مستقبل إفريقيا الحضاري  الرهانات والمسارات المفتوحة في ظلّ العولمة وصدام الحضارات

  • 1 -4 - 2017
  • تحرير المجلة

في ظلّ العولمة، وما يُسمّى بصدام الحضارات، تتبادر بعض الأسئلة: ما رهانات المستقبل الحضاري للأمم؟ وهل لإفريقيا من بعثٍ حضاري، كما كانت قديماً مهداً لحضاراتٍ قوية، ولها من الموارد المادية والبشرية التي استفاد منها غيرها في بناء حضاراته؟! وما المسار المناسب لمستقبلها؟

رهاناتٌ متعدّدةٌ لمستقبل إفريقيا الحضاري، تتراوح بين الجزئية والشمولية، والمثالية والواقعية، والمتفائلة والمتشائمة التي لا ترى لها مستقبلاً.. وكلٌّ بحسب منطلق قائلها، وهي مرتبطة بجدلياتٍ كثيرةٍ في الواقع الإفريقي، كالهويّة والاندماج القومي، والسيادة والخصوصية، والمركز والهامش، وتقاسم السلطة والثروة، والأمن والاستقرار، والحقوق والحريّات والعدل والمساواة، والتقنية واقتصاد المعرفة، وتحقيق مقاربةٍ شمولية... إلخ.

من المنظور الماديّ؛ يدعم القارةَ: مساحتها الشاسعة، واستراتيجية موقعها وحيويته، ومصادر الطاقة المتجدّدة فيها، ومواردها الطبيعية، وثرواتها المعدنية.. وقد كان لها السّبْق على الأمم قديماً في صناعة الحديد وغيره؛ ما يثبت أنّ العقلية الإفريقية ليست- ولم تكن- عقليةً متخلّفةً يوماً ما، وإنما تكمن المشكلة في عقلية الآخر (الغرب) الذي تخيّلها كذلك، كما أنها أكبر سوقٍ ناشئةٍ للتقنية، ومنتجات العالم، والاستثمارات المباشرة.

(إفريقيا الخضراء)- بإمكاناتها الزراعية، من حيث: التربة الخصبة، والموارد المائية السطحية والجوفية، وتعدّد مناخاتها، فهي القارة الوحيدة التي تمتدّ من المنطقة الشمالية المعتدلة إلى المنطقة الجنوبية المعتدلة- مرشّحةٌ لأن تكون (سلّة الغذاء العالمي)، كما كان شمالها قديماً بالنسبة للإمبراطورية الرومانية وغيرها.

تعداد سكانها فوق المليار، وبها أعلى نسبة نموٍّ سكانيٍّ في العالم؛ ما يضاعف نسبة مواردها البشرية في وقتٍ سوف تتقلص فيه القوى العاملة بالعالم، خصوصاً أنّ نسبة الشباب فيها أكثر من 50%.

أورثتها حضاراتها وممالكها القديمة كالفرعونية في مصر، والمروية في سودان النيل، ومملكة كوش وغيرها، غنىً في الخبرات والتجارب المفيدة؛ وتوّجَهَا الإسلامُ بأعظم الحضارات على الإطلاق، التي تعدّ وحدها القادرة على التصدّي لمحاولات الاستلاب الحضاريّ الحديث لإفريقيا، وخصوصا أنّ نسبة المسلمين فيها أكثر من 60%.

لكن ما الذي أخّر إفريقيا اليوم عن رَكْب التقدّم والحضارة؟  

يرجع هذا التأخّر الحضاريّ إلى جملةٍ من المعوّقات والمؤثّرات، من أبرزها:

- هشاشة الدولة الإفريقية الحديثة واستبداد نُظُمها؛ والتي يرجع إليها معظم المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وإرهاب الدولة، والفساد.

- الإرث الاستعماري، واستمرار النفوذ الأجنبي، واستنزافه لثروات إفريقيا.

- عدم الوعي العميق لدى النّخب بمشكلات القارة، وعدم قدرتهم على التخطيط السليم والمتوازن، وتردّدهم في اتخاذ القرارات الحاسمة.

- تناقضات الأحزاب السياسية، وتكريسها للزعامات الفردية، والولاءات الضيّقة، والعنف السياسي.

- نزاع الهويّات والرؤى، والمركز والهامش.

- ضعف المؤسّسية، وعدم فعالية منظمات المجتمع المدني.

- أخطار التغيّرات المناخية والمشكلات البيئية.

- تدنّي مستوى الأداء والتنافس الاقتصادي، وضعف استغلاله لموارد القارة.

- الاعتماد المبالغ فيه على التمويل الخارجي، وتفاقم المديونيات.

- انتشار الجريمة المنظّمة.

- عدم الاهتمام بامتلاك التقنيات الحديثة، وبطء التحوّل إلى مجتمع المعرفة.

- ضعف البنيات التحتية، والهيكليات، وتدّني مستوى الخدمات الاجتماعية.

 وللنهضة المرجوّة شروط:

تتوقف النهضة على جملةٍ من الشروط المتعلقة بمجالات التنمية المختلفة، من أهمّها:

- سيادة الأمّة ووحدتها: وتتوقف على خروجها من الدوائر التي رسمها الاستعمار، وامتلاك قرارها، وتقوية التجمّعات الإقليمية، وتفعيل عوامل توحيدها.

- وجود استراتيجية شاملة للقارة: تقوم على معرفةٍ عميقةٍ بمكوناتها وإمكاناتها المختلفة.

- توفّر الأمن والاستقرار: بتحقيق الحكم الرشيد، وزيادة فعالية المؤسّسات التشريعية والقضائية، وتقوية مشاركة المجتمع ورقابته، وضمان الحقوق والحريّات المنضبطة والعدالة.

- الحوكمة: بزيادة الشفافية والمساءلة وتعزيز مؤسّساتها.

- التنافسية: بتأسيس قوةٍ وإرادةٍ سياسيةٍ لإفريقيا؛ تعزّز وجودها على المستوى الخارجي، وإعادة تنظيم العلاقات مع كلّ الأطراف على أساس الندّية، والبحث عن بدائل لشراكاتٍ جديدةٍ منصفة، والانفتاح الإيجابيّ على تجارب الأمم والشعوب الأخرى.

- الأداء الاقتصادي: بوضع السياسات الرشيدة، وإعادة تشكيل السياسات النقدية والسياسات المالية العامّة؛ لتحقيق النموّ القابل للاستمرار وتسريعه.

- وجود مؤسّسية فاعلة: وكوادر بشرية مؤهّلة، والتوظيف على أساس مبدأ الكفاءة والاستحقاق.

- وجود إعلامٍ قويٍّ هادف: يساهم في التوعية بقضايا القارة ومشكلاتها، وتقديم حلول لها، ويدعم توجّهاتها، ويساعد في تحفيز أبنائها، ويبصّر بالمخاطر من حولها.

- تعزيز دَوْر المجتمع المدني: وذلك في إطار الشراكة مع الدولة.

- مجتمع المعرفة وإدارتها واقتصادها: وامتلاك التقنية اللازمة لتحقيق ذلك.

- المرجعية العلميّة والتخصّصية: والاستفادة منها في تحليل الواقع الإفريقيّ ومشكلاته، ودراسة النماذج السائدة للتنمية، وإيجاد الحلول الملائمة.

- الاعتماد على التمويل الذاتيّ لمشروعات التنمية، ويبقى التمويل الخارجيّ للضرورة: مع أهمية رسم سياساتٍ وقائيةٍ من التقلّبات وتذبذب الأسعار والأزمات.

وجديرٌ بالذكر؛ أنّ معظم هذه الشروط لم يتحقّق إلا بصورةٍ جزئيةٍ أو ضعيفة؛ فهناك استقرارٌ سياسيٌّ نسبي، وتحسّنٌ في الحوكمة، وفاعليةٌ في بعض مؤسّسات المجتمع المدني، وقد ساد جنوب إفريقيا تعايشٌ سلمي، وتجري محاربة الفساد في نيجيريا وغيرها، وهناك توجّهٌ نحو مجتمع المعرفة والتقنية كما في تشاد وجنوب إفريقيا، وقامت نماذج لإعلامٍ إفريقيٍّ هادفٍ كاتحاد الإذاعات الإفريقية الهادفة، وتأسّس مجلس الخبراء والعلماء في السودان في يناير الماضي، وتؤدي المنظمات القارية والإقليمية، كالاتحاد الإفريقيّ والنيباد وبنك التنمية، دَوْراً بارزاً وقويّاً في دفع عجلة التنمية الشاملة في إفريقيا وتمويل مشروعاتها، وقامت شرَاكات داخلية أكثر فاعلية، وخارجية كالشراكة العربية – الإفريقية.

وتبشِّر بتحقيق هذه الشروط بصورةٍ أفضل: الكثير من المبادرات المطروحة، نذكر منها:

1 – البدء في بناء أكبر منطقة تجارة حرّة في إفريقيا بجيبوتي، بتاريخ 16/1/2017[1].

2 - المشروع البيئيّ الأكثر طموحاً في القارة- أي المبادرة الإفريقية لاستعادة المناظر الطبيعية للغابات(AFR100) -، لاستعادة 100 مليون هكتار (386.100 ميل مربع) من الغابات المتدهورة، سيقوم المشروع بمكافحة التصحّر، وتحسين نوعية المياه والتربة، وزيادة التنوّع البيولوجي، وتحسين القدرة على التكيّف مع تغيُّر المُناخ.[2]

3 - المركز الإفريقيّ لتكنولوجيا المعلومات  (CATI)في تشاد[3].

4 - وتعدّ الشراكة الجديدة لتنمية إفريقيا (نيباد) أشمل المبادرات التي تؤسّس لمستقبل إفريقيا من خلال كلّ المجالات، مثل دعم الأمن والسلام في القارة‏،‏ وتحقيق الحكم السياسيّ والاقتصاديّ الرشيد‏،‏ واحترام حقوق الإنسان‏، وتحقيق الأمن الغذائي‏, والتنمية البشرية، وتعظيم حجم التجارة الإفريقية البينية،‏‏ ونفاذ الصادرات الإفريقية للأسواق العالمية‏, وتطوير التعليم والبحث العلمي، وتعظيم الاستفادة من تكنولوجيا المعلومات‏, ومكافحة الأمراض المتوطنة، مع العمل في هذا السياق على توفير الموارد اللازمة لتطوير المشروعات والبرامج التنفيذية اللازمة لتحقيق هذه الأهداف‏[4].‏

5 - مساعدات البنك الدوليّ للعام المالي 2016م، بهدف: رفع الإنتاجية الزراعية، وزيادة سبل الحصول على الطاقة ميسورة التكلفة والموثوق بها، وبناء القدرة على مجابهة تغيُّر المناخ، ودعم الدول الهشّة والمتأثرة بالصراعات، وتشجيع تحسين جودة التعليم، ومبادرات لتعزيز تعليم (العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات)، والتركيز على تقديم برامج تدريبية ممتازة، وبحوث تطبيقية، ونقل المعرفة في القطاعات ذات الأولوية، كالزراعة والصّحة والتعليم والإحصاء التطبيقي[5].

ونختم بنماذج لتجارب ناجحة.. داخل القارة وخارجها:

هذه النماذج، وإن كانت في إطار دولةٍ واحدة، نقدّمها لكي تستفيد منها القارة الإفريقية في تحديد المسار المناسب لمستقبلها:

رواندا: أسرع الاقتصادات نموّاً في إفريقيا، اعتمد نهوضها على الإصلاح الاقتصاديّ الرشيد، وتعزيز القدرات التنافسية، والاعتماد على الصناعات التحويلية، وليس على الموارد.

موريشيوس: تميّزت بالتداول السلميّ للسلطة، والشفافية القانونية، وتنويع الاقتصاد، ودعم أنظمة سياسات السوق المفتوح، والسيطرة على الضغوط التضخمية، وتشجيع الاستثمار الأجنبي.

جنوب إفريقيا: ساعد على نهضتها المناخ السياسي، والتوافق المجتمعي، وقد تبنّت سياسات تنموية قائمة على تغيير الصناعات التقليدية بقطاعات حديثة، والحدّ من تدخّل الحكومة في الاقتصاد، وتشجيع الاستثمارات، وتوفير القروض للتنمية.

ومن خارج القارة:

كوريا الجنوبية: اعتمدت على المبادرات الذاتية؛ من خلال المزج بين تخطيط الدولة المركزي واقتصاد السوق- بوصفه مساراً للتنمية-، إضافة إلى الاستثمار في البشر، وذلك من خلال تطوير التعليم (العامّ والمهني) ومؤسّساته ومناهجه، وتطوير الوعي بالتكنولوجيا واقتصاد المعرفة.

سنغافورة: انطلاقاً من نظامٍ تعليميٍّ عالمي، ومراجعة التجارب الناجحة، استطاعت تحقيق طفرةٍ اقتصادية، ونهضةٍ قائمةٍ على التصنيع والتكنولوجيا، كما هو الحال في تجربتَي ماليزيا والهند.

في كلّ تجربة، من هذه النماذج وغيرها، ملامح ومؤشرات ومسارٌ لنهضةٍ قامت على صعيد الإنجازات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والتنمية البشرية، والتعليم، والتقدّم التكنولوجي، ومجتمع اقتصاد المعرفة.

إنّ قارةً بحجم إفريقيا تحتاج نهضتها- ربما- إلى كلّ المسارات، فعلى خبرائها التعرّف على ملامح النهوض ومؤشراته على الأصعدة كافّة، وتحليل المراحل التي مرّت بها كلّ تجربة، ودراسة مقوّماتها وأسباب نجاحها، ورصد أهمّ السياسات والآليات التي اتبعتها كلّ دولةٍ في المجالات المختلفة، وأهمّ النقاط التي أغفلتها، وصولاً إلى المسار المناسب لنهضةٍ إفريقيةٍ شاملة.

[1] http://www.youm7.com/story/2017/1/16.

[2] http://www.alwatan.com.sa/Articles/Detail.aspx?ArticleId=32981.

[3] http://tchadien.arablog.org/2014/09/14.

[4] http://www.aljazeera.net/home/print/4f51f922-997b-4db4-a88c-158034f501b4/cf9877a5-744c-4da1-9af3-32742d0d6dd6.

[5] http://www.albankaldawli.org/ar/about/annual-report/regions/afr.