مستقبل الدراسات الإفريقية..؟!

  • 2 -7 - 2018
  • تحرير المجلة

الافتتاحية:

هيمنت الدراسات الغربية المتخصّصة في شؤون القارة الإفريقية على مجال الدراسات الإفريقية منذ عقودٍ من الزمن، وما زالت، حتى صارت هي المرجعية الرئيسية عن إفريقيا في جميع المجالات، السياسية والاقتصادية والثقافية والفكرية والتاريخية حتى الدينية، وأصبح الباحث الإفريقي أو غير الإفريقي المتخصّص في الدراسات الإفريقية عالةً على المصادر الغربية تلك!

ولا يخفى على أيّ متابعٍ أنّ الدراسات الغربية لم تكن منصفةً أو محايدةً في أغلبها الأعمّ, بل هي دراساتٌ موجهة تهدف إلى زيادة هيمنة الرجل الأبيض على إفريقيا، وتقديم صورةٍ متدنية عن القارة؛ بما يوحي بأنّ أبناء القارة لا غنى لهم عن اتباع الغرب وحضارته.. وأنّ الغرب هو سبب انتشال إفريقيا من حالها المتردي!

واتسمت الدراسات الغربية بأحادية المعرفة، والنـزعة المركزية، والعنصرية العِرْقية، والتحيّز الأيديولوجي، والغايات السياسية، وهي العوامل التي تحكمت في أكثر الدراسات الغربية المتصلة بالإنسان والمجتمع في إفريقيا المسلمة.

قللت الدراسات الغربية من تأثير الإسلام في القارة، ودَوره في بناء الممالك والحضارات

فقد ركزت في جوانب عدة انطلقت منها لتثبت هيمنة الغرب، وتعتمد في الأساس على فكرة المركزية الأوروبية، فالباحث الغربي في هذا الحقل ينطلق من مسلَّمة أنّ نموذجه الفكري والثقافي هو المرجع القياسي[1].

فقد صنفوا الثقافة الإفريقية بتاريخها وحضارتها تحت إطار «الثقافات البُدائية»؛ مع إثبات النظرة الاستعلائية وتفوق الثقافة الغربية على ما عداها من ثقافات.

وظهر ذلك جليّاً في دراستهم للتاريخ الإفريقي، فقد تمّ طمس مقومات الحضارات الإفريقية، ودَور الممالك الإفريقية الحضاري وما نتج عنه من تقدّمٍ ومدنية، وتمّ تحويل التاريخ الإفريقي لتاريخٍ تابعٍ لهم، مع ادعاء أنّ التاريخ الإفريقي يبدأ منذ التماس مع الغرب، أما ما قبل ذلك فكانت إفريقيا تعيش خارج التاريخ!

وعمدت الدراسات الغربية إلى تشويه التاريخ الإفريقي والحضارة الإفريقية، وقدّمت صورةً مشوّهة لإفريقيا عبر التاريخ، وقدّمت المجتمعات الإفريقية على أنها مجتمعاتٌ متخلّفة، وتجاهلت الدَّور الإسلامي في القارة عبر التاريخ، وكذلك الحضارة التي أنشأها المسلمون ومدى تأثّر القارة بالإسلام وتفاعلها معه.

والدراسات الغربية مجّدت الاستعمار الغربي لإفريقيا، وجعلته المنقذ والرسول الحضاري الذي انتشل إفريقيا المتخلّفة من انحدارها وتخلّفها إلى حضارته وتقدّمه وتطوره.

سيظلّ الباحث الغربي متأثراً بحضارته ونظرته الغربية لـ«الآخر» كما يسمّونه؛ لذا فالدراسات الغربية لم ولن تعبّر عن إفريقيا والإفريقيّين

 وفي الدراسات الدينية؛ قللت تلك الدراسات من تأثير الإسلام في القارة ودَوره في بناء الممالك والحضارات، ودَور الممالك والسلاطين المسلمين في نشر الإسلام وحضارته، وبعد أن كان يُطلق على قارة إفريقيا «قارة الإسلام»؛ قللت الدراسات الغربية من نسبة المسلمين، وعلى العكس ضخّمت من نسبة النصارى في معظم الدول الإفريقية خدمةً للمشروع التنصيري بالقارة.

أما في مجال الدراسات السياسية؛ فقد توسعت هذه الدراسات في تأصيل الصراعات والانقسامات والنزاعات الإفريقية، وقدّمت صورةً للمجتمعات الإفريقية- منفصلةً عن الواقع- توحي بأنها مجتمعاتٌ مزقتها الحروب والاقتتال البيني، والصراعات على الحدود والمياه والغذاء وغيرها، متجاهلةً أنّ سبب هذا التمزق والصراع هو الغرب نفسه؛ بدءاً من الحملات الاستعمارية، ومنذ مؤتمر برلين15  نوفمبر 1884م– 26 فبراير 1885م؛ والذي قسّم إفريقيا بين الدول الأوروبية، وجعلها جسداً ممزقاً، وقسّم القبيلة الواحدة ومناطقها ومراعيها بين عدّة دول، ولغّم الحدود بين الدول بحيث يمكن إشعال فتيل الصراع بين أيّ دولتَين متى أراد ذلك، تجاهلت الدراسات الغربية كلَّ ذلك؛ وركزت في آثار الاستعمار الغربي على أنها هي صورة الوضع السياسي في القارة.

كما مجدّت تلك الدراسات في النُّظُم الإفريقية التي تتبع منهجية الغرب في الحكم، عبر الالتزام الصوري بالديمقراطيات المزيفة وقيم الحكم الغربية.

ومن ناحية أخرى؛ كرست الدراسات الغربية مفهوم التبعية للغرب، وقدّمت تصوراتها لإنقاذ إفريقيا من الجهل والمرض والاقتتال والصراعات؛ مبنيةً على التبعية المطلقة للغرب المنقذ، وأبرزت صورةً مثالية لتعامل الغرب مع إفريقيا، وأخفت الجوانب المظلمة والعنصرية والطامعة في إفريقيا ومقدّراتها.

تعاملت الدراسات الغربية مع التجمعات الإفريقية، سواء التجمعات السياسية أو الاجتماعية، بشيءٍ من الدونية، وقللت من قيمتها، وأبرزت التناقضات فيها دون دراستها دراسةً محايدة، ومن أبرز ذلك: حركات التحرر والأحزاب الإفريقية والجمعيات الناهضة، وكذلك الأسرة والقبيلة وأنساق الحياة الاجتماعية وغيرها.

من الناحية الاقتصادية؛ ركزت الدراسات الغربية على مفهوم التخلّف وإلصاقه بالقارة الإفريقية؛ لشرعنة استغلال الثروات والخامات ومقدرات القارة المادية والبشرية ونهبها.

وفي الوقت نفسه؛ قللت من شأن أيّ محاولةٍ تنموية حقيقية في إفريقيا، وعملت على نسبتها للوجود الغربي، وبتر أيّ علاقة تنموية حقيقية تنتمي لغيره، وقدّمت الأفارقة على أنهم عالةٌ على الغرب، وأنه هو سبب أيّ تنميةٍ أو تقدّمٍ حقيقي في القارة.

ومن ناحية أخرى؛ ركزت التوصيات والنصائح من قِبَل الباحثين في مراكز الدراسات الغربية على اتباع الخطط الغربية في النهوض الاقتصادي، وعدم الركون أو الاعتماد على الكوادر أو الخطط المحلية، ومن ثمّ اعتبار القارة تابعةً للغرب في المجال الاقتصادي، ودَورها يقف عند تسليمها للغرب ثرواتها وإمكاناتها المادية، وتقديم الأيدي العاملة، والغرب يتولى استغلال ذلك تنميةً القارة!

النتيجة.. كانت حدوث أكبر سرقات في التاريخ، سرقة أمم ودول وشعوب، واستغلالها أسوأ استغلال، وفي الوقت نفسه غياب أيّ تحسّن في الوضع المادي والتنموي، بل وقعت دول القارة في مزيدٍ من الفقر والحاجة، والمستفيد الوحيد من هذه الثروات هو الغرب الذي تعيش شعوبه في رفاهيةٍ بأموال دول إفريقيا ومقدّراتها.

اتسمت الدراسات الغربية بأحادية المعرفة، والنـزعة المركزية، والعنصرية العِرْقية، والتحيّز الأيديولوجي

لم تعبأ تلك الدراسات كثيراً بالثقافات الإفريقية ولا بالحضارة ولا التراث الإفريقي، بل جلّ اهتمامها كان بالتراث الوثني المعتمد على فنون السحر والشعوذة، وتقديم كلّ ذلك على أنه بقايا الحضارة والتراث الإفريقي.

تجاهلت هذه الدراسات الواقع الإفريقي فضلاً عن تقديم أيّ شيءٍ يُذكر للقارة، بل كانت اليدَ الممهدة للاستعمار الغربي ولمشروعات التنصير والهيمنة على القارة, وأهملت تلك الدراسات خصـوصية إفريقيا وقيمتها وحضارتها وتاريخها، ولم تعبّر عن طموح المجتمعات الإفريقية للنهوض والتحرر من التبعية، إلا القليل منها، وبعضها تابعٌ لمؤسساتٍ ومنظماتٍ دولية مثل الفاو واليونسكو وغيرها؛ وإن كانت تابعةً في منهجيتها العلمية للنظرة الغربية أيضاً.

الباحث الغربي مهما كانت حياديته ومهنيته سيظلّ بعيداً عن الواقع الإفريقي، ويصعب عليه أن يشعر بما يشعر به أبناء هذا الواقع، ويفتقر إلى الحسّ بالمسؤولية تجاه القارة فضلاً على أن يتبنّى مشروعات النهضة بها، وسيظلّ متأثراً بحضارته ونظرته الغربية لـ«الآخر» كما يسمّونه؛ لذا فالدراسات الغربية لم ولن تعبّر عن إفريقيا والإفريقيّين.

لذا صارت الحاجة ملحّةً إلى مراكز دراسات، يقوم عليها أبناء إفريقيا، وبتمويلٍ إفريقي، وباحثين أفارقة، ينقبون في التاريخ والتراث عن حضارتهم, ويقومون بدراساتٍ ميدانية ومسحٍ للأرض؛ لاستخراج الكنوز والدراسات الأصيلة التي تعبّر عن القارة وطموح أبنائها، وتقدّم صورةً حقيقية عن إفريقيا وأبنائها وتراثها وتاريخها وحضارتها.

 


[1] علي القريشي, أكاديمي عراقي، الغرب ودراسة الآخر.. إفريقيا أنموذجاً.. انعكاسات التحيز- في الدراسات الغربية الخاصّة بإفريقيا المسلمة، الرابط:

http://library.islamweb.net/newlibrary/display_umma.php?lang=&BabId=6&ChapterId=6&BookId=296&CatId=201&startno=0