لماذا لا تزال فرنسا تدعم حكام إفريقيا المستبدين؟(*)

  • 20 -2 - 2011
  • هيئة تحرير المجلة


بقلم: بوبكر بوريس ديوب  

ترجمة: مجلة قراءات

حالما تمّ انتخاب نيكولا ساركوزي وباراك أوباما للرئاسة بدأ كل منهما التخطيط لجولات رفيعة المستوى في إفريقيا، وبالتأكيد فإن للرئيسَيْن الفرنسي والأمريكي أولويات أكثر إلحاحاً من مجرد الحديث لقارة حُكم عليها لزمن طويل بأنها غير مهمة بالنسبة للشؤون الدولية، ولكن كما اتضح فإن التدريب اللافت للنظر لـ «التحدّث لإفريقيا» قدّم الفرصة المثالية لهذَيْن الرئيسَيْن الغربيَّيْن المبتدئَيْن لإثبات أنهما جسّدَا بالضبط ما قالا إنهما فعلاه: القيادة غير المتزاوجة مع الأمور التقليدية للأعمال كالمعتاد.

إذاً فضَيْفَيْنا قد أتيَا وهما يرسمان نفسَيْهما أصدقاء للقارة، وهما حقّاً يملكان عاطفة عميقة جدّاً لدرجة أنهما كانَا غير خائفَيْن من التفوّه عالياً بكل الحقائق غير الطيبة حول إفريقيا، والتي يتمّ الهمس بها سرّاً, وكمثل الرجل النبيل الذي يحاضر الشحاذ قبل إلقاء قطعة نقدية ضئيلة في جرّته؛ جاءَا إلى إفريقيا بإحساس متأصّل من الاستعلاء, عاطفتهما هذه مأخوذة - في الواقع - من الاعتقاد بأنهما قامَا بكلّ ما في وسعَيْهما لتجنّب حدوث فوضى على خلاف الشحاذين (أي الدول الإفريقية نفسها)، وكما بدَا فإن أوباما وساركوزي كانت تقلقهما الرغبة في استعادة العقل لأكثر دول العالم في جانب عدم المسؤولية.

لكن يا لهـا من إعادة كتـابة سيئة للتاريخ!

بالتأكيد كان أوباما دمثاًً بدرجة كافية عند زيارته لغانا العام الماضي, حتى إنه احتاج إلى أن يُذكّر بالحدِّ الذي دفعت إليه «أمريكا الحرب الباردة» بالعديد من الدول لكي يُصبحوا «الدول المخفقة» اليوم.

على الرغم من ذلك فإنه من بين الرئيسَيْن؛ فإن ساركوزي بالتأكيد هو القائد الأكثر استحقاقاً للتوبيخ, فلا يوجد أبداً في التاريخ السياسي الحديث شيء يقارب تآزر القوى غير القابل للانفصال مثلما هو الحال بين فرنسا ومستعمراتها السابقة, ففي اللحظة الأولى لإدراكها أن الاحتلال لا محالة منتهٍ؛ دبّرت باريس إحدى الروائع الحقيقية للعبقرية السياسية، وهي القيام بكلّ ما هو ضروري للخروج من إفريقيا بطريقة لا تجعلها تتزحزح عنها بمقدار بوصة في الحقيقة!

جاك فوكارت (المستشار المؤتمن للجنرال شارل ديجول) كان هو مُعـد هذه الخدعة الاحتلالية, كانت طرقـه بسيطة: تنصيب سياسيين أفارقة مؤتمنين- بعضهم يحملون جنسية فرنسية- حكام لهذه الدول الأربع عشرة الجديدة, والمحافظة على الاستحواذ الفرنسي القوي لمواردها الطبيعية. كان هذا نظاماً يرعى الفساد وعدم الاستقرار بشكل طبيعي، ولا يكاد يستطيع الاستمرار دون انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان(1).

ولكن ذلك لا يهمّ، فديكتاتوريو إفريقيا الجدد يستطيعون أن يستريحوا, فبفضل 60000 جندي في القارة؛ فإن الجيش الفرنسي يمكنه الهرع لمعاونتهم خلال لحظة من طلب ذلك, وقد وافق الجيش على ذلك باعتباره جزءاً من اتفاقيات دفاعية بها فقرات مفتاحية معينة تمّ الاحتفاظ بها في سرية. المخابرات الفرنسية أيضاً أقرت عند الضرورة القيام بعمليات قتل الخصوم الأكثر خطراً على عملائها من الحكام المستبدين, وقائمة الشخصيات الإفريقية المعارضة الذين تمت تصفيتهم بأسلوب بشع قائمة طويلة بشكل مفزع!

حقيقة؛ إن الخطأ الأكبر لهذا النموذج الفرنسي ليس أنه موجود بالأساس، لكنه - وبلا إرباك - ظلّ باقياً بعد الحرب الباردة, ففي الوقت الذي كانت موسكو وواشنطن تتصرفان بوحشية أكبر في مناطق النفوذ الخاصة بكلٍّ منهما؛ فإن تطفُّل باريس على إفريقيا كان يبدو معتدلاً نسبياً, لكن اليوم سيكون من غير المتصوَّر أن يُرى رئيس الوزراء البريطاني وهو يتدخل في خلافة الرئيسين الغيني والكيني.

وماذا عن ساركوزي؟ لقد قام بذلك تماماً العام الماضي عندما فاز «علي بونجو» في الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها, وذلك بمصادقة الرئيس الفرنسي على خلافته لوالده. ولا عجب! فإن «بونجو» الأب نفسه كان قد نصّبه ديجول من قبل في عام 1967م، وبالمثل فقد ساند جاك شيراك ابنَ رئيس دولة توجو الجنرال «ناسينجبي إياديما»، وذلك في عام 2005م.

وهكذا يدور الأمر، ففرنسا تقوّض الاستقرار وتدمّر دول إفريقيا كأن العالم لم يتغير! حقاً إن من بين كل القوى الاحتلالية الأوروبية السابقة فإن فرنسا فريدة في رفضها لإنهاء الاحتلال! أما الدول التي رفضت هذه «الصداقة» مع باريس، مثل فيتنام ومدغشقر والكاميرون والجزائر، فقد دفعت مقابل حريتها مئات عديدة من آلاف الأرواح.

ولتنظر للنيجر، ففرنسا ليست راضية عن استخراج اليورانيوم ببساطة من تلك الدولة، مع أنها تدفع بأسعار دول العالم الثالث، بل إنها تقوم بذلك تحت شروط استغلالية، مثل شفط المياه الجوفية تماماً، وهو مّا أدّى إلى أن أصبحت الزراعة مستحيلة في هذه الدولة الزراعية.

وبموافقة النيجر على إمداد فرنسا بأربعين في المائة من احتياجاتها من اليورانيوم، وربما تكون النيجر ثاني أكبر منتج لليورانيوم في العالم، ولكنها واحدة من أفقر البلاد على كوكب الأرض! وحتماً قد حصلت فرنسا على اليورانيوم، فقد أُشيع على نطاق واسع أن الاستخبارات السرية الفرنسية قامت بالإطاحة بـ «هاماني ديوري» أول رئيس للدولة في عام 1974م بعدما قال إن بلده لم تنتفع بأي شيء من استخراج المعادن.

إن عدم الاستقرار الحالي للنيجر – ثلاثة انقلابات منذ 1996م، وتمرد داخلي مستمر- يرتبط بشكل مباشر بالإلزام الفرنسي بالتحكم في مصادرها الاستراتيجية.

افترض العديد لسنين أن هذه التركيبة «الفرنسإفريقية» أصبحت أمراً غير واقعي، وأنها لاحقاً ستذبل أو ستموت موتاً طبيعياً، لكن بشكل أو بآخر فإن هذا التزاوج ما زال مستمراً، في الجابون وتشاد والنيجر وجمهورية الكونغو، بلا علامة واضحة لتحديد ذلك، وفرنسا سعيدة بتحريك الخيوط من خلف الستار بطريقة لا تمكّن أيّ ثورة إفريقية ذات شعبية من استهداف تدخلها.

بدلاً من ذلك؛ فقد فعل القادة الفرنسيون كلّ ما في طاقتهم لتغذية تواطؤ عاطفي عميق في الجريمة داخل شركائهم الأفارقة، يُصِرّ فوكارت (مستشار ديجول) في مذكراته على أهمية الحفاظ على علاقات شخصية عميقة مع الرؤساء الأفارقة أبعد كثيراً مما يقتضيه البروتوكول. ولقد غضب ديجول عندما كان يدعوه «جين بيدال بوكاسا» رئيس جمهورية إفريقيا الوسطى دائماً بـ «بابا»، لكنه كان يمسك لسانه، وذلك بالطبع كيلا تتأثر إمدادات الخشب والماس الاستوائيين إلى فرنسا.

وكما يُعتقد؛ فإن الشركاء الأفارقة شعروا براحة أكبر مع شيراك، فهو أقل تكبراً فيما يخص الطعام الجيد، بل إنه مشجّع للنكات الجنسية الوقحة أو المضحكة، باختصار.. لقد كان رجلاً أقل تعقيداً.

هذه الفلسفة تعتمد على الفكرة غير المريحة بأن الأفارقة «المَرحين بطبعهم» - كما قال شيراك ذات مرة - هم ببساطة «أطفال كبار»! عدم النضج المفترض هذا يخوِّل لفرنسا التصرف بطريقة غير ديمقراطية بشدة في إفريقيا، لدرجة أن ممارساتها لا يمكن تخيلها عند العودة للوطن.

ولسوء الحظ فإن قارتي ليس عليها أن تتخيل تلك الوقائع؛ لأننا نعيش فيها كلّ يوم مع كل مواطن محروم يريد التعليم، والرعاية الصحية, حتى في بعض الأوقات محتاج إلى قصعة من الأرز ليأكل, في الوقت نفسه تظلّ فرنسا راضية تماماً.

(1) كان من ضمن ما اتفق عليه ديجول مع هؤلاء الزعماء؛ السماح بتمركز القوات الفرنسية على أراضي بلدانهم، وتزويد فرنسا بمدد ثابت من المواد الخام بأسعار محددة سلفاً، وقبول جميع ديون الحقبة الاستعمارية المستحقة لفرنسا بلا نقاش، والحفاظ على الفرنك الإفريقي كعملة مشتركة، ومنح الخزانة الفرنسية حق النقض فيما يتصل بالقرارات التي تتخذها البنوك المركزية دون الإقليمية في بلدانهم.  (قراءات إفريقية).