محاكم القضاء الشرعي في جمهورية كينيا والتحديات التي تواجهها

  • 1 -1 - 2013
  • محمد الشيخ عليو محمد


د. محمد الشيخ عليو محمد

مستخلص:

العلاقة بين شرق إفريقيا والجزيرة العربية علاقة قديمة، وقد استمرت بعد ظهور الإسلام، كما كانت موجودة قبله بآلاف السنين.

وقد هاجر كثير من العرب والمسلمين إليها لظروف اقتصادية أو سياسية، فاستوطنوها، وأسّسوا فيها إمارات كثيرة، كانت تتعامل بالشريعة الإسلامية في قضائها، كإمارة لامو، وإمارة مَالِيندي، وإمارة مُمباسا، وإمارة كِلوا، وإمارة جزر القمر، وسلطنة زنجبار، وغيرها من الإمارات الإسلامية على الطول الساحلي لشرق إفريقيا.

ولما حلّ الاستعمار الإنجليزي بالإمارات الإسلامية الواقعة على الساحل الشرقي لإفريقيا، أراد إحلال القوانين الوضعية محلّ قضائها الإسلامي، والتخلّص من محاكم القضاء الشرعي الإسلامي التي كان الأهالي يتعاملون بها منذ مئات السنين.

وعندما اعترض الأهالي على هذه الخطوة سمحوا لهم بمزاولة القضاء الإسلامي بشرط حصره في قضايا الأحوال الشخصية، وهي: الزواج، والطلاق، والإرث، ثم استمر ذلك الوضع بعد الاستقلال.

وهذا البحث يتناول:

- علاقة شرق إفريقيا بالجزيرة العربية.

- نشأة محاكم القضاء الشرعي Kadhi Courts على طول ساحل جمهورية كينيا.

- أهم الشخصيات القضائية التي تولت منصب قاضي القضاة Chief Kadhi في كينيا.

- التحديات التي تواجه محاكم القضاة في كينيا حالياً.   

مقدمة:

طفت قضية محاكم القضاء الشرعي في جمهورية كينيا إلى السطح بعد قرار الدولة بإجراء استفتاء شعبي على الدستور الجديد في 4/8/2010م.      

والسبب في ذلك أحد البنود التي انتقلت من الدستور القديم إلى الدستور الجديد، وهو البند الخاص بمحاكم القضاء الشرعي برقم 170 في الفصل العاشر من الدستور، والمتعلق بالقضاء، فوقفت القوى الكنسية، بما فيها الداخلية والخارجية، ضد إدخال هذا البند في الدستور الجديد، واعتبرت ذلك خرقاً لعلمانية الدولة، وتعيين الإسلام ديناً رسمياً للبلاد، وتفضيله على الأديان الأخرى، وشنّت لهذا الغرض حملة إعلامية رهيبة بتمويل من الكنائس المتطرفة في الغرب.

وإزاء هذه الحملة كان الموقف الإعلامي للمسلمين ضعيفاً، ولم يكن لهم رد علمي تاريخي على هذه الحملات سوى بعض المقالات التي كانت تصدر أحياناً في الجريدة الأسبوعية للمسجد الجامع بنيروبي (Friday Bulletin)، وبعض المقالات القليلة التي نشرها مثقفون وقضائيون مسلمون في بعض المواقع الإلكترونية.

والأشدّ من ذلك؛ أن غالبية المسلمين لا يعرفون - ولا يزالون - الأسباب التاريخية التي أدت إلى وجود بند (Kadhi Courts) في الدستور الكيني القديم، ومنه إلى الدستور الجديد، والجهود المريرة التي بذلها المسلمون من أجل إدخال هذا البند في الدستور القديم.

وفي أثناء هذه الحملة، وقبل الاستفتاء على الدستور في 4/8/2010م، نَشَرتُ مقالةً وجيزة متعلقة بهذا الأمر في موقع جريدة الشاهد الإلكترونية www.alshahid.net، بتاريخ 16/6/2011م، ثم رأيت أن أكتب بحثاً حول هذا الأمر المهم بالنسبة للمسلمين في كينيا، ورأيت أن أقسم البحث إلى المباحث الآتية:

المبحث الأول: علاقة شرق إفريقيا بالجزيرة العربية، والعهود التي مرت بها:

تمتد علاقة شرق إفريقيا (ابتداءً من الصومال وانتهاءً بموزمبيق) بالجزيرة العربية إلى ما قبل وصول الإسلام إلى سواحل شرق إفريقيا بقرون عدة، فقد أكدت كثير من المصادر وجود بعض البحّارين العرب في القرن الثاني الميلادي الذين كانوا يترددون ما بين الجزيرة العربية وبلاد شرق إفريقيا لأغراض تجارية، وكانت حركات سفنهم تكثر في مواسم هدوء البحر، وتقل في أوقات هيجانه حسب الرياح الموسمية.

جميع الكنائس في كينيا صرحت بأنها ستعمل باستمرارية من أجل إسقاط بند محاكم القضاة من الدستور الكيني الجديد

وتشير المصادر أيضاً أن أنواعاً من النشاطات التجارية ازدهرت فيما بين الإقليمين كتجارة العاج، والأقمشة، واللبان، والصمغ، والأنعام، وغيرها، حيث كان التجار العرب يأتون بالأقمشة، وأصناف الأطعمة، والحديد، والأسلحة، ويستبدلون بها العاج، واللبان، والصمغ، والأنعام، وغيرها[1].

بدأ ظهور الإسلام في نهاية العقد الأول من القرن السابع الميلادي، وحدثت هجرة لبعض المسلمين إلى الحبشة خلال العقد الثاني من القرن المذكور نتيجة الاضطهاد على يد كفار مكة.

أما وصول الإسلام إلى سواحل شرق إفريقيا الحالية، وتحديداً ساحل كينيا، فيرجع إلى ما بعد منتصف القرن السابع الميلادي، في حدود عام 675 ميلادية (65هـ) في عهد عبد الملك بن مروان، كما تدل التواريخ المُدوَّنة قبل ألف عام على بعض المساجد الموجودة حتى الآن في (جيدي)، وجزيرتي (بَاتَيْ) و (لامُو) على وصول التجار العرب إلى تلك المناطق الساحلية من كينيا، حيث كانت سفن عرب جنوب شبه الجزيرة العربية تجول في المحيط الهندي وسواحله، والبحر الأحمر، تحمل البضائع من المراكز التجارية التي أنشؤوها على امتداد الساحل الشرقي لإفريقيا إلى البلاد العربية[2].

ونتيجة لموجات الهجرة المتتالية تكونت إمارات إسلامية عديدة على طول ساحل شرق إفريقيا، كإمارة مقديشو، ومركة، وبراوة، وكسمايو (في الصومال)، وإمارة لامو، وماليندي، وممباسا (في كينيا)، وإمارة كِلوة، وبمبا، وزنجبار (في تنزانيا)، ونتج عن تفاعل وتواصل القادمين إلى هذه المناطق بالمقيمين فيها قبلهم اعتناق المواطنين الديانة الإسلامية، وظهور ثقافة إسلامية عربية سائدة على كامل ساحل شرق إفريقيا؛ تمثلت في بروز اللغة السواحلية التي جمعت ما بين الحضارة الإفريقية والإسلامية في مفرداتها وآدابها التي تُعد من أغنى الآداب الإفريقية، بالإضافة إلى تأسيس المحاكم القضائية الشرعية التي كان أغلب قضاتها على المذهب الشافعي.

وقد دوَّن الرَّحَّالة المغربي ابن بطوطة[3] في رحلته المشهورة باسم «رحلة ابن بطوطة» أنه مرَّ بساحل شرق إفريقيا في القرن الثامن الهجري، فزار مقديشو، ومُمباسا، وكِلْوَة، وغيرها من المدن الساحلية، وذكر أن سكان هذه المناطق كلها مسلمون، شافعيـو المذهب، أهل دين وصلاح وعفاف[4].

وصول البرتغاليين:

بقيت المنطقة إسلامية يحكمها سلاطين وأمراء من أهالي المنطقة العرب والسواحليين، حتى جاء الرحالة المستكشف البرتغالي فاسكو دغاما عام 1498م ومعه بعثة كاثوليكية تبشيرية، فنزل في ممباسا أولاً، ثم في ماليندي، وهناك صاحبه الملاح العربي أحمد بن ماجد النجدي، واتخذه فاسكو دليلاً بحرياً له إلى الهند، وقاده إلى مدينة جَوْاَ Goa)) في جنوب الهند، وبعد ذلك رجع فاسكو إلى البرتغال وقدّم تقريراً مفصلاً عن رحلته إلى ملك البرتغال يحثه فيه على الاتجاه نحو شرق إفريقيا لاستعمارها ونشر المسيحية فيها، وقد استجاب الملك البرتغالي لنصائح فاسكو دغاما فعلاً، فأرسل خلفاؤه قوات بحرية استكشافية برتغالية أخرى إلى المنطقة في عام 1542م.

وفي عام 1592م بدؤوا ببناء قلعة المسيح (Fort Jesus) المشهورة في ممباسا كقاعدة بحرية وتبشيرية لهم، وانتهوا منها عام 1639م، وعلى إثر ذلك وقعت المنطقة في الاستعمار البرتغالي الذي استمر حتى عام 1740م عندما تمكن الممباسيون بمساعدة من السَّلاطين العمانيين في مسقط من إزالة الوجود البرتغالي في شرق إفريقيا نهائياً بعد 240 عاماً[5].     

وصول العمانيين:

رجعت المنطقة إلى أيدي أصحابها السواحليين بعد طرد البرتغاليين من ساحل شرق إفريقيا، لكن نفوس العمانيين لم تستطع مفارقة المنطقة نظراً لجمالها، وكثرة الخيرات فيها، فكانت لهم صلات بَحْرية واجتماعية قوية بأهل المنطقة منذ ذلك الحين، وفي عام 1832م قرَّر السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي نقل عاصمته من مسقط إلى زنجبار لينشئ هناك أقوى دولة فيما بعد سياسياً واقتصادياً في شرق إفريقيا، وهي سلطنة زنجبار المشهورة التي حكمت عُمان وإفريقيا الشرقية حوالي 130 سنة من خلال 12 سلطاناً.

وصول البريطانيين:  

اتجه البريطانيون إلى شرق إفريقيا بناء على توصيات مؤتمر برلين الذي عُقد خلال عامي 1884م  و 1885م، والذي حدّد مناطق الدول الاستعمارية المتجهة إلى إفريقيا.

وفي عام 1884م وصل الاستعمار البريطاني الذي تخفّى تحت ستار الشركة البريطانية الإمبريالية في إفريقيا الشرقيةImperial British East Africa Company (IBEAC) ، والتي كانت رائدة الاستعمار البريطاني، وفي عام 1895م استأجرت ملكة بريطانيا فكتوريا من سلطان زنجبار إدارة ساحل كينيا، ثم أُعلنت كينيا كلها محمية بريطانية عام 1900م، واستمر ذلك إلى أن استقلت عام 1963م[6].

المبحث الثاني: نشأة المحاكم الشرعية (Kadhi Courts) في ساحل كينيا:

لا يُعلم بالتحديد السنوات التي نشأ فيها القضاء الشرعي الإسلامي على طول سواحل شرق إفريقيا ابتداءً من جيبوتي وانتهاءً بموزمبيق، ولكن المؤكد أنه قام مع نشوء الإمارات والتجمعات الإسلامية على طول الساحل الشرقي لإفريقيا.

تتابعت الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال، وحتى الآن، على الاحتفاظ بمحاكم الأحوال الشخصية للمسلمين

وقد كان المذهب الشافعي الذي انتقل إلى شرق إفريقيا من جنب الجزيرة العربية ومن الحبشة هو المذهب الرسمي لجميع المحاكم القضائية الإسلامية التي تأسست في سواحل شرق إفريقيا؛ لأن جمهور أهل هذه البلاد كانوا – ولا يزالون – على مذهب الإمام الشافعي طيّب الله ثراه.

وتدلّ رحلة ابن بطوطة (ت 779هـ) الذي عاش في القرن الثامن الهجري، والتي كانت ما بين أعوام (725هـ - 756هـ)، على أنه كان هناك ازدهار قضائي شافعي في المناطق السواحلية بكينيا، حيث قال في رحلته: «ثم ركبتُ البحر من مقديشو متوجهاً إلى بلاد السَّواحل قاصداً مدينة كِلْوَة[7]، فوصلنا إلى جزيرة مَنْبَسَّى[8]، وهي جزيرة كبيرة، بينها وبين أرض السواحل مسيرة يومين في البحر، ولا برَّ لها، وأشجارها الموز، والليمون، والأترج، ولهم فاكهة يسمونها الجَمُّون: وهي تشبه الزيتون، ولها نوى كنواه إلا أنها شديدة الحلاوة، وأكثر طعامهم الموز والسمك، وهم شافعية المذهب، أهل دين وصلاح وعفاف، ومساجدهم من الخشب، مُحكمة الإتقان» إلخ[9].

وقد تأثر القضاء الإسلامي بأيام الاحتلال البرتغالي (1498م – 1740م)، إذ حُرقت كثير من المدن الإسلامية، كما حدث للامو والجزر المجاورة لها، وأُعدم الكثير من القضاة والسلاطين في الحروب التي جرت بينهم وبين البرتغاليين، لكن الحالة سرعان ما رجعت إلى وضعها الأول، فازدهرت المحاكم الإسلامية إبّان العهد العماني الذي استمر بعد ذلك نحواً من ثلاثة قرون.  

استحداث مصطلح (Kadhi Courts) في ساحل كينيا:

وصل الاستعمار البريطاني إلى سواحل كينيا عام 1884م، وفي عام 1895م تنازل السلطان حامد بن ثويني البوسعيدي لبريطانيا عن إدارة شريط ساحل كينيا، وطوله 10 أميال من البحر شرقاً للداخل غرباً على طول ساحل كينيا، بمعاهدة عرفت باسم Ten Mile Coastal Strip Agreement)) في مقابل تعهد بريطانيا بالاحتفاظ بالقضاء الشرعي الإسلامي كما كان قبل الاستعمار، والاحتفاظ بحريّة الشعائر الدينية، والإبقاء على الممتلكات، وشروط أخرى، على أن تبقى للسلطان السيادة القانونية الكاملة على الأراضي التي تنازل عنها إدارياً لتكون محمية بريطانية، فوافقت بريطانيا على المعاهدة، لكنها قلّصت سلطات القضاء الشرعي الإسلامي، حيث حصرته في قضايا الزواج، والطلاق، والإرث، بعدما كان حكمه عاماً في جميع القضايا؛ مما اعتبر خرقاً للاتفاقية التي وقّعتها مع سلطان زنجبار[10]، وسمّت بريطانيا القضاء الشرعي الإسلامي التقليدي باسم (Kadhi Courts)، أي «محاكم القضاة»، لأنها تحكم ما بين المتحاكمين في قضايا الأحوال الشخصية التي حدّدتها هي، وهي قضايا: الزواج، والطلاق، والإرث. 

امتداد محاكم القضاة (Kadhi Courts) لمرحلة ما بعد الاستعمار:

بقيت المنطقة الساحلية تحت سيادة سلاطين زنجبار المتعاقبين مع تبعيتها إدارياً للسلطة البريطانية، وفي عام 1961م، وفي أثناء بداية المحادثات التي كانت تجريها بريطانيا مع وفود كينيا الطالبة للاستقلال، في مؤتمر المحادثات الدستورية، بدار لانكستر هاوس في لندن المعروف تاريخياً باسم (Lancaster House Constitutional Talks)، برزت قضية مصير المنطقة إلى الواجهة، ونظراً إلى اختلاف المنطقة عن باقي المناطق الكينية الأخرى نظّمت السلطات البريطانية محادثات منفصلة مع وفد المنطقة الساحلية بشأن تقرير مصيرها.

وعلى إثر ذلك اتفقت السلطات البريطانية مع سلطان زنجبار على تعيين مندوب سام يدرس القضية، فعيّنوا المندوب البريطاني جيمس. ر. روبرتسون لدراسة القضية والتشاور مع الأطراف المعنية، ورفع التقرير إلى السلطتين.

وبناءً على ذلك قدّم روبرتسون إلى السلطتين تقريره لاحقاً، وذكر فيه أن الآراء في شأن مصير المنطقة منقسمة ثلاثاً؛ ما بين استقلال المنطقة، وإعادتها إلى سلطنة زنجبار، أو ضمها إلى الحكومة الكينية المرتقبة، لكنه أيّد الرأي الأخير في تقريره، ونصح السلطات البريطانية به بشرط ضمان الحكومة الكينية المرتقبة للاحتفاظ بمحاكم القضاء الشرعية المعمول بها في المنطقة، وتنفيذ جميع الشروط الواردة في المعاهدة البريطانية مع سلطان زنجبار عام 1895م.

وتنفيذاً لذلك كتب رئيس حكومة الاستقلال «جومو كنياتا» بتاريخ 5 أكتوبر 1963م رسالة إلى رئيس وزراء سلطنة زنجبار السيد محمد شمتي يتعهد فيها بما يأتي:     

 التزام حكومة الاستقلال بحفظ حرية الدين والعبادة للجميع، وبخاصة المسلمون.

الاحتفاظ بسلطة قاضي القضاة وقضاة المحاكم الشرعية في قضايا الزواج والطلاق والإرث بين المسلمين.

تعيين الإداريين المسلمين في المناطق ذات الأغلبية المسلمة.

تعليم أولاد المسلمين اللغة العربية، لأهميتها الدينية لديهم، ودعم المدارس العربية والإسلامية.

الاعتراف بحريّة تملك صكوك الأراضي الساحلية التي تم تسجيليها سابقاً، وأخذ الخطوات اللازمة لتحقيق استمرارية إجراءات التسجيل لمُلاك الأراضي، وحفظ حقوقهم.

 وذلك في مقابل تنازل السلطان عن سيادته على الشريط الساحلي لحكومة الاستقلال.

وفي رسالة جوابية من رئيس وزارء زنجبار المذكور إلى رئيس حكومة الاستقلال «جومو كنياتا» وافق السلطان جمشيد بن عبد الله البوسعيدي على ذلك؛ لتكون الرسالتان المتبادلتان اتفاقيةً بين السلطان وحكومة الاستقلال برئاسة عام 1963م، كما صرّح به «جومو كينياتا» في آخر رسالته المذكورة إلى السلطان.

وعلى ضوء هذه الاتفاقية؛ حافظت الحكومة الكينية المستقلة على استمرارية محاكم القضاة في نفس القضايا التي كانت بريطانيا تُعملها فيها (وهي الزواج، والطلاق، والإرث) للأطراف المسلمة التي تختار القضاء الشرعي في القضايا الثلاث المذكورة فقط، مع إعطائها فرصة الاحتكام للقوانين المدنية فيها بدلاً من محاكم القضاء الشرعية، وصدَّق البرلمان عليها لاحقاً ليتم إدراجها في البند الخامس من بنود القضاء في دستور الجمهورية الأول، والواقع الآن تحت المادة (66) من الدستور الحالي؛ لتكون محاكم القضاة جزءاً من النظام القضائي الكيني منذ ذلك الوقت تحت مسمّى (المحاكم المساعدة).

 ثم تتابعت الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال، وحتى الآن، على الاحتفاظ بمحاكم الأحوال الشخصية للمسلمين، ودفع رواتب القضاة والإداريين العاملين معهم، وكان يوجد عند الاستقلال 3 قضاة فقط، ثم ارتفع العدد إلى 6 في عام 1967م، ليصل حالياً إلى 18 قاضياً موزعين في أنحاء الجمهورية[11].

طبيعة عمل محاكم القضاة:

ليس لمحاكم القضاة Kadhi Courts في جمهورية كينيا تنظيماً دستورياً وقانونياً مستقلاً، بل هي تابعة للقضاء الكيني المستعار من القضاء الإنجليزي، باسم «المحاكم المساعدة» تحت سلطات محكمة الاستئناف والمحكمة العليا[12].

ومعنى هذا أن المحكمة العليا ومحكمة الاستئناف تستطيعان أن تتدخلا في شؤون محاكم Kadhi Courts، ويعلّقا تنفيذ القرارات التي أصدرتها في المجالات الثلاثة التي حُدّدت لها.

وعدد هذه المحاكم حالياً هو 18 محكمة، موزعة في الولايات التي توجد فيها أعداد إسلامية كثيفة، وتتشكل كلّ محكمة من قاض واحد معه إدرايون يساعدونه في الأعمال الإدارية فقط، ودرجات التقاضي أمامها درجة واحدة حيث لا استئناف فيها، بل يجوز لمن لم يقتنع بأحكامها اللجوء لمحكمة الاستئناف، أو للمحاكم المدنية الأخرى التي يتساوى أمامها المسلمون وغير المسلمين[13].

ويرأس هذه المحاكم المنتشرة في الولايات قاض يُسمّى رئيس القضاة Chief Kadhi ، يكون مقره دائماً في مدينة ممباسا على الساحل الشرقي لكينيا، ويختلف عن القضاة العاديين بأنه يحضر جميع الحفلات الحكومية والبرلمانية المهمّة ممثلاً عن المسلمين، ويعلن مواعيد الصوم والإفطار، والأعياد، إضافة إلى أعماله التقليدية في المحاكم.

المبحث الثالث: أهم الشخصيات التي تولّت منصب قاضي القضاة Chief Kadhi  في كينيا:

بدأ منصب «شيخ الاسلام» على السواحل الكينينة منذ فترة طويلة، وكان هذا اللقب موجوداً قبل أيام الحكم العُماني لشرق إفريقيا وما بعده، ثم تطوّر هذا اللقب إلى «قاضي القضاة» الذي تُرجم في أيام الاستعمار الإنجليزي إلى عبارة Chief Kadhi ، والتي انتقلت بدورها إلى أدبيات الحكومة المستقلة عام 1963م بزعامة «جومو كينياتا».

ومن أهم الشخصيات التي تولّت منصب قاضي القضاة في سواحل كينيا:

1 - القاضي السيد عبد الرحمن بن أحمد بن عمر السّقّاف (ت 1922م) المشهور بلقب شيخ الإسلام (Mwinyi Abudu):

وُلد هذا الشيخ الفاضل في جزيرة سِيُوْ من جزر إمارة لامُو عام 1260هـ الموافق 1844م، ودرس الفقه على الشيخ عثمان بن شيخ الصومالي، والنحو والصرف واللغة على الشيخ علي بن عمر الصومالي، والتفسير والحديث على الشيخ فقيه بن أويس الصومالي، كما درس على الشيخ محمد بن سعيد السعيدي، والشيخ أبو بكر خطيب، والشيخ لالي بن فاي الباجوني، والشيخ محمد بن قاسم المعمري، والشيخ عبد الكريم عمر، وغيرهم.

ولما هُزم أمير سِيو السيد محمد بن متاكا على يد مؤيدي سلطان زنجبار ماجد بن السيد سعيد البوسعيدي عام 1864م؛ خرج الشيخ مع الأمير مع جماعة من كبار العلماء والوجهاء إلى جزيرة أنجوجا بزنجبار، ثم تم إرسالهم إلى سجن ممباسا التي كانت تابعة للسلطان آنذاك، وبقي الشيخ في السجن أكثر من ستة أشهر.

وبعد خروجه من السجن توجه إلى مسقط رأسه جزيرة سِيُوْ في لامو، وبدأ ينشر العلم والتعليم فيها، ثم تم تعيينه قاضياً فيها من قِبل السيد برغش بن سعيد عام 1878م، واستمر في المنصب حتى عام 1902م عندما عيّنه الحاكم الإنجليزي السير آرثر هاردنغ Arthur Harding ليكون قاضي القضاة لممباسا، وعلى إثر ذلك توجه إلى ممباسا، وبقي يشغل هذا المنصب حتى 1910م، ثم توفي في مايو 1922م بممباسا وعمره ثمانون سنة.

وفي أثناء عمله بممباسا كان الشيخ يعيش في حي كبوكوني Kibokoni، ويدرس بمسجد حي مَكَدَارا Makadara، وكان الشيخ عالماً تقياً كريماً، يُضرب به المثل في الكرم، وله تلاميذ مشاهير من علماء وقضاة ذكرهم العلامة القاضي عبد الله بن صالح الفارسي في طبقاته لعلماء الشافعية في شرق إفريقيا[14].

2 - القاضي الشيخ محمد بن عمر باكور (لم أقف على تاريخ وفاته):

أصله من لامو، وعمل القضاء فيها من عام 1908م، ثم عمل كاتباً مساعداً في مكتب شيخ الإسلام عبد الرحمن السقّاف (مويني عبود) السالف الذكر بممباسا، وتم تعيينه رئيساً للقضاء من قِبل الحاكم الإنجليزي في 9 أغسطس عام 1922م بعد وفاة مويني عبود، وبقي يشغل هذا المنصب حتى استقالته منه في أبريل عام 1932م، وكان عالماً عادلاً متواضعاً، لا يفرق بين الفقير والغني، وبين الجاهل والعالم[15]. 

3 - القاضي سليمان بن علي بن خميس بن سعيد المزروعي (ت 1937م).

وُلد الشيخ سليمان بن علي المزروعي في ممباسا عام 1867م، ودرس العلم على الشيخ علي بن عبد الله بن نافع المزروعي، والشيخ محمد بن قاسم المعمري، ثم خرج إلى زنجبار فدرس على الشيخ عبد الله باكثير الذي قابله في حجّهما عام 1888م، والسيد أحمد بن سُميط، واستفاد منهما علماً كثيراً.

ورجع إلى ممباسا فترقى به الحال حتى تقلد منصب قاضي ممباسا عام 1910م، ثم قاضي قضاة كينيا عام 1932م، وبقي في هذا المنصب من عام 1932م حتى عام 1937م عندما خلفه تلميذه الآتي ذكره[16].

4 - القاضي الأمين بن علي بن عبد الله بن نافع المزروعي (ت 1947م).

وُلد الشيخ الأمين في ممباسا عام 1890م لأسرة عمانية شافعية فاضلة، وتُوفي والده وهو في الخامسة من عُمره، فربّاه قريبه الشيخ المفتي سليمان بن علي المزروعي السّابق الذكر، وعلّمه مختلف الفنون اللغوية والشرعية، وزوّجه ابنته، واشتاق الشيخ إلى طلب المزيد من العلوم الشرعية، فسافر إلى زنجبار، فدرس على العلامة عبد الله باكثير الحضرمي، والسيد أحمد بن سميط، وغيرهما من علماء زنجبار المشاهير.

غالبية المسلمين لا يعرفون - ولا يزالون - الأسباب التاريخية التي أدت إلى وجود بند (Kadhi Courts) في الدستور الكيني القديم

وبعد تمكنه من العلوم قرر العودة إلى مسقط رأسه ممباسا، فبدأ ينشر العلم، ويؤلف الكتب، ويُصدر الجرائد باللغتين العربية والسواحلية، وتأثر بالغزالي، وابن تيمية، وابن قيم الجوزية، وجمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، رحمهم الله، ودعا إلى التجديد والإصلاح حتى أصبح من أشهر علماء شرق إفريقيا، وتم تعيينه قاضياً لممباسا عام 1932م، ثم تولى رئاسة القضاء عام 1937م خلفاً لشيخه السابق الذكر، وبقي في هذا المنصب حتى وفاته عام 1947م.

ومن كتبه المطبوعة باللغة العربية:

1 - تفسير سورة الفاتحة وسورة البقرة (بالعربية والسواحلية).

2 - الأحاديث المختارة (بالعربية والسواحلية).

3 - الأمور المشتهرة.

4 - مجمع البحرين (شرح للآية 60 من سورة الكهف).

5 - هداية الأطفال (بالعربية).

6 - التعاليم الدينية (بالسواحلية).

7 - الإرث في الإسلام (بالسواحلية).

وإضافة إلى تأليف الكتب كان يُصدر جريدتين أسبوعيتين بغرض رفع الوعي الإسلامي السياسي، وهما (الصحيفة)، وكانت باللغة السواحلية المكتوبة بالحروف العربية، و (الإصلاح)، وكانت في ثماني صفحات باللغة العربية والسواحلية، كما أنه شارك في تأسيس المدرسة العربية  Arab Schoolفي ممباسا، وافتتح الكثير من المدارس العربية والإسلامية على طول ساحل كينيا، إلى جانب أعماله الرسمية كقاضي قضاة كينيا، وله تلاميذ كثيرون، وعلى رأسهم ابنه البروفيسور المشهور دولياً علي المزروعي عميد جامعة كينياتا للعلوم والتكنولوجيا سابقاً[17].

5 - القاضي سيد علي بن أحمد بن صالح جمل الليل البدوي (ت 1987م):

وُلد في لامو عام 1325هـ، ودرس وتفقّه على والده السيد أحمد بن صالح البدوي، وعلى مجموعة كبيرة من علماء لامو كالسيد عبد الله بن محمد الخطيب، والشيخ محمد بن علي المَعَاوي، والسيد محمد بن عبد الله الرديني، والشيخ عبد الماجد بن زهران، وغيرهم، ثم ارتحل إلى زنجبار فدرس على العلامة عبد الله باكثير، والسيد أحمد بن سميط، وغيرهما، كما درس في ممباسا على الشيخ علي بن خالد، والمفتي الأمين بن علي المزروعي.

وفي عام 1949م تم تعيينه رئيساً للقضاء الشرعي في كينيا من قِبل الانتداب البريطاني، واستمر في هذا العمل سنة واحدة فقط، حيث تركه عام 1950م، واتجه بعد ذلك إلى زنجبار فعمل مديراً ومدرّساً للأكاديمية الإسلامية بزنجبار، وعاد بعد ذلك إلى مسقط رأسه بلامو فبقي فيها حتى توفي بها عام 1987م.

وكان عالماً متفنناً خبيراً بالتفسير والحديث والفقه وأصول الفقه والنحو والصرف والبلاغة والميراث وعلم الهيئة والتصوف، وغيرها، وكانت له جهود ومشاركات في رئاسة بعض المدارس الإسلامية وإدارتها في ممباسا ولامو وزنجبار، أشهرها مجمع مسجد الرياضة بلامو[18].

6 - القاضي محمد بن قاسم بن راشد بن علي بن نافع المزروعي (ت 1982م):

وُلد الشيخ محمد في ممباسا عام 1912م، وتعلّم العلم على أيدي أفراد أسرته، ولمّا حصّل العلوم أصبح معلماً في مدارس ممباسا، وفي عام 1946م تم تعيينه في سلك القضاء، فعمل قاضياً في ممباسا، ولامو، وماليندي، وفي 1/5/1963م تم تعيينه قاضي قضاة كينيا، وبقي في هذا المنصب حتى تقاعده عام 3/4/1968م.

ويُعد أول قاض يتولى هذا المنصب بعد استقلال جمهورية كينيا عن الانتداب البريطاني، وكان له نشاط دعوي ملموس في الساحل، وإسهامات علمية تجلت في مؤلفات عدة، منها:

1 - تاريخ الاستخدام في الإسلام وفي الأديان الأخرى.

2 - حكم الشريعة.

3 - مقالات متنوعة.

ظلّ الشيخ يواصل عمله الدعوي والتأليفي، وبقي في ممباسا حتى توفي بها عام 1982م عن عمر يوازي 72 سنة، رحمه الله.

وله تلاميذ نجباء مشاهير؛ على رأسهم مفتي جمهورية كينيا - الذي سيأتي برقم 7 - العلامة الشيخ عبد الله بن صالح الفارسي، وابنُه حمّاد محمد قاسم المزروعي مفتي كينيا - الذي سيأتي برقم 9 -، والشيخ حارث صالح (خريج السودان)، والشيخ علي بن حمد البهري، وأخوه راشد بن قاسم، وغيرهم[19].

7 - القاضي عبد الله بن صالح بن عبد الله بن صالح الفارسي (ت 1982م).

وُلد الشيخ عبد الله صالح الفارسي في زنجبار عام 1912م لأسرة عمانية فاضلة، ودرس العلوم الدينية والعصرية فيها، ثم التحق بمعهد المعلمين بزنجبار من عام 1930م حتى 1932م، وفي عام 1933م تم تعيينه مدرساً في المدارس الابتدائية الحكومية، وتدرّج في ذلك حتى تم تعيينه مفتشاً عاماً للمدارس الابتدائية بزنجبار وبمبا من عام 1949م - 1952م، فمديراً للأكاديمية الإسلامية بزنجبار من عام 1953 حتى 1956م، فرئيساً للمدرسة العربية الإعدادية من عام 1957م حتى 1960م.

وفي 23 مارس 1960 تم تعيينه قاضياً لزنجبار، واستمر في هذا المنصب حتى استقالته منه عام 1967م نظراً لسوء الأحوال التي أعقبت قيام الثورة التنزانية التي أطاحت بسلطنة زنجبار في 12 يناير 1964م.

وبعد استقالته من قضاء زنجبار توجّه إلى كينيا استجابة لدعوة رسمية من الرئيس «جومو كينياتا» لتولي رئاسة القضاء في كينيا بعد تقاعد الشيخ محمد بن قاسم المزروعي في 3 أبريل 1968م، وفي 29 مايو 1968م صدر قرار رئاسي بتعيينه قاضي قضاة كينيا، واستمر في هذا المنصب حتى تقاعده في 3/9/1981م، وبعد ذلك توجّه إلى مسقط عاصمة سلطنة عمان فبقي فيها حتى وفاته في 8/11/1982م، رحمه الله.

وكان على الإطلاق أعظم شخصية مرّت بمنصب رئاسة القضاء الإسلامي في شرق إفريقيا بأكملها، علماً، وتأليفاً، ومكانة، وهيبة، وجلالاً، وكان إلى جانب أعماله القضائية شاعراً مفلقاً، أديباً لامعاً، مؤلفاً بارعاً، مؤرخاً خبيراً بتاريخ شرق إفريقيا، داعية متجولاً؛ حيث زار مصر، والحجاز، وجاوة، وحضرموت، وجنوب إفريقيا، وبلاد شرق إفريقيا، ومن مؤلفاته ما يأتي:

1 - تفسير القرآن الحكيم (باللغة السواحلية)، وقد طُبع مراراً كثيرة، ورد فيه على القاديانيين الذين ألفوا تفسيراً قاديانياً محرفاً باللغة السواحلية، وأهدوه إلى الرئيس «جومو كينياتا» في 1958م.

2 - حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم (باللغة السواحلية).

3 - المواعظ الدينية (باللغة السواحلية).

4 - الصلاة وتعاليمها.

5 - النكاح وتعاليمه.

6 - كبار أمهات المؤمنين وأولادهنّ.

7 - صغار أمهات المؤمنين.

8- الأطعمة التي أكلها الرسول صلى الله عليه وسلم.

9 - ثمرة القرآن.

10 -  أغاليط التفسير القادياني.

11 - تاريخ الإمام الشافعي (باللغة السواحلية).

12 - بعض علماء الشافعية في شرق إفريقيا (باللغة السواحلية).

13 - حياة السيّد سعيد (مؤسس سلطنة زنجبار) (باللغة السواحلية).

14 - المواريث (باللغة السواحلية).

15 - البدعة (جزءان).

16 - حياة سيدنا الحسن (باللغة السواحلية).

17 - حياة سيدنا الحسين (باللغة السواحلية).

18 - التعاليم الدينية (باللغة السواحلية).

19 - عناية العظيم بالقرآن الكريم (باللغة العربية).

20 - عرفان الإحسان بترجمة القارئ حفص بن سليمان (باللغة العربية).

21 – نور البصيرة والبصر في ترجمة القراء الأربعة عشر (باللغة العربية).

22 - اختلاف المذاهب الأربعة في الصلاة.

23 - الجواب على مسألة دينية.

إضافة إلى دواوين شعرية متناثرة في ثنايا كتبه، وله شيوخ وتلاميذ أجلاء، ذكرهم في ترجمته لنفسه، لم نذكرهم هنا خوفاً من التطويل[20].      

8 - القاضي ناصر بن محمد بن علي النهدي (لا يزال حياً):

وُلد في ممباسا، ودرس العلم على الشيخ محمد بن علي البريكي، والشيخ محمد الغزالي، وغيرهما من علماء ممباسا، ثم درس المرحلة الابتدائية والثانوية في المدرسة العربية في ممباسا، وبعد تخرجه عمل مدرساً في المدارس الحكومية من عام 1950م – 1970م عندما ابتُعث إلى معهد الإدارة الكيني متدرباً على القانون، وبعد ذلك انضم إلى سلك القضاء، فعمل قاضياً في ممباسا، وقاريسا، ونيروبي، وبعد تقاعد الشيخ عبد الله صالح الفارسي عام 1982م عمل «قائمقام» لمنصبه مدة، ثم عُيّن رئيساً للقضاة في السنة نفسها، وبقي في هذا المنصب حتى تقاعده عام 2002م عندما خلفه القاضي الشيخ حمّاد بن محمد قاسم المزروعي الآتي ذكره، ولا يزال الشيخ ناصر يعيش حتى الآن في مدينة ممباسا، وله جهود كثيرة في الدفاع عن محاكم الأحوال الشخصية للمسلمين في كينيا، وزار الكثير من البلدان الإسلامية والعربية[21].

9 - القاضي حماد بن محمد بن قاسم المزروعي (لا يزال حياً):

وُلد الشيخ حمّاد بن محمد بن قاسم المزروعي في مدينة لامو عام 1950م، ودرس العلم على والده القاضي الذي تقدّم ذكره برقم (6)، وجملة من مشائخ لامو، ولما نُقل والده إلى قضاء ممباسا بعد قضاء لامو وماليندي انتقل معه إليها فاستكمل فيها المرحلة الابتدائية، ثم التحق بالثانوية وتخرج فيها 1968م.

وبعد تخرّجه في الثانوية عمل كاتباً في محكمة القاضي بممباسا، وفي عام 1975م انضم إلى كلية ايجرتون Egerton بالقرب من مدينة ناكورو عاصمة إقليم الوادي المتصدع للدراسة فيها، إلا أنه لم يكملها، حيث اتجه إلى العراق والتحق في السنة نفسها بجامعة بغداد للتخصص في العلوم، وبينما هو في السنة الثالثة اندلعت الحرب العراقية – الإيرانية عام 1979م، فانتقل منها إلى جامعة الملك سعود بالرياض والتحق بكلية التربية فيها.

وبعد تخرجه في جامعة الملك سعود عام 1984م عمل مدرساً في عدة مدارس بممباسا لمدة تزيد على خمس سنوات، وفي عام 1990م التحق بجامعة إبادان بنجيريا ونال منها الماجستير في الدراسات الإسلامية والعربية، وبعد حصوله على الماجستير رجع إلى كينيا، والتحق بسلك القضاء، حيث تم تعيينه قاضياً في مسقط رأسه لامو، وفي عام 1994م نُقل إلى العاصمة نيروبي، وبعد تقاعد الشيخ ناصر بن محمد النهدي عام 2002م ارتقى إلى منصب قاضي القضاة لكينيا، وبقي في هذا المنصب حتى تقاعده عام 2010م.

ويُعد الشيخ حماد من أكثر القضاة تميزاً، حيث لم يحصر نفسه في القضاء، بل كانت له مشاركات سياسية ودعوية في دعم القضايا الإسلامية بكينيا، إضافة إلى عضويته في كثير من الجمعيات والمؤسّسات الإسلامية، ومقالاته الدينية في الجرائد، وخطبه في الجوامع[22].

10 - القاضي أحمد المحضار (قاضي القضاة حالياً):

وُلد في مدينة مالينيدي على الساحل الشرقي لكينيا، ودرس فيها المرحلة الابتدائية، ثم سافر إلى الكويت، ودرس فيها المرحلة الثانوية في معهد ديني، ثم التحق بكلية الشريعة في جامعة الكويت، وتخرج فيها في نهاية الثمانينيات من القرن المنصرم.

ولمّا عاد إلى البلاد عمل في أكاديمية نيروبي الإسلامية مدرّساً للغة العربية والدراسات الإسلامية لمدة سنتين، من عام 1990 – 1919م، وفي عام 1997م تم تعيينه قاضياً لمدينة مالينيدي، ثم تمت ترقيته إلى قاضي نيروبي عام 2004م بعد ترقية سلفه إلى منصب قاضي القضاة ونقلِه إلى ممباسا، وفي مارس 2011 صدر أمر قضائي بتعيينه رئيساً للقضاء الشرعي في كينيا[23].    

المبحث الرابع: التحديات التي تواجه محاكم القضاة في كينيا:

كانت المحاكم المذكورة تعمل بصورة طبيعية في أنحاء الجمهورية منذ الاستقلال عام 1963م وحتى الآن في مجالها الطبيعي، ولم تحدث أية حساسية ما بين المسلمين وبين مواطنيهم من المسيحيين والوثنيين بسببها، ولم يُسجّل في تاريخ كينيا أي عنف ديني ما بين طوائفها الدينية كما يحدث في بعض البلدان الإفريقية. 

وأول اهتمام بهذه القضية برز بعد تعيين الحكومة عام 2003م لجنة لكتابة ومراجعة الدستور الجديد عرفت باسم (Constitution of Kenya review Commission)، وكان من مهمات هذه اللجنة عقد مؤتمرات وندوات عامة يتم من خلالها جمع آراء المواطنين في الدستور المقترح، بالإضافة إلى الاستشارة مع المنظمات المدنية، والقانونية، والسياسية، والتجارية، والصحية، وتبادل الآراء مع الوفود الدولية التي دُعيت من أجل تقديم أفكارهم ومقترحاتهم حول كتابة الدستور الجديد وصياغته.

وقد نظّمت اللجنة عدة مؤتمرات عامة من أجل صياغة الدستور الجديد وما يُوضع فيه وما يُحذف، وقابلت أطيافاً مختلفة من الشعب في جميع المحافظات الثمانية، وجمعت آراء كثيرة حول بنود الدستور المرتقب، ولم يحدث أن عارض شخص كيني استمرارية محاكم الأحوال الشخصية للمسلمين، بل طلبت بعض الشخصيات في المناطق ذات الأغلبية المسلمة بتقوية سلطة هذه المحاكم وإضافة بنود أخرى إلى مهماتها الرسمية حالياً لتشمل جميع قضايا المواطنين المسلمين.

غير أن الاعتراض الحقيقي على إدخال المحاكم المذكورة في بنود الدستور الجديد ظهر في مؤتمر بَوْمَاْس الدستوري (Bomas Constitutional Conference) عام 2003م و 2005م من خلال بعض الشخصيات الإنجيلية من اليمين المسيحي الأمريكي، والتي حضرت المؤتمر بوصفهم مراقبين دوليين؛ حيث أطلقت هذه الشخصيات حملة إعلامية شديدة ضد إدخال محاكم القضاة Kadhi Courts في بنود الدستور الجديد من خلال النشرات التي كانت تنشرها وتوزعها بالمجان على الوفود في المؤتمر المذكور ضد محاكم القضاة، لكن ذلك لم يؤثر في قرار اللجنة الذي رأى استمرارية سلطة محاكم القضاة تبعاً للدستور السابق، ونظراً للمصلحة الوطنية العليا[24].

ولما أخفقت هذه الشخصيات في تحقيق أهدافها بدأت بتحريض الشخصيات الإنجيلية المحلية على وجود المحاكم في الدستور الجديد، فبدأت الكنائس المتطرفة بحملة إعلامية منظّمة وسط الجماهير المسيحية من أجل إسقاط الدستور الجديد؛ بزعم تضمّنه بنداً في محاكم القضاة ومزاعم أخرى، وامتد هذا التأثير أخيراً إلى أغلب زعماء الكنائس ومنظماتها الدينية، حتى اتفقوا مؤخراً بقيادة المجلس الوطني للمسيحيين الكينيين ((NCCK – وهو أكبر تجمّع للكنائس البروتستانتية في كينيا - على الاعتراض على الدستور الجديد بـالتصويت بـ (لا) في الاستفتاء الذي كان مرتقباً في الرابع من أغسطس عام 2010م.

وبرزت قضية محاكم الأحوال الشخصية للمسلمين في كينيا كحدث رئيس في اللعبة السياسية ما بين المؤيدين والمعارضين للدستور الجديد منذ شهور، بعدما جنّدت القوى الكنسية المتشددة كلّ وسائلها المتاحة في الداخل والخارج من أجل إسقاط الدستور الجديد بحجة اشتماله على بندٍ برقم 170 يقرر استمرارية محاكم القضاة، وفقرة 4 من بند 26 التي تسمح بجواز إسقاط الجنين عند ضرورة إجراء عملية علاجية، أو تعرضت حياة أمّه للخطر بناء على تقرير خبير طبي مدرّب، وهو ما اعتبروه تقنيناً للإجهاض وفسحاً له[25].

وتأزَّمت الأحداث أكثر فأكثر، وذلك بعد أن أصدر ثلاثة قضاة في المحكمة العليا قراراً بتاريخ 24/5/2010م، يقضي بعدم شرعية إدخال بند محاكم القضاة Kadhi Courts في الدستور الجديد، بناءً على دعوة تقدّم بها للمحكمة العليا ستة من زعماء الكنائس المتشددة عام 2003م ضد إدخال بند المحاكم المذكورة في الدستور الجديد.

 واستند القضاة الثلاثة، وهم: القاضي جوزيف نيامو، والقاضي ماثيو أنيارا إيموكولي، والقاضية روزالين ويندوه - حسب رأيهم – في الحكم الصادر المذكور، إلى أن إدخال محاكم القضاة في الدستور الجديد يقتضي تفضيل أحد الأديان على الأديان الأخرى، وعدم الفصل بين الدين وبين دستور الدولة، وترسيخ الطائفية والتمييز الديني بين الطوائف الدينية، وتكليف غير المسلمين بدفع الضرائب التي سيتم دفعها كرواتب لموظفي المحاكم المذكورة وتسيير أمورها[26].

فرح زعماء الكنائس بهذا القرار واستبشروا، لكن معارضيهم من كافَّة الأطياف السياسية أجمعوا على أن القرار تعسفي وانتقائي تمَّ تدبيره من قِبل القوى الرافضة للدستور الجديد، والتي ستفقد الكثير ممن المميزات والمصالح التي كانت تتمتع بها منذ الاستقلال لو تمت إجازة الدستور الجديد، وتبع ذلك توضيحات قانونية من المدعي العام وكبار المحامين بأنه ليس من صلاحيات القضاة في المحكمة العليا والمُعَـيَّـنِين بالدستور القديم الحكم بقانونيةِ أو بغير قانونيةِ بندٍ مّـا في الدستور الجديد، وإنما ذلك يرجع إلى البرلمان وإلى الشعب عبر اللجان التشريعية المكلّفة بوضع الدستور الجديد، والتي قُدّمت المسودة النهائية له إلى البرلمان الذي أجازها بدوره لعرضه على الاستفتاء الشعبي في 4/8/2010م.

وعطفاً على الأحداث المتسارعة نفسها؛ فإن قاضياً آخر في المحكمة العليا بمدينة ممباسا الساحلية، وهو السيد محمد إبراهيم أبطل بتاريخ 31/5/2010م دعوى أخرى تقدم بها ثلاثة من زعماء الكنائس في ممباسا ضد إضافة بند محاكم القضاة إلى الدستور الجديد بحجة أنه ليس من صلاحيات القضاء الأعلى التدخل في بنود الدستور العام للدولة[27].

دعاوى المنتقدين لمحاكم القضاة، والسبب الحقيقي:

يزعم معارضو الدستور الجديد أن إدخال بند محاكم القضاة في الدستور الجديد يستلزم رفع أحد الأديان على البقية، وإيهام أنه الدين الرسمي للدولة، ومخالفة الدستور الذي ينص على علمانية الدولة، والتمييز بين الطوائف الدينية، وتكليف غير المسلمين بدفع الضرائب التي سيتم دفعها رواتب لموظفي المحاكم المذكورة وتسيير أمورها.

وأجابهم المؤيدون لمحاكم القضاة أن إدخال بند محاكم الأحوال الشخصية في الدستور المقترح ليس فيه أدنى إشارة إلى التفضيل الديني أو الطائفي، أو المساس بعلمانية الدولة، بل هو عبارة عن بعض الحالات الخاصة بالمسلمين في قضايا معينة ضمن القضاء الكيني العلماني، كحال كثير من البنود الاجتماعية في الدستور القديم والجديد المبنية على التقاليد اليهودية – المسيحية، والتي سرت إلى الدساتير الكينية من خلال القانون البريطاني الذي يُعد أصلاً للقانون الكيني، وأما ما زعموه من الضرائب فإن المواطنين المسلمين يدفعون الضرائب للدولة كما يدفعها غيرهم.

وجاء اليوم المرتقب للاستفتاء على الدستور الجديد في 4/8/2010م، فجاءت الأصوات كما يأتي حسب المناطق الثمانية:

1 - منطقة العاصمة نيروبي: نعم: 678.621 صوتاً، و: لا: 208.195 صوتاً.

2 - المنطقة الوسطى: نعم: 1.274.968 صوتاً، و: لا: 235.588 صوتاً.

3 - منطقة نيانزا: نعم: 1.174.033 صوتاً، و: لا: 11. 491 صوتاً.

4 - المنطقة الغربية: نعم: 681.246 صوتاً، و: لا: 127.230 صوتاً.

5 - منطقة الوادي المتصدع: نعم: 668.175 صوتاً، و: لا: 1.326.079 صوتاً.

6 - منطقة الساحل: نعم: 425.626 صوتاً، و: لا: 111.531 صوتاً.

7 - المنطقة الشرقية: نعم: 741.089 صوتاً، و: لا: 572.109 صوتاً.

8 - المنطقة الشمالية الشرقية: نعم: 110.992 صوتاً، و: لا: 4. 970 صوتاً [28].

ويلاحظ من هذه الأرقام: أن أغلب الأصوات الرافضة للدستور الجديد جاءت من منطقة الوادي المتصدع، وهي المنطقة التي ينحدر منها زعيم معسكر (لا) وزير التعليم العالي السيد ويليام روتو، بينما غلب معسكر (نعم) في المناطق السبعة الأخرى؛ مما يدل على وجود رغبة شعبية كبيرة لقبول الدستور الجديد.

ومع أن الدستور الجديد قد تضمّن الفقرات التي تقتضي استمرارية محاكم القضاء الشرعي في جمهورية كينيا؛ فإن التحدي لا يزال قائماً من جميع الكنائس في كينيا، حيث أنها صرّحت بأنها ستعمل باستمرارية من أجل إسقاط بند محاكم القضاة من الدستور الكيني الجديد، وستعمل على جمع ملايين التواقيع من أجل ذلك الهدف، وهو تحدٍّ سيؤدي في النهاية إلى عواقب وخيمة ما لم يواجهه المسلمون بالطرق الفنية والسياسية الحكيمة.

* عضو هيئة التدريس بكلية ثيكا للشريعة والدراسات الإسلامية التابعة لجامعة إفريقيا العالمية بالسودان.

[1] دولة اليعاربة في عمان وشرق إفريقيا، ص (87 - 89)، وموقع www.islamkenya..com  تحت عنوان: Islam in Kenya.

[2] محمد عبد الله النقيرة: انتشار الإسلام في شرق إفريقيا، ص 63. 

[3] هو محمد بن إبراهيم اللَّواتي المغربي، صاحب الرحلة المشهورة برحلة ابن بطوطة، وُلد بطنجة، وطاف الأمصار والبلاد من عام 725هـ –  756هـ، وتوفي عام 779هـ. (انظر مقدمة رحلته:  ص 5).

[4] الرحلة لابن بطوطة، ص 257. 

[5] التنصير في كينيا في القرن العشرين، ص 76.

[6]  Kenya churches handbook p.22

[7] مدينة تاريخية مشهورة أسّسها المسلمون على ساحل شرق إفريقيا، وهي الآن تقع في جمهورية تنزانيا.

[8] يقصد بها مدينة (ممباسا) الحالية، وهي عاصمة المنطقة الساحلية من جمهورية كينيا.

[9] الرحلة لابن بطوطة، ص 257. 

[10] موقع www.islamkenya..com  و Kenya churches handbook p.22.، و The Daily Nation, Thursday 22 July, 2010

[11]  www.barissa.com: Setting records straight, Ahmed Issack Hassan, commissioner, CKRC 2010

[12] "The Constitution of Kenya Chapter 66.

[13]  " The Kadhi Courts , http://africa.peacelink.org/wajibu/articles/art_2120.html.

[14] بعض علماء الشافعية في شرق إفريقيا (باللغة السواحلية)، للشيخ عبد الله بن صالح الفارسي، ص 17، و The Kadhi courts in Kenya judiciary, History, Procedure and Practice by Twalib Bwana Abbas p. 27, Mombasa.

[15].  28The Kadhi courts in Kenya judiciary, History, Procedure and Practice by Twalib Bwana Abbas p. Mombasa.

[16] بعض علماء الشافعية في شرق إفريقيا (باللغة السواحلية)، للشيخ عبد الله بن صالح الفارسي، ص (11 – 12)، و www.islamkenya.com، Maisha ya Sheikh Al-Amin Mazrui, Ghalib Yusuf Tamimi, pp .14, Signal Press Ltd. Nairobi.

[17] بعض علماء الشافعية في شرق إفريقيا (باللغة السواحلية)، للشيخ عبد الله بن صالح الفارسي، ص 42، و Quraishy, M.A. Text book of Islam, Book One, Nairobi. (1987), p 192 - 194.  .

[18] بعض علماء الشافعية في شرق إفريقيا (باللغة السواحلية)، للشيخ عبد الله بن صالح الفارسي، ص 42، وChaguo la wanavyuoni, Harith Salim, p.52 Bajaber printings, Mombas, Kenya  ، و The Kadhi courts in Kenya judiciary, History, Procedure and Practice by Twalib Bwana Abbas p.32 Mombasa.

[19] بعض علماء الشافعية في شرق إفريقيا (باللغة السواحلية)، للشيخ عبد الله بن صالح الفارسي، ص 43، و www.islamkenya.com

[20] بعض علماء الشافعية في شرق إفريقيا (باللغة السواحلية)، للشيخ عبد الله بن صالح الفارسي، ص 44، و Maisha ya sheikh Abdullah Saleh Farsy katika Ulimwengu wa lislamu, Said Musa, Lillahi Islamic publication Centre, Daresalam, Tanzania.

[21]The Kadhi courts in Kenya judiciary, History, Procedure and Practice by Twalib Bwana p 37 Mombasa.  ، وهناك معلومات مأخوذة من مكالمة هاتفية أجريتها مع القاضي بعده الشيخ حماد محمد قاسم المزروعي بتاريخ 21/1/2011م.

[22]  The Kadhi courts in Kenya judiciary History, Procedure and Practice by Twalib Bwana Abbas p 39. Mombasa, The Friday Bulletin, Issue No.372 June 18, 2010. Page: 6.

[23]  The Friday Bulletin, Issue No.411  March 18, 2011. Page: 1, 8.

[24]  The Friday Bulletin, Issue No 366, May 7, 2010, page: 3.

[25] The proposed constitution of Kenya, 6th May 2010, codes: 24, 170, pages: 8, 26.

[26] The Daily Nation, Date 01/6/2010.

[27] The Daily Nation, Date 25/5/2010.

[28] www.IIEC.org.ke, The Daily Nation, August 6, 2010. Page: 2.