لقاءات: العمل الدعوي والخيري في إفريقيا واقعه ومشكلاته لقاء مع الدكتور : عبد الرحمن السميط

  • 29 -9 - 2010
  • مساعد العجلان


أجرى الحوار/ مساعد بن محمد العجلان

تقـديم: مجلة «قراءات إفريقية»:

لم يأخذ العمل الإسلامي المعاصر في إفريقيا حقه بعد من الدراسة والبحث والتعريف الإعلامي؛ على الرغم من أهميته وخطورته، وكثرة ما يواجهه من الصعاب والمشكلات والتحديات.

ومجلة قراءات تريد أن تصل بالقارئ إلى إدراك عميق لواقع العمل الإسلامي في إفريقيا وقضاياه ومشكلاته، ومن هنا كان هذا اللقاء مع علم من أعلام العمل الإسلامي في إفريقيا الدكتور عبد الرحمن السميط، ليأخذنا في إطلالة سريعة على رحلته الدعوية، وبعض تجاربه وخبراته ورؤيته في هذا المجال.

وفي هذا اللقاء، ومع ضيف مجلة قراءات، سوف تطلع قارئنا الكريم على عدد من القضايا والمحاور؛ من أهمها:

            الدكتور السميط والانطلاق المبكر نحو العمل الإسلامي.

            لماذا اختار العمل الإسلامي في إفريقيا بدلاً من الدول الغربية.

            ما الذي يحتاج إليه الدعاة الأفارقة؟

            بعض تحديات العمل الدعوي والخيري الإدارية والمالية.

            جهود الأسلمة ومدى الاستجابة للدعوة في إفريقيا.

            هل هناك دور للعمل الإسلامي مع المسلمين الجدد.

            التنسيق بين المنظمات والجمعيات الإسلامية.

            مجلة الكوثر وإطلالة على تجربة إعلامية رائدة في خدمة الدعوة.

ضيف الندوة:

الدكتور عبد الرحمن حمود السميط:

 داعية كويتي، ومؤسس جمعية العون المباشر (مسلمي إفريقيا سابقاً)، وُلد في الكويت عام 1947م.

حصل على بكالوريوس الطب والجراحة من جامعة بغداد، وفي الجامعة كان يخصص الجزء الأكبر من مصروفه لشراء الكتيبات الإسلامية ليقوم بتوزيعها على المساجد.

حصل على دبلوم أمراض مناطق حارة من جامعة ليفربول عام 1974م، واستكمل دراساته العليا في جامعة «ماكجل» الكندية متخصصاً في الأمراض الباطنية والجهاز الهضمي، وفي أثناء دراساته العليا في الغرب كان يجمع من كل طالب مسلم دولاراً شهرياً، ثم يقوم بطباعة الكتيبات ويقوم بتوصيلها إلى جنوب شرق آسيا وإفريقيا وغير ذلك من أعمال البر والتقوى.

عمل طبيباً متخصصاً في مستشفى الصباح في الفترة من 1980م - 1983م، ونشر العديد من الأبحاث العلمية والطبية في مجال القولون والفحص بالمنظار لأورام السرطان.

بعد عمله في وزارة الصحة أراد الدكتور السميط أن يزاول العمل الخيري والدعوي، فالتجأ إلى وزارة الأوقاف الكويتية، إلا أنه تفاجأ من البيروقراطية الحكومية والروتين الممل، فأوكلت إليه أحد المتصدقات بناء مسجد في مالاوي، وهناك بدأت رحلته مع العمل الخيري.

أصدر أربعة كتب في مجال الدعوة، هي: لبيك إفريقيا، دمعة على إفريقيا، رسالة إلى ولدي، العرب والمسلمون في مدغشقر، بالإضافة إلى العديد من البحوث والمقالات التي نُشرت في صحف متنوعة.

تولى منصب أمين عام جمعية مسلمي إفريقيا عام 1981م، والتي تغير اسمها إلى جمعية العون المباشر.

شارك في تأسيس عدد من الهيئات واللجان والجمعيات، وكما شارك بالعضوية في أخرى، مثل مشاركته في تأسيس جمعية الأطباء المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا 1976م ورئاستها، وهو عضو مؤسس في الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، وعضو مؤسس في المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة، وعضو مجلس أمناء منظمة الدعوة الإسلامية في السودان.

ورئيس تحرير مجلة الكوثر المتخصصة في الشأن الإفريقي، ورئيس مجلس إدارة كلية التربية في زنجبار، ورئيس مجلس إدارة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في كينيا.

نال السميط عدداً من الأوسمة والجوائز والدروع والشهادات التقديرية، تقديراً له على جهوده في الأعمال الخيرية، مثل جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام عام 1996م، التي تبرع بمكافأتها (750 ألف ريال سعودي) لتكون نواة للوقف التعليمي لأبناء إفريقيا، ومن عائد هذا الوقف تلقت أعداد كبيرة من أبناء إفريقيا تعليمها في الجامعات المختلفة.

أسلم على يديه أكثر من 6 ملايين شخص في إفريقيا، بعد أن قضى 22 سنة ينشر الإسلام في القارة السوداء، كما أشرف على بناء ما يقارب من 1200 مسجد، ورعاية 9500 يتيم، وحفر قرابة 2750 بئراً إرتوازية في إفريقيا.

? في بداية هذا اللقاء نرحب بفضيلتكم مع مجلة (قراءات إفريقية)، ونود أن تقدّم لقراء المجلة نبذة عن سيرتكم ودراستكم؟

? الدكتور عبد الرحمن السميط: أنا طبيب سابق، وحالياً خادم للدعوة الإسلامية في إفريقيا، عمري الآن 63 سنة.

عندما كنت في الصغر كنت أنوي أن أخدم ديني عن طريق الطب, وكنت أريد أن أقنع الآخرين بأن الإسلام دين عظيم له مبادئ فقهية تستند إلى أصول قويمة.

كما أنه من عادتي أنني أحب تحدّي نفسي وتحدّي الظروف, انتهيت من الدراسة الثانوية، ورُشحت للدراسة في أمريكا أو الدراسة في مصر, وكانت درجاتي عالية بالنسبة للمستوى الكويتي، ومن حقي أن ابتعث إلى أحد البلدين, وسمعت الشباب يتكلمون فيما بينهم أن كلية الطب في جامعة بغداد لا ينجح فيها أحد أبداً؛ فرأيت هذه الكلمة تحدياً لي، وقررت أن أسافر إلى بغداد، وأن أدخل كلية الطب في بغداد، فرفض المسؤولون عن البعثات في الحكومة الكويتية في البداية، وحاولوا إقناعي، ولكني أصررت.

في السنة الأولى رسبت في أربع مواد، وكان نظام الجامعة يقضي بأن الذي يرسب في مادة يُعيد السنة، والذي يرسب في مادتين يُطرد من جامعة بغداد وليس من الكلية فقط، وقدّر الله أن يتمّ تغيير النظام في تلك السنة، والحمد لله أكملت الدراسة بالكلية.

? متى بدأ اهتمامكم بالعمل الدعوي والخيري؟

? كنت متديناً منذ صغري، وأحب العمل الخيري منذ كان عمري خمس سنوات، وفي ذلك الوقت لم يكن لدى الناس إمكانيات مادية، فما كان عندي غير الثوب الذي أنام فيه وأذهب به إلى المسجد, ومما واجهته في ذلك الوقت أن المصلين في المسجد كانوا من كبار السنّ ومتشددين، وعادة ما كانوا يردّون الأطفال، إلا أن الله سبحانه وتعالى كفاني تشددهم، فكانوا يسمونني مطوعاً.

عندما كنت في الثانوية بدأنا نجمع فلوساً من مجموعة صغيرة من الطلبة، واشترينا سيارة كانت تنقل العمال مجاناً إلى أماكن عملهم في حر الصيف وبرد الشتاء. ولمّا انتقلنا إلى الجامعة تألمت لوضع المسلمين والناس في جنوب شرق آسيا، وذلك عندما رأيت صورة لعائلة، يبدو من اسمها أنها عائلة مسلمة، تعيش في أنبوب المجاري!

? ما الذي جعلكم تتركون مهنة الطب وتُقدمون على العمل الدعوي والخيري؟

? عندما ذهبت لأكمل دراستي العليا في بريطانيا، ثم في كندا، وكنت مهتماً بالدعوة أكثر من الطب، وقبل عودتي من بريطانيا دار حوار بيني وبين زوجتي.

قالت لي: لم يخلقك الله لتكون طبيباً، والطب هو في آخر اهتماماتك، فلماذا تكذب على نفسك وتشتغل بالطب؟

قلت لها: ماذا تقصدين؟

قالت: إن الدعوة قد أخذت كل وقتك.

قلت لها: ماذا تريدين؟

قالت: لماذا نرجع إلى الكويت، والكويت فيها نخيل وبيوت وعمارات وتنافس على الدنيا!

سألتها: ماذا تقصدين؟

قالت: نذهب إلى بلد آخر، تعمل أنت طبيباً وداعية، وأعمل أنا مدرسة وداعية.

قلت لها: مثل ماذا؟

قالت: جنوب شرق آسيا.

وأنا أعلم أنها تقصد ماليزيا؛ لأنها كانت مسؤولة عن عدة حلقات للأخوات الماليزيات في ديار الغرب.

ثم رجعت إلى الكويت وعملت بالمستشفى، وكنت مُصِرًّا على أن يكون عملي بصورة مؤقتة, وبدأت أبحث عن شخص يوصلني بأول الطريق إلى جنوب شرق آسيا فما وجدت.

ثم طرقت أبواب بعض المسؤولين الرسميين فما وجدت منهم ما كنت أتمنى, قابلت وزير الأوقاف ثلاث مرات واختلفت معه، وفي المرة الثالثة وجدت امرأة قد تبرعت عن طريقنا بمبلغ من المال لبناء مسجد، ولم أكن أعرف هذه المرأة ولم ألتق بها من قبل ولا أعرف اسمها, فقلت لها: لماذا تريدين بناء مسجد في الكويت والحكومة يُفترض أن تقوم ببناء المساجد وهي المسؤولة عن ذلك؟

قالت: أنا عجوز وبدوية والمال بأيديكم واعملوا ما تشاؤون.

كنت أنا وزوجتي نبحث عن مكان والآن عندنا أمانة في أيدينا، فقمنا بعمل دراسة سريعة، فوجدنا دولة اسمها مالاوي عُقد فيها مؤتمر لندوة عالمية قبل أسابيع – كان ذلك عام 1980م -، والموقف كان سيئاً ولا شيء غير ذلك، فقررنا أن نذهب إلى هنالك لبناء المسجد ولا شيء غير بناء المسجد.

لكن الوضع الذي رأيناه في مالاوي كان صفعة في وجوهنا، اتضح لنا أننا نعيش في أبراج عاجية, وأن إخواننا المسلمين لا يعرفون إلا القليل جداً عن الإسلام، بل لا يعرفون شيئاً عن الدنيا, فالمسلمون في مالاوي كانوا 66% فانخفضوا إلى 17%، وحتى الغالبية العظمى منهم لا يعرفون أركان الإسلام الخمسة، الجامعة ليس فيها إلا طالب واحد مسلم، قمنا بكفالته وإرساله إلى بريطانيا، وحصل على الدكتوراه في بريطانيا، وعاد وأصبح أستاذاً ثم أميناً ثم نائباً برلمانياً، والآن هو نائب رئيس الجمهورية.

كانت أياماً صعبة في بداية عملنا، لكن مما سهّـل عليّ ذلك خبرتي في العمل مع الجمعيات المسيحية في الغرب، حيث إن هذه الجمعيات تعمل بموجب استراتيجيات وسياسات وخطط، بينما كنا نحن المسلمين نعمل أعمالنا فردية، وينتهي عملنا بمجرد ما ينتهي ما في أيدينا.

وقد وجدت معارضة شديدة جداً من قبل بعض مشايخنا ومن يقومون بالعمل الخيري، وعلى الأخص في تخصصنا في إفريقيا, وقال لي بعضهم إذا صارت لك نكسة أو كارثة في الهند أو بنجلاديش أو الفلبين، ماذا ستقول، أنا لا شأن لي!

قلت لهم ما يؤلمني هو ما يعانيه إخواننا هناك, فكان هذا الجواب كالصاعقة لمشايخنا، ولم يرتاحوا إليه، وحاولوا إقناعي بكل وسيلة.

? ذكرتم قبل قليل أنك عندما ذهبت لإكمال الدراسة العليا في بريطانيا، ثم في كندا، كنت مهتماً بالدعوة؛ فهل كان لكم عمل دعوي وخيري في الدول الغربية؟ وهل تطلعنا على بعض تجاربك هناك؟

? ذهبت إلى بريطانيا ثم كندا ثم بريطانيا، وما تركت العمل الخيري هناك, كنت ألقي محاضرات في السجون في الكنائس في الجامعات في المساجد في تجمعات كثيرة، كنت أشجع الناس على أن يفهموا الإسلام فهماً جيداً قبل أن يدخلوا فيه، إلا أن كل أسبوع كان من 3 إلى 6 أشخاص يدخلون الإسلام في خلال العمل في ذلك الوقت, أذكر أنني في وقت من الأوقات نمت يوم السبت وهو يوم العطلة الأسبوعية في بيتي أنا وأولادي, وقد كنا دائماً ننام في المساجد، ونعمل نشاطات في المدارس، ونحاول أن نحيى بعض النفوس.

ومن تجاربي هناك، أنني تألمت من وضع بعض الشباب الذين نقلوا مشكلاتنا في بلادنا إلى بلاد الغرب، وتألمت لقلة حكمتهم، أذكر أن أحد الإخوة جزاه الله خيراً ترجم كتاباً عن شخص عربي، وطُبع على ورق ثقيل ملون بأربعة ألوان وجميل، ومما جاء فيه يقول: إن النصراني يُستتاب ثلاثة أيام فإذا ما تاب يُقتل. فقام بعضهم ووزع هذا الكتاب في السجون، والسجون تعرف أن فيها نوعية من الناس هناك عندهم استعداد للقتل, فأصابني ذلك بصدمة.

? لكن لماذا تحولت من الدعوة في الغرب إلى إفريقيا؟

? أعتقد أنني في الأيام الأولى لو عُرض علي أن أذهب لتركت أولادي وبناتي مع أهلي أو أقاربي أو معارفي، وذهبت أنا وزوجتي إلى الغرب, لكني عندما جئت ورأيت الوضع المؤلم المأساوي في إفريقيا قررت أن أعمل هناك.

في إفريقيا تستطيع بمال بسيط وإمكانيات بسيطة وجهود بسيطة أن تحرز تقدماً كبيراً, دعني أضرب لك مثالاً، في أهم إقليم للمسلمين في مالاوي عندما ذهبنا وجدنا في إحصائيات اليونيسيف أن 486 ألف طفل مسلم لا يذهبون إلى المدرسة لأنهم لا يملكون رسوم الدراسة البالغة 5 أو 6 ريالات سنوياً, فجعلت همي الأكبر أن أنقذ هؤلاء، وأنشر العلم وسط المسلمين العلم الشرعي والعلم العصري بالنظام الحكومي، واستطعنا بفضل الله تعالى أن نوصل المئات من أبناء المسلمين إلى الجامعات, أنا أعتقد أن إفريقيا منسية تماماً من قبل المسلمين، لا أشك أن أجدادنا الأوائل نشروا الإسلام في إفريقيا، لكن الآباء والأجداد خلال الـ 200 سنة الماضية لم يفعلوا شيئاً يُذكر من أجل إفريقيا.

قبائل بكاملها الآن تدخل الإسلام لأنها كانت تبحث عن شيء ولم يُقدم لها إلا نوع  واحد من الطعام، فإما أن تأكل وإما أن تموت من الجوع، والآن استطعنا أن نقدم بديلاً، وهو الإسلام وقد عضّت عليه بالنواجذ.

? كيف بدأتم العمل المؤسسي والدعوي؟ وهل من لوائح أو معايير لاختيار الدول محل العمل؟

? بدأنا العمل بصورة علمية، وكان صعباً علينا, ومن ناحية أخرى كان صعباً على من حولنا أن يفهم ذلك، وما زلت أذكر حادثاً بسيطاً حدث لنا، وذلك أنه لما جئنا لعمل دورة للإغاثة جن جنون كبار السنّ من بعض مشايخنا وأساتذتنا، وحاربوني حرباً شعواء، حتى خرجت احتراماً لهم وليس عن قناعة بموقفهم.

بدأنا بصورة علمية، ووضعنا استراتيجيات وخطط نريد أن نحققها، بدأنا في مالاوي، ووجدنا استجابة كبيرة جداً في الكويت, ثم في باقي دول الخليج بعد ذلك, لحب الخير ولعمل الخير, ووجدنا أن مالاوي وحدها ما عادت تستوعب الإمكانيات المتوفرة؛ فلدينا طاقة بشرية وطاقة للعمل كبيرة في نفوسنا، وجاءت تبرعات طيبة بعد فترة جفاء وامتحان عسير جداً مررنا به.

توسعنا، وكانت لنا لوائح تحدد أي دولة نعمل فيها, أضرب لك مثالاً، نيجيريا دولة كبيرة، وهي تشكل ثقلاً للمسلمين في العالم كله وليس في إفريقيا فقط، لكن مع ذلك ما عملنا فيها؛ لأن فيها الكثير من المؤسسات الإسلامية، وفيها علماء، أما غينيا بيساو, والتي يبلغ سكانها مليوناً ونصف المليون أو مليونين، فلا توجد فيها أي منظمة دعوية, وليس هناك شخص مسلم واحد حصل على الثانوية، فهي تُعد بالنسبة لنا لها أولوية عن نيجيريا.

ضربت مثالاً بنيجيريا وغينيا بيساو، وفي موزمبيق عدد المسلمين 8 ملايين مسلم، لا يوجد فيها أي نوع من العمل الإسلامي، والمسلمون أقل علماً بدينهم من الطفل الصغير؛ لدرجة أن بعض المسلمين في الشمال أنزلني من على المنبر لأنني تكلمت بالعربية، وقالوا إذا لم تعرف السواحلية انزل! لأن الدين جاءهم من تنزانيا ولغتهم سواحلية، وهذا من الجهل، وغيرها من المصائب التي رأيناها من قلة الفقه, لكن تعاملنا معها بالحكمة، وما حاولنا أن نصطدم بالمخالفين.

كان مكتبنا الأول في مالاوي، وما زال موجوداً، ثم بدأنا نتوسع حتى وصلنا إلى 40 دولة.

?  هل لكم علاقة الآن بجمعية العون المباشر؟

? لم تعد لي علاقة الآن بجمعيات العون المباشر؛ لقد تقاعدت عن العمل معهم، وأنا لا أتكلم باسمهم، أنا الآن مسؤول عن مكتب دراسات العمل الخيري، والمكتب ما زال موجوداً يعمل، وهو المنظمة الإسلامية الوحيدة التي بدأت العمل ولا تزال مستمرة منذ 30 سنة؛ بالرغم من مجيء العديد من المنظمات الإسلامية ثم خروجها بسبب ظروف قاهرة، إلا أننا لم يُغلق مكتبنا في يوم من الأيام.

? نود من فضيلتكم أن تقدّم لقراء مجلة قراءات صورة لجهود الأسلمة في إفريقيا، واستراتيجية نشاطكم الدعوي فيها, والمشكلات التي واجهتموها، ومدى استجابة الأفارقة للإسلام؟

? نحن نستهدف مناطق معينة أو قبائل معينة في عملنا، ولا ننتشر في كل مكان، ونظل نعمل هناك إلى أن نحقق أهدافنا، ثم ننتقل إلى مكان آخر, هدفنا في أي منطقة من المناطق هو أن نكسب 51% من السكان, ثم نرسّخ الدعوة الإيجابية القوية، وننقل إمكانياتنا من دعاة وغيرهم إلى قبائل أخرى ومناطق أخرى، وتبقى الدعوة تنتشر تلقائياً بين الناس, جربنا هذه الطريقة في أكثر من مكان، وبفضل الله سبحانه وتعالى تسببت في أسلمة مناطق وقبائل بكاملها, والأهم من هذا إعادة أعداد كبيرة من المسلمين الجهلة إلى دين الإسلام.

وكانت هناك طرق صوفية متعصبة جداً لدرجة أن التيجّاني إذا أُذّن للمغرب وهو قريب من مسجد القادرية ما يصلي فيه، ويلغي صلاة المغرب تماماً والعكس صحيح, الآن انتهى هذا.

ولما بدأنا العمل في مدغشقر كان هناك من الشركيات والبدع ما لا يعلم بها إلا الله عز وجل، فاهتممنا بهذا الجانب، وبدأنا نعامل السحرة والمشعوذين معاملة جيدة جداً، لا أستطيع أن أقول إننا قضينا على هذا، لكن أستطيع أن أقول إننا قطعنا شوطاً كبيراً جداً في القضاء على هذه المصائب.

? لا شك أن كثيراً من المناطق في إفريقيا مليئة بالعادات والتقاليد والمعتقدات الضالة؛ فما سياستكم الدعوية في التعامل مع هذه البيئات؟

? يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ?وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ...? [إبراهيم : 4]، أنا أقدم الدعوة بالطريقة التي يفهمها القوم, فالخطاب الدعوي في الرياض يختلف عنه في الكويت ويختلف عنه في إفريقيا, فيجب أن نخاطب إخواننا الأفارقة بالطريقة التي يستوعبونها, وألا نصطدم بهم وجهاً لوجه لمجرد اختلافهم معنا.

وتوجد بإفريقيا آلاف القبائل كل قبيلة لها عادات وتقاليد ونظام حياة؛ قد يتوافق وقد يتصادم مع العادات والتقاليد والقيم الإسلامية, ويأتي دور الدعاة في أن يدعوا بالتي هي أحسن وبالحكمة والموعظة الحسنة، أن يدعوا هؤلاء إلى الإسلام دون ضغط عليهم.

عندنا مفهوم خطأ نحن المسلمين؛ إذ أننا نعتقد أن الدعوة هي الوعظ, والوعظ في اعتقادي وسيلة صغيرة جداً للدعوة, هناك وسائل أهم كثيراً من أسلوب الوعظ، فمن بين 10 ملايين شخص دخلوا الإسلام دون مبالغة؛ أقول: إن 90% منهم دخلوا الإسلام بسبب المعاملة الحسنة والكلمة الطيبة، كثير من المخالفين استطعنا أن نكسبهم عبر بناء جسور معهم, سواء كانوا من الصوفية أم من أديان أخرى، وبعضهم عنده من البدع والشركيات ما لا يعلم بها إلا الله عز وجل، والآن تحولوا إلى توحيد الله وإلى دعاة.

? كثير من القرى - كما قلتم - يسهل انتشار الإسلام فيها، يسلم أهلها بالمئات وأحياناً بالألوف، والسؤال المهم هنا: ماذا بعد ذلك؟ ماذا تعملون مع المسلمين الجدد؟ هل تواصلون مسيرة الدعوة معهم، أو تتركونهم؟ وهل ارتد أحد ممن أدخلتموه الإسلام؟

? ذكرت أننا نستهدف منطقة معينة أو قبيلة معينة, ونبقى بها إلى أن ننتهي من أهدافنا، ثم ننتقل إلى منطقة أخرى, فإذا بقينا في المنطقة هذه 20 سنة مثلاً، وأسلمت مجموعة ندخلهم دورة لمدة أسبوعين للمبتدئين الجدد، بعد 6 أشهر ندخلهم دورة أكبر من الدورة الأولى، وبعد سنة إلى سنتين ندخلهم دورة ثالثة لرفع مستواهم أكثر، ونأخذ الأذكياء منهم فندخلهم ثلاث دورات أخرى متقدمة لتخريج أئمة مساجد.

ما رأيت شخصاً واحداً دخل الإسلام ثم تنصّـر إلا مرة واحدة, من 10 ملايين شخص في المناطق التي نعمل بها، ولا يمكن أن نطلق عليه قاعدة؛ حيث أُغري بالمال، وأنا متأكد من أن الكنيسة إذا أوقفت عنه المال سيصحو, فهذا الشاب اشتروه بالفلوس, ما رأينا حقيقة عودة أحد من المسلمين الذين أدخلناهم الإسلام إلى النصرانية أو الكفر.

? ما  أبرز الصعوبات التي واجهتكم في إفريقيا؟ وما الأشياء التي تحتاج إفريقيا إليها في الوقت الحالي؟

? قلة المال كانت من الصعوبات التي واجهناها في البداية، لكن بعد ذلك أصبحت أقول للناس أنتم تضرون بالعمل الخيري بكثرة تبرعاتكم.. أصبح المال فتنة؛ إذ يتم صرفه بدون حكمة, لقد رأيت بأم عينيي مسؤولاً ينتمي إلى جمعية من الجمعيات الخيرية، يركب السيارة الفاخرة ومعه أكثر من مائة ألف دولار، ويمشى في السوق ويرمي الفلوس هكذا، ثم يأتي إلى بلده ويقول: والله أنا وزعت الفلوس بنفسي، ويكبّر الناس ويهللون ويعطونه مزيداً من المال ليزيد في غيه ويزيد في الإضرار بالإسلام والمسلمين, وأغلب الذين يترددون على سيارته هم من الشباب، وغالباً ما يكونون من المدمنين أو المدخنين، هؤلاء هم الذين يقدم لهم المال, وبعض من تُوزع  لهم الدولارات في منطقة نائية في إفريقيا لا يعرفون قيمة الدولار؛ ولذا أقول إن المال فتنة بالنسبة للغالبية العظمى من الجمعيات الخيرية.

وحينما أقول إن المال قد يكون فتنة في أغلب الأحيان، فلا أقصد من بعيد ولا من قريب أن صرف المال على التدريب ولإعداد فرق العمل والكوادر هو تبذير، أعوذ بالله أن أقول ذلك، فأنا أطالب بقوة أن يتبرع المحسنون لهذا الغرض تحديداً, لكنني أتكلم عن الأموال التي تُنفق في إفريقيا بعبثية بعيداً عن أي حكمة، ولا أريد أن أروى قصصاً مؤلمة في ذلك، فقد ذقنا المرّ ليس من أعداء الإسلام الغربيين، ولكن من تصرفات غير حكيمة لبعض الجمعيات الخيرية.

والعقبة الكؤود التي تقف أمامنا هي قلة العناصر المؤهلة التي تقود العمل الخيري, أستطيع أن أقول إن 99% - وربما أكثر - من العاملين في المجال الخيري ما كان يجب أن يكونوا في هذه المواقع؛ لأنهم ما عندهم أدنى خبرة في إدارة المؤسسات الخيرية في بلادنا، ولا يوجد في بلادنا أي كلية من الكليات تدرّس العمل الخيري، ولا يوجد أي مركز للأبحاث سوى المركز التابع لنا، وهو مركز بسيط، ومركز آخر في السعودية في جدة وهو مركز محدود في عمله, فلو وجد عندنا أناس يفهمون في العمل الخيري أعتقد أن نوعية العمل سوف تتغير بشكل كبير.

الشيء الثالث الذي أود أن أتكلم عنه بالإضافة إلى المال والكوادر المؤهلة هو قضية الولاء, فولاء كثير من الإخوة العاملين في مجال العمل الخيري للأسف الشديد هو لمؤسساتهم، وليس لله سبحانه وتعالى, نسينا أن عملنا هو لله عز وجل، وأصبح بعض الإخوة يدوسون على إنجازات وأعمال إخوانهم في سبيل أن يقال إن المنظمة الفلانية نجحت.. وهكذا.

? أحياناً يا دكتور لو سمحتم؛ العمل الخيري لا يحتاج  إلى جامعة، فالمسلم في فطرته هذا الهمّ وهذا الحب لمساعدة الناس، ففي كثير من المفهومات لا يحتاج المسلم إلى التدريب؛ كما ذكرت فيما يتعلق بالعمل الخيري والإغاثة وغيرها؟

? إذا كان هدفك من العمل الخيري مساعدة ابن الجيران اليتيم فهذا المفهوم جيد لا بأس فيه، على الرغم من أن لي تحفظاً عليه, أما إذا أردت أن تعمل بشكل كبير وواسع؛ فأعتقد أنه يجب أن تعيد النظر في هذه المقولة! أنا أضرب مثالاً على الأيتام، ونحن كنا أول منظمة في العالم طرحت مشروع كفالة اليتيم على المسلمين، مع الأسف الشديد بعض المنظمات تتعامل مع هؤلاء الأيتام وكأنهم ثيران للتسمين، تهتم بأكلهم وملابسهم, فماذا عن تربيتهم، وتوجيههم، وعمل برامج لهم، ومحاولة أن نحميهم من شرور المجتمع مثلما نفعل بالنسبة لأولادنا، وفي الحقيقة حتى أولادنا نسينا أن نربيهم تربية سليمة، واذهب إلى ديار الغرب وسوف ترى المآسي في أولاد المسلمين هناك!

? هل يوجد بين المنظمات الإسلامية تنسيق أو تعاون؟

? مع الأسف, ونحن رقعة من هذا الثوب, لا يوجد تنسيق بين حكوماتنا، بل لا يوجد تنسيق حتى بين الوزارات المختلفة في الحكومة نفسها، ونجد تضارباً في أعمالهم، وهذا خرّج جيلاً لا يقوم بالتنسيق الحقيقي وإنما يكتفي بالتنسيق بلسانه. وأعتقد أن التنسيق الموجود الآن بين الجمعيات الإسلامية سيئ إلى أقصى حدٍّ، ومن هنا استطاعت الدول العظمى أن تضرب العمل الخيري الإسلامي، وذلك حينما تُركت منظمات كبيرة تعمل بعبثية، وصار عندهم كبرياء بسبب كميات المال المتوفرة في أيديهم، إلى الدرجة التي ما شعروا فيها أنهم بحاجة إلى أن يطوروا فرق العمل لديهم.

? هل لدى المؤسسات التنصيرية تنسيق بينهم وتعاون أكثر من المؤسسات الإسلامية؟

? لا أقول إن هناك تنسيقاً بين جميع المؤسسات، لكن ليس هناك دولة في إفريقيا إلا ويوجد بها مجلس يضم المؤسسات التنصيرية المختلفة فيها، بل في كثير من الدول الإفريقية تُقسم خريطة البلد: هذه منطقة للكاثوليك، وهذه للبروتستانت من الطائفة الفلانية، وهذه للأرثوذكس، وهكذا.

? في المقابل؛ هل يوجد بين المنظمات الإسلامية في إفريقيا أي درجة من التنسيق من هذا النوع؟

? أنا أقول لك عن علمي.. في إفريقيا لا يوجد ولا واحد بالمليون!

?  وهل بادرتم، أنتم جمعية العون، لإيجاد نوع من التنسيق مع الجمعيات الأخرى؟

? حاولنا، لكن المشكلة كما قلت نحن رقعة من هذا الثوب، لدينا ناس مؤهلون في قيادة المؤسسات الخيرية، ولكنهم يحبون أن يتعاملوا مع الناس كقطع الشطرنج، يرسلون زيداً من الناس إلى هذا البلد، وبعد ثلاثة أشهر يقولون تعال نحن نريدك في القسم الفلاني، ويرسلون شخصاً جديداً برؤيا مختلفة ومفهومات مختلفة؛ لأنه أصلاً لا يوجد استراتيجية ولا ترتيب.

? نريد أن نتحدث قليلاً عن مشكلات الدعاة الأفارقة؛ في رأيك ما الذي يحتاج إليه الدعاة الإفريقيون؟

? الدعاة في إفريقيا لا يحتاجون إلى أن نحضرهم إلى بلاد الخليج, إحضارهم إلى دول الخليج أرى أنه نكبة؛ لأنهم سوف يعيشون ويطلعون على نموذج من الحياة فيه رخاء ومفاسد دنيوية ومالية – خاصة -، وهذا ما لا يتعرضون له هناك في بلدهم, فلو أُحضروا إلى الخليج ثم رجعوا؛ فسوف يحاولون أن يعيشوا في المستوى نفسه ويصعب عليهم التكيف في المجتمع الإفريقي.

وأعتقد أن أفضل ما يمكن أن نقدمه للأفارقة أن نؤسس لهم مؤسسات تعليمية في بلادهم بأولويات إفريقية ومناهج وكتب ألفت لإفريقيا خصيصى, فالكتب التي ندرسها قد لا تصلح أحياناً لهم، ونحن لا نريد أن نخرّج ناساً يصطدمون بالمجتمع وبقيمه المحلية هناك.

? لكن لو سمحتم لي يا دكتور؛ ألا ترى أن هناك فرقاً واضحاً بين من تخرجوا من الجامعة الإسلامية، ومن الأزهر، وبعض الجامعات في شمال إفريقيا، وجامعات الخليج الإسلامية، وبين الداعية الذي تخرج من المدارس والمعاهد الموجودة في بعض دول إفريقيا! أليس من المهم للداعية أيضاً أن يحصل على الماجستير والدكتوراه في الخارج ليرجع إلى بلده، ولعله يكون عضواً في البرلمان ثم رئيساً؛ مثل ما ذكرت أنت بعض النماذج الموجودة؟

? لي تجارب كثيرة جداً أستطيع أن أؤلف فيها كتباً في هذا المجال فقط، عندما بدأنا العمل في مدغشقر في أوائل التسعينيات قبل 20 سنة، أرسلت مجموعة كبيرة للدراسة في الجامعات الخليجية، وكان ذلك خطأً قاتلاً بالنسبة لي؛ لأنهم عندما تخرجوا وقلت لهم أنا عندي قبيلة مكونة من مليون نسمة، أصولهم عربية من الحجاز لكنهم فقدوا هويتهم الدينية والعربية، تعالوا ساعدوني, والمنطقة التي كنت أعيش فيها قرية نائية، والخدمات فيها في حدها الأدنى؛ رد عليّ جميع الدعاة من الخريجين وقالوا: كيف نعمل في منطقة كلها بعوض، والكهرباء تنقطع كل يوم وكذلك المياه، ما فيها خدمات صحية ما فيها.. إلخ!

قلت لهم: أنا عندي 14 مرضاً؛ أنا آخذ 21 دواء في اليوم، أنا آخذ إنسولين والمفروض أن أحافظ عليه في ثلاجة؛ وبالرغم من هذا جلست عندهم ثلاث سنوات، وما تركت المنطقة إلا عندما أجبرت إجباراً على تركها.

أن يقول هذا الكلام خريجون عاطلون عن العمل، حديثو التخرج من جامعات إسلامية؛ فهذا معناه أن هناك مشكلة في تربيتهم، نحن نعطيهم العلم ولا نعطيهم التربية, ورفضوا أن يأتوا جميعاً بدون استثناء!

وقد لا تصدق أن عدداً من خريجي الجامعة الإسلامية، والتي تنظر إليها وأنظر إليها على أنها قلعة العقيدة في بلادنا، يعملون الآن في السفارة الإيرانية دعاة, وهو موجودون في غانا وأوغندا ومدغشقر، هذا معناه أن هناك خطأً في التربية، كان يجب أن نربيهم في إفريقيا كما ذكرت بأولويات إفريقية، وهي تختلف عن أولوياتنا.

وعلى سبيل المثال يجب ألا نترجم كتب علمائنا، أنا لا أتكلم عن علمائنا السابقين إنما أتكلم عن علمائنا في هذا الزمن؛ لأنهم انغمسوا في مشكلات مجتمعنا انغماساً كبيراً، أليس من الجريمة أن يتقاتل المسلمون وتسيل الدماء في المساجد في بوركينا فاسو على قضية الجهر بالبسملة وعدم الجهر بها! أليس من الجريمة أن نملأ مستشفيات شمال مدغشقر بالجرحى من إخواننا المسلمين في وسط كله مسلمون جهلة لا يفهمون شيئاً عن الاحتفال بالمولد النبوي, سبب هذا أننا نقلنا لهم مشكلاتنا هنا.

عندنا كلية شريعة في كينيا، وكنت هناك معهم من أول يوم في تأسيسها، يخرج الطلبة كل يوم خميس وجمعة مشياً على أقدامهم أو ركوباً في الشاحنات، وقد يمشون على أقدامهم 50 إلى 60 كم للدعوة، وبنهاية عطلة نهاية الأسبوع يرجعون لدراستهم, خريجو الجامعات الإسلامية لا يمكن أن يعملوها، مستحيل أن يفعلوا ذلك!

? بخصوص النشاط الإعلامي، كيف تنظرون إلى الدور الإعلامي الإسلامي في مؤازرة العمل الدعوي والإغاثي في إفريقيا بشكل خاص؟

? الإعلام يستطيع أن يقلب الحق باطلاً والباطل حقاً، وتستطيع أن تغير نظرة الناس إلى أي شيء عن طريق الزخم الإعلامي، نحن لا نريد أن نقلب الباطل حقاً،  لكن نريد أن يعرف الناس الحقيقة عن العمل الإسلامي والخيري، ونحن مقصّرون في هذا الجانب.

ولعل من أخطر سلبيات الإعلام العربي بصورة خاصة، أنه يبحث عن المثير أكثر مما يبحث عن الحقيقة، فحين يصدر أحد فتوى ضد المجتمع وضد التيار السائد في المجتمع يتم التركيز عليه، وكذلك عندما يأتي إنسان ويبالغ مبالغة كبيرة جداً يتم التركيز عليه، الإعلام ضروري يا أخي الفاضل لكن يجب ألا يزيد عن حده؛ بعض شبابنا عندهم درجة من التهور والمبالغة والكذب في النواحي الإعلامية، حيث يقوم بعض الشباب بالمبالغة وتزيين ما قاموا به إلى درجة عظيمة، وحقيقة الأمر غير ذلك، هؤلاء يجب أن نجد طريقة لنوقفهم عند حدّهم، فأنا أعتقد مع للأسف أننا مقصّرون في النواحي الإعلامية بصورة عامة.

? نجد بعض المؤسسات الأجنبية عندما تفتتح بئراً واحداً تعمل هالة إعلامية، سواء في المنطقة المحلية الموجودة أو في البلد، لماذا لا نستغل مثل هذه الفرص لنصل مثلهم إلى الإعلام؟

? النظام الغربي يختلف عن النظام الإسلامي، فنحن المسلمين تحكمنا قيم الإسلام, أنا أضرب مثالاً، هذا المثال وقع في أعظم مؤسسة تنصيرية موجودة في أمريكا، وهي مؤسسة اسمها (بلجراهم اسيوسيشن)، عملت وكالة الضرائب المالية دراسة عنها، فوجدت أن من كل مائة دولار يتبرع بها إنسان إلى هذه المناطق للمجاعة - مثلاً في إثيوبيا - يصل إلى الجائع ثلاثة دولارات فقط! فعندهم قيم تختلف عن قيمنا.

بلجراهم مثلاً ليس من عادته أن يلبس الحذاء مرتين، يلبسه مرة واحدة ويرميه، حتى في أيام الشباب بعدما اشتهر ما كان يمشي بالسيارة 100 كم، تتعبه؛ فيأتون له بطائرة تنقله، وليس في هذا أدنى معارضة في الدين المسيحي، أما أنا المسلم فلا أستطيع أن أفعل هذا, فيجب أن آخذ من النصارى ما يتوافق مع ديني, فالقيم التي علّمني إياها كتاب الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم هي التي لها الأولوية في الاتباع, ولكن لا يمنع أن أستفيد منهم في وضع الاستراتيجيات أو الأهداف في الإدارة، وفي أشياء كثيرة من هذا النوع.

? مجلة الكوثر تمثل تجربة إعلامية متميزة في خدمة الدعوة، وفيها توثيق للجهود التي قمتم بها، هل للجمعية دور فيها، وما المشكلات التي تواجهونها في إصدار المجلة؟

? أولاً أنا المسؤول عن مجلة الكوثر في تحريرها ومتابعتها ومسؤول عنها مالياً كذلك، وليست الجمعية مسؤولة عنها, وعانيت الكثير لأجل إصدارها ولا أزال أعاني، قمت بإصدار المجلة لمدة 11 سنة بشكل متواصل لم تنقطع قط في شهر من الأشهر، ومن أبرز المشكلات الحاجة إلى مزيد من الإمكانيات المالية والبشرية.

? هل هناك تطوير قادم في المستقبل بمجلة الكوثر؟

? أتمنى.. التغيير موجود في البال منذ سنين، موجود على الورق، لأنني أريد أن أقفز بالمجلة قفزة كبيرة، لكن لم تكن هناك استطاعة لتنفيذه؛ لأنه يحتاج إلى إمكانيات، وهي غير متوفرة.

? ألا توجد جهة داعمة للمجلة، أو هل هي مجلة ربحية؟

? أنت أعرف بمستوى الربحية في المجلات، وبخاصة في الوقت الحالي، وبخاصة المواقع، ولا توجد مجلة في العالم العربي والإسلامي غير مدعومة من قبل جماعة أو جمعية أو شركة أو حزب أو رجال أعمال أو غيرهم, أنا أستطيع بفضل الله أن أعلن بملء فمي أن المجلة منذ أن صدرت لم تقبض أموالاً من جهة من الجهات, بعض المحسنين تبرع لنا بألف ريال, 50 ريالاً اشتراك، لكننا نرسل عدداً كبيراً جداً من الاشتراكات المجانية، والمشكلة أن الناس تتبرع، ولكن تتبرع للجمعية ظناً منهم أن الجمعية هي المسؤولة مالياً عن الاشتراكات المجانية.

المجلة هي مركز دراسات من أول يوم صدرت فيه، وصاحب الامتياز ورئيس التحرير هو عبد الرحمن السميط.

?  أليست تابعة لجمعية العون المباشر؟

? لا ليست تابعة أبداً.

?  كيف يتم التنسيق بين المجلة والجمعية، فيما يتعلق بالمعلومات التي تنشر عنها في المجلة؟

? التنسيق يتم مع مكاتب الجمعية، والمعلومات المنشورة هي عبارة عن صفحتين أو ثلاث صفحات مخصصة لإنجازات مكاتب الجمعية، وهي خدمة أقدمها أنا للجمعية، وأستطيع أن أوقفها في أي وقت من الأوقات.

?  بماذا تنصح مجلة قراءات إفريقية؟

? أريد أن تكون مجلة علمية محكمة، مستواها راق، تستمر بالصدور، ويكون لها وقف.

?  في الختام؛ نشكر فضيلتكم على هذا اللقاء، وما تفضلتم به من تجارب ثرية في مجال العمل الإسلامي في إفريقيا وغيرها، فجزاكم الله خيراً.