)، القاهرة: دار المعارف، ص 674.

[12] إسماعيل، مصطفى عثمان (2003م): مجموعة دول إيجاد.. رؤية السودان لتعزيز التكامل والأمن الإقليمي، (ط 1)، الخرطوم: دار الأصالة للصحافة والنشر والإنتاج الإعلامي، ص 7.

[13] منظمة إقليمية تعاونية لدول القرن الإفريقي.

[14] دريّل، محمد حسين علي (2000م)، مرجع سابق، ص 213.

[15] ماكنمار، روبرت، (ترجمة: شاهين، يونس) (1970م): جوهر الأمن، (ط 1)، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، ص 109.

[16] البشرى، محمد الأمين (2010م): مؤسسات المجتمع المدني والأمن القومي العربي، (في: دور مؤسسات المجتمع المدني في التوعية الأمنية، (ط 1)، الرياض: جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، ص 123 – 167)، ص 164.

[17] البشري، محمد الأمين (2010م)، مرجع سابق، ص 163.

[18] أبو بكر، علي الشيخ (1992م): الصومال وجذور المأساة الراهنة، (ط 1)، بيروت: دار ابن حزم، ص 13.