مدونة الأحوال الشخصية والتحدي الجديد للمسلمين في تشاد

  • 13 -11 - 2005
  • محمد البشير أحمد موسى

محمد البشير أحمد موسى

albeshir203@hotmail.com

كثيراً ما ردّد العلماء الربانيون، والدعاة المخلصون، الذين أوتوا نفاذاً في البصيرة، وعمقاً في النظرة، مقولة: «ستهبّ في المرحلة القادمة على المنطقة رياح من الإسلام الأمريكي»! فهل هبت حقاً رياح «الإسلام الأمريكي» على العالم الإسلامي، وبدأت أجندة مشروع «الشرق الأوسط الكبير»، وبخاصة «تحرير المرأة»، تُطرح على أرض الواقع في عالمنا الإسلامي؟!

فمنذ سقوط الخلافة الإسلامية، وتحديداً بعد ما يُسمّى بأحداث 23 جمادى الأولى 1421هـ / 11 سبتمبر 2001م، بدأ يُطرح في أرض الواقع وبقوة مفاهيم ومصطلحات جديدة على الساحة الإسلامية، لم تكن معهودة من قبل، يتبنّاها مجموعة من أبناء المسلمين ممن انبهروا بالفكر الغربي العلماني، وبدؤوا ينادون بتلك الشعارات البرَّاقة الخلابة، وبدأت صيحات مثل: «يجب أن نأخذ كلّ ما يأتي من الغرب بحلوه ومرّه»! تتردد بين الفنية والأخرى، وعلى ألسنة كثير من أفراخ الغرب.

لقد سبق هذا التوجّه تمهيدٌ طويلٌ، استغرق حيناً من الزمن، حتى وجد الغرب من يتبنّى تصوراته وأفكاره من أبناء الأمّة الإسلامية، فبدأ هؤلاء الأفراخ بطرح مشاريعه نيابة عنه، ولعلّ مشروع «قانون الأسرة»، أو «مدونة الأحوال الشخصية»، من بين أهم المشاريع التي تُطرح الآن، وفي بقاع متعددة من عالمنا الإسلامي، ففي المغرب والجزائر وتشاد يُطرح المشروع الآن وبقوة، يدعمه أبناء من جلدتنا يتكلمون لغتنا، ويمكننا أن نتساءل: لماذا يُطرح هذا القانون في المستعمرات الفرنسية السابقة، وبهذه القوة، وفي وقت واحد تقريباً؟! سؤال جدير أن نقف عنده طويلاً!

لا تختلف البنود الواردة في مدونة الأحوال الشخصية التي تُطرح في المغرب أو الجزائر عمّا ورد في مشروع مدونة قانون الأسرة التشادي، مع بعض الاختلافات الطفيفة، ولكن الفكرة واحدة، فهي خلاصة قرارات المؤتمرات الدولية الخاصة بالأسرة وتوصياتها، مثل «مؤتمر المرأة» في بكين، وكوبنهاجن، وأخيراً مؤتمر القاهرة.

ومن أهم القضايا التي تمّ التركيز فيها في مشروع مدونة الأحوال الشخصية التشادي قضايا مثل: تحديد سنّ الزواج، تعدد الزوجات، الطلاق، القوامة، الميراث، تأديب المرأة (مثل ضرب المرأة، والهجر في المضاجع)، شهادة المرأة، الحجاب، حقوق المرأة السياسية (حق الترشّح والترشيح للولاية العامة)، إزالة الفوارق الطبيعية بين المرأة والرجل، ومعظم هذه القضايا هي التي تُطرح في غالب المشاريع التي تُقدّم في البلاد الإسلامية بصفة عامّة.

ونستنتج من ذلك أن هذه المدونة:

1 - تدعو إلى الإباحية وتفكيك الأسرة المسلمة في تشاد وفي غيرها.

2 - تدعو إلى إلغاء أحكام الشريعة الإسلامية التي يتحاكم إليها المجتمع.

3 - تدعو إلى السفور والقضاء على الحجاب الإسلامي والقيم الإسلامية.

4 - تدعو إلى إبعاد أو قطع كلّ ما يمتّ إلى الإسلام بصلة.

5 – تدعو إلى علمنة المجتمع التشادي المسلم بشكل كامل.

6 - تؤدي إلى تكوين جيل لا يعرف سوى قضاء شهوته، فهي أكبر همّه ومبلغ علمه، ويقضيها كيفما شاء دون وازع من دين.

7 – تؤدي إلى اتخاذ المرأة وسيلة لهدم كيان الأمة، وذلك عبر إعطائها ما يسمّى زوراً وبهتاناً «حقوقها الضائعة»، وبخاصة الحقوق السياسية والاجتماعية.

هذه هي أهم ملامح مشروع «قانون الأسرة التشادي»، وقد سبق طرحه بهذه الصورة تمهيد طويل، فقد طُرح المشروع لأول مرة من قِبل بعض العلمانيين والنصارى، وفي أحد أهم مراكز التنصير في العاصمة «إنجمينا» (السيفود)، وفي جمع من المثقفين وأساتذة الجامعات، وعندما حاول بعض المسلمين طرح أفكار مغايرة لأطروحاتهم في ذلك الاجتماع قابلوها بالسخرية والاستهزاء، والتهجم عليهم بصيغ التخلّف والجمود والرجعية.

وهكذا دائماً الخطوات الشيطانية؛ يقف وراءها النصارى في البلاد الإسلامية، فكما كان النصراني مرقص فهمي صاحب كتاب (المرأة في الشرق)، والذي دعا فيه إلى القضاء على الحجاب وإباحة الاختلاط وتقييد الطلاق، ومنع الزواج بأكثر من واحدة، وإباحة الزواج بين النساء المسلمات والنصارى، أحد الذين روّجوا لحركة تحرير المرأة في البلاد الإسلامية وبخاصة مصر، فكذلك كان لنصارى تشاد الدور نفسه بوضع تلك المسودة ودعوتهم إلى هذا اللقاء!

وبعد هذا اللقاء الذي رُفِضَ فيه الاستماع إلى وجهة نظر المسلمين، اجتمع عدد من كوادر المسلمين فوضعوا مسودة لقانون الأحوال الشخصية مقتبس من الشريعة الإسلامية، وقدّموا هذا القانون إلى البرلمان التشادي لإقراره، وقدّم النصارى والعلمانيون القانون الآخر، ولحساسية الموقف تمّ إرجاء القانونين إلى وقت لاحق، وذلك في عام 2000 الميلادي.

وفي الأسابيع المنصرمة، أي بعد خمسة أعوام من تأجيل النظر في المدونتين، وخصوصاً في عيد ما يسمّى «يوم المرأة العالمي» طُرح القانون العلماني على الساحة التشادية مرة أخرى، وبجدية أكثر من ذي قبل، يقف وراءه ويسانده شخصيات مسؤولة في الدولة!

يُطرح هذا القانون وتشاد تواجه تحدّيات جمَّة في النواحي الاقتصادية، حيث مقدّرات البلد تُستنزف من قِبل أمريكا وشركائها، ومن الناحية السياسية حيث التخبط الواضح، وخصوصاً فيما يتعلق بإعادة العلاقات مع الكيان الصهيوني، ومجيء عدد من المستثمرين الصهاينة إلى البلاد، فقد كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت الصهيونية وجود اتصالات رسمية تمّ إجراؤها بين حكومتي الكيان الصهيوني وتشاد بهدف إعادة العلاقات الدبلوماسية، والتي انقطعت منذ السبعينيات من القرن الماضي.

وذكرت أن المدير العام لوزارة الخارجية الصهيونية (يوآف بيران)، قام بزيارة سرية لتشاد، وأجرى «بيران» لقاءات مع مسؤولين تشاديين كبار، وأفادت الصحيفة أنه سبق هذه الزيارة إجراء اتصالات سرية بين الدولتين، حيث تمّت مناقشة فتح قناة اتصال بين الجانبين، سيعلن في نهايتها الطرفان عن إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين، وتبع ذلك قيام وزير الخارجية التشادي (ناجوم ياماسوم) بزيارة سرية مماثلة إلى الكيان الصهيوني، ويتوقع البعض في تشاد أن زيارة وزير الخارجية الصهيوني (سلفان شالوم) إلى موريتانيا في الأيام المقبلة قد تعقبها أيضاً زيارة إلى تشاد أيضاً.

وكذلك؛ فإنّ تأثيرات الوضع المضطرب في إقليم دارفور بدأت تظهر في الوضع الداخلي لتشاد، وبخاصة الانفلات الأمني ما بين بعض المدن، وتدهور الأحوال المعيشية، وبتطبيق سياسة «التجويع»، أو «جوّع كلبك يتبعك».

يُضاف إلى هذه التحديات ازدياد حركة التنصير في المدن التي تُعَدّ من أكبر معاقل الدعوة الإسلامية في البلاد، وابتعاث بعض الكوادر في دورات يُطلق عليها «دورات تدريبية» إلى أمريكا، وكذلك ابتعاث عدد من النساء الريفيات، وخصوصاً من محافظة البحيرات (لاك تشاد) إلى دورات تنظّمها منظمة الأغذية العالمية (الفاو)، حيث ذهبت أكثر من ثلاثين امرأة في وفد كبير في شهر رمضان المبارك إلى روما! لأخذ دورة تدريبية في مجال الزراعة والرعي - حسب زعمهم -، وهي في الأصل دورات «لغسيل الأدمغة»، ولنشر الثقافة الغربية النصرانية، سواء كانت الكاثوليكية أو البروتستانتية.

وفي خضم كلّ هذه التحدّيات يجد المسلمون في تشاد مرة أخرى أنفسهم أمام خيارات صعبة، فالعلاقات مع الكيان اليهودي تمضي على خطىً حثيثة، وإن زُخْرِفَ ذلك بغطاء عضوية الجامعة العربية! كما أنَّ تأثيرات أزمة دارفور بدأت تظهر في الأفق التشادي بشكلٍ جلي، فالنخبة الحاكمة ترى أنه من أجل الحفاظ على مقاليد الحكم يجب التقارب مع أمريكا، وهذا التقارب لا بدّ أن يمرّ عبر بوابة الكيان الصهيوني، وعبر نشر الثقافة الأمريكية والقيم الأمريكية! لذا كان توقيت كلٍّ من بدء العلاقات مع الكيان الصهيوني وإعادة طرح مشروع قانون الأسرة متزامنين، وكأنّ هناك وعود أمريكية بمساعدة الطبقة الحاكمة؛ بتثبيت جذورها في الحكم، وتوفير الحماية اللازمة لها؛ مقابل البترول والثروات التشادية الأخرى، وبتطبيق كلّ ما ورد في المؤتمرات الخاصة بالأسرة عبر ما يسمّى «مدونة قانون الأسرة»، وبإعادة العلاقات مع الكيان الصهيوني.

لذا لم تكن غريبة تلك الزيارة التي قامت بها الملحقية الثقافية بالسفارة الأمريكية في «إنجمينا» مع وفد أمريكي جاء خصيصى إلى زيارة أهم معاقل الدعوة الإسلامية في البلاد، حيث كانت زيارتهم إلى مدينة «بحر الغزال» (300 كم من العاصمة)، في سلسلة زيارتهم لتلك المدن، حيث زاروا المدارس العربية الإسلامية، والمحكمة الشرعية، وكان محور أسئلتهم يدور حول المنهج الدراسي في هذه المدارس، وبخاصة القرآن الكريم والسنّة النبوية، والقدر الذي يُدَّرس منهما، وما الجهات الداعمة والمؤسّسة لهذه المدارس؟ وما تخصصات المدرسين والجامعات التي تخرجوا فيها؟ وما القانون المطبق في المحكمة الشرعية؟ وهل هناك إمكانية تطبيق قوانين المحاكم الوضعية في حالة استعصاء بعض الأحكام، أو أنّ هناك جهات أخرى مختصة بذلك، وما تلك الجهات؟ إلى غير ذلك من الأسئلة.

فهل هذه الزيارات لمعاقل الدعوة الإسلامية تنصب في إطار دراسة ردود الفعل من أبناء هذه المدن؟! وخصوصاً أنهم الآن يقودون حملة التوعية الإسلامية والدفاع عن اللغة العربية في البلاد، ويقفون ضد هذا التطبيع، وضد مدونة الأحوال الشخصية بقوة، علماً بأن الشرارة الأولى لثورة «فرولينا» الإسلامية اندلعت ضد فرنسا وعملائها من هذه المدن!

كلّ الحيثيات تدل على ذلك، ولذلك تحرك شباب الدعوة وأساتذة الجامعات لتوعية المجتمع التشادي بأخطار التطبيع مع الكيان الصهيوني وقانون الأسرة التشادي، وأن هذا كلّه تمهيد لأخطار ومصائب أكبر تأتي على الحرث والنسل في طول البلاد وعرضها، فبدؤوا بسلسلة من المحاضرات العامة في قاعة مسجد الملك فيصل في العاصمة «إنجمينا»، وعبر منابر المساجد، وعبر الإذاعات الخاصة والإذاعة القومية، وبتقديم البدائل لهذه المشاريع، وخصوصاً فيما يتعلق بقانون الأسرة، حيث قدّموا البديل المقتبس من الشريعة الإسلامية.

ومع هذا؛ فالحكومة لا تبالي كثيراً بكلّ هذه التحركات، وستمضي قدماً في هذا المشروع وفقاً للإملاءات الخارجية، وبخاصة الأمريكية، وإن أدى ذلك إلى تكميم الأفواه بالسجن أو القتل أو بإعطاء الامتيازات لأصحاب توجّه «الإسلام الأمريكي» في البلاد؛ بتقريبهم، وإبعاد كلّ من يعارض هذا القانون.

فعندما يقول نيكسون: «إنّ مفتاح السياسة الأمريكية يكمن في التعاون الاستراتيجي مع المسلمين التقدّميين فقط»[1]، فقد ظهر جلياً ذلك التعاون الآن في تشاد، وأصبح أكثر بروزاً في «قانون الأسرة».

ويؤكّد هذا الاتجاه أيضاً ما ورد في تقرير مؤسسة «راند» للأبحاث الأمريكية الأخير، بتشجيع مجموعات إسلامية موالية في الفكر والطرح للغرب تحت رداء الإسلام، حيث يقول التقرير: «إن المسلمين الليبراليين والمعتدلين لا يملكون شبكات فعّالة كالتي أنشأها المتطرفون، وعليه من الضروري إنشاء شبكة عالمية للمسلمين المعتدلين لنشر الرسائل المعتدلة في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ولتوفير الحماية للجماعات المعتدلة، وقد تكون هنالك حاجة لقيام الولايات المتحدة بمساعدة المعتدلين الذين يفتقرون إلى الموارد اللازمة لإنشاء هذه الشبكات بأنفسهم»[2].

ويظهر هذا في التوجّه الذي يقوده رئيس المجلس الأعلى الإسلامي في تشاد، من موافقته على هذا المشروع، وتبنّيه خطاً بالإمكان أن نطلق عليه حسب التعبير الأمريكي: «معتدلاً»، وحسب تعبير الدعاة المخلصين: «الإسلام الأمريكي»، فقد كان من أوائل الذين أيدّوا المشروع الجديد ذا التصور العلماني والغريب على المجتمع التشادي المسلم.

مع أن بريجنسكي (مستشار الأمن القومي الأمريكي) يقول: «إنّ المجتمع المنغمس في الشهوات لا يستطيع أن يسنّ قانوناً أخلاقياً للعالم، وإنّ أي حضارة لا تستطيع أن تقدّم قيادة أخلاقية سوف تتلاشى»، مع ذلك فإن هناك من يدعو إلى ما يسميه «القيم الأمريكية»! مع أنّ تشاد دولة إسلامية، وقامت على أراضيها ممالك إسلامية مشهورة، حكمت كثيراً من بقاع إفريقيا، واستمرت لسنين عديدة تنشر الإسلام وسط المجتمعات الوثنية، وما زال هذا الدور جلياً في كثير من الدول المجاورة، فهل يمكن أن تقبل «القيم الأمريكية» بهذه السهولة، وبهذه الإملاءات؟!

ولمقاومة هذه التحديات؛ يجب على المسلمين في تشاد، وفي غيرها، الاتحاد والاعتصام بحبل الله المتين، وعدم التفرق أو إعطاء الفرص للأعداء، والرجوع إلى الكتاب والسنّة في كلّ الأمور، وتسليط الأضواء على كلّ ما يحاك في البلد من تدبير خبيث، وربط المجتمع بقيمه وتاريخه المجيد الذي كان سببه الانتماء لهذا الدين ولهذه الشريعة الغرّاء، ?وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ? [البقرة : 120].

[1] الفرصة السانحة، لنيكسون، ص 136.

[2] موقع المسلم، مقالة محمد جمال عرفة حول تقرير المؤسسة، 18/3/1426هـ.