مداخل تحليل النزاعات وإدارتها: إفريقيا نموذجاً

  • 12 -10 - 2018
  • بوزيدي يحيى


بوزيدي يحيى

أستاذ العلوم السياسية- جامعة جيلالي ليابس (الجزائر).

إدريس علي

أستاذ العلوم السياسية- جامعة جيلالي ليابس (الجزائر).

يُعدّ «الصراع» ظاهرةً إنسانية متأصّلة، تشير في مدلولها إلى حالةٍ ينخرط فيها طرفان، أو مجموعتان فأكثر، في تعارضٍ واعٍ حول مصالح أو قيمٍ معيّنة. وقد دأبت أغلب الدراسات السياسية في محاولة فَهْم هذه الظاهرة وتفسيرها، وبرزت بذلك العديد من المدارس التي استطاعت تقديم تصورات ساهمت في تفسيرها، غير أنها عانت من بعض أوجه القصور في الإحاطة بأسبابها كليّاً.

ومع استمرار المحاولات التنظيرية؛ ظهرت مناهج حديثة سعت إلى استدراك المآخذ على النظريات السابقة، سواء جزئيّاً أو كليّاً، غير أنها لم تسلم هي الأخرى من المآخذ؛ كونها ركّزت في مجملها على تلك العلاقة الارتباطية بين الظاهرة ومتغيّرٍ رئيسٍ وحيد.

ويغلب على المحاولات التنظيرية في تفسير ظاهرة الصراع– سواء التقليدية منها أو الحديثة- كغيرها من الظواهر؛ انتماؤها إلى الفضاء المعرفي الغربي، والذي تأثّر بمنظومة القيم الثقافية من جهةٍ، وتجارب المجتمعات الغربية من جهةٍ أخرى، ومع وجود الكثير من التقاطعات بين الحالات؛ فإنّ ذلك لم يمنع من طرح معضلة «الخصوصية» في مدى قدرة تلك النماذج التنظيرية على تفسير الظاهرة في مجتمعاتٍ أخرى تختلف عنها.

تأتي القارة الإفريقية في مقدمة المناطق التي سعى الباحثون لدراستها؛ كونها من أكثر مناطق العالم التي تشهد نزاعات- سواء داخلية أو خارجية- مع تداخلٍ بينهما، وعلى الرغم من تشابه الأسباب التي تؤدي إلى تلك النزاعات مع أقاليم في قاراتٍ أخرى؛ فإنه تبقى للقارة بعض الخصوصيات التي تميزها– جزئيّاً على الأقل-، وذلك كنتيجةٍ للخبرات التاريخية، وخصائص الجغرافيا السياسية وما يترتب عنها من أبعادٍ جيوسياسية، وتركيبتها السوسيوثقافية، وطبيعة البناء السياسي (الدولتي وفوق الدولتي).

تأسيساً على ذلك؛ تطرح هذه الدراسةُ الإشكالية الآتية: إلى أيّ مدًى تستجيب «مداخل تحليل النزاعات» لخصوصية الواقع الإفريقي غير المستقر نسبيّاً؟ للإجابة عن هذه الإشكالية اعتمدت الدراسة على المحاور الآتية:

المحور الأول: المداخل التقليدية وتحليل النزاعات في إفريقيا:

ثمّة الكثيرُ من المداخل التي حاولت تفسير ظاهرة النزاعات، وهي تتقاطع فيما بينها نظراً لتداخل المتغيرات المتسببة في حدوثها. البعض من هذه المداخل عالجها من زاويةٍ كلية، والبعض الآخر ارتكز على جزئيةٍ واحدة لتفسيرها، وتتمثّل أهمّ المداخل التقليدية التي قدّمت أطروحةً متكاملةً في تحليل النزاعات في: الواقعية، والماركسية، والنسقية.

تأتي القارة الإفريقية في مقدمة المناطق التي سعى الباحثون لدراستها؛ كونها من أكثر مناطق العالم التي تشهد نزاعات- سواء داخلية أو خارجية- مع تداخلٍ بينهما

أولاً: المدخل الواقعي:

جاءت «الواقعية» نتاجاً لإخفاقات المدرسة «المثالية»[1]؛ التي أخفقت في تشخيص أسباب الحروب وتقديم حلولٍ لها[2]، على عكس الأطروحة الواقعية التي أثبتت قدرتها على التفسير مقارنةً بنظيرتها. وهي تنطلق (أي الواقعية) من فوضوية النظام الدولي وطابعه التنافسي، لذلك تحكمه الصراعات والتنافس بين وحداته. والأخيرة لا تهتمّ إلا بتحقيق وضمان أمنها وبقائها؛ عن طريق توسيع نطاق حيازاتها من القوة المادية، ودعم استقرارها المحلي، وتقوية بنيتها الداخلية، بصورة تضمن حماية نظامها السياسي واستقلالها وسيادتها الخارجية[3].

ويرى أنصار المدرسة أنه لا يوجد انسجامٌ أو توافقٌ جوهري في المصالح بين الدول، بل على العكس من ذلك توجد بينهم أهدافٌ قومية متضاربة ومتصارعة قد يؤدي بعضها إلى الحرب، وأنّ الذي يحدّد نتائج هذه الصراعات هو إمكانيات الدول وقدرة كلٍّ منها على التأثير في سلوك الدولة الأخرى[4]. ويرون أنّ أيّ دراسةٍ موضوعية للقضايا الدولية يجب أن تركز في علاقة القوة بين الدول[5].

والموضوعات الكبرى التي تهتمّ بها تتمحور حول الحروب والأحلاف الدولية، وسعي القوى الكبرى للهيمنة بكلّ الطرق، لذلك تميل إلى تغليب جانب الصراع في السياسة الدولية؛ إذ تبدو كما لو أنها عمليةٌ مستمرة من الصراع بين القوى الكبرى[6].

لا يمكن التقليل من أهمية المدرسة الواقعية في تفسير النزاعات- ومن بينها تلك التي تحصل في القارة الإفريقية-، ولعلّ مرحلة الاستعمار التي مرّت بها من أبرز الأدلة على ذلك، فقد تمّ تقسيم القارة بين القوى الاستعمارية ممثلةً في: أكبر مساحة لفرنسا تليها بريطانيا ثم ألمانيا وإيطاليا، وإسبانيا التي حصلت على أقلّ مساحة، إضافةً إلى سيطرة البرتغال على كلٍّ من أنغولا والموزمبيق[7]، أما بلجيكا فكان لها الكونغو الحرة[8].

عَكَسَ هذا التقسيمُ ميزانَ «القوى» في أوروبا، حيث كانت فرنسا وبريطانيا أكبرها، في حين كانت ألمانيا وإيطاليا تشهدان مرحلةَ صعودٍ بعد سلسلةٍ من الحروب أدت إلى استقلالهما عن الإمبراطورية النمساوية البلجيكية، بينما كانت البرتغال وإسبانيا في مرحلة تراجعٍ وأفول.

وتذهب بعض الآراء إلى تفسير نشوب الحرب العالمية الأولى على خلفية التنافس الاستعماري، فالحربان العالميتان كانتَا محاولةً من جانب القوى الأوروبية التي لم تكن تملك، أو لم يُترك لها إلا فتات مائدة الاستعمار، لكي ترث القوى الاستعمارية السابقة التي تملك[9].

عبّرت «الحرب الباردة» لاحقاً عن تحوّلٍ في القوة؛ بانتقالها من فرنسا وبريطانيا إلى الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وكان واضحاً الدَّور الكبير الذي مارسه القطبان في النزاعات الإفريقية؛ في محاولةٍ منهما للسيطرة وتقاسم النفوذ (على غرار ما حدث في: النزاع الإثيوبي، والحرب الأهلية الأنغولية[10]، وجنوب إفريقيا).

والأمرُ نفسه ينطبق على الفترة التي تلتها، حتى ما يجري حاليّاً من تنافسٍ على القارة بين القوى الدولية والإقليمية، وما يرافقه من تأجيجٍ للنزاعات سواء داخل الدول أو فيما بينها، لا يخرج عن تلك القاعدة، ومن الأمثلة الدالة على ذلك التنافس (الأمريكي - الفرنسي) في منطقة الساحل، والدَّور الذي تمارسه (إيران) في دعم جماعات شيعية في دولٍ مختلفة وبخاصّةٍ نيجيريا، والتأثير (الفرنسي) على الحرب الدائرة في إفريقيا الوسطى.

وما يعمّق من هذه الأدوار: الخصوصية الجيوبوليتيكية للقارة الإفريقية، التي تُعدّ فضاءً جيوسياسيّاً رخواً يسمح بتدفق فائضِ القوة بين الدول الكبرى التي تتنافس على النفوذ العالمي، ذلك أنّ جميع هذه القوى تنتمي للقارات الأخرى، فالولايات المتحدة القوة الأكبر في العالم من القارة الأمريكية، والصين من قارة آسيا، وروسيا تمتد بين القارتَيْن الأوروبية والآسيوية، إضافةً لبريطانيا وألمانيا وفرنسا التي تنتمي لأوروبا. هذه الخاصّية (وفق مُنظّري العلاقات الدولية، وبخاصّة الواقعيون منهم، ميّزت مرحلة ما بعد الحرب الباردة بالتنافس الاقتصادي أكثر من الأيديولوجي؛ على عكس الحرب الباردة) تجعل التنافس الدولي ينصبّ حول المصالح الاقتصادية، حيث الموارد الطبيعية التي تتوفر عليها المنطقة، والأسواق الواعدة لتصدير مختلف السلع وفي مقدمتها السلاح، ولتجسيد هذه الأهداف تتخذ من النزاعات أداةً، خاصّةً أنها أثبتت نجاعتها في العديد من المواقع[11].

ثانياً: المدخل الماركسي:

يتأسّس المدخل الماركسي على مفهوم الجدلية المادية، وينطلق من فكرة أنّ كلّ حقبة تاريخية تتضمن صراعاً اجتماعيّاً، يحركه نمط الإنتاج الذي يُفرز تمايزاً طبقيّاً، سِمَته الأساسية التنافس حول ملكية وسائل الإنتاج، وتستخدم الطبقة المسيطرة (البرجوازية) «الدولة» كأداةٍ لاستمرار هيمنتها؛ في مواجهة الطبقة الكادحة (البروليتاريا)، التي تميل بدَورها إلى الثورة لتغيير النظام من أجل تحقيق «عدالة اجتماعية» في توزيع الثروة، لا يمكن تجسيدها إلا من خلال نظامٍ سياسي تحكمه البروليتاريا، وصولاً إلى اندثار الدولة وحالة المشاع الأصلية.

يظهر من هذا متغيّر نمط الإنتاج الذي يُعدّ «متغيّراً ثابتاً» يتحكم في كلّ التفاعلات والعمليات، فضلاً عن المتغيرات الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، التي تبقى تابعةً له، فكلما تغيّر نمط الإنتاج تغيرت معه الطبقة الحاكمة؛ التي تساهم بدَورها في رسم ملامح الواقع السياسي والاقتصادي وفقاً لفلسفتها.

ويقرن الماركسيون الصراع بـ«الرأسمالية»، لكونها تسعى للسيطرة والهيمنة بانتهاج سياسات إمبريالية توسعية (المنهج الاقتصادي في تفسير الصراع لهوبسون)، على عكس حكم البروليتاريا التي تنتهج سياسات وطنية تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية.

عند إسقاط هذا التصور على النزاعات في إفريقيا؛ يثبت توصيفه لسياسات القوى الرأسمالية، سواء في الحقبة الاستعمارية أو ما بعدها، وكيف عملت طيلة قرون على نهب ثروات القارة، ولم تحد عن هذا الهدف، وكلّ ما فعلته هو تغيير الوسائل، وما تقوم به الشركات الكبرى التي تهيمن على القارة، والأدوار التي تمارسها في تأجيج النزاعات بالتعاون مع الدولة الأمّ وأجهزتها الاستخبارية، لا يمكن نفيه[12].

يغلب على المحاولات التنظيرية في تفسير ظاهرة الصراع– سواء التقليدية منها أو الحديثة- كغيرها من الظواهر؛ انتماؤها إلى الفضاء المعرفي الغربي

 وبالنسبة للنزاعات التي تحصل داخل الدول؛ فإنّ التصور الماركسي يرى بأنّ مرحلة ما بعد الاستقلال أفرزت- على سبيل المثال في دول غرب إفريقيا- أشكالاً جديدة من التقسيم الطبقي الاجتماعي، خلق صراعاً طبقيّاً وليداً بين فرق النخبة الجديدة وجماهير السكان، وبخاصّةٍ في مناطق الحضر[13].

ومع تطور الصراع بين جماهير الشعب والنخبة المتعلمة الثرية؛ يزداد فشل الوسائط (النقابات، والأحزاب السياسية) في توفير القنوات القادرة على التوصيل الجيد والصحيح لشكاوى الفقراء. والمسؤول عن هذا كلٌّ من قِيَم المجتمع التقليدي والأيديولوجيات التي صاغتها جماعات النخبة، في مقابل غياب الوعي الطبقي؛ حيث تبدو الروابط المهنية للعمال ضعيفة[14].

يعبّر الواقع أعلاه عن حال الدول التي تبنّت الاشتراكية، وفي مقدمتها الاتحاد السوفييتي، والتي استعملت أدوات الرأسمالية نفسها، فمشاركتها في النزاعات الإفريقية كانت سعياً منها لبسط النفوذ والهيمنة؛ وليس للدفاع أو حماية الشعوب الإفريقية.

وحتى الأنظمة السياسية الإفريقية الحديثة، التي اختار الكثير من قادتها الأسلوب الاشتراكي في الحكم وسياسة الحزب الواحد، ارتكبت جرائم لا تقلّ شناعةً عمّا قام به المستعمر الأوروبي، فقد لجأت الدولة الإفريقية (ما بعد الاستعمارية) إلى فرض الأيديولوجية التنموية التي تقوم على ترابط العمليتَيْن السياسية والاقتصادية، كما أنها احتفظت بالكثير من ملامح الفترة الاستعمارية، ولا سيما سياسات القمع والإكراه المادي[15]، وللحفاظ على سلطتها عمّقت الخلافات الإثنية، والأهمُّ من ذلك أنّ كلّ هذا كان يجري تحت حماية الاتحاد السوفييتي ودعمه.

ثالثاً: المدخل النسقي:

«النسق» هو إطارٌ تحليلي يشير إلى مجموع التفاعلات التي تؤثر في الظاهرة السياسية؛ انطلاقاً من الافتراض الذي يربط بين مجموعةٍ من العناصر ربطاً عضويّاً، فإذا حدث تغييرٌ في أيّ عنصرٍ يحصل تغيير في بقية العناصر، وعليه؛ فإنّ الظاهرة الصراعية- وفق المنظور النسقي- هي متغيرٌ تابع لمجموعة من المتغيرات المستقلة.

ويُعدّ «روس كنيس» من أبرز مُنظّريه؛ إذ ترتبط تطبيقات المدخل النسقي في فَهْم ظاهرة الصراعية بالإطار التحليلي الذي وضعه ويميّز فيه بين النُّظُم المستقرة وغير المستقرة، وتتحكم فيها جملةٌ من العوامل، صاغها في إطاره المفاهيمي الذي يجمع بين: المدخلات الاضطرارية (أسباب الصراع)، ومُنظِّم الحركة (المؤسسات الدولية والإقليمية والمحلية)، والقيود البيئية (تأثير وضغط الرأي العام الداخلي والخارجي، والاستجابات النهائية التي تصدر عن النظام ويحدّد بها موقفه من كلّ تلك المتغيرات)[16]. والصراع هو المحصلة النهائية لشكل العلاقة الموجودة بين المدخلات الاضطرارية وباقي مكونات النسق؛ فكلما كانت أقوى من مُنظِّم الحركة والقيود البيئية كان النسق غير مستقر.

يمكن تصنيف القارة الإفريقية- باعتبارها نسقاً فرعيّاً للنظام الدولي– ضمن النُّظُم غير المستقرة، وذلك للعدد الكبير من النزاعات الداخلية والخارجية التي تعرفها[17]، ووفق المنظور النسقي؛ يعود سبب ذلك إلى زيادة حجم أسباب الصراع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مقابل هشاشة المؤسسات التشريعية والقضائية، وعدم قيامها بالوظائف المنوطة بها دستوريّاً؛ بحيث أنها أصبحت أداةً طبيعية يستخدمها النظام الحاكم للحصول على الدعم والتأييد السياسي[18]، ناهيك عن الأداء الضعيف للمؤسسات الإقليمية لهشاشتها، وفي مقدمتها الاتحاد الإفريقي، والذي يُعزى ضعفه إلى ضعف الوحدات السياسية التي يتألف منها، وعدم قدرتها أو توظيفها للمعطيات الواقعية التي تميّز دول القارة؛ على غرار: التعدد الثقافي والإثني، التبعية الاقتصادية، وغياب التنمية بأبعادها كافّة، وكلّ المظاهر المتصلة بمأزق الدولة الوطنية في إفريقيا، ومن بينها التغييب شبه التامّ للمجتمعات نتيجة الطابع التسلّطي لجلّ النُّظُم، وهيمنة نمط الثقافة السياسية الرعائية والخاضعة على النظام الاجتماعي الكلّي، ما يؤدي إلى افتقار تلك الشعوب لفكرة «التشاركية» التي من شأنها أن تصنع رأياً عامّاً يتسم بالعقلانية والتأثير.

وعلى الرغم من تزايد الاهتمام بقضايا حقوق الإنسان دوليّاً، والدَّور الذي يؤديه الرأي العام العالمي في هذا الإطار، فإنه يبقى خاضعاً في توجيه تفاعلاته مع النزاعات بدرجة اهتمام وسائل الإعلام الدولية بها، والتي تخضع جلّها لحساباتٍ سياسية واقتصادية تؤطرها القوى الكبرى، لذلك يبقى تأثيره محدوداً جدّاً في الحدّ من النزاعات الإفريقية.

وتجدر الاشارة في هذا السياق إلى: أنّ الواقع الإفريقي غير المستقر- وفقاً لهذا التحليل- من شأنه أن يفتح المجال أمام مدخلاتٍ اضطرارية أخرى واردة من البيئة الخارجية، الأمر الذي يسمح بولوج القوى الدولية المؤثرة في الساحة الإفريقية تجسيداً لفكرة الإقليمية الجديدة، ومن ثَمّ فإنّ التعامل مع الظاهرة الصراعية في هذا المجال الجغرافي بمنطق الإدارة العقلانية المؤدية إلى تحجيم أسباب الصراع يصبح صعباً، وقد يفرز واقعاً آخر أكثر استعصاءً؛ من أبرز مظاهره: الفشل المؤسساتي وتفكّك الدولة (على غرار ما حصل في السودان والصومال).

المحور الثاني: المداخل الجديدة وتحليل النزاعات في إفريقيا:

موجة التنظير التالية لم تعن القطيعة مع المداخل السابقة، وإنما راكمت عليها، كما أنّ المناهج التقليدية طوّرت مفاهيمها من خلال استدراك الانتقادات التي وُجّهت لها من جهةٍ، ومواكبة التحولات الحاصلة على مستوى النظام الدولي بشكلٍ عامٍّ وإفريقيا بشكلٍ خاصٍّ عقب نهاية الحرب الباردة من جهةٍ ثانية، وتتقاطع جلّها في مراجعة «وحدة التحليل»، واستبدالها «الدولة» بـ«الفواعل» (تحت دولتية وفوق دولتية)، إضافةً إلى تجليات العولمة. 

أولاً: مدخل الواقعية الجديدة (الإثنواقعي):

عملت «الواقعية» على تجاوز الانتقادات التي وُجّهت لها، وتحديداً تركيزها على «الدولة» كفاعلٍ وحيد في العلاقات الدولية، والتركيز فيما يحصل على مستوى النظام الدولي، وقد تمخّض عن النقاش بروز «الواقعية الجديدة»[19].

ومع نهاية الحرب الباردة؛ واجه المُنظِّرون الواقعيون الجدد- بإلحاحٍ متزايد- أزمة التكيّف مع التحوّل الذي مسّ طبيعة النزاعات الدولية، حيث إنها تحوّلت من نزاعاتٍ بين الدول إلى نزاعاتٍ داخل الدول، أي أنّ (الفواعل/ الأطراف) في النوع الثاني ليست الدول، وكاستجابةٍ لهذه الأزمة؛ قام Barry Posen بنقل مقاربة المعضلة الأمنية لـ Waltz؛ من مستوى التحليل الدولي إلى مستوى التحليل الوطني/ داخل الدول، فعندما تبدأ الدول (متعددة الإثنيات) في الانهيار؛ تجد المجموعات الوطنية نفسها مجبرةً على تحصيل أمنها الخاصّ بها، كلّ واحدةٍ على حِدَة، وذلك في غياب سلطةٍ مركزية فعّالة تتولى هذه المَهمّة، وبذلك تصبح هذه المجموعات في وضعية اعتمادٍ على النفس؛ شبيهة إلى حدٍّ كبير بتلك التي تميّز الدول في النظام الدولي[20].

نظراً للتنوع الإثني الكبير الذي تعرفه القارة الإفريقية، وغيره من البنى تحت دولتية (على غرار القبيلة والطائفة، والتداخل بينها)[21]، وارتباط الكثير من النزاعات بهذا البعد (على غرار ما يجري في البحيرات الكبرى بين الهوتو والتوتسي، وفي القرن الإفريقي، وغرب إفريقيا، وغيرها من المناطق)؛ فقد مثّلت الصراعات والحروب الأهلية أهمّ التفاعلات (الإفريقية - الإفريقية) في أعقاب الحرب الباردة، فخلال المدة من (1990م إلى أبريل 1997م) اندلعت في إفريقيا أكثر من 30 حرباً، كان معظمها داخليّاً، وفي العام 1996م وحده نُكبت 14 دولة إفريقية بنزاعاتٍ داخلية مسلحة، ناجمةٍ عن عوامل عديدة، في مقدمتها العوامل الإثنية[22].

وقد ساهمت الحدود الموروثة عن الاستعمار في تأجيج هذا النوع من الحروب؛ كونها قسّمت الجماعات العِرقية بين دولتَيْن أو أكثر، مما أدى إلى وجود جماعاتٍ عرقيةٍ ذات تاريخٍ من العداء والصراع داخل حدودٍ إقليمية واحدة؛ وهو الأمر الذي شجّع على تزايد حدّة الصراعات العِرقية في كثيرٍ من المواقف. وقبلها شجّع الاستعمار الأوروبي المشاعر العِرقية بين الأفارقة، وجرى التأكيد على الاختلافات بين الجماعات العِرقية، ولم يكشف أيّ شيء عن أوجه التشابه؛ بغيةَ صرف الانتباه عن الاستغلال الاستعماري[23].

يؤكد التوصيف أعلاه: أنّ الإطار التفسيري الذي جاءت به «الواقعية الجديدة» يمثّل إضافةً نوعية للحقل المعرفي للنزاعات، وتأكيداً لقدرة المدرسة الواقعية عموماً على تفسير الظاهرة؛ حيث جعلت من الجماعات الإثنية داخل الدولة «وحدات مغلقة»، تسعى لحماية أمنها واستمرارها، وتحصيل أكبر قدرٍ من عناصر القوة؛ في مواجهة بقية الجماعات الإثنية المتصارعة. غير أنها أغفلت «العامل التاريخي» ودَوره في تشكيل البناء السوسيوثقافي الراهن، الذي تجاوز في بعض الحالات الإفريقية مشكلات التعدد الإثني والهُوِيَّاتي؛ عبر استراتيجياتٍ أكثر قدرةً على تحقيق الاندماج والتعايش بين مختلف مكوّنات المجتمع في الدولة الواحدة.

ثانياً: مدخل إدارة الصراعات الإثنية:

تشير عددٌ من الدراسات إلى اهتمامٍ كبير بمفهوم «الإثنية» في إفريقيا؛ بوصفه مظهراً من مظاهر الجماعات المجزأة القائمة على أساس الروابط العِرقية والطائفية والقبلية، إذ تُعدّ تلك الروابط متغيّراً متحكِّماً في استقرار النُّظُم والدول التي قامت على أنقاضها، وتجدر الإشارة إلى أنّ طُرق إدارة الصراعات المتولدة عنها تتسم بالتعدد والتنوع، وهو ما حدَا بالدكتور حمدي عبد الرحمن حسن إلى تجميع تلك الطُّرق؛ بوصفها مدخلاً أساسيّاً يتوزع على أربعة مداخل فرعية[24]:

1- التدخل الخارجي: ثمّة تطوراتٌ نظرية تضمّنتها الأدبيات الخاصّة بالحالة الإفريقية، لعلّ أبرزها الإشارة إلى الارتباط بين نمط الإدارة ومتغيرات البيئة الدولية، فقد كانت الأنظمة السياسية في إفريقيا تتعامل مع الظاهرة بشكلٍ يفتقر إلى العقلانية القائمة على محورية حقوق الإنسان والأفراد والجماعات، وهو ما أدى إلى اتساع نطاق الإدارة من حيث الأطراف؛ في إشارةٍ إلى دَور المؤسسات الدولية التي تنطلق في رؤيتها ووظيفتها من ثلاث قضايا محورية؛ تربط أولاها بين الصراع الإثني ومستقبل الدولة، وفي الوقت نفسه بين الظاهرة والأمن الإقليمي والدولي. في حين تركز الثانية على الأبعاد المتداخلة للهُوِيَّة الإفريقية تأكيداً لخصوصيتها. أما الثالثة فقد تبنّت منطقاً عمليّا،ً يربط بين حقيقة المشكلات الواقعية المترتبة عن عملية التدخل بقصد التسوية أو الحلّ؛  وبين الآليات والمهارات الاتصالية لتحقيق السلام.

2- علاقة الدولة بالمجتمع: اتساقاً مع التضاريس الاجتماعية الإفريقية؛ فإنّ الإدارة السليمة للصراع الإثني تتطلب توظيف مداخل أخرى مساعدة على تشخيص وصياغة خطط ملائمة لتسوية تلك الصراعات، ومنها علاقة الدولة بالمجتمع، الذي عبّر عنه «نموذج دونالد روتشيلد» الذي وصّف العلاقة بين الطرفَيْن في إفريقيا، وميّز بين نمطَيْن من الصراعات الإثنية؛ أحدهما: يمكن إدارته في إطار العلاقة المتوازنة بينهما، في حين أنّ الآخر ينجم عن انهيار ذلك التوازن، ما يحتّم السماح بدَور الوساطة من قِبَل طرفٍ ثالث يملك القدرة على إعادة التوازن.

3- تقاسم السلطة: يعكس هذا الاقتراب توجّهاً جديداً في إدارة الصراع الإثني، يقوم على فكرة تقاسم السلطة بوصفها استراتيجيةً بديلة لإدارة الصراعات في المجتمعات المتعددة إثنيّاً، تسمح بالمحافظة على الوحدة الإقليمية، وفي الوقت نفسه تشكّل نافذةً نحو التغيير السياسي. ومن أبرز توجيهات هذا المدخل: ضرورة الارتكاز على البناء الفيدرالي في الحكم، سواء على أساسٍ إقليمي (كما هو الحال في نيجيريا وإثيوبيا)، أو على أساسٍ ثقافي (حالة الهوتو والتوتسي).

4- التحول الديمقراطي: يُنظر إلى هذا المدخل من زاوية تأثيره على التعدد الإثني المفضي إلى الصراع. ومن بين المحاولات الأمبريقية التي تناولت هذه العلاقة دراسة «ازريك كاي سميث»، الذي توصل إلى أنّ مواقف الانتقال من الحكم التسلّطي تؤدي إلى زيادة الحريات المدنية (الليبرالية السياسية)، لكن الأستاذ حمدي عبد الرحمن يستدرك على هذه النتيجة بإسقاطها على أدبيات التحوّل الديمقراطي في إفريقيا.   

ثالثاً: مدخل العولمة:

أحدثت العولمة ثورةً في مختلف المجالات الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية، والتكنولوجية، من أبرز مؤشراتها[25]:

1- تدفق البضائع والاستثمارات عبر الحدود.

2- العمليات عبر القومية في المداولة السياسية وصنع القرارات السياسية.

3- الاعتمادات المتبادلة بين الدول.

4- تطوّر منظومةٍ عالمية لا يقتصر مسارها الديناميكي والتنموي على المنتج البسيط للوحدات (الدول) التي تشكّلها.

5- توالد المشكلات التي تحتاج إلى حلول عولمية.

6- تطوّر مؤسسات توكل إليها مسؤولية جوهرية في تصميم سياسة عامّة عولمية. 

بغضّ النظر عن الجدل حول المدى الذي وصلت إليه العولمة؛ فإنّ ذلك لا ينفي أنّ التغيرات الطارئة عنها أثّرت في المجال السياسي، وبشكلٍ خاصٍّ سيادة الدول، مما حدَا بالبعض للحديث عن: نهاية الجغرافيا والحدود السياسية- حتى الدولة- أمامَ تزايد أدوار المنظمات الدولية التي باتت تزاحم سلطة الدولة، كما تضاعفت التهديدات الأمنية، وظهرت أنماطٌ جديدة منها، كالتغيّر المناخي والأوبئة العولمية، وبذلك عقّدت الجيوسياسية أكثر مما ألغتها؛ بإدخال عوامل جديدة إلى جانب الدول/الأمم في لعبة مزاحمات السيطرة على المساحة، والتسبب بظهور الأقاليم التي لم تعد وطنيةً فقط، بل كذلك فوق الوطنية، حيث تفعل هذه المزاحمات. كما صار يجري الحديث عن «الجيو- اقتصاد» و «الجيو- ثقافة»، بوصفهما جزأَيْن جديدَيْن ومتكاملَيْن مع الجيوسياسية المعاصرة[26].

 وبات الإشكال العملي- المطروح بهذا الصدد- ينطوي على ثنائية التشخيص والقدرة على التكيّف، خاصّةً عندما يتعلق الأمر بالنُّظُم الفرعية للنسق الدولي والوحدات السياسة التي يتألف منها، وبشكلٍ أدقّ في المناطق التي تشهد منذ عقودٍ سابقة لهذا التحوّل الكبير إرباكاً دولتيّاً واستعصاءً إقليميًاً وانكشافاً عالميّاً، إذ تُعدّ إفريقيا نموذجاً معبّراً عن ذلك التوصيف الذي يجمع بين المشكلات الداخلية والاختراق الدولي والضعف الإقليمي، وقد يندرج هذا أو ذاك ضمن تشخيص الظاهرة الصراعية في إفريقيا وفقاً للمداخل التفسيرية السابقة.

بيد أنّ التغيير على مستوى بنية المنتظم الدولي طرَحَ تصورات نظرية جديدة؛ لا تُغفل العوامل الداخلية لكنها تصلها بمتغيرات العولمة بأبعادها كافّة، إذ يعتقد مُنظِّرو العولمة- في هذا السياق- أنّ هناك ارتباطاً بين العوامل الإثنية والسياسية والاقتصادية من جهة، وبين المخرجات السياسية والثقافية والاقتصادية للعولمة، حيث أضحى من غير المقبول على الصعيد الاقتصادي تبنّي نموذجٍ مخالف لرأسمالية السوق. ومن الناحية الثقافية والسياسية؛ أصبح التركيز على محورية حقوق الإنسان باعتبارها المنطلق والمنتهى في الفعل السياسي والثقافي، لتتراجع بذلك فكرتَا الخصوصية الثقافية والسيادة الوطنية، وتأسيساً على ذلك؛ أدت تلك المتغيرات الداخلية والخارجية مجتمعةً إلى إضعاف مؤسسة الدولة الوطنية، وتآكل شرعيتها، وانتفاء فعاليتها في مواجهة مجمل التحديات، وفي مقدمتها الاستقرار السياسي والاجتماعي، حيث تظهر في النزاعات جلّ تأثيرات العولمة، بدايةً من عدم قدرة الدولة على إثبات سيادتها وسيطرتها، والدَّور الخارجي الذي قد يفرض عليها انتهاج سياسات محددة؛ وإن اقتضى ذلك استخدام القوة تحت عنوان «حقوق الإنسان» و «الأمن الإنساني» وغيرها من المسميات، هذه الضغوطات الواردة من البيئة الخارجية تنتج حالةً أكثر إرباكاً، تُقلّص من قدرات الدول، وهو ما يؤثر بالضرورة على قيامها بوظائفها، الأمر الذي بإمكانه أن يضاعف من حجم المشكلات ذات الطابع الأمني، فضلاً عن المشكلات الاقتصادية والسياسية التي تسمح بتضاؤل تأثير الدول الأقلّ نموّاً أمام أدوات العولمة، ما يؤدي إلى استمرار الظاهرة الصراعية في تلك الدول امتداداً للعوامل التقليدية، كما يمكن أن يؤدي إلى تطورها (حجماً - نوعاً - درجة) نتيجةً للتغييرات الكبرى للمنتظم الدولي.

تتجلى مختلف مظاهر العولمة في القارة الإفريقية ونزاعاتها التي تزايدت حدتها بفعل العوامل المشار إليها أعلاه، حيث أدت العولمة إلى تراجع سلطة الدولة المركزية في إفريقيا، ولا سيما السيطرة على أدوات القهر المادي في المجتمع. في الوقت نفسه تمثّلت ملامح الاستجابة السياسية لتأثيرات العولمة في ظهور حركاتٍ وتنظيمات إثنية ودينية تتحدى سلطة الدولة الإفريقية، سواء على المستوى القومي أو المحلي[27].

وإمعان النظر في الاتجاهات الراهنة لعملية العولمة يشير إلى: أنّ هناك جوانب عديدة لهذه الظاهرة ليست في صالح الدول النامية الفقيرة، ومنها الدول الإفريقية، ومن أبرز هذه الجوانب: اتجاه رأس المال والتكنولوجيا والعمالة الماهرة إلى التركز في الأقاليم الأكثر تقدّماً، كما أدى تحرير التجارة المصاحب للعولمة إلى تعريض الصناعات في الدول النامية الفقيرة- وبخاصّةٍ الدول الإفريقية- لمنافسةٍ شديدة من جانب السلع المستوردة، هذا الاتجاه من شأنه أن يدمّر القطاع الصناعي الناشئ في هذه الدول، ويحمّلها تكاليف اجتماعية باهظة في صورة: بطالة متزايدة وتدهور لمستويات المعيشة للطبقات العاملة.

استمرار النزاعات في القارة الإفريقية- على الرغم من كلّ هذه المحاولات التنظيرية- يؤكد القصور الذي تعاني منه تلك المداخل، ولكنه لا ينفي في الوقت نفسه إسهاماتها الكبيرة في فهمها

ومحاولة الاندماج في الاقتصاد العالمي، بغرض الاستفادة من مزاياه وتجنّب مخاطره، ليست بالأمر السهل أو اليسير[28].

فثقافيّاً: تعرّضت البلدان الإفريقية بشكلٍ كبيرٍ وسريع لفقدان الهُوِيَّة الثقافية، وفي كثيرٍ من الأحيان تساهم هذه الهيمنة الثقافية في عرقلة العملية التنموية داخليّاً؛ بشكلٍ يحمل على الاعتقاد أنّ الحمولة الثقافية الغربية أثّرت بشكلٍ عميق في النُّخب والجماهير على حدّ السواء.

وفي الشقّ الأمني: شجّعت العولمة في إفريقيا إلى حدٍّ كبيرٍ نشاطات الجريمة المنظّمة، والهجرة غير الشرعية التي انتشرت مع التبشير بقِيَم العولمة، حيث يتطلع الشباب الإفريقي إلى مستوياتٍ معيشية أفضل، تأثّراً بالمظاهر الثقافية في بلدان الشمال، مع الغزو الثقافي والإعلامي، وفي ظلّ غياب التنمية، وضعف أداء الحكومات الإفريقية. فضلاً عن أنّ الهروب من التهديد قد حلّ الآن محلّ البحث عن فرصٍ أفضل في العيش الكريم، كدافعٍ للهجرة الدولية، بسبب مشكلات الفقر، وتغيّر المناخ، وارتفاع مستويات العنف الأهلي في الدول الإفريقية الأكثر فقراً[29].

الخلاصة:

يرتبط تفسير الظاهرة الصراعية بعوامل (تاريخية، سوسيولوجية، اقتصادية، ثقافية، سيكولوجية، سياسية)، ويظهر من تتبع أبرز المداخل النظرية التي حلّلتْها، ومن  إسقاطها على القارة الإفريقية، أنّ كلّ مدخلٍ غطَّى جوانب مهمّة من الظاهرة، وتضاءلت قدرته التفسيرية في جوانب أخرى، وقد دفع ذلك كلّ إطارٍ نظري إلى محاولة تجنّب مكامن القصور فيه، بالمراكمة أحياناً والقطيعة أحياناً أخرى؛ خاصّةً فيما بين المداخل.

تعتبر القوة والمصلحة من المفاهيم الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها في تفسير أسباب النزاعات- سواء الداخلية أو الخارجية-، وهذا ما يُحسب للمدرسة الواقعية، التي تكيّفت مع التحولات وقدّمت رؤيةً شاملة للصراعات فيما بين الدول وداخلها. ولكن هذا المدخل من ناحيةٍ ثانية يدفع- سواء بنسخته القديمة أو الجديدة- نحو حتمية الصراع؛ ما يعني الاستسلام له وعدم التطلع لعلاقةٍ خارج هذا الإطار بين مختلف مجتمعات ودول القارة الإفريقية على غرار المجتمعات الأخرى.

 ويبدو من خلال استقراء المحاورة بين المنظورَيْن (الواقعي والماركسي): أنّ الأول أقرب إلى فَهْم الظاهرة الصراعية وأشدّ صدقية؛ كون أنّ التحليل الثاني- الذي يقوم على نقد الرأسمالية باعتبارها الوجه الآخر للإمبريالية- انتهى في تطبيق أفكاره عبر السلوكيات الدولية للاتحاد السوفييتي إلى أنّ هذا الأخير كان- من خلال الشواهد التاريخية- يسعى دوماً إلى كسب القوة وتعزيزها، والسعي إلى الاستحواذ على المجالات الحيوية، وإلحاق النخب الوطنية في دول العالم الثالث– والإفريقية من بينها- بمشروعه الشمولي. وعلى المستوى الداخلي كان مفهوم «الطبقة» أكثر قصوراً في تفسير النزاعات، وخصوصاً أنّ التركيبة الاجتماعية الإفريقية المتنوعة والمتداخلة أكبر كثيراً من حصرها في المفهوم الطبقي، إضافةً إلى أنّ البنى الاجتماعية الإفريقية- وتبعاً لنمط الإنتاج البدائي- تتميز بغلبة الطابع القبلي والإثني في مواجهة متغيّر الطبقة.

أما المنهج النسقي؛ فبالرغم من توضيحه لأحد أبعاد الظاهرة الصراعية؛ بالتأكيد على أنّ تفسير حالة عدم الاستقرار هو انعكاس للاختلال في عمل النسق الناتج عن تضاؤل كلٍّ من قدرة مُنظِّم الحركة وأثر القيود البيئية في مواجهة حجم المدخلات الاضطرارية[30]؛ فإنه يبقى نموذجاً يتسم بقدرٍ من العمومية، ولم يوضّح بشكلٍ كافٍ آليات عمل كلّ الفواعل ودرجة تأثيرها في النزاعات، فقد تشترك بعض دول القارة في وصفها بغير المستقرة، إلا أنه ليس بالضرورة أن تتقاطع دوماً العوامل نفسها في إنتاج تلك الأوضاع، ذلك أنّ تفسير الواقع الحالي يمكن أن يعتمد على المنهج التاريخي مثلاً، أي الارتباط بين الصراعات في إفريقيا والظاهرة الاستعمارية ومخلفاتها، وبالتالي فإنّ إنتاج دراسة راقية في هذا المجال تتطلب ضرورة التأكيد على فكرة وجود اختلافٍ في مسببات وطبيعة كلّ صراع، أي أنّ عوامله في إفريقيا السوداء مثلاً ليست نفسها في شمال إفريقيا، وأسباب الصراع في منطقة الساحل وفي مالي تحديداً ليست متطابقةً مع أسباب النزاع الصحراوي، كما أنّ النزاع حول إحدى القدرات الحيوية- مثل المياه (دول حوض النيل)- يختلف عن الصراع الإثني في أكثر من دولة إفريقية ومنها نيجيريا.

إنّ الحديث هنا عن الاختلاف يعكس حقيقة رفض تلك الصورة النمطية، وخطأَ التعميم القائم على الأفكار المسبقة، وتغييب منهجية البحث الموضوعي الذي يركز على كلّ حالةٍ على حِدَة بالرغم من الاعتراف بوجود نقاط تقاطع، فليست كلّ الصراعات في إفريقيا مرتبطةً بالعامل السوسيوثقافي أو العامل الخارجي، ففي حالة السودان تُجمع أغلب التحليلات على أثر هذَيْن العاملَيْن، وهما موجودان في حالاتٍ مماثلة، لكن الاختلاف الذي قد يفرض نفسه هو شكل «إدارة الصراع السياسي» داخل كلّ وحدة، ما يعني أنّ المتغير التفسيري الذي يقرّر التباين بين الحالات يتمّ اكتشافه من خلال الدراسة.

بعد الحرب الباردة؛ جاءت مناهج أخرى استقرأت الظاهرة من خلال التطورات التي طرأت على النظام الدولي والمجتمعات الإنسانية، والتي اُصطلِح عليها بـ«العولمة»، والتي أفرزت العديد من المظاهر؛ جعلت منها مدخلاً مهمّاً في تفسير أسباب تزايد النزاعات، لكنها لم ترتق إلى مستوى المداخل الأخرى، كما نجم عن الاهتمام الدولي الكبير بالظاهرة (النزاعات) إلى اشتغال العديد من المؤسسات بها للتخفيف من حدّتها أو حلّها، وقد استدعى ذلك إنجاز العديد من الدراسات لفهمها وتقديم حلولٍ عملية، في هذا السياق؛ ظهر مدخل «إدارة الصراعات»، الذي استعان هو الآخر- عند تطبيقه على القارة الإفريقية- بمداخل أخرى لفهمها والحدّ منها على حدٍّ سواء.

استمرار النزاعات في القارة الإفريقية- على الرغم من كلّ هذه المحاولات التنظيرية- يؤكد القصور الذي تعاني منه تلك المداخل، ولكنه لا ينفي في الوقت نفسه إسهاماتها الكبيرة في فهمها، مع العلم أنه لا يُتصوّر خلو أيّ مجتمعٍ بشري من الظاهرة نهائيّاً وتحقيق التجانس في المصالح- وفقاً للتحليل الطوباوي-.

وستتواصل محاولات فهمها والحدّ منها، ومن ذلك الطرح الجديد الذي يحاول الخروج من المأزق التنظيري بتصوّرٍ؛ يفترض أنّ الإحاطة بأبعاد الظاهرة المعقدة يفرض المنطق الذي طرحته «النظرية السياسية المركبة»، والذي يدعو إلى توظيف نتائج و/أو فرضيات جلّ مناهج تحليل الصراع؛ كون أنّ الظاهرة تتداخل أسبابُها وإن وجد عاملٌ رئيسي متحكّم في حدوثها.

وقد هدفت هذه النظرية إلى استدراك المآخذ على المداخل القديمة والحديثة، ومحاولة التوفيق بينها في إطارٍ مركّبٍ من خلال ثلاثة مستويات للتحليل، وهي: (مستوى الإنسان (الفرد)، الدولة، النظام الدولي)، وهذه المستويات تمثّل دوائر متداخلة ومترابطة، وكلٌّ منها يحيل بشكلٍ أو آخر لمداخل نظرية جزئية.

فمستوى (الفرد): يعبّر عن المداخل السيكولوجية لصانعي القرار وغيره من الفاعلين السياسيّين بما في ذلك أفراد المجتمع؛ كما تشير نظرية الدافع العدواني والنظرية التلقينية.

ومستوى (الدولة): يشير إلى المداخل التي تركز على الدول، وفي مقدمتها الواقعية بمختلف تفرعاتها، ومنهج التحليل الاقتصادي.

ومستوى (النظام الدولي): يحيل إلى ما يحصل فيما بين الدول من تفاعلاتٍ إضافةً إلى المؤسسات الدولية والإقليمية التي تركز عليها بشكلٍ أكبر نظرية «الاعتماد المتبادل»؛ التي تبحث في الحلول من خلال تعظيم المصالح كآليةٍ مستحدثة لتحجيم الظاهرة الصراعية. دون إغفال ما يجري من تفاعلاتٍ بين المستويات الثلاثة من عملياتٍ تشرح العلاقة الارتباطية بينها؛ لتؤدي في النهاية إلى إلمامٍ بمختلف المتغيرات المتصلة بإنتاج النزاع، مع الأخذ بعين الاعتبار المتغير الرئيسي المستقل المتحكّم في حدوثه، والانتقال من مستوى إلى آخر بغية الاقتراب من الواقع؛ استناداً إلى وسائط نظرية ذات قدرة تفسيرية.

[1] دخلت نظريتا (الواقعية، والمثالية)- اللتان كانتا سائدتين بعد الحرب العالمية الأولى- في حوار وجدال حول أفضليتهما في فهم وتفسير الواقع الدولي الجديد المتولد من نتائج الحرب من جهة، ومناقشة موضوع الحرب واحتمالات تكرارها والسبل الكفيلة بعدم حدوثها مرةً أخرى من جهةٍ ثانية، واستمرت هذه الحوارات في فترة ما بين الحربين لمدة عشرين عاماً (1919م إلى 1939م)، ولم يحسمها إلا قيام الحرب العالمية الثانية التي أيدت أفضلية فرضيات النظرية الواقعية في تفسير ذلك الواقع، بغضّ النظر عن قبوله أو رفضه من حيث المبدأ. لتفاصيل أكثر ينظر: أنور محمد فرج، نظرية الواقعية في العلاقات الدولية: دراسة نقدية مقارنة في ضوء النظريات المعاصرة، السليمانية: مركز كردستان للدراسات الاستراتيجية، ط1، 2007م، ص06.

[2] تمحورت الفكرة «الليبرالية» حينها حول القيم الأخلاقية النبيلة للشعوب، فقد ارتكزت النزعة الليبرالية الأولى على فكرة: أنّ الشعوب تريد السلام، ولم تدعم الحرب مطلقاً التي كان سببها الأنظمة الفردية، ومن ثمَّ فإنّ الحلّ يكمن في تعزيز الديمقراطية التي تكفل مشاركةً شعبيةً كبيرة تمنع الحكم الفردي الذي يتخذ قرارات الحرب بالرغم من عدم موافقة الشعب عليها، هذا التصور اصطدم في ثلاثينيات القرن العشرين بواقعٍ دحضه، ممثَّلاً في التجربتَيْن النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا، اللتين حتى إن تجاوزتا الآليات الديمقراطية في مرحلةٍ تالية؛ إلا أنهما في بدايتهما- وبشكلٍ عام- كانتا تستندان على قاعدةٍ شعبية كبيرة تدعمهما حتى بداية الحرب، إذ استطاعتَا تعبئة الشعب لصالح طرحهما. وقد كان شعار النزعة الدولية الليبرالية هو: «القانون لا الحرب»، غير أنه اتضح مع تعاقب سنوات عقد الثلاثينيات أنّ الطريقة الوحيدة لحفظ «القانون» هي من خلال «الحرب». لتفاصيل أكثر ينظر: كريس براون، فهم العلاقات الدولية، (ترجمة مركز الخليج للأبحاث)، دبي: مركز الخليج للأبحاث، ط1، 2004م، ص30.

[3] أحمد محمد أبو زيد، نظرية العلاقات الدولية: عرض تحليلي، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 36، خريف 2012م، ص49.

[4] ودودة بدران، دراسة العلاقات الدولية في الأدبيات الغربية، في نادية مصطفى وآخرين، المقدمة العامة لمشروع العلاقات الدولية في الإسلام، القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 1996م، ص84.

[5] جوانيتا إلياس وبيتر سيتش، أساسيات العلاقات الدولية، (ترجمة: محيي الدين حيدي)، دمشق: دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 2016م، ص64.

[6] محمد سيد سليم، تطور السياسة الدولية في القرنين التاسع عشر والعشرين، القاهرة: دار الفجر للنشر والتوزيع، ط1، 2002م، ص09.

[7] بعد الحرب العالمية الأولى؛ تقلّص نفوذها الاقتصادي على المستعمرتَيْن لصالح بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

[8] رجب محمد عبد الحليم وآخرون، الموسوعة الإفريقية: الجغرافيا، القاهرة: معهد البحوث الإفريقية، المجلد الأول، ط1، ماي 1997م، ص635.

[9]  جمال حمدان، إفريقيا الجديدة: دراسة في الجغرافيا السياسة، القاهرة: مكتبة مدبولي، ط1، 1996م، ص30.

[10]  لتفاصيل أكثر ينظر:

Fernando Joao da Costa Cabral Andresen Guimaraes, The Origins of the Angolan Civil W ar: International Politics and Domestic Political Conflict 1961-1976, Thesis submitted to the University of London in fulfilment of the requirements for the degree of Doctor of Philosophy in international Relations, March 1992.

[11]  لتفاصيل أكثر ينظر:

Ma Schroeder and Guy Lamb, The Illicit Arms Trade in Africa:  A GLOBAL ENTERPRISE, AFRICAN ANALYST,  Third Quarter 2006.

[12]  لتفاصيل أكثر ينظر:

Lord Aikins Adusei, Multinational corporations: The new colonisers in Africa, pambazukanews, Jun 04, 2009, on the link:

 https://www.pambazuka.org/governance/multinational-corporations-new-colonisers-africa

[13]  لتفاصيل أكثر ينظر: ب.س. لويد، إفريقيا في عصر التحول الاجتماعي، (ترجمة شوقي جلال)، الكويت: سلسلة عالم المعرفة، العدد28، ط1، أبريل 1980م، ص303.

[14]  المرجع نفسه، ص310.

[15]  حمدي عبد الرحمن حسن، الصراعات العرقية والسياسية في إفريقيا «الأسباب والأنماط وآفاق المستقبل»، مجلة قراءات إفريقية، 04/04/2016م، على الرابط:

https://bit.ly/2KMAARG

[16]  إسماعيل صبري مقلد، نظريات السياسة الدولية: دراسة تحليلية مقارنة، الكويت: دار ذات السلاسل، ط1، 1987م، ص (117-118).

[17]  ستة وخمسون بالمائة من صراعات العالم الدائرة حاليّاً تتمركز في إفريقيا، التي شهدت معظم دولها نزاعات على مدى السنوات الماضية، وللقارة السمراء أيضاً سجّلٌ حافل بالاضطرابات السياسية والانقلابات العسكرية التي تجاوز عددها المائة منذ حصول جميع الدول الإفريقية على استقلالها. فضلاً عن أزماتٍ مستمرة على امتداد القارة، تركت وراءها مئات الآلاف من الضحايا على مدى سنوات، وما زالت تدفع عشرات الآلاف للنزوح هرباً من النزاعات وأعمال العنف. ينظر: إفريقيا.. تاريخ حافل بالانقلابات والحروب الأهلية، الجزيرة نت، 26/01/2018م، على الرابط:

https://bit.ly/2vB4GmA

[18]  حمدي عبد الرحمن حسن، الصراعات العرقية والسياسية في إفريقيا «الأسباب والأنماط وآفاق المستقبل»، مرجع سابق.

[19]  تستند الواقعية الجديدة إلى مقاربة المأزق الأمني/المعضلة الأمنية security dilemma التي تواجهها الدول باستمرار دائم. وهي مفهوم بنيوي يتعلق بالبنية الفوضوية للنظام الدولي، إضافةً إلى اعتماد الدول على نفسها للحفاظ على أمنها الوطني، فالدول- بسبب الفوضى في النظام الدولي، وبالتالي اعتمادها على نفسها- تتخذ إجراءات لتعزيز أمنها، وبصرف النظر عن كونها ذات طابعٍ دفاعي أو هجومي؛ فإن الدول الأخرى تفسّر تلك الإجراءات بأنها خطرٌ محتمل على أمنها الداخلي. محمد حمشي، تفسير وحلّ النزاعات من منظور الواقعية والواقعية الجديدة، مدونة الباحث، على الرابط:

https://bit.ly/2MhI4RE

[20]  المرجع نفسه.

[21]  أفرزت البيئة الإفريقية وجود قبائل ذات تأثير ونفوذ قوي داخل دولها، بل تعدّاها إلى الدول المجاورة التي لها فيها امتداد؛ حيث تتميز هذه القبائل بالقوة البشرية والاقتصادية والأمنية نتيجةً لهيمنة القبيلة على الواقع الإفريقي بشكلٍ عام. ومن أهمها: الهوسا، الفولا، البانتو، الأورومو، النوير. لتفاصيل أكثر ينظر: نجم الدين السنوسي، دور القبيلة في إفريقيا، مجلة قراءات إفريقية، العدد 08، أبريل 2011م، ص (80-83).

[22]  أيمن السيد شبانة، الصراعات الإثنية في إفريقيا: الخصائص.. التداعيات.. سبل المواجهة، مجلة قراءات إفريقية، العدد 06، سبتمبر 2010م، ص (95-96).

[23]  حمدي عبد الرحمن حسن، الصراعات العرقية والسياسية في إفريقيا «الأسباب والأنماط وآفاق المستقبل»، مرجع سابق.

[24]  حمدي عبد الرحمن حسن، الاتجاهات الحديثة في دراسة النظم السياسية "النظم الإفريقية نموذجاً"، عمان: المركز العلمي للدراسات السياسية، ط1، 2008م، ص (27-30).

[25] كولن هاي، نظرية العلاقات الدولية والعولمة، في: تيم دان وميليا كوركي وستيف سميث، نظريات العلاقات الدولية: التخصص والتنوع، (ترجمة: ديما الخضرا)، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط1، 2016م، ص666.

[26] ألكسندر دوفاي، الجغرافية السياسية: جيوبوليتيك (ترجمة حسين حيدر)، بيروت: دار عويدات للنشر والطباعة، ط1، 2007م، ص72.

[27]  حمدي عبد الرحمن حسن، ماذا حدث للأفارقة؟، الجزيرة نت، 24/03/2010م، على الرابط:

https://bit.ly/2Mf1l71

[28] القارة السمراء الأكثر معاناة من سلبيات العولمة، جريدة البيان، 23/05/2001م، على الرابط:

https://www.albayan.ae/one-world/2001-05-23-1.1160310

[29]  عربي بومدين، العولمة وثمن الاستقرار في إفريقيا.. نحو تفعيل ثلاثية: الأمن والتنمية والديمقراطية، مجلة قراءات إفريقية، 01/05/2018م، على الرابط:

https://bit.ly/2OwPjCH

[30] تبعاً للتحليل النسقي الذي يتضمن مفهوم المدخلات؛ فإن هذه الأخيرة ليست على نفس الشاكلة ولا في نفس المستوى، ما يحيلنا إلى فكرة تنوع المدخلات، فهنالك في موضوع الصراع أسبابٌ ضاغطة تدفع النسق السياسي إلى ضرورة الاستجابة والتفاعل معها، وفي إطار الظاهرة الصراعية حسب «روس كرينس» لا يمكن الحديث عن مدخلات غير اضطرارية؛ لانتفاء عنصر ردّ الفعل كاستجابةٍ حتمية من طرف السلطة. ويمكن العودة إلى كتاب «صبري مقلد» الذي يسميها «أسبابٌ ضاغطة».