مجالس التّفسير في نيجيريا.. إلى أين؟!

  • 5 -9 - 2010
  • محمد الثاني عمر موسى

د. محمّد الثّاني عُمر مُوسى 

مدخـل:

من العادات القديمة لأهل بلاد «الهوسا» إقامةُ مجالس التّفسير في شهر رمضان لمدارسة كتاب الله تعالى، وتذكير النّاس بربهم، ودعوتهم إلى تدبّر كلام الله، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ويُرجع بَعضُ المؤرِّخين ظهور هذا العمل إلى عهد أمير «كانو» «علي ياجي» الذي حكم في (1300م)، وذلك عند نزول وفد قبيلة «وَنْغَرا» حَيَّ «مدابو» بقيادة الشيخ عبد الرّحمن الزَّيتي(1).

وهو عمَلٌ حَسَن؛ لما فيه من تحقيق قوله تعالى: ?شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان? [البقرة : 185]، والتأسّي برسوله صلى الله عليه وسلم الذي كان جبريل عليه السلام يلقاه في أيّام شهر رمضان ليدارسه القرآن كما ثبت في الصّحيحين(2).

غير أن هذه الظّاهرة الإيمانيّة العلميّة قد أصبحت في الأزمنة الأخيرة يعلوها غبارٌ من الجهل، ويحيط بها سورٌ من الهوى والتّضليل، وهو ما يُنذر بخطرٍ محدِقٍ على إيمان المجتمع واستقامته، إن لم يتداركه الله تعالى بلطفه وفضله.

لقد أصبحت ظاهرةُ مجالس التفسير في رمضان في بلادنا ميداناً رحباً لبثّ السّموم القاتلة، ونشر العقائد الفاسدة، والمذاهب المنحرفة، والأفكار الهدّامة، باسم تفسير كلام الله تعالى، وترجمة معاني القرآن العظيم، ويَتمّ ذلك بجرأةٍ عجيبةٍ، ومجازفةٍ غريبةٍ، فيها كثير من التنطّع في ترجمة الآيات دون أدنى معرفة بأقوال المفسِّرين وعلماء اللّغة، ودون اهتمامٍ بتمييز الرّوايات الصحّيحة من السّقيمة، إضافة إلى الجهل بتأويلات السّلف الصّالح من هذه الأمّة، وتصيُّد تأويلاتٍ فاسدةٍ لبعض المفسّرين والمؤلّفين.

وقد كتب الشيخ أبو بكر محمود جومي (عميد الدعوة السلفية في نيجيريا رحمه الله) قديماً مذكرة بعنوان (تهافت المفسرين)، حذّر فيها من هذا المنزلق الخطير، ونبّه على ما ينشره كثير من المتصدّرين للتفسير من الإسرائيليّات والقصص الواهيات، وفي بعضها نيلٌ من مقام النّبوة، وطعنٌ في رسل ربّ العالمين، فاستاء من هذه المذكرة بعضُ أولئك، وعدّوها نيلاً من كرامتهم، وانتقاصاً لعلمهم، فردَّوها ولم ينتفعوا بما فيها من الحقّ الأبلج الواضح(3).

أصناف المفسّرين في السّاحة الدّعوية النّيجيريّة ومصادر تلقِّيهم لهذ العلم:

لقد أصبحت إقامةُ مجالس التفسير في نيجيريا إحدى وسائل الدّعوة والتّذكير بالله، وتعليم النّاس أحكامَ الدّين، ومعالجة بعض المشكلات الاجتماعيّة، ومناقشة بعض القضايا السياسيّة.

وتظهر هذه المجالسُ بكثرةٍ ملحوظةٍ في أيّام شهر رمضان، بل من الدّعاة والعلماء من لا يتطرّق إلى تفسير القرآن الكريم لعامّة النّاس إلاّ في رمضان، وكان يتصدّى لهذه المهمّة قديماً قلّةٌ من الدّعاة، وعلى الرغم من وجود بعض المتعالمين غيرِ المؤهّلين بينهم؛ فإن الأمر إذ ذاك لم يتّسع اتساعه الآن، ولم يستفحل فسادُه استفحاله الحالي، وقد كان منذ الأيام الأولى يوجد بعضُ أصحاب الاتجاهات المنحرفة يخوضون في تفسير كلام الله حسب أهوائهم، ويأوّلونه وفقاً لأغراضهم الفاسدة، يتبعون كثيراً من غُلاة المتصوّفة، لكن مع ذلك تجدُ أنّ كثيراً من النّاس يتورّعون عن الخوض في هذا الباب، ويخافون القول في كتاب الله بلا علم، فلا يُقدمون على مزاولة هذا العلم بجهلٍ، ولا يتجرؤون على تفسير كلام الله على غير مراده.

ويمكن أن نحصر أصناف المفسّرين في السّاحة الدّعوية والعلميّة في نيجيريا في الآتي:

الصّنف الأول: من لهم معرفةٌ بعلم التّفسير، ولهم بصرٌ بأحكام الدّين، درسوا العلوم الشرعيّة، وعرفوا اللّغة العربيّة، يتحدّثون بها، ويكتبون ما يكتبون بها، ويؤلفون بها، وهؤلاء نزرٌ يسير جداًّ، كان يمثّلهم في الجيل السّابق: الشّيخ أبو بكر محمود جومي، الّذي عُرف بعلمه وورعه وديانته، ودعوته السّلفيّة الإصلاحيّة، قدّم تفسير كتاب الله من أوّله إلى آخره غير مرّة، وأذيع في إذاعة نيجيريا «كدونا» خلال شهر رمضان، ويعاد في بقية أيام السّنة.

اهتمّ الشّيخ أبو بكر محمود جومي بالتّفسير اهتماماً كبيراً، وساءه ما يراه في قومه من القول على الله تعالى بغير علم، وتفسير كلام الله بالهوى والباطل؛ فكتب كتابه (ردّ الأذهان إلى معاني القرآن) باللغة العربيّة، رام بذلك تنقية ما شاب تفسير آياتٍ قرآنيّة كثيرةٍ من تفاسير باطلة، وتأويلات مضلِّلة، وما دخل كُتب التّفاسير من قصصٍ واهية، وإسرائيليات مزيّفة، يقول في مقدمته لتفسيره هذا: «فإنّ كثيراً من القصص الّتي أُدخلت في تفاسير القرآن أَذهلت العقول، فجعلت النّاسَ يقرؤونها للتفكّه بها لا للعمل بما جاء به القرآن من العبر والمواعظ والشرائع، وربما أدّى ذلك إلى [نسبة] ما لا يجوز شرعاً أو عقلاً إلى خيرة خلق الله الأنبياء والملائكة والصّالحين.... »(4).

وقد بنى تفسيره على (تفسير الجلالين)، يكاد يكون كلّه من هذا الكتاب إلاّ من زياداتٍ يسيرةٍ تتعلّق بما يشير إليه من الموضوع الرّئيس للسّور، لخَّصها تلخيصاً بليغاً من كتاب (في ظلال القرآن) لسيّد قطب.

ثمّ جاء بعده الشّيخ جعفر محمود آدم - رحمه الله تعالى -، فسار على منهجه في تفسيره، وزاد عليه باعتماد تفاسير أخرى من تفاسير السّلف، وكانت لدراسته في الجامعة الإسلاميّة بالمدينة النبويّة في كلية القرآن الكريم أكبر أثرٍ  في اتجاهه هذا.

وكان منهجُه في التفسير قائماً على ما يأتي:

-  إعداد تفسير الآيات الّتي يريد تدريسها بالاعتماد على بعض كتب التّفاسير: وأهمّها (تفسير القرآن العظيم) للحافظ ابن كثير، و (محاسن التّأويل) لجمال الدّين القاسمي، و (أضواء البيان) للشّيخ محمّد الأمين الشّنقيطي، و (التّحرير والتّنوير) للشّيخ محمّد الطّاهر بن عاشور، و (الجامع لأحكام القرآن) لأبي عبد الله القرطبي، وكتاب (الصّحيح المسبور من التّفسير بالمأثور) للدكتور حكمت بشير ياسين (أحد مشايخه في الجامعة الإسلامية).

وكان يقدم خلاصةَ ما قرأه من هذه الكُتب في تفسير الآية بإيجازٍ شديدٍ، ممزوجاً بإرشاداتٍ تربويّة وكلماتٍ وعظيَّةٍ تُناسب الحال والمقام، ناظراً في كتاب (ردّ الأذهان إلى معاني القرآن) للقاضي أبي بكر جومي غيرَ مقتصِرٍ عليه.

-  تفسير القرآن بالقرآن .

-  تفسير القرآن بالسنّة الصّحيحة، والآثار السّلفيّة .

-  السّير في تفسيره على عقيدة سّلف الأمّة .

-  تجنّب الإسرائيليّات والحكايات المكذوبة، والقصص الموضوعة: الّتي شابت كثيراً من كتب التّفاسير .

-  البُعـدُ عن الأحاديث الضّعيفة والموضوعة في بيان أسباب نزول بعض الآيات، وتفسيرها.

-  بيان بعض وجوه الإعراب للآية من غير إسهابٍ: ويعتمد في ذلك على كتاب (الجامع لأحكام القرآن) وكتاب (التحرير والتنوير) لابن عاشور.

-  تلمّس الواقع، وربط بعض الآيات بالحياة اليوميّة للنّاس: وكلمات وعظيّة وإرشادات خلال تفسير بعض الآيات حيناً بعد حين.

وقد ترك الشيخ رحمه الله أكبر أثرٍ في السّاحة الدّعوية والعلميّة، وانتشر تفسيره المسجّل في الأشرطة المسموعة والمرئيّة، وعلى الأقراص الإلكترونيّة(5)، وصار كثير من الخائضين في هذا المجال يحفظون منه أشياء ثم يخرجون إلى الناس ليقيموا دروساً في التّفسير، ويحوزون الفضل بغير جهدهم، ويتجرؤون على كلام الله تعالى بغير علم.

الصنف الثاني: دخلوا في التفسير من خلال كتاب (تفسير الجلالين)، واقتصروا على ما فيه دون إضافة من غيره، فتفسيرهم يكاد يكون ترجمة حرفيّة لعبارات الجلالين، وهو في بعض الأحيان أقرب إلى كتب (غريب القرآن)؛ من حيث الاقتصار على بيان بعض الألفاظ القرآنيّة دون التّطرق إلى شرح مضامينها وتحليل جُمَلِها.

وهذا الصنف من المفسرين أقل ضرراً من الصنف الذي يخوض في تفسير آيات الله بأهوائه في تأويلها وتحريف معانيها، وأقل نفعاً من الصنف الأول الذين أُعطوا نصيباً من معرفة الكتاب والسنّة، فأفاد منهم قومهم وانتفعوا بعلمهم.

وإذا رأيت واحداً من هذا الصنف وجدته لا يكاد يخرج عن (تفسير الجلالين)، ولا يكاد يقف مع الآيات إلاّ قليلاً، يترجم ألفاظ القرآن ترجمةً حرفية يُفهم منها المقصود في الجملة دون التّعمق فيها، ولا يعرّج على الإشارات النّحوية ولا النّكات البلاغيّة التي ترد عند (تفسير الجلالين).

الصّنف الثّالث: هم من دخلوا مجال التفسير من بوابة (تفسير الجلالين), وزادوا عليه ما في حاشية الصّاوي على الجلالين(6)، فتجد الواحدَ من أولئك المفسِّرين؛ كلّما جاء إلى آيةٍ للصّاوي حاشية عليها؛ وقف عندها وقرأ عليه قارئٌ من الحاشية المذكورة، وهو يترجم للنّاس، وغالباً ما تكون قصصاً واهيةً, وأحاديث موضوعةً، وأسباب نزول لا تصحّ، وبعضها فيها نيلٌ من كرامة الأنبياء، ومع ذلك لا يتنبّه هذا المفسر لها ولا يقف عندها موقف الناقد.

وهذا النمط من المفسّرين يكثر في الصّوفية ولا سيّما غلاتهم، ويتّخذون هذا الكتاب سلّماً للنّيل من عقيدة أهل السنّة، ونشر أباطيلهم، ودعوة النّاس إلى التّصوف الغالي، ويكثر هذا الصنف من المفسّرين في أتباع الشّيخ إبراهيم نياس السّنغالي.

الصّنف الرّابع: من اعتمدوا على (تفسير الجلالين) وجعلوه أصلاً، إلاّ أنهم يترجمون كلمات القرآن ترجمةً غامضةً لا يكاد السّامع يفهم منهم شيئاً سوى ألفاظ بلغة «الهوسا» تخرج من حناجرهم، يتغنون بها، ولا يقفون لتدبّر الآيات أو تأمّل المواقف، وإذا وقفوا فإنها وقفة هجوم على عقيدة أهل السنّة والجماعة، ودعوةٍ إلى التّصوف المقيت, ومن عجائب هؤلاء أنهم يُنهون تفسير القرآن كاملاً في ثلاثين يوماً في شهر رمضان لكلّ عام، أي بمعدلّ ترجمة جزءٍ كامل في كل يوم في حدود ساعتين من الزّمن!

الصنف الخامس: من لا يسترشد بكتاب، ولا يعتمد في تفسيره على أصل، بل يقول ما تملي عليه نفسه الأمّارة بالسّوء، يضرب الآيات بعضها ببعض ليخرج بمعان في تفسير كلام الله تعالى لم يقل بها أحدٌ من العلماء، ولا سطّرها يراعُ أحد من الكتّاب، غايتُه الدّعوة إلى طريقته الباطلة بتحميل كلام الله ما لا يحتمله، وتحريف الكلم عن مواضعه، ومع ذلك تراه يتفاخر بأنّه لا يعتمد كتاباً ولا ينظر في أصلٍ، ولا يدري أنّه بذلك ينادي على نفسه بالجهل، وعدم اعتماده على الكتاب هو اللاّئق بحاله؛ إذ كيف يجد كلّ تخبّطاته وأفكاره المنحرفة في كتابٍ؟!

ويمثّل هذا النّمط الشّيخ طاهر عثمان بوشي، الشّيخ المتصوّف الباطني، الذي لا يألو جهداً في الدعوة إلى العقائد الباطنية، يفسّر القرآن حسب هواه، ويفاخر بأنه لا يعتمد أصلاً، ولا ينظر في كتاب، مع أنّ هذا قصور ونقص؛ إذ لا تكاد تسمعه ينقل أقوال المفسرين في الآية، ولا يذكر تفسير الصحابة والتابعين؛ فكل أولئك يخالفهم في نهجه وطريقته.

وعلى منواله يسير القصّاصون الذين يقيمون مجالس التفسير في الأسواق والأماكن العامة، غالبهم (قرآنيّون) لا يؤمنون بأيّ كتاب إلاّ القرآن، ويترجمون القرآن ترجمةً خاطئة.

عواملُ انتشار هذه الظّاهرة:

هناك عواملُ وأسبابٌ أدَّت إلى انتشار هذه الظّاهرة وتفاقُمِها، من ذلك:

-  ضعفُ الوازع الدّيني لدى كثيرٍ من الدّعاة: ولو أنهم خافوا الله تعالى واتَّقوه لعلموا أن كلامَ الله جدير بالتبجيل والتّعظيم، وحري بهم تنزيهه عن العبث والخوض فيه بلا علمٍ، لكنّهم لم يشعروا بذلك؛ لموت ضمائرهم، وتسلّط الشيطان عليهم.

-  رفعُ العلم وكثرة الجهل: فإنّ ذلك مما أخبر به المصطفى صلى الله عليه وسلم، ونصّ عليه من جملة أشراط السّاعة، ولا شكّ أنّ من آثاره السّلبية، كما جاء في الحديث، أن يتّخذَ النّاسُ رؤوساً جُهَّالاً فيتكلّمون في العلم فيضلّون ويضلّون، فلما خَلت السّاحة عن العلماء العارفين الّذين يبينون الحق للناس، ويكشفون سوءاتِ المتجرئين على القول في كتاب الله دون علم، نُصحاً للأمَّة وتحذيراً منهم؛ وجد أولئك المتعالِمون مجالاً لنشر أباطيلهم وتسويق بضائعهم المزيَّفة من غير نكير.

-  حب الظّهـور والشّهرة: وقديماً قيل: (حُبّ الظُّهور يَقْصم الظّهور)، وهذا حَمَل كثيراً منهم على ارتقاء هذا المرتَقى الصَّعب، فلم يَرضوا لأنفسهم بالوقوف عند أقدارهم؛ حتى سوّلت لهم أنفسُهم أن يتظاهروا بما ليس عندهم، وأحبّوا أن يُحمدوا بما لم يَفعلوا، لتنحني لهم الرّؤوس إجلالاً، وتعلوَ الأصواتُ أمامهم تكبيراً، فاختاروا رضا النّاس بسخط الله، فلم يتورّع أحد منهم أن يتكلّم فيما قد توقّف فيه فحولُ العلماء، ولم يخَف أن يخوض في كتاب الله بغير علم ما دام أنّ فعله هذا يجلب له الشّهرة بين النّاس، والله تعالى يقول: ?تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين? [القصص : 83]، وإذا تمكّن داءُ الشّهرة من النّفس أفقدها الصّدق مع الله تعالى، كما قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: «ما صَدَق اللهَ عبدٌ أحبّ الشّهرة»(23).

ومن لحقتْه هذه الآفةُ - مع إخلاصه - وهو لا يَشعُر بها؛ تَبصَّر بالتّذكير، وأقلع عن العيب بعد التّحذير، يقول الحافظ الذّهبي رحمه الله: «علامةُ المخلِصِ الّذي قد يحبّ شُهرةً ولا يشعر بها؛ أنَّه إذا عُوتِب في ذلك لا يَحْرَدُ [أي: لا يغضب]، ولا يُبَرِّئُ نَفْسَه، بل يَعترف، ويقول: رحم الله مَن أهدى إلَيَّ عُيوبي. ولا يَكُون مُعجباً بنفسِه لا يَشْعُر بعيوبها، بل لا يشعر أنّه لا يَشعر؛ فإنّ هذا داءٌ مُزْمِنٌ»(24).

-  التَّكسُّب بالعلم الزَّائِف: وذلك لما رأى بعضُ من لا يتَّقي الله أنّ إقامةَ مجلسٍ في التفسير في شهر الجود شهر رمضان مصدرٌ مُهمٌّ لجمع الأموال، والحصولِ على الصَّدقات والزَّكوات، وما تجود به أيدي المضَّطرين إلى الدَّعَوات؛ سعى سعياً حثيثاً إلى اقتحام العَقَبات، وجدَّ بعضُهم في التنقّل بين البلاد، أملاً بالكثير يوم الحصاد، فرضي أن يبيعَ دينَه وتقواه بِعَرضٍ من الدّنيا قليلٍ، ?وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ مَتَاعُ الْغُرورِ? [آل عمران: 185].

-  ظنّ كثير ٍمن الخائضين في التفسير أنهم يكفيهم الاطلاع على بعض ترجمات معاني القرآن الكريم إلى اللّغات المحليّة: والوقوف على ترجمةِ الآيات الّتي يُلقون تفسيرها على النّاس، ثم يخرجون عليهم ليشرحوا تلك الآيات، ويعلقوا عليها من عند أنفسهم، ويرون أنهم بهذا الفعل يحسنون صنعاً، ويحسبون أنهم مهتدون!

ولا ريب أنّ هذا غَلط كبير، ومَزْلَق خطير، فإنّ تلك الترجمات لا تكفي لإخراج مفسِّر لكتاب الله، لأمورٍ منها:

-  أنّ كثيراً من تلك التّرجمات إنما هي في معظمها ترجمات حرفيّة لا تكاد تُجلِّي معاني الآيات كما ينبغي، بل أحياناً تشوبها أخطاء فادحة لا ينتبه لها إلاّ من أوتي حظاًّ من العلم.

-  أنّ شروط المفسِّر وأدواتِه، ليست محصورةً في فهم الألفاظ القرآنيّة فحسب، بل يُشترط فيه تفهّم مراد الله تعالى من تلك الألفاظ، ولا يمكن الكشف عن مراده إلاّ من خلال السنّة النبويّة الصّحيحة، وأقوال السلف، والأئمّة المفسرين، كما سبق التّنصيص على ذلك في جملة الشروط. وأمّا التّرجمات الموجودة فالغرض منها نقلُ معاني نصوص القرآن الكريم من لغته العربيّة إلى لغاتٍ أخرى، ليتسنّى لمن لا يُتقن اللّغة العربيّة أن يفهم ولو شيئاً يسيراً مما في هذا الكتاب العزيز.

-  أنّ هناك فرقاً كبيراً بين التّرجمة والتّفسير، والمجالس المنتشرة إنما هي في التّفسير، وليست لمجرّد نقل التّرجمات الحرفيّة. والأغاليط الفادحة، والآثار السيّئة الّتي نتحدّث عنها أكثر ما تَحْدُثُ من جِهة التّفسير والشّرح، لا من جِهة ترجمة الألفاظ.

-  فسادُ السّياسيِّين: فالسّياسة قد أصبحت في يومنا هذا رمزاً للكذب والرّياء، ودثاراً للفساد والانحلال؛ حتى صارت كلمةُ السّياسة كأنها مرادفةٌ لهذه المعاني ولغيرها من سوءات الحياة(25)، ولما رأى السّاسةُ أنّ الدّين عامل قويّ في التّحكّم  بشعور العامّة، وجرّهم إلى حزبٍ سياسيّ معيَّن، أو شخصيّة معيَّنة؛ رَكبوا هذه الموضةَ، وحاولوا إظهارَ أنفسهم بصفة المناصرين للدّين، العاملين في نشره، وكان شهر رمضان سوقاً رائجةً لهم لإظهار هذا الكذب في صورة الصّدق، والسّياسة الخبيثة في لباس الدّين الطّاهر، فانطلق كلّ واحدٍ منهم يختار من أولئك المتمشيخين من كان يستعمله في الدّعاء له للوصول إلى كرسيّ الفساد، ومَنصّة الرّشوة والظلم، بل أحياناً يكون المتمَشْيِخ من المشعوذِين الضّالين، فيشتري له ساعات البثِّ في إذاعةٍ أو أكثر لنشر الفوضى والعقائد المنحرفة باسم التّفسير، فيبوء بإثمه وإثم من ضلّ بسببه.

-  ضعفُ المستوى العلميّ لدى أكثر النّاس: وغياب المعايير الصّحيحة لديهم لتقويم الدعاة، فتوهّموا أن كلَّ إنسان عليم اللّسان، فصيحِ المقال، آخَّاذٍ بمشاعر النّاس إن تكلّم، جَهْوَرِيِّ الصّوت إذا خَطَب؛ أنّه من أولي العلم والأبصار، فالتفّوا حولَه ورفعوه إلى مصافّ العلماء، فاغترّ بذلك وجاهر بالأقوال الباطلة، ولم يتورَّع عن الخوض في التفسير دون علم.

من الآثار السـيّئة لظاهرة الخوض في التفسير دون علم:

وقد تولَّد من هذه الظّاهرة آثارٌ سلبيّة، تُنذر بخرابِ سوق العلم، وتُهدِّد مستقبل الإسلام في البلاد بالفساد والبدع، فمن آثارها السيّئة:

-  نشرُ الكذب والقول على الله بلا علمٍ: وهو محرَّم شرعاً بنصِّ القرآن، قال تعالى: ?قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم والْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأن تُشْرِكُوا بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ? [الأعراف : 33]، وجعل الله تعالى القولَ عليه بلا علم من اتّباع خطواتِ الشّيطان، قال تعالى: ?... ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِين (168) إنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى الله مَا لا تَعْلَمُونَ? [البقرة : 168 - 169]. كما نهى عنه في قوله: ?وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لك بِهِ عِلمٌ إنّ السَّمْعَ والْبَصْرَ وَالْفُؤادَ كُلّ أُولَئِكَ كَان عَنْهُ مَسْؤُولاً? [الإسراء : 36].

-  إسقاطُ هيبةِ التفسير من النّفوس: فإذا كان تفسير القرآن الكريم لا يخضع عند هؤلاء لمنهج، ولا يَتبع ضابطاً أو قاعدة؛ فإنّ ذلك يجرّئ الناس على الخوض في بيان مراد الله دون علم ولا هدى ولا كتاب منير.

-  «مَدّ المخالفة وامتدادُ رُواقِها: وانتشارُها في الاعتقاد والأقوالِ والأعمال، فإنّ الأهواء إذا كانت في متناوَلِ كلِّ لاقطٍ؛ آلت بالأمّة إلى أَسْرِها بأغلالٍ ما أنزل الله بها من سُلطان.

-  فُشُوُّ الشّبهة، ومداخلَتُها للاعتقاد الحقِّ: وتَلَعُبُّها بالقُلوب كَتَلَعُّب الأفعال بالأسماء، وبالتّالي تحريكُ العقيدة الحقَّة عن مكانها بعد ثباتها، فيضعف الاعتقاد السَّلِيم ويضعف سلطانه»(26).

-  هجرانُ كثيرٍ من هؤلاء الخائضين تَعلّم هذا العلم بأصوله: والإعراض عن مجالسَةِ العلماء العارفين بقواعده، لاعتقادهم أنّ الخوضَ فيه أمرٌ سهلٌ لا يتطلَّب عناءَ التّعلم ولا يحتاج إلى مشقّة البحث, وهذا الظنّ مع وضوح فَساده مخالفٌ لهدي علماء سلف هذه الأمّة الذين عنوا بالبحث عن معاني القرآن الكريم عناية فائقة النظير، ويصوِّر ذلك ما يأتي:

عن عُبيد بن حنين أنّه سمع ابنَ عَبّاس رضي الله عنهما يحدِّث أنّه قال: «مَكثتُ سنةً أُريد أن أسأل عُمرَ بن الخطّاب عن آيةٍ فما أستطيع أن أسألَه هيبةً له, حَتَّى خَرَج حاجاًّ فخرجتُ معه، فَلَمَّا رجعتُ، وكنَّا ببعض الطّريق عَدَل إلى الأرَاكِ لحاجةٍ له، قال: فَوقفتُ له حتى فرَغَ، فقلت: يَا أمير المؤمنين، من اللَّتان تَظاهرتَا على النّبي صلى الله عليه وسلم مِن أزواجِه؟ فقالَ: تلك حَفْصَةُ وعَائِشَةُ»(27).

وعن الشّعبي قال: «رحل مَسروقٌ في آيةٍ إلى البصرة، فسأل عن الّذي يفسِّرها وأُخبر أنّه بالشّام، فقدم الكوفَة فتجهّز ثم خرج إلى الشّام، حتى سأل عنها»(28)، وعن عبد الله بن بريدة، عن رجل من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لو أنِّي أعلم إذا سافرتُ أربعين ليلةً أعربتُ آيةً من كتاب الله لفعلتُ»(29), وقال عكرمة في قوله عز وجل: ?وَمَنْ يَخْرُج مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إلى الله وَرَسُولِهِ? : «طلبتُ اسمَ هذا الرّجل الّذي خرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسولِه أربعَ عشرة سنةً حتى وجدتُّه»(30).

وهذه النصوص وأمثالها دليل على اهتمام السّلف بطلب علم التفسير، وتعلّمه من ذويه مهما كلّفهم ذلك من صُعوبةٍ وعَناء, قال شيخ الاسلام ابن تيمية: «من فسر القرآن أو الحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله، ملحد في آيات الله، محرف للكلم عن مواضعه، وهذا فتح لباب الزندقة والإلحاد، وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام»(31).

-  تعميقُ الفرقة بين الأمّة الإسلاميّة، وتمزيقُ وِحدتها بإحداث أقوالٍ فاسدة: ونشرِ الْفَوْضَى باسم العلم، مما يؤدّي إلى وُجود مقالاتٍ بدعيةٍ جديدةٍ تضاف إلى رَصيد ما تُعانيه الأمّة من المقالات المنحرفة القديمة.

وسائل محـاربة هذه الظاهرة:

تَكمُن وسائلُ محاربة هذه الظّاهرة، وإزالتها أو التّقليل منها، فيما يأتي:

-  إقامةُ الدّورات والملتقيات والنّدوات العلميَّة: والتي تتناول الحديثَ عن التّفسير وأصولِه، والمؤلَّفات فيه، وخُطورتِه، وأدواتِ المفسِّر وشروطه، يقوم بتنفيذها علماءُ أو طلاّب علمٍ متخصِّصون في هذا المجال عارفون بخفاياه وغوامضه؛ يُدعى لحضورها كل الدعاة العاملين، وتُبثّ عبر وسائل الأعلام المرئيّة والمسموعة، ليعلم من لا يَعلم أنّ هذا العلم ليس سهلَ المرتقى، بحيث يَدخله من شاء كما يشاء.

-  مَزيد الاهتمام والعناية بفنّ التّفسير ومتعلّقاته: وذلك بتخصيص حلقاتٍ علميَّةٍ في هذا الفنّ الجليل؛ كي يتخرّج جيلٌ من الدّارسين عارفٌ بكتاب الله تعالى، ومرادِ الرّبّ سبحانه وتعالى، حتّى يقوموا بحاجة الأمّة إلى تَفهيمها كتابَ ربِّها جلّ وعلا، ويسدّوا الطّريق أمَامَ الخائضين، ولا يكتفي العلماء بدروس التّفسير العامّة، إذ إنّ سبيلَ ذلك توعية العامّة أكثر من تحقيق مسائل التفسير ودقائقه، والتي لا يعقلها إلا النابهون من طلبة العلم الشّرعي.

-  نشرُ الوعي بين النّاس، وتحذيرهم من السّماع إلى كلِّ متحدِّث باسم العلم: إحياءً لمنهج المتقدِّمين: (لا تأخذ العلم إلاّ عمّن تعرف)، و (نبذ أحاديث المجاهيل الّذين لم يشهد لهم بالعلم والمعرفة)، وخصوصاً في أيام شهر رمضان المبارك.

-  توعية السياسيين والمسؤولين وأصحاب المال، وتذكيرهم بالله تعالى، وإعلامهم بخطورة الإعانة على نشر الفساد والكذب بين الناس: وأنّ من فعل هذا بآء بإثمه وإثم من عمل به إلى يوم القيامة، وتوجيههم إلى تسخير قُدراتهم الماليّة والسياسيّة في خدمة برامج دينيّة أخرى تنفع المسلمين، ويُكتب لهم الأجر عند الله تعالى.

-  شراءُ ساعاتِ البثِّ لبعض الدّعاة البارزين في مجال تفسير القرآن الكريم: وتَخَيّر أوقات البثِّ المناسبة؛ ليعلمَ النّاس الفرقَ بين بَلَجِ الحقَّ وَلجاجَة الباطل، بين نور العلم، وبين ظُلمات الجهل؛ ففَضيلةَ الشّيء تُعرَف بضدّه، كما في الكلام السّائر:

الضّدّ يُظْهِر حُسْنَه الضِّدّ    وَبِضِدّها تَتَميّزُ الأشياءُ

نشر التفاسير الجيدة المناسبة للبيئة: لتكون مرجعا معتمدا لمن يريد الاشتغال بالتفسير, كتفسير الشيخ جعفر ادم محمود- رحمه الله تعالى – المشار اليه آنفا, والذي يجري العمل الان على تفريغه من الاشرطة وطبعه, يسر الله اتمامه ونشره .

(*) مدير مركز الامام البخاري للأبحاث والترجمة / كانو – نيجيريا .

(1) انظر: حياة الشيخ علي الكوماسي، ص 361.

(2) البخاري، رقم 1803، ومسلم، رقم 6149 ، عن ابن عباس رضي الله عنهما.

(3) انظر: الإسلام اليوم وغداً في نيجيريا، لآدم الألوري، ص 85.

(4) مقدمة ردّ الأذهان.

(5) وقد بدأنا العمل على تفريغه وطبعه بمركز الشّيخ جعفر محمود آدم العلمي، وقد طبع منه (جزء تبارك) بإشرافي، وسورة البقرة، قيد الطّبع، وسيصدر تباعاً إن شاء الله تعالى.

(6) الصّاوي: هو أحمد بن محمد الصّاوي المصري الخلوتي المالكي (ت 1241هـ)، وهو متصوّف غارقٌ في التصوف حتى النخاع، وله في حاشيته هذه آراءٌ زائغة، وتأويلاتٌ باطلة، وكلامٌ سيءٌ في أهل السنّة والجماعة.

(23) التاريخ الكبير، للبخاري، (4 / 363).

(24) سير أعلام النبلاء، (7 / 393).

(25) انظر: النظرات، للمنفلوطي، ص (56 – 57).

(26) الرد على المخالف، بكر أبو زيد، ص (79 – 80).

(27) البخاري، رقم 4913، ومسلم، رقم 1479.

(28) التعديل والتجريح، (2 / 747).

(29) الإتقان، للسيوطي، (2 / 465). ومعنى الإعراب: البيان والتّفسير.

(30) تفسير القرطبي، (1 / 26).

(31) الفتاوى، (13 / 243).