مسؤولية الدولة في تمكين الشباب.. دولة مالي نموذجاً: قراءة في السياسات والاستراتيجيات العمومية

  • 9 -1 - 2017
  • ديمبي انجاي


دمبي أجاي

تنمية قدرات الشباب وتكوينهم المهنيّ؛ ليكونوا قادرين على الانخراط الوظيفي، وضمان حياةٍ كريمةٍ لأنفسهم وأسرهم، من أهمّ القضايا الأساسية التي تشغل السلطات العمومية في إفريقيا جنوب الصحراء، وهذا الهمّ المتزايد يمكن أن يفسّر بـ:

- العدد المتزايد للشباب الإفريقي، حيث يمثّلون في أغلب دول القارة نصف السكّان أو أكثر.

- الوعي المتنامي لدى الشباب الإفريقيّ بحقوقه السياسية، وتزايد روح النضال والنقابة لدى جمعيات واتحادات الشباب.

- الخوف من العواقب الوخيمة التي يمكن أن تنتج من بطالة الشباب، من انفجارات سياسية واجتماعية، كالميل إلى العنف، والانخراط في الحركات الإرهابية وعصابات تهريب المخدّرات...

- السياق الدولي والإقليمي، كثورات الربيع العربي التي اندلعت منذ 2011م، والانتفاضة الشبابية في السنغال التي تسبّبت في سقوط نظام عبد الله واد عام 2012م، والثورة الشعبية التي قادها الشباب ضدّ حكم بليز كومباورى في بوركينافاسو 2013م.

بعد الثورة الديمقراطية التي عرفتها دولة مالي، في بداية التسعينيات من القرن المنصرم، دخلت الدولة في مسارٍ ديناميٍّ للإصلاحات المؤسساتية، وذلك من أجل تجاوز دولة الأشخاص- التي تحكّمت في البلاد، خصوصاً في فترة حكم الرئيس موسى ترورى- إلى دولة قانون ومؤسسات، وفي هذا الإطار؛ تمّ اعتماد دستورٍ جديد، وخلق بنيةٍ مؤسساتيةٍ رصينة، بالإضافة إلى اعتماد سياساتٍ وخططٍ كفيلةٍ بالإقلاع الاقتصاديّ للدولة.

تركت برامج التكيّف الهيكليّ التي جرّبتها الدولة المالية في ثمانينيات القرن الماضي آثاراً اجتماعية خطيرة؛ جرّاء تخفيض الإنفاق الحكوميّ للقطاعات الاجتماعية، كالصحّة والتعليم والتشغيل، ولتجاوز هذه الآثار الاجتماعية المدمّرة تبنّت السلطات الجديدة سياسات تنموية كثيرة، في مختلف القطاعات: (الصحّة، التعليم، العدالة الاجتماعية، الزراعة وتربية المواشي، التنمية الريفية...)، في انسجامٍ وتساوقٍ مع النسخة الأولى والثانية من وثيقة الإطار الاستراتيجيّ للتنمية وتخفيض الفقر.

في نهاية سنوات 2000م، بعد أكثر من عقدٍ ونصف العقد من تجربة السياسات المُضمّنة ضمن الوثيقة الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفقر (1998م – 2000م)، والنسخة الأولى (2000م – 2002م)، والثانية (2002م – 2006م)، من وثيقة الإطار الاستراتيجيّ لمحاربة الفقر، تكتشف السلطات بعد عملية تقييمٍ لحصيلة السياسات المذكورة: أنّ الأهداف المُعلن عنها في مجال محاربة الفقر لم تتحقّق؛ بسبب ضعف العناية بفئة الشباب تكويناً وتمكيناً وتوظيفاً، وعليه؛ فقد اعتمدت الدولة استراتيجيات جديدة، تضمّنتها وثيقة الإطار الاستراتيجيّ للتنمية وتخفيض الفقر (2007م – 2011م)، لتأخذ بالاعتبار هذا البعد المهمّ لمحاربة الفقر وتحقيق التنمية المستدامة.

وفي سنة 2012م؛ تعيش مالي أصعب لحظةٍ في وجودها، بسبب الأزمة الأمنية والسياسية التي اجتاحت الدولة جرّاء سيطرة الحركات المسلّحة على الأقاليم الشمالية، التي تشكّل في مجموعها ما لا يقلّ عن ثُلثي مساحة التراب الوطني، وبرغم استعادة الحكومة المركزية اليوم كامل أراضيها، والاستقرار السياسيّ والاجتماعي النسبي، والعودة إلى المشروعية الدستورية، فإنّ الأزمة التي ضربت البلاد أظهرت بجلاء ضعف مؤسسات الدولة وهشاشتها، ما دفع السلطات الجديدة إلى التفكير في مراجعة بُنى الدولة، والعمل على إحداث إصلاحاتٍ هيكلية؛ درءاً لتكرّر مثل هذه التجربة الأليمة في المستقبل.

إهمال فئة الشباب- التي تشكّل أكثر من 60% من الشعب- سيُعرّض الدولة لمزيدٍ من الأزمات وانعدام الأمن

في سياق ذلك؛ فإنّ هناك وعياً متزايداً لدى السلطات العمومية بأهميّة تمكين الشباب وتأهيلهم المهنيّ والوظيفيّ في تحقيق السّلم الاجتماعي واستقرار الدولة، يتجسّد هذا الوعي على مستوى السياسات الوطنية للخروج من الأزمة، واستراتيجيات تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ كما في النسخة الثانية من وثيقة الإطار الاستراتيجي للتنمية والتخفيف من الفقر (2012م – 2017م).

معطيات عامّة عن الوضع السياسي الراهن لدولة مالي[1]:

انطبع الواقع السياسيّ والاجتماعيّ للدولة بالاستقرار العامّ برغم الأزمة الأمنية المزمنة في الشمال، ومع العملية الديمقراطية التي شهدتها الدولة في بداية التسعينيات تعزّزت مكانتها الإقليمية، حيث اشتهرت بالسّلم الاجتماعيّ وسط بؤرٍ ملتهبةٍ هنا وهناك في المنطقة.

ومنذ 2012م؛ بُذلت بالتوازي مع الجهود العسكرية جهودٌ سياسيةٌ كبيرةٌ من أجل احتواء الأزمة الشمالية، والعودة إلى الشرعية الدستورية، وطرح أُسس بناء دولة القانون، وفي هذا الإطار تمّ تنظيم الانتخابات الرئاسية ثم البرلمانية في أواخر 2013م، تلا ذلك توقيع اتفاقية السلام بين الحكومة المالية والحركات المسلّحة بالشمال سنة 2015م؛ تجسيداً للخروج من الأزمة والعودة إلى المؤسسات الشرعية.

أطلقت الدولة منذ 2012م مشاورات وطنية للتفكير في أسباب الأزمة التي ضربت البلد، والبحث عن سبل إعادة صياغة الأمّة المالية على أُسس جديدة كفيلة بوضع حدٍّ نهائيٍّ للتمرّد المسلّح في الشمال الذي عانت منه الشعوب منذ الاستقلال إلى الوقت الراهن، وفي هذا الإطار؛ تمّ تنظيم جلسات رصد واقع النظام اللامركزي في أكتوبر 2013م، والجلسات الوطنية حول الشمال في نوفمبر 2013م، كما تمّ تنظيم مؤتمرات محلّية ووطنية مختلفة، ومراجعة السياسات الوطنية على المستوى العام، أو على المستوى القطاعي، لتحديثها وجعلها متلائمة مع المتغيرات السياسية والاجتماعية التي نتجت عن أزمة الشمال.

ولعلّ من أهمّ التوصيات التي تمخّضت عنها هذه المشاورات والمراجعات المختلفة: ضرورة الاعتناء بتمكين الشباب، وتيسير سبل اندماجهم المهني، ليس فقط بوصفه شرطاً أساسيّاً لتحقيق التنمية الاقتصادية، بل لأنّ إهمال هذه الفئة- التي تشكّل أكثر من 60% من الشعب- سيُعرّض الدولة لمزيدٍ من الأزمات وانعدام الأمن، إذْ يمثّل الشباب العاطل أهمّ مصدرٍ تستقي منه الحركات المسلّحة مواردها البشرية.

الشباب في الوعي السياسي «المالي»:

الاهتمام بقضية الشباب، ودمجها ضمن أولويات الفعل السياسي، ليس بأمرٍ مستحدثٍ في المسرح السياسي «المالي»، هذا الموضوع له جذوره الضاربة في عمق الثقافة الإفريقية التي تضع للشبيبة مساحةً واسعةً من الاهتمام، بوصفهم رجال الغد ومستقبل القبيلة والأمّة، وعليه؛ فقد كانت هناك مجموعةٌ كبيرةٌ من العادات والتقاليد والمؤسسات التقليدية التي تسمح للشباب بتحقيق ذواتهم، بالإضافة إلى أنّها تسمح بتأهيلهم وتهيئتهم الروحية والجسدية لتحمّل مسؤوليات الحياة عندما يتقدّم بهم العمر[2].

 كان للشباب حضورٌ كبيرٌ في سياسات السلطات الاستعمارية في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء، ذلك لأنّهم يمثّلون اليد العاملة التي تستطيع الإدارة الاستعمارية توظيفها في الأعمال العمومية الكبرى، في مجال الزراعة والتعدين وبناء الطرق والسكك الحديدية... وغير ذلك من الأشغال العمومية التي تشكّل أهميّةً كبيرةً للمشروع الاستعماري، نذكر منها مثلاً- بخصوص دولة مالي-: توظيف الاستعمار للشباب في الأعمال اللازمة لتحقيق أحد أهمّ المشاريع الزراعية للسلطة الاستعمارية في المنطقة، وهو مشروع الاستصلاح الزراعي لأراضي «أوفيس دي نيجر»، كان هذا المشروع يستلزم عدداً من الأعمال الإنشائية، كبناء السدود والقنوات المائية، وفي هذا الإطار كانت السلطات الاستعمارية تشغّل قرابة 2000 إلى 2500 شاب قهراً يوميّاً، في ظلّ ظروفٍ غير إنسانيةٍ قاسية، لبناء سدّ سانسانديغ Sansanding بمنطقة سيغو[3].

كما يمكن أن نذكر هنا: مشروع بناء السكّة الحديدية التي تربط دكار في السنغال بكوليكورو في مالي، وكان الهدف منها ربط ميناء دكار بنهر النيجر من أجل نقل المواد الأوّلية إلى فرنسا، وقد وظّفت الإدارة الاستعمارية الشباب في بناء هذا المشروع الضخم الذي يبلغ طوله 1287 كم؛ منها 641 كم في مالي[4].         

كانت الإدارة الاستعمارية تنظر إلى الشباب بعين الريبة والشكّ، وتتخذ كلّ التدابير من أجل مراقبتهم والتضييق عليهم، وعياً منها بقدرة الحركة الشبابية على عرقلة المشروع الاستعماري، وقد زاد من هذا الحذر كون الحركة الشبابية، ممثّلة في الحركة الطلابّية ونقابات العمّال، في واجهة المندّدين بالهيمنة الغربية على الشعوب الإفريقية، وفي الصفوف الأمامية في النضال من أجل المساواة والحرّية والاستقلال، نذكر هنا مثلاً: إضراب عشرين ألف عامل في السكّة الحديدية- المشار إليها أعلاه- عام 1947م - 1948م، وقد استمرّ هذا الإضراب عدّة أشهر، وكان هدفه المطالبة بالمساواة مع العمّال الفرنسيين، وقد نقل الأديب والسينمائي السنغالي الكبير عثمان سمبان Ousmane Sembène تفاصيل حوادث هذا الإضراب في روايته التاريخية الرائعة: (تخوم غابة الربّ)[5].

كانت غالبية النّخبة السياسية الأولى، التي حكمت دولة مالي غداة الاستقلال، مكوّنة من رجال مرّ تكوينهم السياسيّ في الحركة الشبابية عبر الجمعيات الطلاّبية والحركات النقابية، فقد بدأ «مديبو كيتا»- الرئيس الأوّل لدولة مالي المستقلّة- مساره السياسيّ كمناضل في إطار «جمعية مثقفي السودان» التي أنشأها مع زميله «مامادو كوناتي»، ثمّ تعزّزت روحه النضالية في إطار «نقابة معلّمي غرب إفريقيا الفرنسية» التي أسسها مع الفولتي (البوركيني) «ويزن كوليبالي» Ouezzin Coulibaly.

أدرك «مديبو كيتا»، الذي بدأ مساره السياسيّ كمناضل في الحركة الشبابية، أهميّة استثمار الشباب في نجاح مشروعه السياسي الاشتراكي، تجسّد هذا الوعي السياسي بأهميّة الشباب في الهيئات والمؤسسات الحكومية التي أنشأها الرئيس كيتا للعناية بالشبيبة، وتسهيل انخراطهم السياسيّ والاجتماعي، وفيما يأتي أهمّ هذه المؤسسات والهيئات:

- الفرع الشبابي لحزب الاتحاد الديمقراطي: الذي أُنشئ في مؤتمرٍ تأسيسيٍّ سنة 1959م، وقد مارَسَ هذا الفرع الشبابيّ دَوْراً كبيراً في التطورات السياسية للدولة، منذ تاريخ إنشائه إلى الانقلاب العسكري الذي أطاح بنظام مديبو 1968م.

- وزارة الاتصال والشباب وشؤون المحاربين القدامى: تقلّدها الرئيس «مديبو كيتا» نفسه في الحكومة الأولى لدولة مالي المستقلّة، وبعد التعديل الدستوري في مايو 1964م جُمعت الرياضة مع الشباب في حقيبةٍ وزاريةٍ واحدة، تقلّدها السيّد «موسى كيتا» أخو الرئيس «مديبو كيتا».

- المجلس الأعلى لشؤون الشباب والرياضة بمرتبة وزارة: منذ 1961م إلى الانقلاب العسكري 1968م.

- الميليشيات الشعبية: أو ما كان يعرف بـ «ألوية الاحتياط»، تكوّنت من شباب حزب الاتحاد السوداني، وصارت منتشرةً في كلّ المدن والأرياف، ووصل عدد أعضائها إلى قرابة سبعين ألف شابٍّ في العاصمة بماكو فقط[6].

- المكتبة الشعبية: أُنشئت عام 1961م بطلبٍ من شباب حزب الاتحاد السوداني، لتكون فضاءً للتكوين الفكريّ للشباب والناشئة؛ طبقاً للرؤية السياسية الاشتراكية للسلطات المالية[7].

- الأسبوع الوطني للشباب: بدأ الاحتفال به في 1962م كأكبر تظاهرةٍ ثقافيةٍ في الدولة، وكان تنظيم احتفاليات الأسبوع تحت إشراف المجلس الأعلى لشؤون الشباب، ويشارك فيها وفودٌ من كلّ المدن الكبرى للدولة[8].

في عهد الرئيس «موسى ترورى»: كان الوعيّ السياسيّ بأهميّة الشباب حاضراً بقوّةٍ في العمل السياسي، ولكن اهتمام الرئيس الجديد انصبّ في محاولة القضاء على التنظيمات الشبابية التي كانت نشطة في عهد الرئيس «مديبو كيتا»، كالميليشيات الشعبية، وشباب حزب الاتحاد السوداني، وبالموازاة إلى ذلك فقد عمل موسى على إيجاد مؤسّسات أخرى تستقطب الشباب وتسخّرهم لخدمة الحزب الواحد المستبدّ بالحكم، وفي هذا الإطار يمكن أن نشير إلى إنشائه «الاتحاد الوطني لشباب مالي» 1976م، من أجل استقطاب الشباب، وتقليص تأثير نقابة الطلاب المنتظمة في إطار «الاتحاد الوطني لتلاميذ وطلبة مالي» (UNEEM) الذي كانت له علاقة مع الأحزاب السياسية المعارضة سرّاً.

وبرغم أنّ الهدف الأساسيّ الذي كان يحرّك الرئيس موسى ترورى في سياساته تجاه الشبيبة هو: كسب ودّ الشباب، وتوظيفهم في خدمة حزبه وتوجّهاته السياسية، فإنّ فترته شهدت ظهور عددٍ من المؤسسات المهمّة الموجّهة لتأطير الشباب، منها مثلاً:

- وزارة شؤون الشباب: كانت حاضرة تقريباً في كلّ الحكومات على اختلافها، وقد تقلّد هذه الحقيبة منذ 1978م إلى 1980م ألفا عمر كونارى (الذي سيصبح رئيساً للبلد)؛ قبل أن يستقيل اعتراضاً على العنف الذي عامل به الرئيس ترورى المظاهرات الطلابية عام 1980م.

- الاتحاد الوطني لشباب مالي: سبقت الإشارة إليه.

- ملتقى الشباب ببماكو: أنشئ عام 1988م كفضاءٍ تعليميٍّ تربويٍّ وترفيهيٍّ للشباب.

- المعهد الوطني للرياضة: تأسّس في 1978م، وتحوّل سنة 2002م إلى المعهد الوطني للشبيبة والرياضة؛ بوصفها مؤسّسة للتعليم العالي، تستهدف تكوين كوادر مؤهّلة في مجال تأطير الشباب والرياضة.

ومع الانتقال الديمقراطيّ في بداية التسعينيات، إلى يومنا هذا، ازداد اهتمام السياسات العمومية بالشباب، يظهر ذلك على صعيد السياسات، والخطط الاستراتيجية، وبرامج الإقلاع الاقتصادي، بالإضافة إلى الكثير من المؤسسات الموجّهة لتمكين الشباب وتحسين أوضاعهم الماديّة والمعنوية، وبما أنّنا سنتناول الكثير من هذه القضايا في الفقرات القادمة؛ فسنكتفي في هذا المقام بهذه التنويهات البسيطة.  

الأطر القانونية المنظِّمة لتمكين الشباب «المالي»:

هناك أطرٌ قانونيةٌ كثيرةٌ تنظّم العناية الحكومية بتمكين الشباب وتأهيلهم، واندماجهم السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعي؛ ليكونوا فاعلين في المجتمع، قادرين على المشاركة بشكلٍ أكبر في التنمية، وفيما يأتي إشارة إلى أهمّ هذه الأطر القانونية:

1 - الوثائق القانونية الوطنية: 

يأتي الدستور المالي، المعتمد عام 1992م، على رأس الوثائق القانونية التي تؤسّس لقضية تمكين الشباب، وفي هذا الإطار؛ يؤكّد الدستور في ديباجته التزام الشعب الماليّ بتحسين مستوى المعيشة لكلّ الماليين؛ بمن فيهم الشباب، والمادّة الأولى من الدستور تشير إلى أنّ الشخصية الإنسانية مقدّسة لا يُقبل الاعتداء عليها، وإلى أنّ لكلّ ماليٍّ الحقّ في الحياة والحرّية والأمن والسلامة الشخصية، وتعزّز المادة الخامسة عشرة ما سبق، وتزيد بأنّ تحسين مستوى معيشة المواطنين واجبٌ على الدولة وعلى كلّ المواطنين، والمادّة السابعة عشرة تأخذ المنحى نفسه؛ إذ تنصّ على أنّ «التربية، والتعليم، والتكوين، والعمل، والسكن، والترفيه، والصّحة، والحماية الاجتماعية، حقوقٌ معترفٌ بها»... والشباب بوصفهم فئةً من مجموع المواطنين يتمتّعون بهذه الحقوق الدستورية.

2 - الوثائق القانونية الدولية:

صادقت دولة مالي، بناءً على عضويتها في منظّمة الأمم المتحدة، على الكثير من الوثائق والاتفاقيات الدولية المرتبطة بتمكين الشباب وضمان حقوقهم المادية والمعنوية، ويمكن أن نذكر من هذه الوثائق: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948م، وميثاق الحقوق المدنية والسياسية 1966م، والاتفاقية الدولية للحقوق الثقافية والاجتماعية والاقتصادية 1966م، وتشكّل هذه الوثائق الأممية الثلاث ما يُعرف بـ «لائحة الحقوق الدولية»، وإن لم تكن هذه الوثائق مرتبطة بتمكين الشباب لوحدهم؛ فإنّها تتناول حقوقهم بشكلٍ غير مباشر.

وفي السياق نفسه؛ يمكن إضافة «أهداف الألفية للتنمية» التي تبنّتها الأمم المتحدة عام 2000م ضمن الوثائق الأممية المؤسِّسَة لتمكين الشباب، وأهداف الألفية للتنمية عبارة عن مجموعة من الأهداف اتفقت الدول الأعضاء على تحقيقها بحلول 2015م، وهي في العموم ثمانية أهداف هي: «القضاء على الفقر المدقع والجوع، تعميم التعليم الابتدائي، تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، تخفيض وفيات الأطفال، تحسين الصّحة النفاسية، مكافحة الإيدز والملاريا، كفالة الاستدامة البيئية، وإقامة شراكة عالمية من أجل التنمية»، هذه الأهداف أيضاً لها ارتباطٌ كبيرٌ، وإن بصورةٍ غير مباشرة، مع تمكين الشباب.

3 - الوثائق القانونية القارّية:

تُولي دول إفريقيا عبر المنظمة القارّية التي تجمعهم عنايةً فائقةً لتمكين الشباب، وفي هذا الإطار طلبت مفوضية الاتحاد الإفريقيّ عام 2005م إعداد تقريرٍ يتقصّى وضع الشباب الإفريقي الراهن تمهيداً لصياغة مشروع ميثاق للشباب الإفريقي، أعقب ذلك تنظيم منتدى الشباب الإفريقي 2006م، شاركت فيه وفودٌ شبابيةٌ من مختلف الدول الأعضاء؛ من أجل التباحث وتبادل الآراء حول بنود الميثاق المقترح، وبعد الإجماع على الصيغة النهائية؛ صدر الميثاق عن الاتحاد خلال قمّة رؤساء الدول والحكومات المنعقدة بعاصمة غامبيا بانجول في شهر يوليوز 2006م.

يعدّ هذا الميثاق من أهمّ الوثائق المرجعية للدول الإفريقية في مجال تمكين الشباب، وقد تعهّدت الدول الإفريقية (أعضاء الاتحاد الإفريقي) في البند الثاني من المادة الأولى للميثاق بـ «اتخاذ الخطوات اللازمة طبقاً لعملياتها الدستورية وأحكام هذا الميثاق؛ لاعتماد التدابير التشريعية أو غيرها من التدابير الضرورية لتفعيل أحكام الميثاق»[9].

ازداد الاهتمام الحكومي بتمكين الشباب بعد أزمة الشمال، كما في «خطة الإنعاش الاقتصادي المستدام في مالي (2013م – 2014م)

تمكين الشباب في السياسات والاستراتيجات العمومية:

يعدّ تمكين الشباب ضمن الأولويات الوطنية للسلطات المالية، ويتجسّد ذلك بشكلٍ واضحٍ في السياسات والاستراتيجيات العمومية التي تمثّل رؤية السلطات العليا للتنمية المستدامة، ويمكن في العموم التمييز بين نوعَيْن من السياسات والاستراتيجيات التي تجلّي ما ادّعيناه، وهما السياسات والاستراتيجيات الوطنية العامّة، والسياسات والاستراتيجيات القطاعية، وفيما يأتي تحليلٌ لأهمّ هذه السياسات طبقاً للتصنيف السابق:

1 - السياسات والاستراتيجيات الوطنية العامّة:

منذ الانتقال الديمقراطي الذي حدث في مالي، في بداية التسعينيات من القرن الماضي، نشطت الحكومات المالية على اختلاف توجّهاتها السياسية في وضع خطط وسياسات التنمية والإقلاع الاقتصادي، وفي هذا السياق، منذ 1998م إلى 2014م، تبنّت السلطات المالية وثائق كثيرة مرتبطة بسياسات واستراتيجيات التنمية والإقلاع الاقتصادي، نذكر هنا أهمّها:

- الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفقر (1998م – 2000م).

- الدراسة الوطنية الاستشرافية «مالي 2025»، أُعدّت سنة 1999م.

- النسخة 1 من الإطار الاستراتيجي لمحاربة الفقر (2000م – 2002م).

- النسخة 2 من الإطار الاستراتيجي لمحاربة الفقر (2002م – 2006م).

- النسخة 1 من الإطار الاستراتيجي للتنمية وتخفيض الفقر (2007م – 2012م).

- النسخة 2 من الإطار الاستراتيجي للتنمية وتخفيض الفقر (2012م – 2017م).

- خطة الإنعاش الاقتصادي المستدام في مالي (2013م - 2014م).

هذه الوثائق تعدّ أدلة وإطارات مرجعية لتوجيه وترشيد العمل الحكوميّ نحو تحقيق الرؤية الاقتصادية للدولة، وهي كلّها- على اختلافها- تعطي لتمكين الشباب حيّزاً كبيراً من عناية السياسات العمومية، فعلى سبيل المثال: تتغيّا الوثائق الخمسة الأخيرة تحقيق نموٍّ اقتصاديٍّ بمعدّل 7% سنويّاً على الأقل لتكون الدولة قادرة على تخفيض نسبة البطالة العالية؛ بما فيها بطالة الشباب التي هي أحدّ أهمّ أسباب الفقر المدقع في الدولة.

في تقديمه للنسخة الأخيرة من الإطار الاستراتيجيّ للتنمية وتخفيض الفقر (2012م – 2017م)؛ يذكر وزير الاقتصاد والمالية أنّ هذه النسخة الجديدة تتأسّس على تحدّيات النسخ السابقة، والتي من أهمّها توفير الشغل للشباب، وقد تبنّت هذه النسخة التوظيف عامّة، وتوظيف الشباب خاصّة، ضمن أهمّ الأهداف الاستراتيجية التي تسعى إلى تحقيقها.

وفيما يرتبط بتمكين الشباب، على وجه الخصوص، ألقت الوثيقة على عاتق الدولة القيام بالمهام الآتية:

- ضمان التأطير الاجتماعيّ والتربويّ الأمثل للشباب.

- تنمية روح المواطنة والتطوع لدى الشباب.

- تشجيع مشاركة الشباب في الحياة العمومية وفي التنمية.  

2 - السياسات والاستراتيجيات القطاعية:

القطاعات الحيوية التي لها ارتباط- بشكلٍ أو بآخر- بتمكين الشباب وتأهيلهم واندماجهم السياسي والاقتصادي كثيرةٌ جدّاً، ولذا سنحاول التركيز في ثلاثٍ منها، وهي:

قطاع التربية والتعليم:

يحظى قطاع التربية والتعليم بمكانةٍ كبيرةٍ في السياسات الوطنية، ويتجلّى ذلك ليس على مستوى الوثائق المرجعية للسياسات العمومية فحسب، بل يتجلّى أيضاً على مستوى نسبة الميزانية المخصّصة له من مجموع الميزانية الإجمالية للدولة، حيث تتجاوز ميزانية التعليم 30% من مجموع الميزانيات الإجمالية للدولة منذ سنوات عديدة.

يأتي القانون رقم 99-046 المعتمد 28 ديسمبر 1999م، والمرتبط بتوجيه التعليم، على رأس النصوص القانونية المؤطّرة لقطاع التربية والتعليم في مالي، ويتناول القانون في مادّته الحادية عشرة أهداف النظام التعليميّ للدولة، حيث تنصّ على أنّ: «النظام التربويّ الماليّ يتمثّل في تكوين مواطنٍ محبٍّ لوطنه، مساهم في بناء المجتمع الديمقراطي، فاعل في التنمية، راسخ في ثقافته، ومنفتح على الحضارة العالمية، متمكّن من المهارات الشعبية، وقادر على هضم المعارف والخبرات المرتبطة بالتطوّر العلميّ والتقنيّ والتكنولوجيا المعاصرة».

ولتفعيل الأهداف المعلن عنها في قانون توجيه التعليم، المشار إليه أعلاه، تبنّت دولة مالي الكثير من السياسات والاستراتيجيات التربوية، ولعلّ من أهمّ الوثائق المرتبطة بهذه السياسات وثيقة «الخطة العشرية لتطوير التربية»، والتي اعتمدت سنة 2000م، وكانت تهدف إلى تحقيق التربية والتعليم للجميع في أفق 2010م، وذلك من أجل توفير الموارد البشرية المؤهّلة التي تستطيع رفع التحدّيات التنموية للدولة.

بعد الأزمة الأمنية والسياسية التي ضربت الدولة عام 2012م، ورغبةً من السلطات الجديدة في جعل قطاع التربية أحد أهمّ مرتكزات إعادة بناء الدولة والأمّة المالية، فقد اعتمدت الحكومة المالية خطة انتقالية لتغطية الفترة الكائنة بين الخطّة العشرية الأولى إلى غاية صياغة الخطة العشرية الثانية، وتتمحور الخطة الانتقالية هذه حول ثلاثة عناصر أساسية، هي: زيادة نسبة الالتحاق، تحسين النوعية، وتعزيز الكفاءات.

قطاع التكوين المهني:

تجسيداً للأهمية التي توليها دولة مالي للتكوين المهنيّ للشعب كافّة، وللفئة الشبابية منه خاصّة، فقد اعتمدت الحكومة في أغسطس 2000م وثيقة «البرنامج الوطنيّ للتوظيف من أجل تخفيض الفقر»، بوصفها وثيقةً استراتيجيةً لتوجيه العمل الحكوميّ في مجال التكوين المهنيّ ومحاربة الفقر، وفي هذا الإطار؛ فقد أعطت الوثيقة أولوية كبيرة لتمكين الشباب وتكوينهم المهنيّ ليكونوا قادرين على الانخراط في سوق العمل، والتخفيف من وطأة الفقر عن أنفسهم وذويهم، فقد ذكرت الوثيقة ضمن أهدافها الاستراتيجية: «تقليل نسبة البطالة والعمالة المتدنية في صفوف الشباب والنساء».

في يوليوز 2009م؛ قامت السلطات باعتماد وثيقة «السياسة الوطنية للتكوين المهني»، وذلك من أجل تحديث السياسات والأطر العامّة الموجِّهة لقطاع التكوين المهنيّ الذي تُعهد إليه مهمّة تأهيل وتطوير الأيدي العاملة القادرة على تغطية احتياجات سوق العمل المتجدّد باستمرار، وقد تمثّلت التوجّهات العامّة المعلن عنها في الوثيقة الجديدة في: تنمية الموارد البشرية، الربط بين عروض التكوين واحتياجات سوق العمل، رفع مستوى النوعية، العدالة والإنصاف، اللامركزية، الشراكة، الحوكمة والتمويل الرشيدَيْن.

وفي سنة 2015م؛ أرادت السلطات المالية تحديث سياساتها في مجال التكوين المهنيّ من جديد؛ لتأخذ بالاعتبار التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للدولة بعد الأزمة الأمنية التي عانت منها سنة 2012م، وفي هذا الإطار تمّ إعداد واعتماد وثيقة «برنامج الخطة العشرية لتنمية التكوين المهنيّ من أجل الشغل»، وقد عبّرت الدولة في هذه الوثيقة عن رغبتها الأكيدة في تمكين الشباب، نجد ذلك واضحاً ومسطّراً في الوثيقة، كما في البند المرتبط بالطموحات والأهداف، حيث تمّ التنصيص بالنسبة للطموحات على أنّ الغاية من الوثيقة: «وضع جهازٍ معاصرٍ وفعّال، قادرٍ على تلبية احتياجات الاقتصاد، كفيلٍ بمنح الشبيبة فرصاً حقيقية للانخراط في سوق العمل»، وقد تمّ تأكيد هذه الغاية الطموحة في الهدف الجزئيّ الثالث الذي يتمثّل في: «دعم الانخراط المهنيّ للنساء والشباب المتخرّجين من مراكز التكوين».

وفي إطار السياسات والاستراتيجيات العمومية للتكوين المهنيّ لا يمكن أن نغفل عن «صندوق دعم التكوين المهنيّ والتدريب» الذي تأسّس بموجب القانون رقم 97-23 بتاريخ 14 أبريل 1997م، وهذا الصندوق عبارة عن مؤسسة عمومية ذات طابعٍ إداري، يهدف إلى المشاركة في تنفيذ السياسات الوطنية المرتبطة بالتكوين المهني، وذلك عبر تمويل ودعم مؤسّسات ومعاهد التكوين المهني، وتتشكّل إيرادات الصندوق في ضريبة التكوين المهنيّ التي تؤخذ من أرباح المقاولات الأهلية والمنشآت شبه العمومية، وكانت هذه الضريبة تقدّر بـ (0.5%) من إجماليّ الأرباح، وتمّ رفع هذه النسبة إلى (2%) سنة 2007م، كما يحظى الصندوق بدعم الشركاء الفنيّين والماليين للدولة، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للإنماء والبنك الإفريقي للتنمية.

قطاع التوظيف:

قطاع التوظيف والتشغيل من أهمّ القطاعات التي لها ارتباطٌ وثيقٌ ومباشرٌ بتمكين الشباب، وانخراطهم في السياق الاجتماعيّ والاقتصاديّ في المجتمع، ودولة مالي أولت ولا تزال تولي عنايةً فائقةً بهذا القطاع من أبعادٍ مختلفةٍ يمكن تلمّس جوانب منها في السياسات والاستراتيجيات الوطنية العامّة التي سبقت الإشارة إلى بعضٍ منها، وفي المؤسسات العمومية الكثيرة المُكرّسة لترقية الشغل، وأخيراً في الميزانيات الضخمة التي تخصّصها الحكومة لهذا القطاع.

تعود الوثائق الأولى التي تبنّتها السلطات المالية بخصوص سياسات واستراتيجيات ترقية الشغل إلى 1998م، في تزامنٍ وتكاملٍ مع الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفقر التي اعتُمدت في السنة نفسها، ما يجعل من مالي ضمن أوائل بلدان المنطقة التي اعتمدت وثيقة مرجعية لترقية الشغل ومحاربة البطالة،  وتتمثّل الأهداف المُعلن عنها في وثيقة «السياسة الوطنية للشغل» في:

- تعزيز وتأمين الوظائف الخاصّة المتوفرة، وتحسين الفاعلية في الوظيفة العمومية.

- تخفيض مستوى العطالة والعمالة المتدنية؛ من خلال خلق فرص العمل، وتكثيف الأنشطة

- رفع الطلب على الأيدي العاملة في المناطق الحضرية والريفية؛ عبر تطوير القطاع الخاص.

- تعزيز العرض حول الأيدي العاملة؛ عبر التكوين الجيّد والتأهيل المتناسب مع احتياجات الاقتصاد.

- تعميم ترقية الشغل على المستوى المحلي، مع الأخذ بالاعتبار الخصوصيات الإقليمية، وتشجيع تشغيل الأيدي العاملة بشكلٍ مكثف.

- تشجيع تحسين ظروف العمل في المجالات المختلفة: الوظائف المعاصرة، الوظائف غير النظامية، الوظائف الريفية، الوظائف المؤقتة.

- البحث عن سبل توحيد سوق العمل.

وفي 2001م رغبةً من الدولة في تعزيز وتفعيل سياسات الشغل، قامت بإنشاء «الوكالة الوطنية للشغل» بموجب مرسوم رقم 01-016 بتاريخ 27 فبراير 2001م، ومن أهمّ الأهداف المفوضة إلى الوكالة:

- العمل على جمع وتنسيق وتحليل ونشر المعطيات المتعلقة بسوق العمل.

- العمل على التنبّؤ، وتحصيل عروض العمل من أصحاب العمل، والسعيّ إلى الربط بين طلبات العمل وعروضه.

- تأمين استقبال وإخبار وتوجيه طالبي العمل.

- تخطيط وتنفيذ الميكانيزمات والأعمال الموجّهة لضمان ترقية الشغل، بما في ذلك شغل النساء والشباب.

وفي سنة 2003م، لغرض تعزيز وتفعيل السياسات الوطنية في مجال التوظيف، قامت الدولة بتبنّي برنامجٍ خاصٍّ لتوظيف الشباب، هو: «برنامج توظيف الشباب»، وكان ضمن مقتضيات البرنامج إنشاء مؤسّسة خاصّة لتشغيل الشباب، وهي: «وكالة ترقية شغل الشباب»، والتي تأسّست بموجب قانون رقم 03-031 الصادر 25 أغسطس 2003م، وزاولت الوكالة عملها في الواقع في فبراير 2004م، وتتمثّل رسالتها كما هي معبّر عنها في القانون المذكور في: «السعي إلى ترقية الشغل للشباب الماليين الذكور والإناث من 15 إلى 40 سنة، سواء كانوا في الوسط الريفيّ أو الوسط الحضري، مقيمين أو مغتربين، من خلال تسهيل ولوجهم سوق العمل وحصولهم على القرض».

تسهر الوكالة على تنفيذ أهداف «برنامج توظيف الشباب» الذي كانت نسخته الأولى (2003م – 2011م) موزّعة على أربعة محاور رئيسة، تمّ دمجها في النسخة الثانية من البرنامج 2011م في سلك ثلاث عناصر، هي: (تعزيز قابلية توظيف الشباب، تنمية روح المقاولة، تعزيز آليات تمويل مشاريع الشباب).

أمّا الأهداف المسندة إلى الوكالة؛ فتتمثّل في:

- تخطيط وتنفيذ برامج التشغيل المعتمدة على كثافة اليد العاملة من أجل خلق الوظائف للشباب غير المدرّب في الأوساط الريفية والحضرية.

- تسهيل حصول الشباب على آليات الإنتاج، وترويج أنشطة تسويق وبيع المنتجات.

- تسهيل اندماج الشباب عبر التدريبات التأهيلية، ودورات التكوين المهني، والتمرّن.

- البحث عن أوجه الاستفادة مع برامج التنمية التي لها تأثيرات في مجال الشغل.

- حشد وإدارة الموارد من أجل ترقية وخلق فرص العمل للشباب.

- وضع بروتوكولات الاتفاقيات مع المؤسّسات المالية.

- دعم الجماعات الترابية في مجال تصميم وتنفيذ البرامج المحلّية المتعلقة بخلق الوظائف للشباب.

- تنسيق جهود كلّ المتدخّلين في مجال توظيف الشباب.

- إنشاء شبكة من الشركاء الوطنيين والدوليين لترقية شغل الشباب.

وفي 2015م؛ اعتمدت الحكومة المالية وثيقة جديدة للسياسة الوطنية للشغل، وخطّة العمل (2015م - 2017م) كأداةٍ تفعيليةٍ للأهداف المضمّنة في السياسة الوطنية للشغل، والدافع إلى تبنّي هاتَيْن الوثيقتَيْن هو: تحديث سياسات التشغيل لتكون متوائمة مع التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن أزمة الشمال 2012م، والغاية من هاتَيْن الوثيقتَيْن، كما وردت في بيان المجلس الوزاريّ المنعقد يوم الأربعاء 18 مارس 2015م، تتمثل في:

- إيجاد وتقوية العلاقة بين كلّ السياسات الوطنية.

- تعزيز أنشطة فعاليات خلق وترقية الشغل، تشجيع المشاريع الخاصّة المدرّة للدخل.

- مساعدة المقاولات المعاصرة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة.

- تأطير إجراءات ترقية الشغل؛ لتأخذ في الاعتبار التحدّي الديموغرافي، وخصوصيات المشكلات المرتبطة بالاندماج بخصوص بعض المجموعات، والتي منها: النساء، والشباب، والمعاقون، والمهاجرون العائدون.

خاتمة:

يمكن أن نلخّص النتائج الإجمالية للدراسة في النقاط العامّة الآتية:

- برغم التقلبات السياسية التي عرفتها دولة مالي في مسارها التاريخيّ الحديث؛ فإنّ هاجس تمكين الشباب كان دائماً حاضراً في الأجندة السياسية للسلطات الحاكمة، منذ الإدارة الاستعمارية التي كانت تستغل الشباب كأدوات عملٍ في تنفيذ مشاريعها، وحتى الانتقال الديمقراطي في بداية التسعينيات، وإلى الآن، حيث أصبح تمكين الشباب ضمن أولويات العمل السياسي، اعتقاداً بأنّ تمكين الشباب ضروريٌّ لمحاربة الفقر وتحقيق التنمية المستدامة، وبأنّه كذلك شرطٌ لبناء السّلم والاستقرار السياسيّ والاجتماعي.

- هناك أطرٌ قانونيةٌ كثيرةٌ تشرّع لعمل السلطات المالية في مجال تمكين الشباب، منها أطرٌ وطنية كالدستور المالي، إقليمية كميثاق الشباب الإفريقي، ودولية كالمواثيق والمعاهدات الدولية الثلاث المتعلّقة بحقوق الإنسان، والمعروفة اختصارا بـ: «لائحة الحقوق الدولية»، وأهداف الألفية للتنمية.

- تجسّدت عناية الحكومات في مالي بتمكين الشباب في السياسات والاستراتيجيات التي تؤطّر وتوجّه وترشّد العمل الحكومي؛ في مجال صياغة وتنفيذ مشاريع وبرامج التنمية والإقلاع الاقتصادي، ويمكن التمييز بين نوعَيْن منها: سياسات واستراتيجيات وطنية عامّة، وسياسات واستراتيجيات قطاعية.

- ازداد الاهتمام الحكوميّ بتمكين الشباب بعد أزمة الشمال، يتضح ذلك بجلاء في خطط الخروج من الأزمة، كما في «خطة الإنعاش الاقتصادي المستدام في مالي (2013م – 2014م)»، وفي الاستراتيجيات المرجعية للسياسات العمومية للدولة، كما في «الإطار الاستراتيجي للتنمية وتخفيض الفقر (2012م – 2017م)»، ويمكن كذلك أنّ نذكر هنا بعض الوثائق الاستراتيجية الخاصّة بالسياسات القطاعية، مثل: قطاع التعليم، كما في «الخطة الانتقالية لتطوير التربية 2015»، وقطاع التكوين المهني، كما في «برنامج الخطة العشرية لتنمية التكوين المهنيّ من أجل الشغل»، وقطاع التشغيل، كما في «السياسة الوطنية للشغل 2015، وخطة العمل (2015م – 2017م) المنبثقة من السياسة الوطنية للشغل».  

[1]  مالي: دولةٌ ساحليةٌ غير مطلّةٍ على البحر، تقع غرب إفريقيا، عاصمتها: باماكو، يبلغ عدد سكانها 16 مليون نسمة، 95% منهم مسلمون.

[2]  Saloum CISSE, VALEURS MORALES ET STRUCTURES TRADITIONNELLES DE JEUNESSE, Ethiopiques numéro 31 révue socialiste de ulture négro-africaine, 3e trimestre 1982.

[3]  انظر: https://fr.wikipedia.org/wiki/Office_du_Niger#Conditions_d.E2.80.99existence_et_de_travail_des_colons_de_l.E2.80.99Office

[4]  انظر:  https://fr.wikipedia.org/wiki/Chemin_de_fer_de_Dakar_au_Niger

 [5]انظر:  Sembène Ousmane, Les bouts de bois de Dieu.

[6] انظر: جريدة "les echos" في العدد الصادر بتاريخ 20 مارس 2009م.

[7]  انظر: الموقع المكرّس للتعريف بالرئيس موديبو كيتا وتراثه السياسي. http://modibokeita.free.fr/president.html

[8] Pauline Fougère, La politique culturelle : porte-étendard de Etat et de nation malienne, in décolonisation et construction nationale : Afrique, Asie et Quebec, p 69. Les Editions de l’université de Sherbrooke, 2016. 

[9]  انظر: المادّة الأولى من ميثاق الشباب الإفريقي.