مساعدات الفاتيكان لإفريقيا

  • 12 -10 - 2012
  • زينب عبدالعزيز


د. زينب عبد العزيز

المتأمل في الشارات المستخدمة للدلالة على الاجتماعات الكنسية الأسقفية، والتي تمّت بزعم أو تحت عنوان «مساعدة إفريقيا»، يُدرك على الفور، ودون كلمات تفسيرية، أو دليل للإثبات، لشرح مغزى هذه المؤتمرات واللقاءات المنعقدة تحت مسمّى «السينودس»، أن المقصود منها هو: تنصير إفريقيا!

 فالرسم الأول: يضع علامة الصليب بطول القارة الإفريقية، وتحته اسم البابا بنديكت 16، واسم مدينة «بِنين» التي انعقد فيها والسنة، سنة 2011م، وتخرج منه خطوط، مكتوب على كلّ خطٍّ منها أحد المحاور الأساسية للسينودس، وهي: المصالحة، العدل، السلام.

أما الشارة الثانية: فمكتوب عليها «مساعدة لكنائس إفريقيا»، وهو عبارة عن رسم للقارة الإفريقية مرسوم عليها يد ممدودة، تحمل الصليب لكلّ القارة، وهذه هي المساعدة الموجّهة لإفريقيا!

هذا المقال يسعى للكشف عن طبيعة هذه المساعدات، ووجهتها، واستغلالها لتحقيق أهداف تتعارض مع الشعارات المعلنة تحت مفاهيم: المصالحة والعدل والسلام. 

معنى السينودس:

يُقصد به «سينودس الأساقفة»، وهو عبارة عن مؤسّسة دائمة للكنيسة الكاثوليكية، أنشأها البابا بولس السادس في 15 سبتمبر 1965م، عقب انتهاء مجمع الفاتيكان الثاني الذي قرّر - من ضمن ما قرر -: تنصير العالم، وإسناد المساهمة في هذه المهمّة إلى المسيحيين كافة، الكنسيين منهم والمدنيين، وهذه أول مرة في التاريخ الكنسي تقوم فيها الكنيسة بإصدار قرارات تنفيذية وفرضها على المدنيين كافة.

 و«السينودس» هو كيان استشاري، يضم أساقفة ممثلين لجميع كنائس العالم، إضافة إلى الفاتيكان، ولا تجتمع هذه المؤسّسة إلا بأمر من البابا مباشرة، لمناقشة موضوعات ذات أهمية بالنسبة للكنيسة.

ومن مهامّها تحديداً:

-  أن تكون هذه المؤسسة (السينودس) حلقة وصل واتصال بين البابا وجميع أساقفة العالم.

-  أن تقدّم معلومات مباشرة وصادقة تتعلق بعمل الكنيسة في عالم اليوم، وهو «التنصير أكثر من أي وقت مضى».

-  تسهيل تقارب وجهات النظر حول النقاط الأساسية لحياة الكنيسة واستمرارها.

أما الموضوعات التي يتناولها السينودس فيجب أن تكون:

-  ذات طابع عالمي.

-  أن يمثّل الموضوع حاجة ماسّة لمضاعفة طاقات الكنيسة وإمكاناتها.

-  أن يهدف إلى تطبيق رعوي تبشيري.

-  أن يمكن تحقيقه على أرض الواقع وليس افتراضياً.

ويقوم مجلس الأمانة العامة بتقديم برنامج العمل الخاص بالموضوع، ثم يقوم الأساقفة بإعداد مداخلاتهم الخاصة، وبعدها يقوم البابا بدراستها، وتقديم برنامج خطة الاجتماع، ثم يقوم بعد عدة أشهر من اجتماع السينودس بإصدار البيان التنفيذي لما تم الاتفاق عليه.

أول سينودس من أجل إفريقيا:

وقد أقيمت أول جمعية عامة لإفريقيا من 10 أبريل إلى 8 مايو 1994م، تحت عنوان «الكنيسة في إفريقيا ورسالتها التبشيرية حتى سنة 2000م»، والعنوان هنا شديد الوضوح وليس بحاجة إلى تفسير! ثم أقيمت ثاني جمعية عامة لإفريقيا من 4 إلى 25 أكتوبر 2009م، تحت عنوان: «الكنيسة في إفريقيا لخدمة المصالحة والعدل والسلام».

وفي الاجتماع الذي عُقد في 6 يناير 1989م، وكان عبارة عن جمعية خاصة للإعداد لهذا السينودس، طالبوا بأن يكون بمثابة تعبئة عامة لكلّ الكنائس والأتباع، ومن أهم النقاط التي طالبوا بدراستها خمسة محاور أساسية، هي: «كيفية تنصير إفريقيا، الغرس الثقافي، الحوار بين الأديان، العدل والسلام، وضع وسائل الاتصال في خدمة الإنجيل».

ومن أهم ترتيبات الإعداد لكيفية السيطرة على القارة الإفريقية؛ كان البابا يوحنا بولس الثاني قد قام بإحدى عشرة زيارة لإفريقيا منذ تولّيه كرسي البابوية في سنة 1978م، فذهب - من ضمن ما ذهب - إلى الكاميرون، وجنوب إفريقيا، وكينيا، وبخاصة أوغندا، سنة 1993م، ليتفادى أي عملية إحباط، وليمهّد الجوّ والتسويغ لإقامة السينودس في روما، وليس في أحد البلدان الإفريقية، ولقد تم الإعداد لهذ السينودس لمدة خمس سنوات قبل انعقاده.

ونظرة واحدة على نوعية المداخلات الفردية تكشف مجالات الاهتمام، ومنها: «العدل 40 بحثاً، الغرس الثقافي 36، العلمانية 30، القبائل المسيحية 27، الحوار بين الأديان 18، وضع الكنيسة 15، وسائل الاتصال 14، الزواج 13، الأسرة 11، المبشِّرون 9، القساوسة 9، رجال الدين 9، الشباب 4، المدرسة 4، الإنجيل 3، علامات الزمان 3، كتاب التعليم الديني 2»، وذلك وفقاً لما أورده الأب شو?ييه في «حوليات السينودس» (مجلة اسبيريتوس سبتمبر 1994م).

سينودس 2009م:

نطالع في برنامج العمل لسينودس الأساقفة هذا، والمُقام من أجل إفريقيا، وانعقد من 4 إلى 25 أكتوبر 2009م، أن الكنيسة لا تزال تؤدي دوراً مهماً من أجل اقتلاع الإسلام من القارة بالتزامها بالعمل في المجالات المتعلقة بالإنسان، ومحاربة المسلمين، ومنها:

- أن وجود الإسلام في المنطقة يعرقل إجراء الحوار الهادئ مع الأفارقة.

- الزيجات المختلطة تكشف عنصرية بعض الجماعات الإسلامية.

وتجاهد الكنيسة للاطلاع على آراء بعض المسلمين الإيجابية، والتضامن معهم في حدود التعايش السلمي، والاستعانة بهم في محاربة الفساد والفقر، وإدخال أطفال المسلمين في المدارس المسيحية «مع احترام هويتهم المسلمة»! وذلك مع الاهتمام بالصحة والتعليم والإحسان.

ونطالع في وثيقة السينودس:

«بالإضافة إلى عملية التبشير، التي هي مهمتها الرئيسية، فإن الكنيسة الكاثوليكية نشيطة في مجالات الإحسان والصحة والتعليم، وبصفة عامة المشاريع الإنسانية المتعددة.. ففي عام 2007م كان هناك 16178 مركزاً طبياً تابعاً للكنيسة، موزّعة كالآتي: 1074 مستشفى، 5373 عيادة خارجية، 186 عيادة للجذام، 743 مصحة للمسنين، 979 ملجأ للآيتام، 1997 حضانة أطفال، 1590 مركزاً للمصالحة الزوجية، 2947 مركزاً لإعادة التأهيل الاجتماعي, 1279 مراكز صحية مختلفة».

وتؤكّد وثائق المؤتمر أن مليون شخص يموتون كلّ عام من مرض حمّى المستنقعات، وأن 85% منهم من الأطفال.

ونطالع في الخطوط نفسها الموجّهة للسينودس: «أن الكنيسة الكاثوليكية بصفتها أمّ ومعلّمة تهتم بتبشير الإنجيل، لذلك تهتم بالتعليم، وهو ما يمكن ملاحظته من البيانات التالية:

للكنيسة الكاثوليكية في القارة الإفريقية: 12496 مدرسة وحضانة بها 1266440 طفلاً، و 33263 مدرسة ابتدائية بها 14061806 طلاب، و 9838 معهداً ثانوياً به 3738238 تلميذاً، أما المعاهد العليا ففيها 54263 طالباً، وفي الجامعات يوجد 11011 طالباً يدرسون اللاهوت، و 76432 يدرسون مواد أخرى».

وقد اهتم السينودس بأسباب الحروب والفقر في إفريقيا، وطالب بالاهتمام بالآبار والمناجم، ومطالبة الشركات العاملة باحترام البيئة، كما طالب بإلغاء عقوبة الإعدام في إفريقيا، واحترام حقوق المرأة والطفل، وبمرض الإيدز.

وتشجيعاً للأفارقة؛ قام البابا بتعيين الكاردينال پيتر تُركصن Peter Turcson كبيراً لأساقفة مدينة كيب كوست في غانا.

ويوضح البيان أن كنيسة إفريقيا الكاثوليكية تضمّ مليوناً وتسعاً وخمسين مسيحياً، يمثّلون 14% من كاثوليك العالم.

وعقب انتهاء هذا السينودس قدّم البابا يوحنا بولس الثاني قراراته التنفيذية لما تم الاتفاق عليه في بيان من مائة وخمسين صفحة، كلّها توجيهات للوجود الكنسي الرعوي في إفريقيا، والتي عليها أن تتحكم في تحركات الكنيسة الإفريقية في السنوات العشر التالية.

وفي الخطوط العريضة الموجّهة للاجتماع نطالع في الفصل الأول:

«الموارد الطبيعية لإفريقيا الشديدة الثراء لا تتفق وحالة الفقر التي يعيشها الأهالي»، وهي إشارة لا تكفّ عن التردد في عدة أجزاء من البيان.

إضافة إلى نظرتهم إلى الإسلام في الوثيقة نفسها: «ننظر إلى الإسلام هنا من حيث منظور السينودس وأهدافه، وهي: المصالحة والعدل والسلام، وعلينا فهم الإسلام في ديناميكيته الحالية، والتي لها أوجه ليست دائماً مطمئنة بالنسبة لعدم التسامح الديني، كما أن مردوده السياسي متنوّع، بحيث يجعل من الصعب إقامة وسائل محدّدة من جانب واحد، وهو أمر لا بد منه، لذلك لا بد من عمل تفرقة بين بعده السياسي وبعده الديني، وفي هذا البُعد الديني؛ الفصل بين الإسلام والمسلمين، بحيث نميّز حوار الحياة... ومن هذا المنطلق؛ فإن الإسلام رفيق مهم لكنّه صعب»، وتنتهي الفقرة بأن «كلّ المسعى في إفريقيا هو لإقامة ملكوت الربّ الذي هو مصالحة وعدل ومحبة»! وهو ما يوضح كيفية الوجود المسيحي الكنسي في إفريقيا، وكيفية تغلغله في المجتمع.

الدور المشين الذي لعبته الكنيسة وتدخّلها الإجرامي في رواندا، حيث قام بعض الآباء والراهبات بإشعال الحرائق في هناجر مكدّسة بالأفارقة الفارّين من ويلات الحرب.. لم يُنس بعد

 

 

سينودس «الكنيسة في إفريقيا، لخدمة المصالحة والسلام»:

انعقدت الجمعية الثانية الخاصة بإفريقيا في الفاتيكان من 4 إلى 25 أكتوبر 2009م، تحت عنوان «الكنيسة في إفريقيا لخدمة المصالحة والسلام»، وقد حضره حوالي 250 أسقفاً المناقشة قضايا القارة، وهي واحدة من أكثر القارات تعرضاً للحروب، والفقر، وتوابع الاستعمار وما بعد الاستعمار، فالمعروف أن الشعوب الإفريقية ضحايا إدارة عامة فاسدة، بسبب السلطات المحلية التابعة للغرب، وبخاصة خضوعها لأسوأ أنواع الاستغلال من القوى الاستعمارية الخارجية.. ويبقى معرفة التوجّهات الحقيقية لهذه الجمعية ومخططاتها.

يدفعنا عنوان هذه الجمعية إلى التساؤل حول معنى كلمة «مصالحة»، وما المقصود منها؟ مصالحة من وماذا؟!

فعلى الصعيد الإفريقى؛ إن جميع الحروب التي تُدار على أرضها ترجع خيوطها إلى أولئك الذين يحرّكون اللعبة في العالم، إلى قادة الغرب المتعصّب، الاستعمارى، المغتصِب، الذي يلجأ إلى أعوانه المحليين ليقود لعبته، وهي قائمة على تجويع الأفارقة وانتزاع كنوزهم.

فهل المقصود مصالحة كلّ أطراف القادة المحتالين ليقوموا بلعبة أكثر دقة لقهر الأفارقة وإجبارهم على مزيد من التنازلات؟! إن اختلاق الحروب المحلية بين الشعوب باتت لعبة تقليدية، ونذكر على سبيل المثال اختلاق مشكلة البربر في الجزائر لتقسيم البلاد؛ وحرب دارفور، حيث معظم سكانها من حفظة القرآن الكريم؛ وهل تفرض علينا هذه «المصالحة» أن نسكت عما تتم حياكته حالياً مع الأقليات المسيحية في البلدان ذات الأغلبية المسلمة لاختلاق الفتن والقلاقل؛ مثلما يدور في مصر وغيرها من البلدان.. فأية «مصالحة» يقصدون؟!

وعلى الصعيد الكنسي؛ عن أية «مصالحة» يمكن أن نتحدث؟ إن كلّ الكنائس، وقد أصبح عددها 349 كنيسة، كلها أعضاء في مجلس الكنائس العالمي، ما عدا الفاتيكان، وذلك لكي يمكنه مساعداتها من الخارج أكثر مما لو كان منضماً إليها، وجميعها تتضامن وتتسابق بعتهٍ محموم لتنصير العالم، فهل المقصود بـ «المصالحة» ضمّ كلّ هؤلاء المنشقّين عقائدياً لاختلاق الكنيسة العالمية التي يسعى إليها بابا روما؛ شريطة أن تكون تحت لوائه؟

أو هي «مصالحة» للتغني بعملية تنصير واحدة لمزيد من اعتصار الشعوب الإفريقية، والقيام بفرض عملية غرس ثقافي لا إنسانية، والتوغّل أكثر لاقتلاع أحشائها، والعمل على إبادتهم؟

إن الدور المشين الذي لعبته الكنيسة وتدخّلها الإجرامي في رواندا، حيث قام بعض الآباء والراهبات بإشعال الحرائق في هناجر مكدّسة بالأفارقة الفارّين من ويلات الحرب.. لم يُنس بعد، وما أكثر الفضائح التي تُكشفت ولا تزال تتكشّف حتى يومنا هذا!

 وهل تفرض علينا هذه «المصالحة» أن نسكت عن الدور المشين الآخر لموقف الكنيسة من «العازل الطبي» الذي تسبّب عدم السماح به في قتل آلاف من الأفارقة المصابين بالإيدز، فقد أحرقت الكنيسة كلّ ما كان قد تم استحضاره في أحد الميادين العامة، فما المقصود بـ «المصالحة» هنا؟ مزيد من القتلة الإجراميين مشعلي الحرائق، أم مزيد من الاستعمار الجديد؟

عجز مدفوعات الفاتيكان عام 2002م، وصل إلى ثلاثة عشر مليون ونصف المليون يورو، وذلك بالرغم من موارده التي لا يتخيلها عقل

 

 

ونطالع في نصوص وثيقة إعداد هذا السينودس أن المقصود بـ «المصالحة» هو «مصالحة الفرد مع الكنيسة، واعترافه للقس بعودته إلى أحضانها، وحصوله على المناولة تعبيراً عن قبول دخوله إلى الكنيسة أو عودته إليها» إذا ما كان قد فرّ منها.. «المصالحة» إذاً هو تعبير جديد أُدرج من باب التمويه بدلاً من كلمة «الاعتراف» و «المناولة» التي أبعدت الكثير من الأتباع لعدم استساغتهم معناها، وهي «الإيمان بأنه يأكل لحم المسيح ويشرب دمه فعلاً وحقيقة»؛ والذي ينفّر المستهدفين من اعتناق المسيحية.

وتعتمد الكنيسة حالياً، كما توضح الوثائق، على التعامل مع جيل ما بعد الاستقلال، فذلك الجيل الذى انتهى وكان يذكر حقائق وصراعات عاشها مع المستعمِر، ومع الكنيسة التي دائماً تواكبه وتسير على خطاه، فأصبح الجيل الحالي أكثر سهولة في التعامل، وفي التأثير فيه، لابتعاده عن عهود الاستعمار وجرائمه.

أما على صعيد الحرب التي يقودها الفاتيكان ضد الإسلام؛ فما من إنسان يجهل اليوم الهَوَس الذي يقود به مسيرته لاقتلاع الإسلام، وقد شبّهتها جريدة لوموند الفرنسية بعبارة أنه «يسير على الإسلام بوابور ظلط»!

وما من إنسان يجهل الوسائل التي أعدّها الفاتيكان للإسراع بذلك الاقتلاع، فهي ترسانة يمتد عتادها بدءاً من رجال الكنيسة إلى كلّ العلمانيين، مروراً بعدد لا يُحصى من البعثات التنصيرية، والمنظّمات، والمؤسّسات، ووسائل الإعلام، والإنترنت، ورجال السياسة، والسياح، اختصاراً ورسمياً: ما من مسيحي معفى من المساهمة في عملية التنصير التي فرضها مجمع الفاتيكان الثاني (1965م) على الأتباع كافة.

وقد أشرنا من قبل أنها المرة الأولى في تاريخ الكنيسة أن تقوم بإصدار قرارات تنفيذية متعلقة بالمدنيين كافة.. وهو ما يدلّ في الوقت نفسه على التضامن بين الجانب الكنسي والجانب السياسي في الغرب المسيحي المتعصّب لاقتلاع الإسلام.

بل لقد وصل العَتَه إلى تكوين فرق مبشِّرين من الشباب ومن الأطفال!! أما التقنيات الحديثة فلم يتم استثناؤها، وجميعها تحت إمرة البابا، من أجل تنمية ثقافة تبشيرية تنصيرية، وفرض ما يُطلق عليه «الكلمة الوحيدة التي يمكنها إنقاذ البشر، وهي الإنجيل»، فهل ينوي البابا أخيراً أن يقوم بمصالحة بين العقل والإيمان، ويقرّ أنه من حق هؤلاء المسلمين الذين يحاول اقتلاعهم من دينهم؛ من حقهم أن يحبوا ويتمسكوا بدينهم؟!

الحقائق الخافية وراء هذه الاجتماعات:

والهدف الحقيقي من انعقاد هذه الجمعية يبدو بوضوح مما نطالعه بتاريخ 27 أكتوبر على أحد مواقع الفاتيكان؛ أن الآباء المجتمعين قد قاموا في نهاية الجمعية «بتوجيه الشكر لله على وفرة الموارد الطبيعية الموجودة في إفريقيا»!

ولا نفهم ما دخل «الموارد الطبيعية» هنا في اجتماع كنسي؟ ويا له من شكر يكشف عما وراءه! بما أن ما يتكشّف ليس إلا هدف اقتصادي سياسي لتلك الجمعية «الدينية» التي اجتمعت من أجله؛ إذ نطالع بوضوح: «أن الموارد المعدنية الإفريقية تساوي 46200 مليار دولار»، وأنه بما قيمته «12% من هذا المبلغ يمكن لإفريقيا أن تقوم بتمويل بنية تحتية على المستوى الأوروبي»، وهو ما يكشف بوضوح عن الهدف غير المعلن تحت ذلك العنوان الكاذب؛ لأن الأمر لا يتعلق إلا بكيفية التهام هذه الفريسة الدسمة !

ونطالع في بحث أجراه داوود بيلارD. Beylard ، رجل الاقتصاد الكنغولي، في «مجلة إفريقيات» (وهي مجلة اقتصادية لكلّ إفريقيا)، يتضح أن مجمل الثروات الإفريقية يصل إلى ستة وأربعين مليار ومائتين مليون دولار، إذ يقول: «إن القيمة المالية للمناجم الإفريقية في المواد الخام الأولية التي تم اكتشافها للآن يصل إلى 46,200 مليار دولار! لماذا إذن لا تفلح إفريقيا في الاستفادة من مثل هذه الثروات التي تفوق ثلاث عشرة مرة العائد السنوي للصين؟! إنها ثروة تكفي وتزيد بكثير لتحويل القارة الإفريقية إلى واحدة من القوى العظمى في العالم».

وهذا التقصير في تنمية إفريقيا، في مجمله، هو النموذج الاقتصادي القائم على تمويل استثماري، يجيد الغرب العنصري المغتصِب كيف يقوده، وها هو مثال آخر يقدّمه الباحث: «هنا كشركات مناجم بلا إمكانيات معقولة، وأحياناً بلا عاملين ولا مكاتب، تتبع شركات مساهمة مجهولة، مقيّدة في السجلات الضريبية، وتصل بفضل الوعود والاستعراضات إلى إقناع الحكومات الإفريقية بأن تُسند إليها تنازلات منجمية ضخمة لاستغلالها، وما أن يتم الحصول على العَقد؛ فإن هذه الشركات تسارع إلى تمويل شحيح، عادة ما يكون من كندا، لإضفاء قيمة على الأسهم الإفريقية، وأخذ أرباح بفائض قيمة ضخم حتى قبل أن يتم رفع جرام واحد من أرض المناجم التي حصلوا على حق استغلالها»!

وهو ما يعني عملياً أنهم يختلقون ثروة بضمان الموارد الإفريقية؛ دون أن تكون هذه الموار د قد تم استغلالها فعلاً، والأدهى من ذلك دون أن تأتي بأية أرباح للملاك الحقيقيين (الأفارقة)، أصحاب الحق المهضوم، فيا له من موقف فاضح! خصوصاً حين نفكر في أن نظام التمويل الدولي مصاص الدماء، العنصري، يستمر في مطالبة الأفارقة بدفع الأرباح المركّبة للديون التي يتورطون فيها عن طريق صندوق النقد الدولي!

وإضافة إلى ما تقدّم ننقل ذلك الاستشهاد المأخوذ من أحد الأبحاث المقدّمة في اجتماعات هذه الجمعية: «وفقاً لدراسة قامت بها جمعية استشارية متخصّصة في الاستثمار في إفريقيا؛ فإنه يوجد في هذه القارة عشرة ملايين منجم من المواد الأوليّة الخام، سواء في البر أو في البحر، ولا يُستغل منها سوى مائة ألف، ويظل تسعة ملايين وتسعمائة موقع، أي 90% من الثروات غير مستغل إطلاقاً، والأدهى من ذلك كلها مواقع معروفة ومسجّلة في أحد بنوك المعلومات المزوّدة بتقنيات الأقمار الصناعية والمعلوماتية الأكثر تحذلقاً».

فليس بغريب إذاً أن نقرأ في نهاية انعقاد هذه الجمعية «الدينية» عبارة: «أن الكنيسة سوف تبحث عن إقامة نظام معلوماتي في كافة البلدان الإفريقية لإدارة الموارد الطبيعية»!.. فما شأن الكنيسة بمراقبة الموارد الطبيعية لبلد ما إن لم يكن يعني مزيداً من التدخّل، ومزيداً من التحكّم، من أجل السيطرة على هذه الموارد الطبيعية وكل ما تجلبه من ثروات؟!

أي أن الأمر لا يتعلق بالمصالحة، بمعنى اجتذاب مزيد من الأتباع فحسب، وإنما بعملية استعمار مزدوجة، استعمار جديد اقتصادي، وسوف يزداد ضراوة بالاستغلال العشوائي للموارد الطبيعية، استغلال يداري عملية السرقة المخطّطة لهذه الثروات، وعملية استعمار جديد يرمي إلى الحفاظ على إخضاع إفريقيا للحاجة المالية التي تُعطى لها قطرة قطرة، عن طريق استعباد أخلاقي سياسي يفرض معايير الانفلات الغربي المتطرّف على الشعوب الإفريقية، عن طريق مختلف السلطات.

شبّهت جريدة لوموند الفرنسية الحرب التي يقودها الفاتيكان ضد الإسلام  بعبارة أنه «يسير على الإسلام بوابور ظلط»!

 

 

وإلى كلّ الذين يمكنهم أن يتساءلوا: كيف يمكن لأقوى مؤسّسة دينية في العالم أن تنجرف في مثل هذه المغامرة الفاضحة واللاإنسانية؟

نقول ببساطة: يكفي أن نطالع عجز مدفوعات الفاتيكان عام 2002م، حيث وصل إلى ثلاثة عشر مليون ونصف المليون يورو، وذلك بالرغم  من موارده التي لا يتخيلها عقل، لكن يكفي أن نقرأ ما كتبه توني باشبى T. Bushby في كتابه حول «البلايين البابوية»، وأن نتذكر فضيحة بنك أمبروزيانو، وتورّط الفاتيكان مع المافيا الإيطالية، وارتباطه بعمليات غسيل أموال، وتهريب السلاح، والاتجّار في المخدّرات، لنرى إلى أي مدى وصل الفساد المرتبط بالمافيا في هذه المدينة التي تمثّل بقايا الإمبراطورية البابوية، والخلاف حول قضية «المسألة الرومانية».

فالفاتيكان دويلة تم اختلاقها في 11 فبراير 1929م، كممثل مدني للكرسي الرسولي، والسبب الوحيد في وجود مثل هذه الدويلة هو تلك الرغبة الراسخة للكنيسة في التشبّث بالسلطتين الدنيوية والدينية، بأي ثمن كان، حتى على حساب نهب شعوب قارة بأسرها وتنصيرها، حتى تسهل قيادتها والتحكّم فيها لاستغلالها.

تحدّيات إفريقيا والتنصير:

المعروف أن قارة إفريقيا شديدة الثراء والثروات الطبيعية، إلا أن ثراء مواردها المتعدّدة لا ينعكس على المواطنين، فالشركات التي تعمل على اقتلاع هذه الثروات وامتصاصها نادراً ما تقدّم بيانات أو تعرض نتائج أعمالها، بل هناك بعض القيادات التي تساهم في عمليات الإخفاء أو الضياع هذه.

وبعد انتهاء اجتماع السينودس قام الكاردينال پيتر تركصن، كبير أساقفة كيب كوست في غانا وأمين عام السينودس، بتحديد النقاط الأساسية التي تواجهها الكنيسة في إفريقيا، وقد بدأ بتلخيص مختلف المداخلات، واضعاً في الصدارة حالة الأسرة والمرأة في إفريقيا: «إن الأسرة مهدّدة في إفريقيا بسبب الأيديولوجيات الخطرة التي يفرضها الغرب، ومنها «نظرية النوع»»، وهي البدعة التي حاول «مؤتمر المرأة والإسكان» في القاهرة ثم «مؤتمر بكين» أن يفرضها تحديداً على العالم الإسلامي والعربي.

وقد أشار الكردينال تركصن بوضوح قائلاً: «إن أيديولوجيات البرامج الدولية يتم فرضها على بلداننا تحت أسباب كاذبة تربط المساعدة بالتنمية».

ثم تناول تحدّياً آخر للكنيسة في إفريقيا مشيراً إلى «ضرورة تكوين رجال سياسيين مسيحيين، وأن يؤمّنوا لهم تعليماً وتكويناً دينياً متيناً بفضل الإنجيل ولاهوت الأخلاق، والعقيدة الاجتماعية للكنيسة، وتاريخ الكنيسة، إضافة إلى وسائل قانونية تسمح بحماية الأسرة المسيحية».. مشيراً إلى «أن الآباء المجتمعين أشاروا إلى أنه لا يكفي تكوين بعض المدنيين لتولي قيادة الكنيسة في بلداننا، وإنما لا بد من مصاحبتهم في تنفيذ التزاماتهم تجاهها، لنجعل منهم عوامل تغيير المجتمع».

ولم يُغفل الكاردينال تركصن وضع «الفِرق»، ويقصد بها مختلف الفِرق الدينية الأخرى غير الكاثوليكية، ويدخل ضمنها المسلمون «فهم يجذبون الأتباع الكاثوليك بشدة، خصوصاً أنهم في صراع مع المشاكل الاجتماعية، وبحاجة إلى حلول سريعة لمشاكلهم».

وتوقّف الأمين العام للسينودس طويلاً عند المصاعب التي يواجهها بعض العاملين الرعويين؛ مما يمثّل صعوبة لهم فى الاستمرار بوعدهم للكنيسة، و «أنه يتعيّن على الكنيسة في إفريقيا أن تتغير من الداخل، فالظلال التي تخيم على إفريقيا لا تزال موجودة، مؤكداً ضرورة الغرس الثقافي للإنجيل، وتنصير الثقافة، وفقاً لما أشار إليه برنامج عمل السينودس»!

صوت أحد الآباء:

ومن المداخلات التي تقدّم بها أحد الآباء المشاركين، البطريارك «أبونا بولس» كما يلقّبونه، وهي من المداخلات الكاشفة للغرب، إذ قال: «أنتهز فرصة انعقاد هذه الجمعية لأدعو جميع المسؤولين الدينيين أن يعملوا من أجل السلام، وحماية الموارد الطبيعية التي حبانا بها الرب، وأن يدافعوا عن حياة الأطفال الأبرياء (...)، إن قارة إفريقيا طيبة، وأرضها خصبة، غنية بالموارد الطبيعية، ومجموعة ضخمة متنوعة من النباتات والحيوانات. وحيث أن القارة لا تزال تمتلك العديد من الموارد الطبيعية التي لم تُستغل بعد؛ فالكثيرين يوجّهون إليها أنظارهم، ولا يمكننا إنكار أن تقدّم الحضارات في الأماكن الأخرى من العالم هي نتيجة العمل والموارد القادمة من إفريقيا.. لقد عمِل الأفارقة كثيراً من أجل العالم، فما الذي عمله العالم من أجلهم؟!».

«لقد تم استعمار إفريقيا بوحشية، وتم استغلال مواردها بقسوة، وقد ساهمت البلدان الغنية على استغلال الموارد الإفريقية ولا يتذكرون إفريقيا إلا حينما يحتاجون منها إلى شيء ما.. إنهم لم يعاونوا القارة أبداً في صراعها من أجل التنمية».

ومن أهم النقاط التي أثارها الأب بولس رئيس الكنيسة الأرثوذكسية في الحبشة، والذي توفي منذ أيام، فوضى المتطرفين، والديون العالمية، والأطفال الجنود، إذ «أن إفريقيا مكبّلة بسلاسل الديون العالمية، ولذلك فلا الجيل الحالي ولا الأجيال القادمة سيمكنها تحمّل ذلك».

وقد أدان البلدان الإفريقية التي تستخدم الأطفال دون الثامنة عشرة في التجنيد، وتكوّن منهم «فرق محاربين»! مضيفاً: «أن الديون الضخمة، وقيام بعض الأفراد باستغلال الموارد الطبيعية، واستمرار الأساليب الزراعية التقليدية، وعدم إدخال الوسائل الحديثة بالقدر الكافي، وانعكاس الأمطار الغزيرة على المحاصيل الزراعية التي تعتمد عليها الشعوب الإفريقية في أمنهم الغذائي، وهروب العقول خارج إفريقيا، إضافة إلى نقص التعليم للشباب، وعدم كفايته الذي يمثل المشكلة الرئيسة للشباب، تمس بأمن القارة بشكل خطير».

وماذا بعد؟:

وبعد تناول أهم الخطوط العريضة التي تم وضعها من أجل تنصير إفريقيا بكاملها، وعرض أهم المشكلات الرئيسة التي تناولتها الأبحاث الكنسية، والهادفة إلى مزيد من التنصير، وتناول كثير منها قضية الثراء الضخم للقارة الذي لا يزال لم يُستغل بعد، وأن ما يتم استغلاله لا تعود فائدته على الأفارقة أصحاب الحق، وإنما يذهب إلى الشركات الغربية التي كثير منها يتحايل من أجل مزيد من السرقات، لإغراق القارة في ديون لا سبيل إلى الإفاقة منها، وكيف أن الغرب لا يكفّ عن فرض قِيَمه المنحلّة على شعوب قارة لها تراثها وحضارتها العريقة، من أجل اقتلاع هويتها، وفرض أنماط معيشته، بغية مزيد من السيطرة والاستغلال، لا يسعنا إلا أن نتساءل: أين نحن المسلمين؟

أين نحن من كلّ هذه المآسي والمحن، والتي لا تعني حينما نُعرض عن مواجهتها إلا مزيداً من المآسي والمحن والاستغلال، وأين نحن من التضامن والعمل لكي تكون خيرات القارة لأصحابها وشعوبها؟ أين نحن بوصفنا مسلمين، لا من أجل حماية الدين فحسب، ولكن أيضاً من أجل حماية الأرض نفسها التي نقف عليها، وحماية كرامة الإنسان، وتنفيذ تعاليم المولى عز وجل، ومن أهمها الأمر بالتعاون والعمل الصالح؛ من أجل الأمة وليس من أجل حفنة أفراد؟!

أين نحن؟.. ويا لهول ما نحمله في الأعناق!

                    

* أستاذة الحضارة الفرنسية والأدب الفرنسي - جامعة المنوفية.