لقاء مجلة (قراءات إفريقية) مع معالي الشيخ محمد بن ناصر العبودي الأمين العام المساعد لرابطة العالم الإسلامي

  • 14 -4 - 2012
  • أحمد مقرم النهدي
  • رأفت صلاح الدين


حوار: رأفت صلاح الدين - أحمد مقرم النهدي

في إطار جهود مجلة قراءات إفريقية لتوعية المسلمين بشؤون القارة الإفريقية في جميع المجالات، وبخاصة الدعوة الإسلامية، وأحوال المسلمين فيها، يسر المجلة أن تستضيف علماً من أعلام الدعوة إلى الله، وأديباً رحّالة، زار كثيراً من مدن القارة، وقدّم الجهود الكثيرة لفتح منافذ الدعوة بها، وكتب المذكرات والرحلات والمؤلفات التي تكشف أسرار هذه القارة وأحوالها، وتعالج قضاياها، وتقدّم الخبرة للدعاة في مجال الدعوة إلى الله تعالى وغيرها من المجالات.

? فضيلتكم غني عن التعريف، لكن حبذا لو قدّمتم بطاقة تعريف سريعة كمدخل لهذا الحوار حتى يتفاعل معكم القارئ؟

? محمد بن ناصر بن عبد الرحمن العبودي، وُلدت في مدينة بريدة في عام 1345هـ، شغلت مناصب عديدة، منها: إدارة المعهد العلمي في بريدة لمدة سبع سنين، ثم الأمين العام للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة لمدة (13) سنة، فوكيل الجامعة لمدة سنة واحدة، ثم الأمين العام للدعوة الإسلامية في المرتبة الخامسة عشرة (رتبة وكيل وزارة) لمدة ثماني سنوات، ثم الوظيفة الحالية (الأمين العام المساعد لرابطة العالم الإسلامي)، وأنا الآن في المرتبة الممتازة.

الأغلبية من شعوب الدول الإفريقية تسارع إلى اعتناق الإسلام إذا توفّرت لهم الظروف المناسبة، مثل الدعاة، ووسائل النشر، والإعلام

 

 

لي مؤلفات عديدة، طُبع منها (193) كتاباً، منها (معجم أُسر بريدة) في 23 مجلداً، و (معجم بلاد القصيم) في ستة مجلدات، و (الأمثال العامية في نجد) في خمس مجلدات، و (معجم الأصول الفصيحة للألفاظ الدارجة) في 13 مجلداً، أما المؤلفات المخطوطة فتزيد على مائة مؤلف، بعضها في مجلدات كثيرة، وكتبت في الرحلات وأحوال المسلمين كثيراً من المؤلفات؛ إذْ بلغت (167) كتاباً، طُبع منها (129) كتاباً.

جرى اختياري في المهرجان الوطني للتراث والثقافة «شخصية العام الثقافية» في المملكة العربية السعودية لعام 1424هـ، وحصلت على «وسام الملك عبد العزيز» من الدرجة الأولى، وعلى «ميدالية الاستحقاق في الأدب»، أشارك في عضوية لجان أدبية وعلمية وإدارية عديدة، كما حصلت على «وسام السلطان قابوس للثقافة والعلوم والفنون» من الدرجة الثانية، وذلك بمناسبة الاحتفاء بمسقط عاصمة للثقافة العربية عام 2006م.

? يوصف الشيخ بأنه أديب الرحلات، والرحّالة المتنقل، وواصف هموم المسلمين، وبالكاشف عن عادات وتقاليد الشعوب.. ماذا تمثّل هذه الأوصاف لكم؟

? الوصف بالرحّالة وصف صادق لأنه واقع، ولا يُشعر بمدح أو ذم، أما بقية الأوصاف، مثل أديب الرحلات أو غيرها، فإنني لا أقول بذلك؛ لأن الذي أعرفه عن نفسي أنني كـنت أذهب إلى مواطن المسلمين ومؤتمراتهم واجتماعاتهم استجابة لذلك منهم، أو بمبادرة من الجهة التي كـنت أعمل فيها، وهي الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، ثم الأمانة العامة للدعوة الإسلامية، وأخيراً رابطة العالم الإسلامي، من أجل هدف نبيل، هو تقوية العلاقة بالإخوة المسلمين، ومساعدتهم في شؤونهم الدينية.

? كيف بدأت علاقتكم بإفريقيا؟ وما أول الرحلات إليها، وما أهمها؟ خصوصاً أن أولى رحلات الشيخ على الإطلاق كانت إلى إفريقيا؟

? عندما عُينت في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة في عام 1380هـ، وكانت آنذاك مجرد فكرة أَمَر بتحقيقها وإخراجها إلى حيِّز الوجود الملك سعود بن عبد العزيز رحمه الله، وعند وُضع نظام الجامعة كـنت عضواً في لجنة وضع نظامها، وكانت اللجنة تجتمع في الديوان الملكي في الناصرية في الرياض آنذاك، وقررت اللجنة أن تكون حصة الطلاب السعوديين في الجامعة الإسلامية لا تزيد على الخُمْس (أي 20%)، وسائر المقاعد لأبناء المسلمين في العالم، وبخاصة البلدان الأكثر حاجة للتعليم الإسلامي في إفريقيا وآسيا، وعلى الأخص في إفريقيا؛ لأنها كانت ميداناً للجهود التنصيرية المكثّفة في تلك الفترة وقبلها.

وعندما فُتحت الجامعة الإسلامية في عام 1381هـ لم تكن لدينا معلومات كافية عن أحوال المسلمين جمعيات وأفراداً في إفريقيا، فكانت طلبات الالتحاق تأتي من جهات لا تعرفها؛ لذا رأينا في الجامعة أنه لا بد من إرسال وفود إلى إفريقيا للاطلاع على أحوال المسلمين، ومعرفة جمعياتهم ومؤسساتهم، وفي الوقت نفسه توعيتهم توعية إسلامية بما ينبغي أن يكون عليه المسلم.

وكان نائب رئيس الجامعة الإسلامية في المدينة المقيم فيها المباشر عملها هو صاحب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وهو شخص معروف بمحبته للخير ومساعدة المسلمين، فوضعت منهجاً للقيام بأول رحلة إلى إفريقيا وعرضته عليه فوافق عليه، بل حَبَّذه وأمر بتنفيذه، رحمه الله وجزاه عن المسلمين خيراً.

وأخذت معي شيخين من الجامعة، هما الشيخ أبو بكر جابر الجزائري والشيخ عمر محمد فلاته، وسافرنا إلى 13 قطراً إفريقياً، في شرق إفريقيا ووسطها، واستغرقت رحلتنا ثلاثة أشهر و 19 يوماً، وكان ذلك في عام 1384هـ، وكان الملك سعود عندما سافرنا هو ملك البلاد، ونائبه هو ولي العهد سمو الأمير فيصل بن عبد العزيز، وعندما عدنا إلى المملكة في ختام تلك الرحلة من شهر شعبان عام 1384هـ كان الملك هو فيصل بن عبد العزيز.

وقد اكتشفنا من خلال رحلتنا أن معلوماتنا عن المسلمين كانت ضحلة، وأحياناً تكون محدودة، لذلك وضعنا خطة لرحلة ثانية تكون معنا فيها مساعدات نقدية فورية للمدارس والجمعيات الإسلامية، وكـنا أخذنا شيئاً قليلاً معنا منها في الرحلة الأولى، فسافرت مرة أخرى إلى إفريقيا في عام 1386هـ، وليس معي إلاَّ الأستاذ عبد الله بن حمود الباحوث، رئيس المحاسبة في الجامعة الإسلامية رحمه الله، ومن تلك الرحلة الأولى بدأت علاقتي الوثيقة بالقارة الإفريقية، ومعرفة أحوال المسلمين فيها، وكيفية تقديم المساعدات اللازمة لهم.

وكان لتجاوب القيادة في بلادنا أثر عظيم في تحقيق ذلك، بالرغم من ضعف الدخل من النفط؛ إذْ كان سعر البرميل منه في عام 1384هـ دولارين إلاَّ ربعاً.

? ما آخر رحلاتكم، وماذا تمثّل الرحلات لكم؟ وما رأيكم في الممقارنة بينكم وبين ابن بطوطة وغيره من الرحّالين العرب المشهورين؟

? آخر الرحلات كانت إلى أمريكا الجنوبية، وبالتحديد إلى الأرجنتين والأرغواي والباراغواي، ثم فنزويلا، ومن هناك سافرنا إلى روما من أجل زيارة المسلمين في جزيرة صقلية التي كانت بلاداً عربية مسلمة لفترة تبلغ 245 سنة، ثم تكالبت عليها قوى العدوان واقتطعتها.

وقد بدأت فيها الآن حركة إسلامية نشطة على نطاق إنشاء «المصليات» (جمع مصلّى)، وهي أماكن للصلاة أكثرها مستأجر، وفي صقلية الآن سبعون مسجداً، وزرنا في عاصمة صقلية (مدينة بالرمو) سبعة مساجد، وقدّمنا مساعدات نقدية عاجلة، وهي مساعدات رمزية من أجل دفع الإيجار، أو من أجل المصروفات المتكررة كالكهرباء والتدفئة.

كما زرنا بعد زيارة صقلية مباشرة جزيرة قبرص، وتجوّلنا فيها، وبخاصة القسم التركي، ووجدنا المساجد في القسم اليوناني والتركي عامرة بالمصلين، ولا مشكلة للمسلمين فيها إلاَّ المشكلة السياسية، أما قيام المساجد والصلاة فيها وتعليم القرآن الكريم ومبادئ الإسلام فإنها موجودة ولا مشكلة حولها.

أما مقارنتي بابن بطوطة رحمه الله؛ فإنها مقارنة مع الفارق؛ لأنه تحمّل مشقات في أسفاره، مع صعوبة الأمن في التنقل من بلد إلى بلد، أما نحن فالأمر على عكس ذلك؛ ولذا أقول إن ابن بطوطة لا نظير له بين الرحّالين العرب.

اللغات في إفريقيا ليس مشكلة أمام الدعوة؛ لأن الدعاة يكونون في الغالب من القبيلة نفسها أو ممن يُحسنون لغتها، وبعض ذلك يتم عن طريق لغة المستعمرين السابقين

 

 

 

? يسّر الله لكم تقديم قائمة كبيرة من المؤلفات، فما أهم مؤلفاتكم المتعلقة بالقارة؟

? ربما كان أهمّ كـتبي عندي هو أول تلك الكتب، وهو «في إفريقية الخضراء.. مشاهدات وانطباعات وأحاديث عن أحوال المسلمين»، فهو الكـتاب الأول، وهو الذي ذكرت فيه ما رأيناه وسمعناه، بل وعملناه مما يتعلق بالإسلام والمسلمين في تلك الرحلة الأولى، وقد طُبع ذلك الكـتاب عدة مرات، وتُرجم إلى لغات عدة، وقد بلغت كـتبي التي كتبتها عن إفريقيا أربعة عشر كتاباً، كان آخرها «المستفاد من السفر إلى تشاد»، وهو مطبوع، و «العودة إلى غرب إفريقية»، وهو مطبوع أيضاً، و «من غينيا الاستوائية إلى ساوتومي»، وهو مطبوع كذلك.

? ما أهم الدول والمدن التي زرتموها؟ وبم تتميز وتشتهر؟

? يصعب هنا ذكر المدن التي زرتُها في إفريقيا؛ لأنها كثيرة، ولكننا كنا نتخذ من مدينة نيروبي مقراً لنا، أو شبيهاً بالمقر، ننطلق منه ثم نعود إليه لننطلق إلى جهة أخرى؛ لأن الرحلات في ذلك العصر، الذي هو العقد الثامن من القرن الرابع عشر، غير ما هي عليه الآن.

ولكن كانت هناك مدن كان لها طابع خاص، مثل جوهانسبرج وبريتوريا التي كانت مقر الحكم العنصري، وتغيّر ذلك، ومثل مدينة الرأس «كيب تاون» التي فوجئنا بكثرة المساجد فيها، ومثل دولة الكنغو التي عاصمتها «كنشاسا» بلاد الاضطرابات في ذلك الوقت وحتى الآن، ومثل عواصم بعض البلدان الإفريقية في غرب إفريقيا التي كانت ذات أقلّيات مسلمة في السابق، وهي الآن ذات أكثريات مسلمة مثل «فري تاون» عاصمة سيراليون، و «غادوغو» عاصمة فولتا العليا التي صار اسمها الآن «بوركينافاسو».

ومثل مدينة «لواندا» عاصمة أنجولا التي لم يكن فيها مسلمون أصلاً في السابق، بسبب سياسة الاستعمار البرتغالي التي كانت تحرّم القيام بالدعوة الإسلامية، والآن فيها مساجد ونشاط إسلامي لا بأس به.

أما الشق من السؤال الذي يقول: ما هي الدول التي زرتموها، فالجواب أنها كلّ الدول الإفريقية دون استثناء.

? ما أهم مشاهداتكم في إفريقيا؟ وأهم المواقف التي ما زالت عالقة هناك في ذهنكم؟

? المواقف المهمة كثيرة، ولكن أصعبها عندما وصلنا إلى مدينة «كنشاسا» عاصمة الكنغو، وكانت تُسمّى آنذاك «ليوبلدفيل» (أي مدينة ليوبولد) وهو ملك بلجيكا التي كانت تستعمر الكنغو، وكان وصولنا في الليل، ولم نجد أي غرفة في أي فندق، ودلّنا السائق الذي ركبنا معه على أخ ليبي تاجر مقيم هناك، فنزلنا ضيوفاً عنده حتى تعرّفنا المسلمين فيها بعد ذلك.

والأمر الثاني عندما سُرقت حقيبتي في مطار «بوزمبورا» عاصمة بورندي، وقد تمّت استعادتها بسبب لطيف، وهو أنني قبل السفر إلى بروندي وضعت في تلك الحقيبة ثوباً لي في جيبه نقود سعودية لم يعرفها سارقو الحقيبة، فجلبوا تلك النقود على أناس سنغاليين من تجار الماس الذين عرفوها، وكانوا عرفوا بسرقة الحقيبة، فانطلقوا فوراً لرئيس الجمعية الإسلامية في بورندي الذي أحضر الشرطة، وقبضوا على الذي كانت معه النقود فأقر بسرقة الحقيبة، وأرسلها رئيس الجمعية الإسلامية إليَّ وأنا في نيروبي.

وكنّا نحمل نقوداً كثيرة للمسلمين ولا نعلنها عند الدخول؛ لأنهم لم يكونوا يطلبون ذلك في أعقاب الاستعمار، فأراد ضابط الجوازات عند مغادرتنا البلاد تفتيش أجسامنا حذراً من أن يكون معنا «ماس» مهرّب، ولكن ممثل الجمعية الإسلامية الذي معنا تدخل بسرعة، وأظنه أعطاه شيئاً، فتركنا نمر، وإلاَّ لصادر نقودنا كلها.

أما أغرب المشاهدات؛ فإنها منظر من رجال قبيلة (الماساي) في شرق إفريقيا، ومنطقتهم في الحدود بين كينيا وتنزانيا، وقد خرق الرجال آذانهم، وأثقلوها بأشياء ثقيلة حتى استرخت وصارت تصل في تدلّيها إلى الكـتف، والأدهى من ذلك أنهم لا يتحرزون من أن يرى الناس عوراتهم! فإذا أراد أحدهم حكّ ظهره مثلاً أدخل عصا تحت ثوبه وحكّ به ظهره وعورته بادية! والإسلام فيهم قليل، والنصرانية أقل.

? ما أغرب المواقف وأطرفها التي مرت بكم في إفريقيا؟

? كـنت في الجابون، وذهبت إلى مكان البيع والشراء، والبضائع فيه على بسطات، فوجدت رجلاً معه ظبي صغير جميل المنظر، فقلت لمرافقي الذي معي من أهل البلاد: ما أجمل هذا الظبي! وأعتقد أن لحمه لذيذ لو كان «مُذكّى» لاشتريته. فترجم ذلك لصاحبه، ولكنه قال: لو كان «مذبوحاً» لاشتريته، فما كان من البائع إلاَّ أن سارع يقول: نذبحه لك الآن. وكان الظبي قد مات منذ يومين!

? ما الطرق التي يتّبعها الشيخ في التوثيق؟ وما مدى استعانتكم بوسائل التقنية الحديثة؟ هل لكم مركز أو موقع يمكن الرجوع إليه؟

? التوثيق هو بالمشاهدة؛ لأن الأخبار تتناقض، وقد يفسدها رواتها كما قال
المثل العربي القديم: «وما آفة الأخبار إلاَّ رواتها».

أما الاستعانة بوسائل التقنية؛ ففي ذلك الوقت المبكر من استعمال التقنية لم نكن نستفيد منها، ولكننا نعتمد على ما كان اعتمد عليه أسلافنا الرحّالة المسلمون من تجشّم الصعاب والوصول إلى معرفة الحقيقة عبر ذلك.

أما الموقع؛ فأحد الإخوة أنشأ موقعاً باسمي على الشبكة العنكبوتية، ولا أدري اسمه ولا عنوانه!

? كيف يمكن أن نصف تاريخ إفريقيا وحضارتها، وبم تميزت ثقافياً؟ وكيف يمكن الاستفادة منه؟

? لإفريقيا تاريخ وحضارة تتمثل في تقاليد وعادات مرعية، مثل مقت الكذب، واحتقار من يشرب الخمر، وعدم الاعتداء على المرأة قهراً عنها.

ومن الأشياء الطيبة فيها تكريم الآباء والأمهات، بل تكريم المسنين كلهم، واحترامهم، والرجوع إليهم عند طلب النصح.

ومن عادات الأفارقة – على وجه العموم - مقت الحذلقة وتدليس الأمور، بل هم صرحاء يصلون إلى ما يريدون أن يقولوه أو يفعلوه بطريقة مباشرة.

أما إذا أسلم الرجل منهم؛ فإنه يسلم عن عقيدة، ويبذل كل ما في وسعه لمصلحة الإسلام والمسلمين في بلده والمحيط الذي يعيش فيه.

ويمكن الاستفادة منه بتكثيف الدعوة إلى الله، وبذل الجهد والمال في ذلك، وعدم الملل فضلاً عن اليأس من الاستجابة.

الصراعات القبلية في إفريقيا غالبيتها سياسية وليست دينية

 

 

? ما طبيعة الوضع القبلي في إفريقيا؟ وما مدى تأثيره في واقع الأفارقة؟

? الوضع القبلي في إفريقيا على وجه العموم متأصل ومؤثّر، ولكن لحسن الحظ أن الدين الإسلامي استفاد من ذلك؛ إذْ كثيراً ما يتجه الدعاة إلى رجل مهم في القبيلة ويدعونه إلى الإسلام، وقد يُسلم، فيُسلم بإسلامه عدد من أفراد القبيلة.

ولكن إذا لم يكن ذلك، وكان نصرانياً، وهم يفهمون أن النصرانية دين المنصِّرين ليست ديناً أصيلاً في إفريقيا، فأسلم بعض أفراد قبيلته فإنه لا يغضب لذلك، بل يشعر بأن ذلك من حقّه، فهم في هذا الأمر ليسوا كما في بعض المجتمعات في أوروبا وآسيا التي تقاطع من يُسلم ويهددونه بقطع مصدر رزقه وقوت عياله.

ومما يُذكر هنا دخول الإسلام في وقت مبكر إلى «بوغندا» - بالباء في أوله -، وهي منطقة، أو قل إنها جزء من «يوغندا» – بالياء -، وعندما جاء الإنجليز إلى منطقة «يوغندا» وجدوا فيها ملكاً اسمه «الكاباكا»، وهذا اسم لكل مَن مَلَك فيها، فعقدوا معه معاهدة حماية، وأضافوا إلى «يوغندا» مناطق لم يكن لها حاكم عام.

وقد ابتدأ الإسلام من مملكة «بوغندا» التي هي الآن جزء من يوغندا، وقد كاد (الكاباكا) أن يُسلم، ولكن الداعية الذي تولّى دعوته لم يكن حكيماً؛ فأخبره أنه لا بد من أن يختتن دون أن تسقط نقط من دمه على الأرض، وكان لدى الناس هناك اعتقاد أنه إذا نقط من الملك دم فسد ملكه، فلم يُسلم، ولكن حفيده أسلم، وأسلم أناس من كبار قومه بعد ذلك.

هذا مع أن الجميع الآن يعرفون أن الختان ليس شرطاً من شروط الإسلام، ولكنه سنّة من سنن المرسلين.

ومن الأشياء التي شاهدناها؛ أن الذي يُسلم ولم يختتن عندما تمضي عليه مدة يكون فيها الإسلام قد وقر في قلبه يسعى هو إلى أن يختتن، وذكرت مرة ما حصل للأخ انغليولي رئيس الجمعية الإسلامية في المارتنيك، الذي ذهب إلى مستشفى الجزيرة، لأنها جزيرة في البحر الكاريبي، وطلب أن يختنه المستشفى، فقال مدير المستشفى: هذه عملية ليس لها لزوم طبي. فنصّب محامياً شكا المستشفى إلى المحكمة، وحكمت المحكمة بإلزام المستشفى بختنه، وقد تم ذلك.

? كيف هو وضع اللغات في الساحة الإفريقية؟ وكيف يتعامل الناس هناك مع هذا المكوّن الثقافي؟ وما مدى انتشار العربية بينهم؟

? وضع اللغات في إفريقيا ليس مشكلة أمام الدعوة والدعاة؛ لأن الدعاة يكونون في الغالب من القبيلة نفسها أو ممن يُحسنون لغتها، وبعض ذلك يتم عن طريق لغة المستعمرين السابقين.

والأفضل الذي جربناه أن يقوم بدعوة القبيلة فرد من أبنائها، وهذا من الحكمة التي وردت في الآية الكريمة: ?وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيّنَ لَهُم? [إبراهيم : 4].

? ما طبيعة الصراعات القبلية والدينية وحجمها في إفريقيا من وجهة نظركم؟ وما تأثيرها في القارة بصفة عامة، والمسلمين بصفة خاصة؟

? الصراعات القبلية في إفريقيا غالبيتها سياسية وليست دينية، ولكن يحدث أن يكون أحد المتصارعين مسلماً، أو جماعته الذين معه جماعة مسلمة؛ فينتهز المنصِّرون وأنصارهم ذلك ويمدون خصومهم بالمال والسلاح ليقاتلوا به المسلمين؛ ولذلك يجب أن توجد جهات من ذوي الحكمة والبصيرة في معالجة مثل هذه المواضيع.

وبالنسبة إلى ما أراه؛ فإن ذلك حاصل على نطاق ضيق.

? ما أهم القوى المتنافسة والمتصارعة على القارة لاستغلال ثرواتها؟

? أهمها الشركات الأجنبية، من أوروبية وأمريكية وحكوماتها، من أجل المصالح الاقتصادية، وأهم ما يكون ذلك من أجل الصراع على النفط واستغلاله، وكذلك من أجل مادة اليورانيوم التي توجد في أماكن من إفريقيا.

? ما رؤيتكم للنشاط التنصيري في القارة؟ وكيف يمكن مواجهته؟

? النشاط التنصيري قديم، ومستمر حتى هذه اللحظة، بل زاد في العصور الأخيرة عدد الدعاة إلى النصرانية (المنصِّرين)، وهم يملكون أموالاً تأتي إليهم عن طريق الهبات والأوقاف من أثرياء بلادهم.

وقد أحسوا بالدافع بالنسبة إليهم، وهو انصراف أعداد كبيرة من الناس في بلاد النصرانية العريقة كأوروبا، إلى درجة أن بعض الكنائس لا يأتي إليها أحد من النصارى، فيضطر أهلها إلى أن يبيعوها حتى للمسلمين في الوقت الحاضر؛ لأن المسلمين يزدادون والمؤمنين بالنصرانية ينقصون.

ويذكّرنا هذا بالمسألة المثارة في فرنسا في الوقت الحاضر، أعلنها رسمياً أول مرة وزير الداخلية الفرنسي في اجتماع له برؤساء المسلمين، وهي قوله: إن المسلمين يخالفون القانون فيصلون في الشوارع، والقانون الفرنسي يمنع الصلوات في غير أماكن العبادة. ثم كرّر ذلك الرئيس الفرنسي الحالي (ساركوزي) فذكر هذه المسألة.

وهذا الأمر يبرز إلى حيّز الوجود في الوقت الذي تعاني فيه بعض الكنائس قلّة المصلّين فيها، وتعاني فيه الجوامع كثرة المصلِّين صلاة الجمعة الذين لا تتسع لهم المساجد.

وأذكر أنني عندما زرت مدينة (أسيسي) في إيطاليا قبل عشرين سنة، فقال لي أحد قساوستهم الكبار إن مهمته التي كلّفه بها الفاتيكان، وهو من العاملين فيه، أن يعيد فتح 227 كنيسة في روما القديمة، كانت أغلقت لعدم وجود المصلين المسيحيين فيها.

فقلت له: ما السبب في ذلك؟

فقال: أخذهم المجتمع الاستهلاكي، هم يأكلون ويشربون ولا يشتغلون بغير ذلك.

فقلت له: إننا لا نفهم ذلك؛ لأن المسلمين في بلادنا وفي أوروبا تتزايد أعداد المصلين فيهم، ولا نعرف مسجداً ولو واحداً أُغلق بسبب عدم وجود مصلين، بل إن مشكلة بعض المساجد أنه لا يتسع للمصلين كلّهم.

دعاة المذهب الشيعي ينصرفون بجهودهم وأموالهم، ونشاطهم كله، إلى تشييع أهل السنّة، وليس إلى إدخال الكفار إلى دين الإسلام!

 

 

وأقول - الشيء الذي لم أقله لذلك القسيس-: إن سبب عدم ذهاب المسيحيين الأوروبيين إلى الكنائس ليس المجتمع الاستهلاكي، وإنما هو عدم إيمانهم بما يقوله رجال الكنيسة لهم، ويؤكد ذلك ما بلغنا أن بابا الفاتيكان جمع كبار أعوانه من المنصِّرين، وقال لهم: إن وضع المسيحية في أوروبا ميئوس منه، فعليكم أن تضاعفوا جهودكم في آسيا وإفريقيا حتى تعوّضوا عن ذلك.

أما السؤال الذي يقول: كيف تمكن مواجهة النشاط التنصيري؟ فالجواب أن ذلك يكون بإيجاد الدعاة، وتكثيف الدعوة، وأن يُؤكّد على الدعاة أن تكون دعوتهم كما في الآية الكريمة: ?ادعُ إلَى سَبِيلِ ربِّك بَالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتي هِيَ أَحْسَن? [النحل : 125].

? من زاوية أخرى مستجدة؛ ما رؤيتكم للتمدد الشيعي في القارة، والذي يسعى بشكل واضح للسيطرة والنفوذ، ليس عليها فحسب، بل على أجزاء مجاورة من العالم العربي والإسلامي؟

? الذي يلاحظه المتتبع للأمور؛ أن الدعاة إلى المذهب الشيعي ينصرفون بجهودهم وأموالهم، بل ونشاطهم كله، إلى تشييع أهل السنّة، وليس إلى إدخال الكفار الذين وُلدوا على دين غير دين الإسلام إلى دين الإسلام.

وقد نجحوا في كثير من الدول؛ لأننا لاحظنا أن الدعوة الإسلامية التي توضّح المذهب السنّي وتشرح عقيدة السلف الصالح قد قلَّت، في حين كان الدعاة إلى التشّيع يزيدون، والأموال التي ينفقونها تكثر وتصل إلى بلاد كثيرة، وبخاصة في إفريقيا.

والعلاج لذلك ظاهر، وهو مضاعفة النشاط في الدعوة إلى لله، وإيضاح الأمر للمسلمين بأن التشيع فيه خطر عظيم على البلاد التي سكانها من أهل السنّة والجماعة؛ لو نشأ فيها حزب شيعي سيشق عصا المسلمين، ويقضي على وحدتهم، ولا بد من جهة قادرة على إيضاح ذلك للمسلمين.

? لو أردنا عنواناً لواقع المسلمين في إفريقيا؛ فما أنسب عنوان ترونه؟

? نقول: إن الناس في إفريقيا يدخلون في دين الله أفواجاً، ولكن الدعاة ينقصون، وأحياناً لا يوجدون، وهذا أمر خطير تجب المبادرة إلى تلافيه والتحذير من السكوت عليه.

? ماذا عن واقع الدعوة الإسلامية في إفريقيا؟ وما أهم المؤسسات وأكبرها، والشخصيات العلمية والدعوية المؤثرة الموجودة في القارة؟

? ليست الدعوة الإسلامية دعوة سياسية، أو مَن مَلَك مالاً أو جاهاً بذله لما يريد الحصول عليه، ولكنها معجزة إلهية؛ إذْ نجد أن الإسلام انتشر في بعض الأماكن على أيدي أناس ليست عندهم إمكانات مادية، ولا مناصب رفيعة، ولا جاه مذكور عند الناس، ولكن لديهم ما هو أهم من ذلك للدعوة، وهو الإخلاص في العمل، وتمثيل الإسلام في أنفسهم بالعمل الصالح الذي يقتدي بهم الناس عليه فيُسلمون.

? ما هو دور رابطة العالم الإسلامي في هذا الموقع؟

? كان لرابطة العالم الإسلامي أثر عظيم في السابق، فلا تكاد توجد قرية في كل أنحاء العالم إلاَّ ولها أثر فيها، أما الآن وبعد حوادث 11 سبتمبر وتخوّف المسؤولين في المؤسسات الإسلامية من أن يُنبذوا بأنهم متعصبون، وأنهم يُسيئون إلى غير المسلمين، وبعض الحكومات غير المسلمة صارت تمنع الدعاة والمسؤولين في الرابطة من دخول أراضيها بالحجّة المذكورة، أو أنهم دعاة تفرقة، كلّ هذا قلّل من العمل الإسلامي المنطلق من البلدان العربية عموماً.

? ما أهم احتياجات الدعاة؟ وما الأولويات الدعوية التي تحتاج إليها القارة؟

? احتياجات الدعاة كثيرة، وأهمها أن يُكفل للداعية ما يكفيه وأسرته من ضروريات الحياة عن طريق رواتب مناسبة، وأن تُوفّر له السبل للدعوة، مثل وسائل المواصلات والاتصالات، وأن تُرسل إليه الكتب الإسلامية باللغات الرئيسة في إفريقيا، وأن تُعقد دورات أو حلقات دراسية هدفها توعية الدعاة، وبث الروح المعنوية فيها.

? ما مدى استجابة الأفارقة للدعوة الإسلامية؟ وما مدى نشاط الدعاة في الأوساط الإفريقية؟ وكيف ترى مستقبل الإسلام؟

? بالنسبة إلى استجابة الأفارقة للدعوة الإسلامية؛ فهو أمر فاق تصوّر المتصوّرين، ومن أوضح الأمثلة على ذلك أن عدة دول إفريقية كان المسلمون فيها أقلية فصاروا الآن أكثرية، مثل سيراليون وبوركينافاسو، وما نعرف بلداً إفريقياً واحداً نقص فيه عدد المسلمين عمّا كانوا عليه قبل استقلال ذلك البلد، بل العكس هو الصحيح.

ومن المهم في هذا الصدد أن المسلمين الآن صارت لهم في أكثر الأقطار الإفريقية إسهامات كثيرة ومتوسطة في إدارة شؤون بلادهم، ومن أقرب الأمثلة على ذلك «ساحل العاج» التي لم يكن عليها رئيس مسلم إلاَّ في عام 1422هـ، عندما نجح الأخ المسلم العريق في إٍسلامه (الأمين وتارا) في الوصول إلى رئاسة الجمهورية عن طريق الانتخاب النزيه، فكان أول رئيس مسلم لهذه البلاد.

? ما أكثر الشعوب الإفريقية استجابة للإسلام؟

? الأغلبية من شعوب الدول الإفريقية تسارع إلى اعتناق الإسلام إذا توفّرت لهم الظروف المناسبة، مثل الدعاة، ووسائل النشر، والإعلام.

? لو حدثتمونا عن المنظمات والمؤسسات المحلية والخارجية في ظل الأوضاع الدولية، وكيف يتم تفعيل دورها في القارة؟

? يصعب الحديث عن المؤسسات في إفريقيا إلاَّ بوجه عام لكثرتها، واختلاف الظروف المحيطة بها.

? ما هي بنظركم أهم الأولويات للدعوة في إفريقيا؟

? الأولويات تعريف الناس بالإسلام، وبما يجب أن تكون عليه علاقة الإنسان بالخالق جلّ وعزّ؛ لأننا إذا فعلنا ذلك ربطنا المسلم برباط من الإيمان، وأسهم ذلك في حثّه على الدعوة إلى الإسلام وليس مجرد الصمود عليه.

? ما خلاصة تجاربكم في إفريقيا؟ وبمَ تنصح الدعاة في داخل إفريقيا وخارجها؟

? خلاصة التجارب أن العمل الإسلامي بالتعاون مع الإخوة الإفريقيين يحتاج إلى تعهّد مستمر بالزيارات والاتصالات، كما يحتاج إلى تقوية الاتصالات أيضاً بزعماء المسلمين الأفارقة عن طريق دعوتهم إلى زيارة المملكة، والاجتماع بالعلماء والجهات التي تدعم الدعاة إلى الله في المملكة، ودعوتهم إلى الحج والعمرة بموجب برنامج، لا تتكرر فيه الدعوة لأحد، أو يُحرم منها بالكلية أحد.

? كيف يمكن استفادة مجلة «قراءات إفريقية» من خبرات «رابطة العالم الإسلامي» في مصلحة القارة السمراء؟

? يمكن استفادة قراءات إفريقية وغيرها بما لدى الرابطة من تجارب ومعلومات في الدعوة، وذلك بطلب ما تمسُّ الحاجة إليه عند مباشرة العمل فيها.

? كلمة أخيرة لمجلة «قراءات إفريقية»؛ كيف يمكنها خدمة القضية الإفريقية؟ وكيف تستطيع أن توجد لها دوراً ريادياً في محيط العمل الإعلامي المتعلق بإفريقيا، خصوصاً مع ندرته؟

? أن تسير في الدعوة بحكمة، وضمن النطاقات السياسية، والدعوة التي لا تصطدم بأنظمة أو تعليمات مهمة نافعة في أي بلاد توجّه دعوتها إليها.

أما إيجاد الدور الريادي في العمل؛ فيتمثل بالمساعدة في الأعمال الخيرية الإفريقية، مثل بناء المساجد، ومساعدة المدارس الإسلامية، والدعاة إلى الله الذين ليست لهم رواتب من خارج إفريقية، والله المستعان وعليه التكلان.