مستقبل التنصير في إفريقيا

  • 13 -10 - 2012
  • بدر حسن شافعي


د. بدر حسن شافعي 

بالرغم من أن التنصير ظاهرة قديمة في القارة الإفريقية، ربما ارتبطت بالحروب الصليبية، ومن بعدها الغزو الاستعماري للقارة خلال القرن التاسع عشر على وجه التحديد، فإنه ظاهرة مستمرة لم تنته.

كما أن جهود المنصِّرين والمبشِّرين مستمرة، لعدة أسباب:

- بعضها ديني يرتبط بنشر المسيحية بين المسلمين، والتبشير بها لدى غيرهم.

- وبعضها الآخر سياسي يرتبط بالدول الاستعمارية السابقة، ورغبتها في استمرار الهيمنة على الدول الإفريقية.

- وثالثها مادي يرتبط برغبة الجمعيات والمؤسّسات التبشيرية في الحصول على المال؛ بدعوى إنفاقه في الأغراض التبشيرية، خصوصاً في المناطق التي تواجه كوارث طبيعية، كالجفاف وغيره.

وعندما نتحدث عن التنصير ومستقبله في القارة؛ فإننا نتحدث في هذا الصدد عن الطوائف المسيحية الثلاث: (الأرذثوكسية / الأرثوذكسية، الكاثوليكية، البروتستانتية) والمؤسّسات الداعمة لها، وفي مقدمتها الفاتيكان بالنسبة للكاثوليك، ومجلس الكنائس العالمي بالنسبة للأرذثوكس / للأرثوذكس والبروتستانت.

لقد وضعت هذه المؤسّسات الكنسية الكبرى، وفي مقدمتها مجلس الكنائس العالمي والفاتيكان، مخططاً لتنصير القارة الإفريقية.. وفي هذا الشأن نظّم الفاتيكان مؤتمر روما التنصيري في 19 فبراير 1993م تحت شعار «تنصير إفريقيا عام 2000م»، حيث خصّص ميزانية أولية لهذا الغرض قدرها 5,3 مليارات دولار لأجل نشر المسيحية في إفريقيا[1].

صحيح أن هذا الهدف لم يتحقّق بالنسبة المرجوّة، إلا أن الفاتيكان – تحديداً - لم ييأس، وعمل على تأجيل تحقيقه من عام 2000م إلى عام 2010م، ثم إلى عام 2015م، بسبب عدم تحقق النتائج المرجوّة لمجموعة من الأسباب سيأتي ذكرها.

لقد تحقّق قرابة نصف هدف الفاتيكان تقريباً في إفريقيا جنوب الصحراء، حيث بلغ عدد النصارى في إفريقيا جنوب الصحراء - وفق بعض التقديرات الكنسية - 516 مليون مسيحي، بنسبة 62,7%  عام 2010م، مما يعني أن الإقليم به ثالث أكبر كتلة مسيحية على مستوى العالم بنسبة 23,6%، أي قرابة ربع مسيحيي العالم، وذلك بعد القارة الأمريكية 36,8%، وقارة أوروبا 25,9%، هذه النسبة لن تتغير كثيراً إذا ما أضفنا إليها نصارى دول الشمال الإفريقي والسودان، حيث يبلغ نسبة النصارى في مصر والسودان 0,03% من إجمالي سكان العالم.

ويُلاحظ أن أكبر زيادة في عدد المسيحيين في العالم كانت في إفريقيا جنوب الصحراء، حيث بلغت الزيادة 60 ضعفاً خلال قرن من الزمان، فقد ارتفع عددهم من قرابة 9 ملايين مسيحي عام 1910م بنسبة 1,4%، إلى 516 مليون مسيحي عام 2010م 62%، في حين أن عدد المسيحيين في منطقة آسيا – المحيط الهادئ تضاعف عشر مرات، حيث ارتفع عددهم من 28 مليوناً عام 1910م، إلى 285 مليون عام 2010م.

كما يُلاحظ أن معظم المسيحيين في إفريقيا جنوب الصحراء من البروتستانت 57%، وهذه النسبة تضم أعضاء الكنائس الإفريقية المستقلة، والإنجليكان، في حين يشكّل الكاثوليك 34%، أما الأرذثوكس / الأرثوذكس فلا تزيد نسبتهم عن 8%، وباقي المذاهب الأخرى لا تزيد عن 1%[2].

شكل توضيحي للمقارنة بين نسب المسيحيين في العالم، بما فيهم المنطقة الإفريقية، بين عامي 1910م -2010م[3]

رسم بياني يوضح انتشار الإسلام باللون البني الغامق، والمسيحية بالبني الفاتح،  والديانات التقليدية باللون الرمادي، إفريقيا جنوب الصحراء منذ عام 1900م وحتى 2010م[4]

ولقد اعتمد المنصِّرون على مجموعة من الأساليب لتحقيق أهدافهم، الظاهر منها الوسائل السلميّة، مستغلين في ذلك ثالوث (الفقر والجهل والمرض)، وبعضها الآخر غير ظاهر عبر استخدام أساليب العنف والإرهاب لإجبار المسلمين على اعتناق المسيحية.

ومن هنا يمكن تقسيم هذا الموضوع إلى عدة نقاط:

الأولى: تتعلق بتحديد المفاهيم.

الثانية: تتعلق بأهداف التنصير وأساليبه.

الثالثة: نماذج من التنصير المسلّح؛ حالتا جنوب السودان، أوغندا.

الرابعة: تقييم جهود التنصير ومستقبله.

أولاً: تحديد المفاهيم:

بداية قد يكون من المهم التفرقة بين مفهومين قد يُستخدمان بالمعنى نفسه في بعض الأحيان للدلالة على هدفهما النهائي «اعتناق المسيحية»، وإن كان هناك فارق بينهما فيما يتعلق بالجمهور المستهدف.. هذان المفهومان هما: التبشير والتنصير.

فمفهوم التبشير: يعني دعوة غير المسيحيين إلى الديانة النصرانية أو المسيحية.

أما مفهوم التنصير: فهو إعداد الخطط وتطويرها لتحويل المسلمين إلى النصرانية باستغلال الجهل والفقر، واستغلال الظروف والحاجات الإنسانية لإخراج المسلمين عن دينهم.

إذاً فالتنصير حركة دينية سياسية استعمارية، بدأت بالظهور بعد فشل الحروب الصليبية، بهدف نشر النصرانية بين الأمم المختلفة في دول العالم الثالث عامة وبين المسلمين خاصة، بهدف إحكام السيطرة على هذه الشعوب، فهو عمل جماعي منظّم، خطّطت له الكنيسة ودول أوروبا التي لها أطماع في الشعوب الإسلامية.

فالتنصير هو تحويل المسلمين عن دينهم إلى اعتناق النصرانية المسيحية، أما التبشير فهو نشر المسيحية بين غير المسلمين، ولا سيما أتباع الديانات التقليدية غير السماوية، أي أن التنصير والتبشير يتفقان في الغاية النهائية، ولكنهما يختلفان من حيث الجمهور المستهدف[5].

لذا فإن التنصير هو الخطر الحقيقي على العالم الإسلامي، وسيكون هو محور تركيزنا في هذه الدراسة.

ثانياً: أهداف التنصير وأساليبه:

كما سبق القول؛ فإن التنصير حركة ظهرت إثر الحروب الصليبية بغية نشر النصرانية بين الأمم المختلفة، وخصوصاً بين المسلمين من أجل القضاء على الإسلام[6].

وقد كان هناك جدال بين الباحثين بشأن التنصير والاستعمار، وأيهما كان له السبق في هذا الشأن، وهل فتح الاستعمار الباب أمام المبشِّرين، أو أن العكس هو الصحيح، وقد عبّر عن هذه الإشكالية الكاتب والتر رودني الذي أشار إلى أن البعثات التبشيرية المسيحية كانت جزءاً من قوى الاستعمار إلى حدٍّ كبير، مثلها في ذلك مثل المكتشفين والتجار والجنود، وربما يكون هناك مجال للمجادلة حول ما اذا كانت البعثات التبشيرية في مستعمرة ما هي التي جلبت قوى الاستعمار الأخرى أو أن العكس هو الصحيح، ولكن ليس هناك شك في حقيقة أن البعثات التبشيرية كانت إحدى أدوات الاستعمار من الناحية العملية[7].

لذا يُعد التنصير - من وجهة نظر بعض المحلّلين - الوجه الآخر من المشروع الصليبي الذي أخفق في إخضاع العالم الإسلامي عسكرياً، ومن ثم عمل على محاولة الوصول، عن طريق السياسة والدعوة والتعليم، إلى ما عجز الغرب عن الوصول إليه بالوسائل العسكرية[8].

ولعل هذا يدفعنا إلى دراسة أهداف المنصِّرين ووسائلهم:

يمكن القول بوجود عدة أهداف للتنصير يتم تحقيقها عبر مجموعة من الوسائل، ومنها[9]:

1 - أهداف دينية:

- تتمثّل في صرف المسلمين عن دينهم حتى إن لم يعتنقوا النصرانية، وذلك باستخدام سلاح التشكيك والافتراء لإضعاف العقيدة الإسلامية في النفوس، فضلاً عن سلاح التعليم عبر فتح المدارس التعليمية للنشء الصغير، وتغيير المناهج الدراسية بما يخدم أهدافهم، وباستغلال الخدمات الطبية والمساعدات الإنسانية لتنصير الشعوب الفقيرة والمنكوبة.

- تربية زعامات تقود الرأي بعيداً عن الأفكار الإسلامية.

2 - أهداف استعمارية:

فهم يستهدفون خضوع المسلمين لحضارتهم وثقافتهم خضوعاً لا تقوم لهم بعده قائمة، وإضعاف المقاومة الروحية والمعنوية في نفوسهم، عن طريق التشكيك في تراثهم وعقائدهم.

3 - أهداف سياسية:

إحداث الفرقة بين الدول الإسلامية عن طريق بث الدسائس وصنع المؤامرات، ويقوم مجلس الكنائس العالمي والفاتيكان وهيئات أخرى بالإشراف والتوجيه والدعم المالي لكل الأنشطة التنصيرية، وتتوفر مصادر تمويل ثابتة من الحكومات والمؤسّسات في الدول الغربية، وعن طريق المشروعات الاقتصادية والأراضي الزراعية والأرصدة في البنوك والشركات التابعة لهذه الحركات التنصيرية مباشرة، وحملات جمع التبرعات التي يقوم بها القساوسة من حين لآخر، وتوجد هيئات ومراكز البحوث والتخطيط يعمل بها نخبة من الباحثين المؤهّلين.

ومن أهم تلك المراكز:

- مركز البحوث التابع للفاتيكان.

- المركز المسيحي في نيروبي.

- مركز المعلومات المسيحي في نيجيريا.

- مركز البحوث التابع لمجلس الكنائس العالمي.

- علاوة على امتلاكهم حوالي 2500 محطة إذاعية على مستوى العالم، تبث بـ 64 لغة قومية، تشن هجوماً صريحاً ضد الإسلام.

ويحرص المنصِّرون على التنسيق بين أساليب التنصير المختلفة، ودراسة إمكانية تطويرها، أو الجمع بينها، وذلك بالاعتماد على الدراسات التي توفّرها المراكز البحثية التابعة للهيئات التنصيرية العالمية والإفريقية، ومن أهمها: مركز البحوث التابع للفاتيكان، ومركز البحوث التابع لمجلس الكنائس العالمي، ومراكز المعلومات المسيحية في معظم العواصم الإفريقية[10].

كما تتابعت الاجتماعات الكنسية للأساقفة الكاثوليك في إطار ما يُعرف باسم «السينودس»، وهي مؤسّسة كنسية كاثوليكية تهدف لتحقيق تعاون أكبر بين البابا والأساقفة في مختلف أنحاء العالم، ومن ذلك اجتماع السينودس عام 2009م، والذي عُقد تحت شعار «الكنيسة في إفريقيا في خدمة المصالحة والعدالة والسلام»، وكان من أهم ما ورد في بيانه: «تشجيع جميع المؤسّسات والحركات الكنسية العاملة في مجال الصحة، وبخاصة مرض الإيدز»، وذلك على اعتبار أن الكنيسة[11] بحسب وصف البيان: «لا يُعلى عليها في مكافحة هذا المرض»[12].

وإذا كان ما سبق يشير إلى أن التنصير يعتمد بالأساس على الوسائل السلميّة الناعمة (دعم ومساعدات إنسانية، توفير الرعاية الصحية، التعليم وغيرها)؛ فإن هذا لا ينفي وجود عملية تنصير بالقوة المسلّحة من خلال بعض القوى الإفريقية الكنسية التي تستهدف تحقيق أهداف سياسية ممزوجة بأهداف التنصير، هذه القوى تحظى بدعم المؤسّسات الكنسية العالمية لتحقيق هدف التنصير من ناحية، والتمكين السياسي الذي يساهم ليس فقط في زيادة التنصير، وإنما في الحيلولة دون انتشار الإسلام، وهناك نماذج عديدة في هذا الصدد في إقليم جنوب الصحراء.

جهود التنصير، والنتائج التي تم تحقيقها في إفريقيا، وبخاصة منطقة جنوب الصحراء، ساهمت في مضاعفة نسبة النصارى 60 مرة خلال قرن واحد من الزمان

 

 

وربما نكتفي في الجزء الأخير من الدراسة بإعطاء نموذجين، هما حالة جنوب السودان قبل الانفصال، والتي أسفرت في النهاية عن الانفصال عام 2011م، والحالة الثانية هي الحالة الأوغندية خصوصاً أن الرئيس موسيفيني (ينتمي موسيفيني للتوتسي) يرى نفسه راعي التبشير والكنيسة في شرق إفريقيا.                                                                

ثالثاً: نماذج من التنصير المسلّح في إفريقيا:

كما سبق القول؛ إذا كانت الجماعات التنصير تعمد إلى اتباع الأساليب السلميّة من تقديم مساعدات وعلاج وتعليم؛ فإنها أيضاً تنهج الأسلوب القسري العسكري، من خلال دعم بعض الحركات السياسية ذات التوجّهات الدينية، من أجل الوصول إلى الحكم من ناحية، والتمكين للتنصير من ناحية ثانية.

وسوف نكتفي بإعطاء إشارة إلى نموذجين، هما جنوب السودان، وأوغندا.

1 - التنصير المسلّح في جنوب السودان:

لقد كان السودان – قبل انفصال الجنوب - محط أنظار الحركات الكنسية بصفة عامة، ومجلس الكنائس العالمي بصفة خاصة.

يُعد السودان هدفاً استراتيجياً مهماً لدى مؤسّسات التنصير، بوصفه أكبر بلد عربي إفريقي من ناحية، ولكونه ذا موقع استراتيجي مهم يفصل بين الشمال العربي المسلم، والجنوب الإفريقي الذي يغلب عليه المسيحية - من ناحية ثانية –، لذا كان هدف هذه المؤسّسات الكنسية تحويل جنوب السودان –تحديداً - إلى دويلة مسيحية، يمكن فصلها وضمّها بعد ذلك إلى دول الجوار الجنوبي؛ في إطار ما يُعرف باسم «دولة التوتسي النصرانية الكبرى»، والتي تضم أوغندا - جنوب السودان - أجزاء من رواندا – بوروندي - الكونغو الديمقراطية؛ بزعامة الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني الذي يقدّم نفسه بوصفه راعي الكنيسة في إفريقيا.

ولقد أكّد هذه الأهمية الخاصة لجنوب السودان القس أرشيد كون شو منذ عام 1909م، حيث قال: «إن لم يتم تغيير هذه القبائل السوداء - أي الجنوبية -، والتي يدين معظمها بالديانات التقليدية -  في السنوات القليلة القادمة، فإنهم سيصيرون «محمديين» – في إشارة إلى دخولهم في الإسلام -، إذ أن هذه المنطقة استراتيجية للتبشير،لأنها تمتد في شرق إفريقيا في منتصف الطريق بين القاهرة والكاب جنوب إفريقيا، لذا فإن الكنيسة في حاجة إلى مكان لها هنا لصدّ انتشار الإسلام»، ولقد تم الأخذ بهذه التوصية في المؤتمر الإرسالي العالمي في أدنبرة عام 1910م[13].

لذا لا غرابة في أن يقوم مجلس الكنائس العالمي، وكذلك المنظّمات الكنسية الأخرى، بدعم القوى المتمرّدة في الجنوب منذ ما قبل الاستقلال، بدءاً من تمرّد «حركة الأنانيا»[14]، ووصولاً إلى «الحركة الشعبية لجنوب السودان» بزعامة جون جارانج، ولم يقتصر هذا الدعم على تقديم المساعدات الإنسانية فقط، وإنما تقديم الدعم التسليحي أيضاً من خلال تقديم المال اللازم لشراء السلاح، كما لم يقتصر كذلك على حركات التمرّد العسكري فحسب، وإنما امتد أيضاً إلى القوى السياسية الأخرى التي تطالب بانفصال الجنوب، أو منحه حكما ذاتياً موسعاً – على أقل تقدير - مثل «حزب سانو».

«حركة الأنانيا» المتمرّدة والكنيسة:

لقد كان للدعم الكنسي لـ «حركة الأنانيا» - فضلاً عن الدعم الصهيوني - دور مهم في تحوّلها من ميليشيات عسكرية غير منظّمة، تفتقد التدريب والتسليح الجيد، وتنتشر بشكل عشوائي في مدن الجنوب دون قيادة مركزية، إلى ميليشيات منظّمة ذات قدرات تدريبية وتسليحية عالية، أجبرت حكومة الخرطوم بعد ذلك على توقيع «اتفاقية أديس أبابا» معها عام 1972م، وهي أول اتفاقية تعطي الجنوبيين الحكم الذاتي في إطار السودان الموحد.

ولم تُخف الحركة هذا الدعم، فلقد اعترف بعض قادتها، مثل جوزيف لاقو، بأن الحركة كانت تتلقى الدعم من الكيان الصهيوني وبعض المنظّمات الكنسية وأوغندا[15]، وإلى الأمر نفسه ذهبت بعض الكتابات المتخصصة التي اتهمت كلاً من الكنيسة الكاثوليكية، ومجلس الكنائس العالمي الذي يضم الكنائس الأرذثوكسية / الأرثوذكسية والبروتستانتية التي لا تؤمن بسلطة بابا الفاتيكان الكاثوليكية، بدعم – ليس فقط - «حركة الأنانيا»، خصوصاً في محافظة الاستوائية الجنوبية، وإنما قوى التمرّد السابقة عليها، ومن ذلك قيام القس الجنوبي الكاثوليكي الأب ساترينو بالتنسيق بين رئاسة الكنيسة في جوبا وقائد أول تمرّد عسكري في البلاد الملازم أوليفر ألبينو عام 1955م[16].

ولقد ازداد الدعم الكنسي للحركة منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث سعت الحركة إلى التحوّل من مجموعة ميليشيات مسلّحة غير منظّمة وتفتقد إلى قيادة مركزية؛ إلى قوات مسلّحة منظّمة ذات قيادة عليا، ولقد تم ذلك تحت قيادة جوزيف لاقو الذي عمل على توطيد علاقاته بالكيان الصهيوني وأوغندا من أجل الحصول على السلاح من ناحية، وتدريب قواته في الداخل والخارج من ناحية ثانية، ولقد كان من نتيجة ذلك توحيد «الأنانيا» مع جناحها السياسي المعروف باسم «حركة تحرير جنوب السودان»، وكان ذلك أحد أسباب توقيع الحكومة السودانية لاتفاقية أديس أبابا مع الحركة، والتي كان مجلس الكنائس من بين القوى المشرفة على توقيعها، وأعقب ذلك اعتراف الحكومة السودانية بالفاتيكان، وإقامة علاقات ديبلوماسية معه[17].

«حركة جارانج» المتمرّدة والكنيسة:      

لقد نشأت «الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان» بزعامة جون جارانج في يونيو عام 1983م، حيث كان جارانج قائداً في الجيش الحكومي، وأمره الرئيس السوداني – آنذاك - جعفر نميري بالذهاب إلى الجنوب للقضاء على حركة التمرّد هناك، والتي ظهرت بعد إلغائه اتفاقية أديس أبابا، ولكن بدلاً من أن يقوم جارانج بقمع التمرّد انضم إليه، وقام بحمل السلاح في وجه الخرطوم.

وتراوحت مطالبه بين المطالبة بانفصال الجنوب، وبين حصول الجنوبيين على أقصى درجات الحكم الذاتي (مطالب «الأنانيا» نفسها)، وأظهرت الحركة عدائها للعروبة والإسلام، وبالرغم من أن جارانج حاول في البداية إظهار الطابع السياسي لحركته (الطابع الماركسي تأثراً بنظام منجستو في إثيوبيا)؛ فإنه لم يستطع إخفاء البعد الديني، والذي برز منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث تحالف مع الكنائس والمنظّمات التبشيرية، خصوصاً بعدما أعلنت الأخيرة دعمها له، وتبنيها لمطالبه في كلّ المحافل الدولية، ومن ذلك مطالبة مجلس الكنائس حكومة الخرطوم 1991م بضرورة توزيع العوائد النفطية على كلّ الأقاليم، وهي النقطة التي دار حولها خلاف كبير بين الحركة والحكومة منذ مفاوضات نيفاشا عام 2002م، واضطرت الحكومة إلى القبول بتقسيم العوائد النفطية في اتفاق خاص بذلك[18].

ولقد كان للدعم الكنسي، فضلاً عن الدعم الصهيوني، دور مهم في تفوّق جارنج على معارضيه الجنوبيين بعد تصفيتهم وذويهم جسدياً، وارتكاب جرائم فظيعة تتنافى مع حقوق الإنسان بحقهم، وهو ما فعله أيضاً في مواجهته مع الجيش الحكومي، ليثبت بذلك أنها حركة متطرفة حظيت بدعم كنسي – واضح -، مكّنها في النهاية من الانفراد بالجنوب، والتفاوض مع الحكومة من موقف قوة.

ولم ينكر جارانج ذلك الدعم، أو ذلك الهدف الديني من تمرّده، حيث أكد في مقابلة مع مجلة نيوزويك 3/3/1996م أن الأجندة العربية والإسلامية في مقدمة الأسباب التي أطالت أمد الحرب مع الحكومة، كما أشار على هامش ندوة عُقدت في معهد بروكنز 9/6/1989م تحت عنوان «الحرب الأهلية في السودان وأفاق الثورة» أن هدف الحرب في الجنوب هو «القضاء على الأقلية العربية المزيفة» حسب تعبيره.

والأمر نفسه أكدته مجلة نيوزويك في تقرير لها بعنوان «جنود المسيح في جنوب السودان»، نشرته في 10/4/2001م، حيث قالت فيه: «إن الحرب في جنوب السودان أصبحت حرباً صليبية»، وذكرت أن منظّمة واحدة فقط هي «الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية» قد وفّرت 17 مليون دولار لهذا الغرض، وأن من أكثر المنظّمات نشاطاً في هذا الشأن - والتي تجاوزت مهامّها الإنسانية فيما يتعلق بتقديم المعونة - هي «برنامج المساعدة الشعبية» النرويجي[19].

مستوى التمدد والانتشار للتنصير ربما يتراجع خلال الفترة القادمة مقارنة بالفترة الماضية 1910م – 2010م

 

 

 ويُلاحظ في هذا الشأن أن المنظّمات الكنسية لم تكتف بتقديم الدعم المالي الذي يُستخدم – معظمه -في شراء الأسلحة فقط، وإنما قامت بتقديم الدعم السياسي أيضاً للحركة، من خلال تأييدها مبادرة «منظّمة إيجاد» التي تقضي بحق تقرير المصير، والتي كانت الأساس التي انبثقت عنه «اتفاقية مشاكوس» والاتفاقيات التالية لها، والتي أعطت زخماً أكبر لجارانج في تصفية معارضيه من ناحية، وللحصول على انفصال جنوب السودان من ناحية ثانية.

2 - التنصير المسلّح في أوغندا[20]:

تُعد أوغندا واحدة من أهم الدول، في شرق إفريقيا، التي تتم فيها عمليات التنصير ضد مسلمي البلاد، ويبلغ تعدادهم سبعة ملايين نسمة من إجمالي أربعة وعشرين مليون نسمة، أي قرابة 30% من حجم السكان، ولا يُخفي النظام الحالي (نظام موسيفيني الكاثوليكي) ذلك، بل يقدّم نفسه للغرب والمنظّمات الكنسية الكبرى بوصفه راعي التبشير والكنيسة في شرق إفريقيا، تماماً كما قدّم نفسه للولايات المتحدة بعد أحداث سبتمبر بأنه راعي المصالح الأمريكية في المنطقة، خصوصاً ضد القوى الإسلامية.

لذا لا غرابة في أن تكون لأوغندا - بالرغم من أنها دولة حبيسة – أهمية استراتيجية؛ ليس في فكر الكنيسة فحسب، ولكن في الفكر الصهيوني أيضاً، وذلك بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي كنقطة تماس بين الشمال العربي المسلم، والجنوب الإفريقي ذي الأغلبية المسيحية.

ومن هنا كانت أوغندا إحدى الدول المقترحة لإقامة وطن قومي لليهود إبّان مؤتمر بازل عام 1897م، إلا أن الأمر استقر على فلسطين بالنظر إلى أهميتها لدى المسلمين .

ولا يُخفي النظام الأوغندي طموحاته التنصيرية والتبشيرية (معاً) المختلطة بالمصالح السياسية، حيث أنه يسعى لإقامة «دولة التوتسي الكبرى»، والتي تضم بالإضافة لأوغندا كلاً من جنوب السودان بعد انفصاله، وأجزاء من رواندا وبوروندي، وشرق الكونغو الديمقراطية حيث أقلية التوتسي المدعومة من قبل الأنجلوفون والولايات المتحدة؛ في مقابل دولة الهوتو المدعومة من الفرانكفون.

ولا غرابة في أن تتلاقى طموحات موسيفيني الاستعمارية التبشيرية مع طموحات إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون في إطار مشروعه الاستعماري الكبير المعروف باسم «القرن الإفريقي» Great Horn of Africa، والذي يضم إلى جانب «دولة التوتسي الكبرى» دول القرن الإفريقي التقليدية الصومال وجيبوتي، إريتريا – إثيوبيا، بحيث يشكّل هذا المشروع الكبير حائط صدٍّ منيع ضد أي محاولة شمالية لنشر الإسلام جنوب الصحراء.

ومن هنا كان طبيعياً في هذا الجو التنصيري والتبشيري العام أن تنشط المؤسّسات والحركات التبشيرية، سواء تلك التي تمارس التبشير بأساليب سلمية، أو بأساليب عسكرية متطرفة، ومن أبرز هذه الحركات المسلّحة ذات التوجهات الكنسية ما يُعرف باسم «جماعة جيش الرب» التي يتزعمها القس جوزيف كوني، وهي حركة مسلّحة ظهرت في البداية كطائفة صغيرة منتصف الثمانينيات من القرن الماضي تقريباً بزعامة شقيقته، وتُدعي «أليس لاكوينا» التي ادّعت أنها على اتصال بالروح القدس الذي أمرها بإزاحة موسيفيني من الحكم وتنصيب نفسها مكانه، وزعمت أن إعجازها يتمثّل في نوع من الزيت المغلي من قِبل روح القدس الذي أخبرها بأنه مَن يتمسح به فلن تخترق جسده طلقات الرصاص في ميدان المعركة! وقد تزايد أتباعها شيئاً فشيئاً، خصوصاً من معارضي النظام، وعُرفت هذه الطائفة باسم «طائفة الروح القدس».

وتركز نشاطها في شمال البلاد لاعتبارين أساسيين، هما:

1 - أن الشمال الأوغندي فقير اقتصادياً مقارنة بالجنوب: ومن ثم يمكن استغلال هذا الوضع الاقتصادي السيئ في عملية التنصير والتبشير من ناحية، وكذلك في جذب أنصار جدد في مواجهة النظام من ناحية ثانية، وخصوصاً أن الشمال يتمتع بقدرات تسليحية عالية مقارنة بالجنوب.

2 - اقتراب هذه المنطقة من جنوب السودان: وهي منطقة تنتشر فيها عمليات التنصير والتبشير بصورة كبيرة من ناحية، كما أنها يمكن أن تشكّل فناءً خلفياً للحركة في عمليات الكرّ والفرّ من ناحية ثانية، وخصوصاً أن الجنوب السوداني ظلّ لفترات طويلة غير خاضع للحكومة المركزية في الخرطوم؛ لذا لا غرابة في أن تعمل كلّ المنظّمات التنصيرية والتبشيرية، سواء السلميّة أو المسلّحة، في الشمال الأوغندي، مما يفسّر أسباب تضاؤل عدد المسلمين هناك ليصبح 1% فقط.

رابعاً: تقييم جهود التنصير في إفريقيا ومستقبله:

كما سبق القول؛ فإن التنصير لم يحقّق مستوى الطموحات التي كان يستهدفها الفاتيكان بتنصير القارة بحلول عام 2000م .. بل إن مستوى التمدد والانتشار للتنصير ربما يتراجع خلال الفترة القادمة مقارنة بالفترة الماضية 1910م – 2010م.

هذا التراجع كشف عنه أحد التقارير الصادرة عن أحد المراكز الكنسية الأمريكية Pew Research Center ، حيث أشار التقرير، من خلال استطلاع للرأي قام به لأكثر من 25 ألف شخص ينتمون لـ 19 دولة إفريقية جنوب الصحراء، إلى إنه وإن كان الاسلام والمسيحية يزدهران بصورة كبيرة في إفريقيا جنوب الصحراء خلال الفترة من 1910م – 2010م؛ فإن النتائج المتوقعة تشير إلى أن أياً منهما لن يتمدد بسرعة على غرار ما كان حادثاً في القرن العشرين، اللهم إلا إذا كان هذا التمدد بسبب زيادة معدّل نمو السكان المسلمين والمسيحيين .

وهناك سببان لهذه النتيجة:

الأول: أشار التقرير إلى أن معظم مَن تم لقاؤهم  25 ألف شخص من 19 دولة يعتنقون الإسلام أو المسيحية، وهذا يعني أن التحوّل المحتمل من خارج هاتين الديانتين إليهما يتراجع بصورة كبيرة، وفي معظم الأقطار، فإن أكثر من 90% يؤكّدون أنهم نصارى أو مسلمين، وهو ما يعني أن 1 من كل 10 يعرّف نفسه بأنه من أصحاب الديانات التقليدية أو دون دين.

ثانياً: هناك أدلة على أن كلتا الديانتين لا تتوسعان بعضهما على حساب الآخر، وبالرغم من وجود نسبة قليلة في التحوّل بينهما فإنها تحوّلات غير مؤثرة أو كبيرة، وربما الاستثناء في أوغندا، حيث إن 1 من كل 3 من الذين تم استطلاع آرائهم يُعلنون أنهم مسيحيون بعد أن كانوا مسلمين، في حين أن فئة قليلة جداً من الأوغنديين أيضاً يصفون أنفسهم بأنهم صاروا مسلمين بعد أن كانوا مسيحيين[21].

جدول يوضح نسب النصارى في بعض دول إفريقيا جنوب الصحراء، وبعض نسب التحوّل من الإسلام إلى النصرانية خلال الآونة الأخيرة، وحتى عام 2010م[22]

الدولة

نسبة النصارى إلى إجمالي السكان حتى نهاية التسعينيات

نسبة النصارى

عام 2010م

نسبة التحوّل من الإسلام إلى النصرانية

أوغندا

82%

86%

4%

بوتسوانا

84%

87%

3%

غانا

81%

83%

2%

إثيوبيا

67%

69%

2%

تنزانيا

58%

60%

2%

جنوب إفريقيا

89%

87%

2%

غينيا بيساو

61%

62%

1%

كينيا

89%

88%

1%

الكاميرون

81%

80%

1%

مالي

8%

8%

0%

الكونغو الديمقراطية

80%

80%

0%

تشاد

40%

40%

0%

رواندا

93%

93%

0%

جيبوتي

2%

2%

0%

السنغال

10%

10%

0%

نيجيريا

46%

46%

0%

ليبيريا

69%

69%

0%

زامبيا

98%

98%

0%

ومعنى هذا أن نسب التحوّل بين الديانتين ربما تكون قليلة، كما أن نسبة التحوّل إليهما من قِبل أتباع الديانات التقليدية ربما تكون قليلة أيضاً؛ بسبب أن نسبة المسلمين والمسيحيين في الإقليم تبلغ أكثر من 90%، 62 للنصارى، 30% للمسلمين، وإن كانت هذه النسبة يمكن أن تزداد إذا أضفنا مسلمي شمال إفريقيا[23].

وهنا قد يثور التساؤل عن أسباب هذا التراجع في عدد الذين يعتنقون المسيحية في الآونة الأخيرة؛ بالرغم من هذه الإمكانات الضخمة المالية والمؤسّسية والإعلامية التي حققتها خلال القرن الماضي، وأوائل العقد الحالي من القرن الجديد.

يمكن القول بوجود مجموعة من الأسباب في هذا الشأن، لعل من أبرزها [24]:

1 - الخلافات المذهبية بين المنظّمات التنصيرية: وانتشار الكنائس المستقلة، والصهيونية، وانتماء معظم المنصِّرين إلى الدول الغربية، وهو ما يفسّر جهلهم بواقع القارة وخصائص شعوبها؛ حيث يستهجن هؤلاء إيمان الأفارقة بالأرواح وعالم الغيب، وهو جزء أساسي من المعتقدات والقيم الإفريقية التي استمرت حتى بعد اعتناق كثير من الأفارقة للديانات السماوية، كما يمثّل الاعتماد على أسلوب التنصير الفردي تجاهلاً لطبيعة الانتماء الجماعي في إفريقيا، وهو ما أعطى انطباعاً بأن الأفراد يجب أن يتركوا قبائلهم لينتموا إلى المسيحية، وخصوصاً أن التعميد يتطلب أحياناً إذناً كتابياً من القبيلة التي ينتمي إليها الفرد.

2 - النظرة الاستعلائية التي يتعامل بها معظم المنصِّرين مع الأفارقة: وهو منطق نابع من الإحساس بتفوّق المجتمع الغربي الذي جاؤوا منه، ومن ثم لم يندمج معظم المنصِّرين في المجتمعات الإفريقية، فلم يتزوجوا منهم، وإنما حافظوا دائماً على مسافة بينهم وبين الأفارقة، كما عاشوا في مستويات معيشية مرتفعة مقارنة بهم، وهو ما أدى في نهاية الأمر إلى ارتباط صفة التغريب والاستعلاء في أذهان الأفارقة بالمسيحية.

3 - قيام معظم المنظّمات التنصيرية بتقديم صورة سيئة عن إفريقيا والأفارقة في أوروبا وأمريكا: لأجل استمرار جذب الأموال اللازمة للتنصير، وهو ما أثار استياء الأفارقة، ونال بشدة من مصداقية تلك المنظّمات.

إن هذه الأسباب السابقة لا تعني التقليل من جهود التنصير، والنتائج التي تم تحقيقها في إفريقيا، وبخاصة منطقة جنوب الصحراء، والتي كما قلنا ساهمت في مضاعفة نسبة النصارى 60 مرة خلال قرن واحد من الزمان، إلا أنها تراجعت خلال الآونة الأخيرة للأسباب سالفة الذكر.

وهنا قد يثور التساؤل حول كيفية الاستفادة الإسلامية من تجربة التنصير في إفريقيا وفق قاعدة الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق الناس بها؟

 فبالرغم من أن هذا السؤال قد يثير حفيظة بعضنا، لكن دعنا نقول إن الكنيسة امتلكت أدوات تأثير ساهمت في زيادة عدد مَن اعتنق المسيحية في إفريقيا، ولمّا كانت الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق الناس بها؛ كان علينا الاستفادة من هذه التجارب؛ «فالعقل الإسلامي المنفتح على التجربة الكنسية عليه أن يستفيد من خبرات الكنيسة وتجاربها وصمودها وصبرها، ونظمها ولوائحها، وترابطها وتماسكها، ورهبانيتها، وتعليمها، وإمكانياتها، وتطورها التاريخي، ودراساتها لتقاليد الشعوب وأوضاع الشعوب ولغاتها، كما أن على حركة الدعوة الإسلامية الاستفادة من الخطاب الكنسي في إفريقيا، وكيف استطاع هذا الخطاب أن يتواءم مع العقل المحلي والتجارب المحلية، ويصيب هذا النجاح المذهل في إفريقيا في المائة وخمسين سنة الأخيرة»[25].

 

* خبير الشؤون الإفريقية - جامعة القاهرة.

[1] أيمن شبانة: التنصير في إفريقيا.. جهد كاسح ونتائج كسيحة، موقع أون إسلام 26/7/2008م، في:

http://www.onislam.net/arabic/newsanalysis/analysis-opinions/africa-latin-america/108090-2008-07-26%2010-25-17.html

[2] Global Christianity Report (U S A:Pew Research Center’s Forum on Religion & Public Life, December 2011),PP.53-55 "64"

[3] - Ibid , p.9

[4] Source: Tolerance and Tension: Islam and Christianity in Sub-Saharan Africa U S A: Pew Forum on Religion & Public Life, April 2010 P.i

[5]- حول هذين المفهومين انظر: التنصير التبشير أهداف إفريقيا، منتدى الخير للرقية الشرعية، في:

http://www.rouqyah.com/showthread.php?t=65975

[6] - د. كمال محمد جاه الله: الحراك التنصيري في الأقاليم الإفريقية، مجلة قراءات إفريقية، العدد 10، أكتوبر - ديسمبر2011م، ص 4.

[7] - عبد العزيز الكحلوت: التنصير والاستعمار في إفريقيا السوداء، ليبيا: منشورات دار الدعوة الاسلامية، ط 2، 1992م، ص ص 67 – 68.

[8] - د. حسن مكي: نظرات في المشروع التنصيرى في إفريقيا، في:

http://www.islam4africa.net/index.php/manarate/index/18/143

[9] - حول هذه الأهداف والوسائل انظر: التنصير التبشير أهداف إفريقيا، مرجع سابق.

[10] أيمن شبانة، مرجع سابق.

[11] يُقصد بالكنيسة: اللواذ بالوازع الديني والتمسك بالقيم الأخلاقية الدينية المسيحية، وليس مجرد مبنى الكنيسة الذي قد يتبادر إلى الذهن (المراجع).

[12] - د. كمال جاه الله، مرجع سابق، ص 6.

[13] مصعب الطيب بابكر – السودان -: مدخل الصليبية إلى الجنوب، نقلاً عن د: حسن مكي: مشروع التنصير في السودان في الماضي والحاضر (السودان: المركز الإسلامي الإفريقي، 1991م)، في:

www.meskat.net/report/south_crusade_gate.htm

[14] تعد هذه الحركة من أوائل الحركات المسلحة التي رفعت السلاح في وجه حكومة الخرطوم، مستغلة في ذلك طبيعة النشأة العسكرية للمنتمين إليها، إذ أنها تتكون من أعضاء الفرقة الجنوبية في القوات المسلحة السودانية التي كان مقر رئاستها في مدينة التوريت، والتي كانت قد أعلنت تمردها على الحكومة عام 1955م بسبب قانون السَّوْدَنة، إلا أن النظام تمكّن من القضاء عليها، فعادت لتنظيم نفسها أوائل الستينيات لمواجهة سياسة نظام عبود الذي عمل على دمج الجنوبيين ونشر الإسلام والعربية، والقضاء على الحركات التبشيرية في الجنوب، فتم إعلان قيام الحركة عام 1962م، وحدّدت الحركة مطلبها الأساسي في تكوين دولة فيدرالية في السودان يُمنح فيها الجنوب حكماً موسعاً، ثم عدلت عن ذلك بعدما قويت شوكتها، وطالبت بانفصال الجنوب عن الشمال.

[15] حول هذه الجزئية انظر: التشكيلات السياسية والفصائل المسلحة في الجنوب السوداني، الجزيرة نت، في:

www.aljazeera.net/nr/exeres/adf1b674-c356-4877-a204-4819a6c38471.htm

[16] - سيدي أحمد بن أحمد سالم: الكنائس العالمية والتبشير في جنوب السودان، الجزيرة نت، في:

www.aljazeera.net/nr/exeres/3d289ff3-3011-48a6-af78-fbdec3603168.htm

[17] المرجع السابق نفسه.

[18] بدر حسن شافعي: الحركات الكنسية المتطرفة في جنوب السودان، مجلة المجتمع الكويتية، عدد 1636، 22/1/2005م.                                        

[19] مصعب الطيب، مرجع سابق.

[20] اعتمدنا في هذه الجزئية على مقال للكاتب بعنوان: نموذج «جماعة جيش الرب» في أوغندا، ملف الأهرام الاستراتيجي على الرابط الآتي: http://acpss.ahram.org.eg/ahram/2001/1/1/FI1E39.HTM

[21] Tolerance and Tension: Islam and Christianity in Sub-Saharan Africa( U S A: Pew Forum on Religion & Public Life, April 2010) p p .11 - 12

[22]  Source : Tolerance and Tension: Islam and Christianity

[23] يبلغ عدد المسلمين في إفريقيا جنوب الصحراء - وفقاً لإحصاءات عام 2009م - 241 مليون نسمة، يشكّلون 15% من إجمالي مسلمي العالم، و 30% من سكان الإقليم، وتُعد نيجيريا أكبر دولة من حيث عدد المسلمين 78 مليون نسمة (يشكّلون قرابة 50%)، وتقريباً واحد من كل 3 من المسلمين (قرابة 32%) من مسلمي إفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في نيجيريا، ويلاحظ أن غرب إفريقيا هي المنطقة الوحيدة في الإقليم التي تقطنها الأغلبية المسلمة (بخلاف الشمال الإفريقي)، وعلى النقيض من ذلك فإن منطقة الجنوب الإفريقي ذات أقلية مسلمة، لمزيد من التفاصيل انظر:

MAPPING THE GLOBAL MUSLIM  POPULATION ,(U S A: Pew Research Center, 2009) PP.19-20

د. بدر حسن شافعي*

بالرغم من أن التنصير ظاهرة قديمة في القارة الإفريقية، ربما ارتبطت بالحروب الصليبية، ومن بعدها الغزو الاستعماري للقارة خلال القرن التاسع عشر على وجه التحديد، فإنه ظاهرة مستمرة لم تنته.

كما أن جهود المنصِّرين والمبشِّرين مستمرة، لعدة أسباب:

- بعضها ديني يرتبط بنشر المسيحية بين المسلمين، والتبشير بها لدى غيرهم.

- وبعضها الآخر سياسي يرتبط بالدول الاستعمارية السابقة، ورغبتها في استمرار الهيمنة على الدول الإفريقية.

- وثالثها مادي يرتبط برغبة الجمعيات والمؤسّسات التبشيرية في الحصول على المال؛ بدعوى إنفاقه في الأغراض التبشيرية، خصوصاً في المناطق التي تواجه كوارث طبيعية، كالجفاف وغيره.

وعندما نتحدث عن التنصير ومستقبله في القارة؛ فإننا نتحدث في هذا الصدد عن الطوائف المسيحية الثلاث: (الأرذثوكسية / الأرثوذكسية، الكاثوليكية، البروتستانتية) والمؤسّسات الداعمة لها، وفي مقدمتها الفاتيكان بالنسبة للكاثوليك، ومجلس الكنائس العالمي بالنسبة للأرذثوكس / للأرثوذكس والبروتستانت.

لقد وضعت هذه المؤسّسات الكنسية الكبرى، وفي مقدمتها مجلس الكنائس العالمي والفاتيكان، مخططاً لتنصير القارة الإفريقية.. وفي هذا الشأن نظّم الفاتيكان مؤتمر روما التنصيري في 19 فبراير 1993م تحت شعار «تنصير إفريقيا عام 2000م»، حيث خصّص ميزانية أولية لهذا الغرض قدرها 5,3 مليارات دولار لأجل نشر المسيحية في إفريقيا[1].

صحيح أن هذا الهدف لم يتحقّق بالنسبة المرجوّة، إلا أن الفاتيكان – تحديداً - لم ييأس، وعمل على تأجيل تحقيقه من عام 2000م إلى عام 2010م، ثم إلى عام 2015م، بسبب عدم تحقق النتائج المرجوّة لمجموعة من الأسباب سيأتي ذكرها.

لقد تحقّق قرابة نصف هدف الفاتيكان تقريباً في إفريقيا جنوب الصحراء، حيث بلغ عدد النصارى في إفريقيا جنوب الصحراء - وفق بعض التقديرات الكنسية - 516 مليون مسيحي، بنسبة 62,7%  عام 2010م، مما يعني أن الإقليم به ثالث أكبر كتلة مسيحية على مستوى العالم بنسبة 23,6%، أي قرابة ربع مسيحيي العالم، وذلك بعد القارة الأمريكية 36,8%، وقارة أوروبا 25,9%، هذه النسبة لن تتغير كثيراً إذا ما أضفنا إليها نصارى دول الشمال الإفريقي والسودان، حيث يبلغ نسبة النصارى في مصر والسودان 0,03% من إجمالي سكان العالم.

ويُلاحظ أن أكبر زيادة في عدد المسيحيين في العالم كانت في إفريقيا جنوب الصحراء، حيث بلغت الزيادة 60 ضعفاً خلال قرن من الزمان، فقد ارتفع عددهم من قرابة 9 ملايين مسيحي عام 1910م بنسبة 1,4%، إلى 516 مليون مسيحي عام 2010م 62%، في حين أن عدد المسيحيين في منطقة آسيا – المحيط الهادئ تضاعف عشر مرات، حيث ارتفع عددهم من 28 مليوناً عام 1910م، إلى 285 مليون عام 2010م.

كما يُلاحظ أن معظم المسيحيين في إفريقيا جنوب الصحراء من البروتستانت 57%، وهذه النسبة تضم أعضاء الكنائس الإفريقية المستقلة، والإنجليكان، في حين يشكّل الكاثوليك 34%، أما الأرذثوكس / الأرثوذكس فلا تزيد نسبتهم عن 8%، وباقي المذاهب الأخرى لا تزيد عن 1%[2].

شكل توضيحي للمقارنة بين نسب المسيحيين في العالم، بما فيهم المنطقة الإفريقية، بين عامي 1910م -2010م[3]

رسم بياني يوضح انتشار الإسلام باللون البني الغامق، والمسيحية بالبني الفاتح،  والديانات التقليدية باللون الرمادي، إفريقيا جنوب الصحراء منذ عام 1900م وحتى 2010م[4]

ولقد اعتمد المنصِّرون على مجموعة من الأساليب لتحقيق أهدافهم، الظاهر منها الوسائل السلميّة، مستغلين في ذلك ثالوث (الفقر والجهل والمرض)، وبعضها الآخر غير ظاهر عبر استخدام أساليب العنف والإرهاب لإجبار المسلمين على اعتناق المسيحية.

ومن هنا يمكن تقسيم هذا الموضوع إلى عدة نقاط:

الأولى: تتعلق بتحديد المفاهيم.

الثانية: تتعلق بأهداف التنصير وأساليبه.

الثالثة: نماذج من التنصير المسلّح؛ حالتا جنوب السودان، أوغندا.

الرابعة: تقييم جهود التنصير ومستقبله.

أولاً: تحديد المفاهيم:

بداية قد يكون من المهم التفرقة بين مفهومين قد يُستخدمان بالمعنى نفسه في بعض الأحيان للدلالة على هدفهما النهائي «اعتناق المسيحية»، وإن كان هناك فارق بينهما فيما يتعلق بالجمهور المستهدف.. هذان المفهومان هما: التبشير والتنصير.

فمفهوم التبشير: يعني دعوة غير المسيحيين إلى الديانة النصرانية أو المسيحية.

أما مفهوم التنصير: فهو إعداد الخطط وتطويرها لتحويل المسلمين إلى النصرانية باستغلال الجهل والفقر، واستغلال الظروف والحاجات الإنسانية لإخراج المسلمين عن دينهم.

إذاً فالتنصير حركة دينية سياسية استعمارية، بدأت بالظهور بعد فشل الحروب الصليبية، بهدف نشر النصرانية بين الأمم المختلفة في دول العالم الثالث عامة وبين المسلمين خاصة، بهدف إحكام السيطرة على هذه الشعوب، فهو عمل جماعي منظّم، خطّطت له الكنيسة ودول أوروبا التي لها أطماع في الشعوب الإسلامية.

فالتنصير هو تحويل المسلمين عن دينهم إلى اعتناق النصرانية المسيحية، أما التبشير فهو نشر المسيحية بين غير المسلمين، ولا سيما أتباع الديانات التقليدية غير السماوية، أي أن التنصير والتبشير يتفقان في الغاية النهائية، ولكنهما يختلفان من حيث الجمهور المستهدف[5].

لذا فإن التنصير هو الخطر الحقيقي على العالم الإسلامي، وسيكون هو محور تركيزنا في هذه الدراسة.

ثانياً: أهداف التنصير وأساليبه:

كما سبق القول؛ فإن التنصير حركة ظهرت إثر الحروب الصليبية بغية نشر النصرانية بين الأمم المختلفة، وخصوصاً بين المسلمين من أجل القضاء على الإسلام[6].

وقد كان هناك جدال بين الباحثين بشأن التنصير والاستعمار، وأيهما كان له السبق في هذا الشأن، وهل فتح الاستعمار الباب أمام المبشِّرين، أو أن العكس هو الصحيح، وقد عبّر عن هذه الإشكالية الكاتب والتر رودني الذي أشار إلى أن البعثات التبشيرية المسيحية كانت جزءاً من قوى الاستعمار إلى حدٍّ كبير، مثلها في ذلك مثل المكتشفين والتجار والجنود، وربما يكون هناك مجال للمجادلة حول ما اذا كانت البعثات التبشيرية في مستعمرة ما هي التي جلبت قوى الاستعمار الأخرى أو أن العكس هو الصحيح، ولكن ليس هناك شك في حقيقة أن البعثات التبشيرية كانت إحدى أدوات الاستعمار من الناحية العملية[7].

لذا يُعد التنصير - من وجهة نظر بعض المحلّلين - الوجه الآخر من المشروع الصليبي الذي أخفق في إخضاع العالم الإسلامي عسكرياً، ومن ثم عمل على محاولة الوصول، عن طريق السياسة والدعوة والتعليم، إلى ما عجز الغرب عن الوصول إليه بالوسائل العسكرية[8].

ولعل هذا يدفعنا إلى دراسة أهداف المنصِّرين ووسائلهم:

يمكن القول بوجود عدة أهداف للتنصير يتم تحقيقها عبر مجموعة من الوسائل، ومنها[9]:

1 - أهداف دينية:

- تتمثّل في صرف المسلمين عن دينهم حتى إن لم يعتنقوا النصرانية، وذلك باستخدام سلاح التشكيك والافتراء لإضعاف العقيدة الإسلامية في النفوس، فضلاً عن سلاح التعليم عبر فتح المدارس التعليمية للنشء الصغير، وتغيير المناهج الدراسية بما يخدم أهدافهم، وباستغلال الخدمات الطبية والمساعدات الإنسانية لتنصير الشعوب الفقيرة والمنكوبة.

- تربية زعامات تقود الرأي بعيداً عن الأفكار الإسلامية.

2 - أهداف استعمارية:

فهم يستهدفون خضوع المسلمين لحضارتهم وثقافتهم خضوعاً لا تقوم لهم بعده قائمة، وإضعاف المقاومة الروحية والمعنوية في نفوسهم، عن طريق التشكيك في تراثهم وعقائدهم.

3 - أهداف سياسية:

إحداث الفرقة بين الدول الإسلامية عن طريق بث الدسائس وصنع المؤامرات، ويقوم مجلس الكنائس العالمي والفاتيكان وهيئات أخرى بالإشراف والتوجيه والدعم المالي لكل الأنشطة التنصيرية، وتتوفر مصادر تمويل ثابتة من الحكومات والمؤسّسات في الدول الغربية، وعن طريق المشروعات الاقتصادية والأراضي الزراعية والأرصدة في البنوك والشركات التابعة لهذه الحركات التنصيرية مباشرة، وحملات جمع التبرعات التي يقوم بها القساوسة من حين لآخر، وتوجد هيئات ومراكز البحوث والتخطيط يعمل بها نخبة من الباحثين المؤهّلين.

ومن أهم تلك المراكز:

- مركز البحوث التابع للفاتيكان.

- المركز المسيحي في نيروبي.

- مركز المعلومات المسيحي في نيجيريا.

- مركز البحوث التابع لمجلس الكنائس العالمي.

- علاوة على امتلاكهم حوالي 2500 محطة إذاعية على مستوى العالم، تبث بـ 64 لغة قومية، تشن هجوماً صريحاً ضد الإسلام.

ويحرص المنصِّرون على التنسيق بين أساليب التنصير المختلفة، ودراسة إمكانية تطويرها، أو الجمع بينها، وذلك بالاعتماد على الدراسات التي توفّرها المراكز البحثية التابعة للهيئات التنصيرية العالمية والإفريقية، ومن أهمها: مركز البحوث التابع للفاتيكان، ومركز البحوث التابع لمجلس الكنائس العالمي، ومراكز المعلومات المسيحية في معظم العواصم الإفريقية[10].

كما تتابعت الاجتماعات الكنسية للأساقفة الكاثوليك في إطار ما يُعرف باسم «السينودس»، وهي مؤسّسة كنسية كاثوليكية تهدف لتحقيق تعاون أكبر بين البابا والأساقفة في مختلف أنحاء العالم، ومن ذلك اجتماع السينودس عام 2009م، والذي عُقد تحت شعار «الكنيسة في إفريقيا في خدمة المصالحة والعدالة والسلام»، وكان من أهم ما ورد في بيانه: «تشجيع جميع المؤسّسات والحركات الكنسية العاملة في مجال الصحة، وبخاصة مرض الإيدز»، وذلك على اعتبار أن الكنيسة[11] بحسب وصف البيان: «لا يُعلى عليها في مكافحة هذا المرض»[12].

وإذا كان ما سبق يشير إلى أن التنصير يعتمد بالأساس على الوسائل السلميّة الناعمة (دعم ومساعدات إنسانية، توفير الرعاية الصحية، التعليم وغيرها)؛ فإن هذا لا ينفي وجود عملية تنصير بالقوة المسلّحة من خلال بعض القوى الإفريقية الكنسية التي تستهدف تحقيق أهداف سياسية ممزوجة بأهداف التنصير، هذه القوى تحظى بدعم المؤسّسات الكنسية العالمية لتحقيق هدف التنصير من ناحية، والتمكين السياسي الذي يساهم ليس فقط في زيادة التنصير، وإنما في الحيلولة دون انتشار الإسلام، وهناك نماذج عديدة في هذا الصدد في إقليم جنوب الصحراء.

جهود التنصير، والنتائج التي تم تحقيقها في إفريقيا، وبخاصة منطقة جنوب الصحراء، ساهمت في مضاعفة نسبة النصارى 60 مرة خلال قرن واحد من الزمان

وربما نكتفي في الجزء الأخير من الدراسة بإعطاء نموذجين، هما حالة جنوب السودان قبل الانفصال، والتي أسفرت في النهاية عن الانفصال عام 2011م، والحالة الثانية هي الحالة الأوغندية خصوصاً أن الرئيس موسيفيني (ينتمي موسيفيني للتوتسي) يرى نفسه راعي التبشير والكنيسة في شرق إفريقيا.                                                                

ثالثاً: نماذج من التنصير المسلّح في إفريقيا:

كما سبق القول؛ إذا كانت الجماعات التنصير تعمد إلى اتباع الأساليب السلميّة من تقديم مساعدات وعلاج وتعليم؛ فإنها أيضاً تنهج الأسلوب القسري العسكري، من خلال دعم بعض الحركات السياسية ذات التوجّهات الدينية، من أجل الوصول إلى الحكم من ناحية، والتمكين للتنصير من ناحية ثانية.

وسوف نكتفي بإعطاء إشارة إلى نموذجين، هما جنوب السودان، وأوغندا.

1 - التنصير المسلّح في جنوب السودان:

لقد كان السودان – قبل انفصال الجنوب - محط أنظار الحركات الكنسية بصفة عامة، ومجلس الكنائس العالمي بصفة خاصة.

يُعد السودان هدفاً استراتيجياً مهماً لدى مؤسّسات التنصير، بوصفه أكبر بلد عربي إفريقي من ناحية، ولكونه ذا موقع استراتيجي مهم يفصل بين الشمال العربي المسلم، والجنوب الإفريقي الذي يغلب عليه المسيحية - من ناحية ثانية –، لذا كان هدف هذه المؤسّسات الكنسية تحويل جنوب السودان –تحديداً - إلى دويلة مسيحية، يمكن فصلها وضمّها بعد ذلك إلى دول الجوار الجنوبي؛ في إطار ما يُعرف باسم «دولة التوتسي النصرانية الكبرى»، والتي تضم أوغندا - جنوب السودان - أجزاء من رواندا – بوروندي - الكونغو الديمقراطية؛ بزعامة الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني الذي يقدّم نفسه بوصفه راعي الكنيسة في إفريقيا.

ولقد أكّد هذه الأهمية الخاصة لجنوب السودان القس أرشيد كون شو منذ عام 1909م، حيث قال: «إن لم يتم تغيير هذه القبائل السوداء - أي الجنوبية -، والتي يدين معظمها بالديانات التقليدية -  في السنوات القليلة القادمة، فإنهم سيصيرون «محمديين» – في إشارة إلى دخولهم في الإسلام -، إذ أن هذه المنطقة استراتيجية للتبشير،لأنها تمتد في شرق إفريقيا في منتصف الطريق بين القاهرة والكاب جنوب إفريقيا، لذا فإن الكنيسة في حاجة إلى مكان لها هنا لصدّ انتشار الإسلام»، ولقد تم الأخذ بهذه التوصية في المؤتمر الإرسالي العالمي في أدنبرة عام 1910م[13].

لذا لا غرابة في أن يقوم مجلس الكنائس العالمي، وكذلك المنظّمات الكنسية الأخرى، بدعم القوى المتمرّدة في الجنوب منذ ما قبل الاستقلال، بدءاً من تمرّد «حركة الأنانيا»[14]، ووصولاً إلى «الحركة الشعبية لجنوب السودان» بزعامة جون جارانج، ولم يقتصر هذا الدعم على تقديم المساعدات الإنسانية فقط، وإنما تقديم الدعم التسليحي أيضاً من خلال تقديم المال اللازم لشراء السلاح، كما لم يقتصر كذلك على حركات التمرّد العسكري فحسب، وإنما امتد أيضاً إلى القوى السياسية الأخرى التي تطالب بانفصال الجنوب، أو منحه حكما ذاتياً موسعاً – على أقل تقدير - مثل «حزب سانو».

«حركة الأنانيا» المتمرّدة والكنيسة:

لقد كان للدعم الكنسي لـ «حركة الأنانيا» - فضلاً عن الدعم الصهيوني - دور مهم في تحوّلها من ميليشيات عسكرية غير منظّمة، تفتقد التدريب والتسليح الجيد، وتنتشر بشكل عشوائي في مدن الجنوب دون قيادة مركزية، إلى ميليشيات منظّمة ذات قدرات تدريبية وتسليحية عالية، أجبرت حكومة الخرطوم بعد ذلك على توقيع «اتفاقية أديس أبابا» معها عام 1972م، وهي أول اتفاقية تعطي الجنوبيين الحكم الذاتي في إطار السودان الموحد.

ولم تُخف الحركة هذا الدعم، فلقد اعترف بعض قادتها، مثل جوزيف لاقو، بأن الحركة كانت تتلقى الدعم من الكيان الصهيوني وبعض المنظّمات الكنسية وأوغندا[15]، وإلى الأمر نفسه ذهبت بعض الكتابات المتخصصة التي اتهمت كلاً من الكنيسة الكاثوليكية، ومجلس الكنائس العالمي الذي يضم الكنائس الأرذثوكسية / الأرثوذكسية والبروتستانتية التي لا تؤمن بسلطة بابا الفاتيكان الكاثوليكية، بدعم – ليس فقط - «حركة الأنانيا»، خصوصاً في محافظة الاستوائية الجنوبية، وإنما قوى التمرّد السابقة عليها، ومن ذلك قيام القس الجنوبي الكاثوليكي الأب ساترينو بالتنسيق بين رئاسة الكنيسة في جوبا وقائد أول تمرّد عسكري في البلاد الملازم أوليفر ألبينو عام 1955م[16].

ولقد ازداد الدعم الكنسي للحركة منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث سعت الحركة إلى التحوّل من مجموعة ميليشيات مسلّحة غير منظّمة وتفتقد إلى قيادة مركزية؛ إلى قوات مسلّحة منظّمة ذات قيادة عليا، ولقد تم ذلك تحت قيادة جوزيف لاقو الذي عمل على توطيد علاقاته بالكيان الصهيوني وأوغندا من أجل الحصول على السلاح من ناحية، وتدريب قواته في الداخل والخارج من ناحية ثانية، ولقد كان من نتيجة ذلك توحيد «الأنانيا» مع جناحها السياسي المعروف باسم «حركة تحرير جنوب السودان»، وكان ذلك أحد أسباب توقيع الحكومة السودانية لاتفاقية أديس أبابا مع الحركة، والتي كان مجلس الكنائس من بين القوى المشرفة على توقيعها، وأعقب ذلك اعتراف الحكومة السودانية بالفاتيكان، وإقامة علاقات ديبلوماسية معه[17].

«حركة جارانج» المتمرّدة والكنيسة:      

لقد نشأت «الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان» بزعامة جون جارانج في يونيو عام 1983م، حيث كان جارانج قائداً في الجيش الحكومي، وأمره الرئيس السوداني – آنذاك - جعفر نميري بالذهاب إلى الجنوب للقضاء على حركة التمرّد هناك، والتي ظهرت بعد إلغائه اتفاقية أديس أبابا، ولكن بدلاً من أن يقوم جارانج بقمع التمرّد انضم إليه، وقام بحمل السلاح في وجه الخرطوم.

وتراوحت مطالبه بين المطالبة بانفصال الجنوب، وبين حصول الجنوبيين على أقصى درجات الحكم الذاتي (مطالب «الأنانيا» نفسها)، وأظهرت الحركة عدائها للعروبة والإسلام، وبالرغم من أن جارانج حاول في البداية إظهار الطابع السياسي لحركته (الطابع الماركسي تأثراً بنظام منجستو في إثيوبيا)؛ فإنه لم يستطع إخفاء البعد الديني، والذي برز منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث تحالف مع الكنائس والمنظّمات التبشيرية، خصوصاً بعدما أعلنت الأخيرة دعمها له، وتبنيها لمطالبه في كلّ المحافل الدولية، ومن ذلك مطالبة مجلس الكنائس حكومة الخرطوم 1991م بضرورة توزيع العوائد النفطية على كلّ الأقاليم، وهي النقطة التي دار حولها خلاف كبير بين الحركة والحكومة منذ مفاوضات نيفاشا عام 2002م، واضطرت الحكومة إلى القبول بتقسيم العوائد النفطية في اتفاق خاص بذلك[18].

ولقد كان للدعم الكنسي، فضلاً عن الدعم الصهيوني، دور مهم في تفوّق جارنج على معارضيه الجنوبيين بعد تصفيتهم وذويهم جسدياً، وارتكاب جرائم فظيعة تتنافى مع حقوق الإنسان بحقهم، وهو ما فعله أيضاً في مواجهته مع الجيش الحكومي، ليثبت بذلك أنها حركة متطرفة حظيت بدعم كنسي – واضح -، مكّنها في النهاية من الانفراد بالجنوب، والتفاوض مع الحكومة من موقف قوة.

ولم ينكر جارانج ذلك الدعم، أو ذلك الهدف الديني من تمرّده، حيث أكد في مقابلة مع مجلة نيوزويك 3/3/1996م أن الأجندة العربية والإسلامية في مقدمة الأسباب التي أطالت أمد الحرب مع الحكومة، كما أشار على هامش ندوة عُقدت في معهد بروكنز 9/6/1989م تحت عنوان «الحرب الأهلية في السودان وأفاق الثورة» أن هدف الحرب في الجنوب هو «القضاء على الأقلية العربية المزيفة» حسب تعبيره.

والأمر نفسه أكدته مجلة نيوزويك في تقرير لها بعنوان «جنود المسيح في جنوب السودان»، نشرته في 10/4/2001م، حيث قالت فيه: «إن الحرب في جنوب السودان أصبحت حرباً صليبية»، وذكرت أن منظّمة واحدة فقط هي «الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية» قد وفّرت 17 مليون دولار لهذا الغرض، وأن من أكثر المنظّمات نشاطاً في هذا الشأن - والتي تجاوزت مهامّها الإنسانية فيما يتعلق بتقديم المعونة - هي «برنامج المساعدة الشعبية» النرويجي[19].

مستوى التمدد والانتشار للتنصير ربما يتراجع خلال الفترة القادمة مقارنة بالفترة الماضية 1910م – 2010م

 ويُلاحظ في هذا الشأن أن المنظّمات الكنسية لم تكتف بتقديم الدعم المالي الذي يُستخدم – معظمه -في شراء الأسلحة فقط، وإنما قامت بتقديم الدعم السياسي أيضاً للحركة، من خلال تأييدها مبادرة «منظّمة إيجاد» التي تقضي بحق تقرير المصير، والتي كانت الأساس التي انبثقت عنه «اتفاقية مشاكوس» والاتفاقيات التالية لها، والتي أعطت زخماً أكبر لجارانج في تصفية معارضيه من ناحية، وللحصول على انفصال جنوب السودان من ناحية ثانية.

2 - التنصير المسلّح في أوغندا[20]:

تُعد أوغندا واحدة من أهم الدول، في شرق إفريقيا، التي تتم فيها عمليات التنصير ضد مسلمي البلاد، ويبلغ تعدادهم سبعة ملايين نسمة من إجمالي أربعة وعشرين مليون نسمة، أي قرابة 30% من حجم السكان، ولا يُخفي النظام الحالي (نظام موسيفيني الكاثوليكي) ذلك، بل يقدّم نفسه للغرب والمنظّمات الكنسية الكبرى بوصفه راعي التبشير والكنيسة في شرق إفريقيا، تماماً كما قدّم نفسه للولايات المتحدة بعد أحداث سبتمبر بأنه راعي المصالح الأمريكية في المنطقة، خصوصاً ضد القوى الإسلامية.

لذا لا غرابة في أن تكون لأوغندا - بالرغم من أنها دولة حبيسة – أهمية استراتيجية؛ ليس في فكر الكنيسة فحسب، ولكن في الفكر الصهيوني أيضاً، وذلك بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي كنقطة تماس بين الشمال العربي المسلم، والجنوب الإفريقي ذي الأغلبية المسيحية.

ومن هنا كانت أوغندا إحدى الدول المقترحة لإقامة وطن قومي لليهود إبّان مؤتمر بازل عام 1897م، إلا أن الأمر استقر على فلسطين بالنظر إلى أهميتها لدى المسلمين .

ولا يُخفي النظام الأوغندي طموحاته التنصيرية والتبشيرية (معاً) المختلطة بالمصالح السياسية، حيث أنه يسعى لإقامة «دولة التوتسي الكبرى»، والتي تضم بالإضافة لأوغندا كلاً من جنوب السودان بعد انفصاله، وأجزاء من رواندا وبوروندي، وشرق الكونغو الديمقراطية حيث أقلية التوتسي المدعومة من قبل الأنجلوفون والولايات المتحدة؛ في مقابل دولة الهوتو المدعومة من الفرانكفون.

ولا غرابة في أن تتلاقى طموحات موسيفيني الاستعمارية التبشيرية مع طموحات إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون في إطار مشروعه الاستعماري الكبير المعروف باسم «القرن الإفريقي» Great Horn of Africa، والذي يضم إلى جانب «دولة التوتسي الكبرى» دول القرن الإفريقي التقليدية الصومال وجيبوتي، إريتريا – إثيوبيا، بحيث يشكّل هذا المشروع الكبير حائط صدٍّ منيع ضد أي محاولة شمالية لنشر الإسلام جنوب الصحراء.

ومن هنا كان طبيعياً في هذا الجو التنصيري والتبشيري العام أن تنشط المؤسّسات والحركات التبشيرية، سواء تلك التي تمارس التبشير بأساليب سلمية، أو بأساليب عسكرية متطرفة، ومن أبرز هذه الحركات المسلّحة ذات التوجهات الكنسية ما يُعرف باسم «جماعة جيش الرب» التي يتزعمها القس جوزيف كوني، وهي حركة مسلّحة ظهرت في البداية كطائفة صغيرة منتصف الثمانينيات من القرن الماضي تقريباً بزعامة شقيقته، وتُدعي «أليس لاكوينا» التي ادّعت أنها على اتصال بالروح القدس الذي أمرها بإزاحة موسيفيني من الحكم وتنصيب نفسها مكانه، وزعمت أن إعجازها يتمثّل في نوع من الزيت المغلي من قِبل روح القدس الذي أخبرها بأنه مَن يتمسح به فلن تخترق جسده طلقات الرصاص في ميدان المعركة! وقد تزايد أتباعها شيئاً فشيئاً، خصوصاً من معارضي النظام، وعُرفت هذه الطائفة باسم «طائفة الروح القدس».

وتركز نشاطها في شمال البلاد لاعتبارين أساسيين، هما:

1 - أن الشمال الأوغندي فقير اقتصادياً مقارنة بالجنوب: ومن ثم يمكن استغلال هذا الوضع الاقتصادي السيئ في عملية التنصير والتبشير من ناحية، وكذلك في جذب أنصار جدد في مواجهة النظام من ناحية ثانية، وخصوصاً أن الشمال يتمتع بقدرات تسليحية عالية مقارنة بالجنوب.

2 - اقتراب هذه المنطقة من جنوب السودان: وهي منطقة تنتشر فيها عمليات التنصير والتبشير بصورة كبيرة من ناحية، كما أنها يمكن أن تشكّل فناءً خلفياً للحركة في عمليات الكرّ والفرّ من ناحية ثانية، وخصوصاً أن الجنوب السوداني ظلّ لفترات طويلة غير خاضع للحكومة المركزية في الخرطوم؛ لذا لا غرابة في أن تعمل كلّ المنظّمات التنصيرية والتبشيرية، سواء السلميّة أو المسلّحة، في الشمال الأوغندي، مما يفسّر أسباب تضاؤل عدد المسلمين هناك ليصبح 1% فقط.

رابعاً: تقييم جهود التنصير في إفريقيا ومستقبله:

كما سبق القول؛ فإن التنصير لم يحقّق مستوى الطموحات التي كان يستهدفها الفاتيكان بتنصير القارة بحلول عام 2000م .. بل إن مستوى التمدد والانتشار للتنصير ربما يتراجع خلال الفترة القادمة مقارنة بالفترة الماضية 1910م – 2010م.

هذا التراجع كشف عنه أحد التقارير الصادرة عن أحد المراكز الكنسية الأمريكية Pew Research Center ، حيث أشار التقرير، من خلال استطلاع للرأي قام به لأكثر من 25 ألف شخص ينتمون لـ 19 دولة إفريقية جنوب الصحراء، إلى إنه وإن كان الاسلام والمسيحية يزدهران بصورة كبيرة في إفريقيا جنوب الصحراء خلال الفترة من 1910م – 2010م؛ فإن النتائج المتوقعة تشير إلى أن أياً منهما لن يتمدد بسرعة على غرار ما كان حادثاً في القرن العشرين، اللهم إلا إذا كان هذا التمدد بسبب زيادة معدّل نمو السكان المسلمين والمسيحيين .

وهناك سببان لهذه النتيجة:

الأول: أشار التقرير إلى أن معظم مَن تم لقاؤهم  25 ألف شخص من 19 دولة يعتنقون الإسلام أو المسيحية، وهذا يعني أن التحوّل المحتمل من خارج هاتين الديانتين إليهما يتراجع بصورة كبيرة، وفي معظم الأقطار، فإن أكثر من 90% يؤكّدون أنهم نصارى أو مسلمين، وهو ما يعني أن 1 من كل 10 يعرّف نفسه بأنه من أصحاب الديانات التقليدية أو دون دين.

ثانياً: هناك أدلة على أن كلتا الديانتين لا تتوسعان بعضهما على حساب الآخر، وبالرغم من وجود نسبة قليلة في التحوّل بينهما فإنها تحوّلات غير مؤثرة أو كبيرة، وربما الاستثناء في أوغندا، حيث إن 1 من كل 3 من الذين تم استطلاع آرائهم يُعلنون أنهم مسيحيون بعد أن كانوا مسلمين، في حين أن فئة قليلة جداً من الأوغنديين أيضاً يصفون أنفسهم بأنهم صاروا مسلمين بعد أن كانوا مسيحيين[21].

جدول يوضح نسب النصارى في بعض دول إفريقيا جنوب الصحراء، وبعض نسب التحوّل من الإسلام إلى النصرانية خلال الآونة الأخيرة، وحتى عام 2010م[22]

الدولة

نسبة النصارى إلى إجمالي السكان حتى نهاية التسعينيات

نسبة النصارى

عام 2010م

نسبة التحوّل من الإسلام إلى النصرانية

أوغندا

82%

86%

4%

بوتسوانا

84%

87%

3%

غانا

81%

83%

2%

إثيوبيا

67%

69%

2%

تنزانيا

58%

60%

2%

جنوب إفريقيا

89%

87%

2%

غينيا بيساو

61%

62%

1%

كينيا

89%

88%

1%

الكاميرون

81%

80%

1%

مالي

8%

8%

0%

الكونغو الديمقراطية

80%

80%

0%

تشاد

40%

40%

0%

رواندا

93%

93%

0%

جيبوتي

2%

2%

0%

السنغال

10%

10%

0%

نيجيريا

46%

46%

0%

ليبيريا

69%

69%

0%

زامبيا

98%

98%

0%

ومعنى هذا أن نسب التحوّل بين الديانتين ربما تكون قليلة، كما أن نسبة التحوّل إليهما من قِبل أتباع الديانات التقليدية ربما تكون قليلة أيضاً؛ بسبب أن نسبة المسلمين والمسيحيين في الإقليم تبلغ أكثر من 90%، 62 للنصارى، 30% للمسلمين، وإن كانت هذه النسبة يمكن أن تزداد إذا أضفنا مسلمي شمال إفريقيا[23].

وهنا قد يثور التساؤل عن أسباب هذا التراجع في عدد الذين يعتنقون المسيحية في الآونة الأخيرة؛ بالرغم من هذه الإمكانات الضخمة المالية والمؤسّسية والإعلامية التي حققتها خلال القرن الماضي، وأوائل العقد الحالي من القرن الجديد.

يمكن القول بوجود مجموعة من الأسباب في هذا الشأن، لعل من أبرزها [24]:

1 - الخلافات المذهبية بين المنظّمات التنصيرية: وانتشار الكنائس المستقلة، والصهيونية، وانتماء معظم المنصِّرين إلى الدول الغربية، وهو ما يفسّر جهلهم بواقع القارة وخصائص شعوبها؛ حيث يستهجن هؤلاء إيمان الأفارقة بالأرواح وعالم الغيب، وهو جزء أساسي من المعتقدات والقيم الإفريقية التي استمرت حتى بعد اعتناق كثير من الأفارقة للديانات السماوية، كما يمثّل الاعتماد على أسلوب التنصير الفردي تجاهلاً لطبيعة الانتماء الجماعي في إفريقيا، وهو ما أعطى انطباعاً بأن الأفراد يجب أن يتركوا قبائلهم لينتموا إلى المسيحية، وخصوصاً أن التعميد يتطلب أحياناً إذناً كتابياً من القبيلة التي ينتمي إليها الفرد.

2 - النظرة الاستعلائية التي يتعامل بها معظم المنصِّرين مع الأفارقة: وهو منطق نابع من الإحساس بتفوّق المجتمع الغربي الذي جاؤوا منه، ومن ثم لم يندمج معظم المنصِّرين في المجتمعات الإفريقية، فلم يتزوجوا منهم، وإنما حافظوا دائماً على مسافة بينهم وبين الأفارقة، كما عاشوا في مستويات معيشية مرتفعة مقارنة بهم، وهو ما أدى في نهاية الأمر إلى ارتباط صفة التغريب والاستعلاء في أذهان الأفارقة بالمسيحية.

3 - قيام معظم المنظّمات التنصيرية بتقديم صورة سيئة عن إفريقيا والأفارقة في أوروبا وأمريكا: لأجل استمرار جذب الأموال اللازمة للتنصير، وهو ما أثار استياء الأفارقة، ونال بشدة من مصداقية تلك المنظّمات.

إن هذه الأسباب السابقة لا تعني التقليل من جهود التنصير، والنتائج التي تم تحقيقها في إفريقيا، وبخاصة منطقة جنوب الصحراء، والتي كما قلنا ساهمت في مضاعفة نسبة النصارى 60 مرة خلال قرن واحد من الزمان، إلا أنها تراجعت خلال الآونة الأخيرة للأسباب سالفة الذكر.

وهنا قد يثور التساؤل حول كيفية الاستفادة الإسلامية من تجربة التنصير في إفريقيا وفق قاعدة الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق الناس بها؟

 فبالرغم من أن هذا السؤال قد يثير حفيظة بعضنا، لكن دعنا نقول إن الكنيسة امتلكت أدوات تأثير ساهمت في زيادة عدد مَن اعتنق المسيحية في إفريقيا، ولمّا كانت الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق الناس بها؛ كان علينا الاستفادة من هذه التجارب؛ «فالعقل الإسلامي المنفتح على التجربة الكنسية عليه أن يستفيد من خبرات الكنيسة وتجاربها وصمودها وصبرها، ونظمها ولوائحها، وترابطها وتماسكها، ورهبانيتها، وتعليمها، وإمكانياتها، وتطورها التاريخي، ودراساتها لتقاليد الشعوب وأوضاع الشعوب ولغاتها، كما أن على حركة الدعوة الإسلامية الاستفادة من الخطاب الكنسي في إفريقيا، وكيف استطاع هذا الخطاب أن يتواءم مع العقل المحلي والتجارب المحلية، ويصيب هذا النجاح المذهل في إفريقيا في المائة وخمسين سنة الأخيرة»[25].

 

* خبير الشؤون الإفريقية - جامعة القاهرة.

[1] أيمن شبانة: التنصير في إفريقيا.. جهد كاسح ونتائج كسيحة، موقع أون إسلام 26/7/2008م، في:

http://www.onislam.net/arabic/newsanalysis/analysis-opinions/africa-latin-america/108090-2008-07-26%2010-25-17.html

[2] Global Christianity Report (U S A:Pew Research Center’s Forum on Religion & Public Life, December 2011),PP.53-55 "64"

[3] - Ibid , p.9

[4] Source: Tolerance and Tension: Islam and Christianity in Sub-Saharan Africa U S A: Pew Forum on Religion & Public Life, April 2010 P.i

[5]- حول هذين المفهومين انظر: التنصير التبشير أهداف إفريقيا، منتدى الخير للرقية الشرعية، في:

http://www.rouqyah.com/showthread.php?t=65975

[6] - د. كمال محمد جاه الله: الحراك التنصيري في الأقاليم الإفريقية، مجلة قراءات إفريقية، العدد 10، أكتوبر - ديسمبر2011م، ص 4.

[7] - عبد العزيز الكحلوت: التنصير والاستعمار في إفريقيا السوداء، ليبيا: منشورات دار الدعوة الاسلامية، ط 2، 1992م، ص ص 67 – 68.

[8] - د. حسن مكي: نظرات في المشروع التنصيرى في إفريقيا، في:

http://www.islam4africa.net/index.php/manarate/index/18/143

[9] - حول هذه الأهداف والوسائل انظر: التنصير التبشير أهداف إفريقيا، مرجع سابق.

[10] أيمن شبانة، مرجع سابق.

[11] يُقصد بالكنيسة: اللواذ بالوازع الديني والتمسك بالقيم الأخلاقية الدينية المسيحية، وليس مجرد مبنى الكنيسة الذي قد يتبادر إلى الذهن (المراجع).

[12] - د. كمال جاه الله، مرجع سابق، ص 6.

[13] مصعب الطيب بابكر – السودان -: مدخل الصليبية إلى الجنوب، نقلاً عن د: حسن مكي: مشروع التنصير في السودان في الماضي والحاضر (السودان: المركز الإسلامي الإفريقي، 1991م)، في:

www.meskat.net/report/south_crusade_gate.htm

[14] تعد هذه الحركة من أوائل الحركات المسلحة التي رفعت السلاح في وجه حكومة الخرطوم، مستغلة في ذلك طبيعة النشأة العسكرية للمنتمين إليها، إذ أنها تتكون من أعضاء الفرقة الجنوبية في القوات المسلحة السودانية التي كان مقر رئاستها في مدينة التوريت، والتي كانت قد أعلنت تمردها على الحكومة عام 1955م بسبب قانون السَّوْدَنة، إلا أن النظام تمكّن من القضاء عليها، فعادت لتنظيم نفسها أوائل الستينيات لمواجهة سياسة نظام عبود الذي عمل على دمج الجنوبيين ونشر الإسلام والعربية، والقضاء على الحركات التبشيرية في الجنوب، فتم إعلان قيام الحركة عام 1962م، وحدّدت الحركة مطلبها الأساسي في تكوين دولة فيدرالية في السودان يُمنح فيها الجنوب حكماً موسعاً، ثم عدلت عن ذلك بعدما قويت شوكتها، وطالبت بانفصال الجنوب عن الشمال.

[15] حول هذه الجزئية انظر: التشكيلات السياسية والفصائل المسلحة في الجنوب السوداني، الجزيرة نت، في:

www.aljazeera.net/nr/exeres/adf1b674-c356-4877-a204-4819a6c38471.htm

[16] - سيدي أحمد بن أحمد سالم: الكنائس العالمية والتبشير في جنوب السودان، الجزيرة نت، في:

www.aljazeera.net/nr/exeres/3d289ff3-3011-48a6-af78-fbdec3603168.htm

[17] المرجع السابق نفسه.

[18] بدر حسن شافعي: الحركات الكنسية المتطرفة في جنوب السودان، مجلة المجتمع الكويتية، عدد 1636، 22/1/2005   

[19] مصعب الطيب، مرجع سابق.

[20] اعتمدنا في هذه الجزئية على مقال للكاتب بعنوان: نموذج «جماعة جيش الرب» في أوغندا، ملف الأهرام الاستراتيجي على الرابط الآتي: http://acpss.ahram.org.eg/ahram/2001/1/1/FI1E39.HTM

[21] Tolerance and Tension: Islam and Christianity in Sub-Saharan Africa( U S A: Pew Forum on Religion & Public Life, April 2010) p p .11 - 12

[22]  Source : Tolerance and Tension: Islam and Christianity

[23] يبلغ عدد المسلمين في إفريقيا جنوب الصحراء - وفقاً لإحصاءات عام 2009م - 241 مليون نسمة، يشكّلون 15% من إجمالي مسلمي العالم، و 30% من سكان الإقليم، وتُعد نيجيريا أكبر دولة من حيث عدد المسلمين 78 مليون نسمة (يشكّلون قرابة 50%)، وتقريباً واحد من كل 3 من المسلمين (قرابة 32%) من مسلمي إفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في نيجيريا، ويلاحظ أن غرب إفريقيا هي المنطقة الوحيدة في الإقليم التي تقطنها الأغلبية المسلمة (بخلاف الشمال الإفريقي)، وعلى النقيض من ذلك فإن منطقة الجنوب الإفريقي ذات أقلية مسلمة، لمزيد من التفاصيل انظر:

MAPPING THE GLOBAL MUSLIM  POPULATION ,(U S A: Pew Research Center, 2009) PP.19-20

[24] حول هذه الأسباب انظر: أيمن شبانة، مرجع سابق.

[25] د. حسن مكي: نظرات في المشروع التنصيري في إفريقيا، مرجع سابق.

[24] حول هذه الأسباب انظر: أيمن شبانة، مرجع سابق.

[25] د. حسن مكي: نظرات في المشروع التنصيري في إفريقيا، مرجع سابق.