لتعليم العربي الإسلامي في نيجيريا

  • 7 -1 - 2013
  • خالد حسن عبدالله


د. خالد حسن عبدالله 

أُشربت قلوب المسلمين حبّ اللغة العربية، على اختلاف لغاتهم، وتباين مشاربهم، في مشارق الأرض ومغاربها، بوصفها لغة القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة، وبها يتوجّهون إلى ربّهم عند أداء صلواتهم، وبها يزاولون كثيراً من عباداتهم ومناسك دينهم الحنيف.

وقد أسهمت اللغة العربية في تدفّق مجرى الحضارة الإنسانية وتعميقه برافد متميّز، بوصفها لغة الثقافة العربية الإسلامية، وتحظى اللغة العربية باهتمام بالغ من الشعوب المسلمة، ذلك أنها لغة التراث الإسلامي، وأن كثيراً من الشعائر الإسلامية التعبدية لا يمكن أداؤها أداءً صحيحاً إلا باللغة العربية.

وفي نيجيريا تحتل اللغة العربية مكانة عظيمة منذ فجر دخول الإسلام في تلك المنطقة، وقد تطوّر التعليم العربي الإسلامي فيها كثيراً عبر مراحل وفترات تاريخية، حيث بدأ من المساجد، ثم الكتاتيب، ومنها إلى الدهاليز[1]، ثم  انتقل إلى المدارس العربية الحديثة، ثم التعليم الحكومي الرسمي.

أرسى الإسلام دعائم العلم والمعرفة، فأعطى التعليم اهتماماً خاصاً في تعاليمه، وكان أوّل ما نزل من القرآن الكريم الأمر بالقراءة، وذلك في قوله تعالى: ]اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ ورَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)[ [العلق : 1 – 5]، فجعلها جزءاً لا يتجزأ من الدين، فشجّع ذلك على التعليم، وأعطى الإسلام العلماء منزلة لا تساويها منزلة، قال تعالى: ]قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ[ [الزمر : 9]، وهذا ما جعل العالم في المجتمع الإفريقي بشكل عام والنيجيري بشكل خاص في القرون الماضية يتمتع بتبجيل وإجلال يكاد يبلغ حدّ التقديس، وذلك لما يمتاز به من ثقافة دينية راقية، فيلتف حوله عدد من الناس ليتعلموا منه ويتثقفوا، وبذلك كانت الفصول الدراسية تبتدئ، وبالتدرج تترعرع وتزدهر، ولا يزال العلماء يتمتعون بهذه المكانة إلى يومنا هذا[2].

نشأة التعليم الإسلامي في نيجيريا:

ترجع نشأة التعليم الإسلامي العربي في نيجيريا إلى بدء توغّل الإسلام في هذه البلاد، وذلك قبل ظهور الشيخ عثمان بن فوديو بعدة قرون، وقد ظهرت المدارس القرآنية بظهور الإسلام، وكان المجتمع في هذه المنطقة يهتم بهذه المدارس، ويرسل الأطفال بنين وبنات إليها، فيتعلّمون شيئاً من القرآن، كما يتعلّمون بعض المبادئ الإسلامية؛ لذلك كانت لهذه البداية نتائج بعيدة المدى، وأصبح تعليم اللغة العربية مفتاحاً للعلم والمعرفة والمكانة، ولارتباط ذلك بالإسلام الذي حثّ على طلب العلم انتشر التعليم العربي الإسلامي.

ومن المستحسن أن نلقي نظرة على التعليم في المدارس القرآنية أو الكتاتيب قبل الحديث عن المدارس الحديثة، إذ كانت هي اللبنة الأولى والأساس الأول لوجود هذه المدارس الحديثة أو النظامية.   

لا تختلف طريقة التعليم في تلك الكتاتيب كثيراً من منطقة إلى أخرى، ولم تكن تخضع لأي نظام منهجي، فليس للحكومة دخل في شأنها، وباستطاعة أي إنسان أن يؤسّسها ويدرّس فيها إذا تعلّم القراءة والكتابة وحفظ بعض سور القرآن، ولا يُشترط أن يحفظ القرآن كله، وفي الغالب كان المعلّم يبدأ بتعليم أولاده وأولاد أقاربه وأصحابه، وهذه هي الصورة في كلّ المناطق التي دخل فيها الإسلام في نيجيريا.

ويذهب علي أبو بكر[3] إلى أن تلك المدارس القرآنية كانت على نوعين:

النوع الأول: يتعلّم فيه الصبيان قراءة القرآن فقط من غير حفظ.

والنوع الثاني: يحفظون فيه القرآن الكريم.

ويمثّل النوع الأول التعليم الابتدائي، وهو الأكثر انتشاراً في البلاد، والعمر المحدّد لمن يلتحق به هو خمس سنوات، ويُطلق على مدرسة هذا النوع في العرف المحلي «مدرسة اللوح»؛ لأن الصبيان يتعلّمون قراءة القرآن وهو مكتوب على هذه الألواح.

يتبين لنا مما سبق؛ أن تلك المدارس قد تأسّست منذ دخول الإسلام إلى هذه البلاد، وكان لها صفوف في الجوامع والأكواخ الطينية وعلى قارعة الطريق، وفي أكثر الأحيان لا تشبه هذه الصفوف المدارس الحديثة، فالمعلّمون يتمكّنون من قراءة القرآن الكريم بصورة عامة، والأكثر منهم تعلماً قد تعلّموا مواضيع مختلفة في اللغة والدين من أحد العلماء البارزين، وبما أن واجب كلّ والد مسلم أن يتأكد من قيام ولده بتعلّم القرآن الكريم والصلاة، لذلك تجد هذه المدارس بكل بلد وقرية، وفي كثير من الأحيان يقوم المعلّم بتدريس طلابه في بيته.

وفي عام (1961م) قُدّر عدد المدارس القرآنية في شمال نيجيريا، ومن ضمنها مدارس العلم – وهي التي تُدرّس فيها العلوم الشرعية – بمقدار 51,921 مدرسة، وعدد طلاب هذه المدارس ما يقارب 398,118 طالباً[4].

واستمرت تلك المدارس في تطوّر ملاحظ عبر السنين والفترات اللاحقة نتيجة للتطوّر الذي شهدته البلاد في مختلف المجالات والقطاعات، وازداد عدد المدارس العربية الإسلامية ومدارس تحفيظ القرآن الكريم والخلاوي (Tsangaya) في كلّ المدن والقرى النيجيرية.

ويقوم أولياء الأطفال في جميع المناطق التي فيها المسلمون في نيجيريا بإرسال أطفالهم إلى المدارس القرآنية بعد انتهاء الدوام في مدارسهم أملاً في أن تكون لهم ملكة في حفظ القرآن الكريم، وفي القرى التي لا توجد بها مدارس نظامية قد يقضي الطفل طفولته في هذه المدارس، ونتيجة ذلك يكون قد حفظ القرآن دون فهم، وتمكّن من القيام بكتابة بسيطة عن طريق الاستنساخ والعد البسيط في أغلب الأحيان إلى العشرة، ويكون قد تعلّم أصول الصلاة والفروض الدينية.

كانت العلوم الإسلامية تدرس لا كما هي على حقيقتها ولكن كما يراها المستشرقون

أما عن المؤهلات العلمية للمعلّم في هذه المرحلة؛ فهي أن يستطيع قراءة القرآن كلّه قراءة صحيحة، ويحفظ على الأقل حزباً واحداً من سورة الأعلى إلى سورة الناس، فمن تمكّن من تحصيل هذين الشرطين فقد أصبح مؤهلاً للتدريس في هذه المدارس في بيئته.

وطريقة التعليم في هذه المرحلة بدائية، وهي أن يكتب المعلّم للولد الحروف الهجائية أولاً غير مشكّلة على اللوح ليتعلّمها، ثم يكتب له سورة الفاتحة غير مشكّلة أيضاً ليتعلّم النطق بحروفها متصلة، وهكذا حتى يصل إلى سورة الهُمَزة، ثم يعود إلى الأوّل ليتعلّم كتابة هذه السورة نفسها وهي مشكّلة، ثم يُطالب بحفظها، وهذه المرحلة وحدها تستغرق من المتعلّم عدة شهور، ثم يواصل قراءة السور مع الحفظ حتى يصل إلى سورة الأعلى، وهنا تنتهي مطالبته بالحفظ غالباً، فيواصل قراءة السور وهي مكتوبة على ذلك اللوح إلى سورة النبأ، وهو الحزب الثاني، وهكذا يختم القرآن كله، وفي أثناء ذلك يتعلم الكتابة بنفسه فيريح معلّمه من عبء الكتابة على اللوح[5].    

ويُلاحظ على هذا النوع من التعليم طول المدة، حيث يستغرق من التلميذ فترة طويلة في أشياء قليلة وبسيطة، وكذلك عدم الاهتمام بالمعلّم، ولعل هذا الذي جعل بعضهم يطالبون الآباء بالتصدّق لأبنائهم بطعام أو شاة أو خروف إذا وصلوا إلى سور أو أحزاب معينة، وهذه الصدقة تذهب إلى المعلّم نفسه، فمعظم الآباء أو أولياء أمور الأولاد لا يعطون هذا المعلّم شيئاً في مقابل تعليمه لأبنائهم؛ لذلك استغل المعلّمون هذه الطريقة، وأوهموا الآباء بأن عدم القيام بهذه الصدقة يجعل الولد غبياً وثقيل الفهم، وكان الأولاد أنفسهم يلحّون على آبائهم في إعطاء هذه الصدقة ليفتح الله لهم ويزيدهم حدّة في الذكاء، أما إذا ختم الولد القرآن فلا بدّ أن يقيم والده احتفالاً رائعاً، يحضره الأقارب والأصدقاء ليباركوا حفظ الولد أو البنت للقرآن، وليقدموا  للمعلّم العطاء والهدايا.

وقد استغل بعض المعلّمين تلاميذهم في القرى استغلالاً سيئاً، حيث كانوا يسخّرونهم في فلاحة أراضيهم الزراعية، واتخذ بعضهم عادة التنقل من القرى إلى المدن مع هؤلاء الأولاد، حيث يصبح الأولاد متسوّلين يجمعون النقود لهم، مما أدى بكثير منهم إلى الانحراف الخُلُقي، ولقد قامت الحكومة بمحاولات كثيرة  لمنع هذه الظاهرة لكن باءت أكثرها بالإخفاق.

هذه هي حالة المدارس القرآنية قبل ظهور المدارس الحديثة، ولا تزال تلك المدارس القرآنية موجودة إلى يومنا هذا، وخصوصاً في القرى، والطرق المتّبعة للتعليم فيها لا شك أنها طرق بدائية، يتكبّد المعلّم والولد على السواء تعباً كبيراً في مقابل فائدة قليلة، وسوف نرى أن الوضع قد تغيّر بعد إنشاء المدارس الحديثة، حيث كان المجهود أقلّ والفائدة أعظم.

المدارس العربية الإسلامية:

وفي القرن الأخير؛ بدأت المدارس النظامية الحديثة تظهر لكي تستوعب خريجي المدارس القرآنية، وأدّت دوراً فعّالاً في نشر اللغة العربية والثقافة الإسلامية، وأول مدرسة فُتحت في كنو هي مدرسة الشريعة الكبرى في سنة (1934م)[6]، أنشأها الأمير عبد الله بايرو (أمير كنو) لاستيعاب المتخرّجين في المدارس القرآنية، وكانت أول مدرسة من نوعها في غرب إفريقيا، وقد أدّت دوراً مهمّاً في نشر الثقافة العربية الإسلامية، وأصبحت كعبة للعلم يغشاها الطلبة من كلّ المحافظات في نيجيريا ومن البلاد الإفريقية المجاورة.

ساهمت المدارس الحديثة في رفع مستوى اللغة العربية والتربية الإسلامية في البلاد، خصوصاً بعدما أُدخلت تجديدات عديدة في مدرسة الشريعة الكبرى، وأصبحت تُسمّى مدرسة العلوم العربية، وأضيف إليها قسم لتدريب المدرّسين، فصارت معهداً كبيراً يلتحق به الطلبة من مدارس الشريعة الصغرى، ومن المدارس الوسطى الحكومية، ومن المعاهد الدينية غير الحكومية، وكانت تلك المدارس منظّمة على الطريقة الحديثة، ولها مناهج وكتب مقررة، وما إلى ذلك من النُّظم المدرسية الحديثة.

 وكان المتخرّجون فيها من المدرّسين - بعد إدخال تجديدات عليها - ينالون شهادة التدريس من الدرجة الثانية، ويتقاضون رواتب كرواتب غيرهم من مدرّسي المواد الأخرى الذين يحملون شهادة معادلة لها، وقد أحدثت هذه التطوّرات تغييرات لها أهمية كبيرة في تاريخ التعليم العربي الحديث في نيجيريا عامة، فقد رفعت لأول مرة الروح المعنوية للمدرّسين، كما رفعت بذلك قيمة التربية الإسلامية واللغة العربية في المدارس الحديثة.

توالى افتتاح المدارس العربية الحديثة بعد مدرسة العلوم العربية بكنو في معظم المدن الكبرى في نيجيريا، واعترفت الحكومة بتلك المدارس، وفتحت قسماً خاصاً تشرف عليه وزارة التربية والتعليم الفيدرالية.

ولقد حاول الاستعمار الصليبي – كعادته في البلاد الإسلامية – بعد أن احتلّ البلاد أن يقلّل من شأن التعليم العربي الإسلامي، وأن يُحلّ مكانه التعليم الغربي، فبدأ بإهمال الثقافة العربية الموجودة حينذاك، وفتح المدارس الغربية الحديثة لتقاوم المدارس الإسلامية، إلا أن معظم تلك المحاولات لم تنجح لحرص الأهالي الشديد على المادتين (اللغة العربية والتربية الإسلامية)، فغيّر المستعمر سياسته، وأُدخلت المادتان في المدارس الأخرى لامتناع الآباء عن إلحاق أبنائهم بها خوفاً من التنصير.

يهتم أفراد المجتمع النيجيري المسلم – وخصوصاً في المناطق الشمالية لقدم الإسلام فيها - بالتعليم العربي الإسلامي، وذلك لصلته بدينهم الحنيف، وهو امتداد لنظام التعليم في المدارس القرآنية الذي ورثوه عن آبائهم وأجدادهم، لذا لم يهمل الآباء في تعليم أبنائهم التعليم العربي الإسلامي بعد إنشاء المدارس العربية الحديثة، فنجد الأبناء يذهبون إلى المدارس الغربية الإنجليزية في الفترات الصباحية، وفي الفترات المسائية يحضرون إلى المدارس العربية الإسلامية، أو مدارس القرآن الكريم، أو المدارس الإسلامية الليلية، وحرص الآباء على ذلك التعليم هو الذي حفظ للمدارس مكانتها في المجتمع، وما زالت تؤدي دورها الحميد في تثقيف أبناء الوطن بالثقافة الإسلامية.

من المشكلات التي تواجه التعليم العربي الإسلامي في نيجيريا بمختلف مراحله، عدم التدريب المهني لكثير من الأساتذة

ولا يخفى على كلّ منصف ما تقوم به تلك المدارس والمعاهد الدينية من الأدوار الفعّالة في تطوير المجتمع وتقدّمه في مختلف مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية، فكم من شخصيات بارزة من أعلام الفكر الإسلامي تعلموا في تلك المعاهد، وكم من أمراء وسفراء وقادة تخرجوا فيها، وكم من قضاة في المحاكم الشرعية والقضائية ممن درسوا في تلك المعاهد!

وقد ساهمت أيضاً في نشر الوعي الديني بين أفراد المجتمع، حيث أنشأ كثير من خريجي تلك المدارس مدارس أهلية خاصة في مجتمعاتهم، وكانت بيوتهم مدارس يأوي إليها الطلبة للاستفادة من مختلف العلوم الشرعية واللغوية، وهذا ما جعل أفراد المجتمع إلى يومنا هذا يهتمون بشأن تلك المدارس، ويقدّمون إليها ما أمكن من الدعم المعنوي والمادي، ويتبرّعون ببناء المدارس العربية الإسلامية للحكومة، وللجمعيات الإسلامية الخيرية.

وإلى جانب تلك المدارس العربية الحديثة وجدت معاهد تسير على نظام جديد في تحفيظ أبناء المسلمين القرآن الكريم، مع بعض المواد الأساسية في التربية الإسلامية واللغة العربية، وقد وفّرت الكثير من الوقت والجهد في التحصيل العلمي، حيث كان الأطفال من قبل يرتحلون مع الشيخ بين القرى والبوادي، وكان العائد من الفائدة التعليمية ضئيلاً، أضف إلى تلك المعاهد وجود أقسام خاصة للتحفيظ والتجويد في بعض المدارس الثانوية العربية، وكليات القرآن الكريم، وتهتم كلها بدراسة القرآن وعلومه وتحفيظه؛ الأمر الذي جعل كثيراً من المواطنين يفضّلون التعليم الإسلامي على التعليم الغربي، ويساهمون في تطويره إلى يومنا هذا.

أضف إلى كلّ ما سبق ذكره؛ أن هناك جامعات نيجيرية عريقة بها كليات فيها أقسام للدراسات الإسلامية واللغة العربية، وبعضها تمنح شهادات الدكتوراه في التخصُّصين، مثل جامعة بايرو في كنو، وجامعة أحمد بلّو في زاريا، وجامعة عثمان بن فوديو في سكتو، وجامعة ميدغري في ولاية برنو، وجامعة إلورن في ولاية كوارا، وجامعة إبادن.

وتجدر الإشارة إلى أن هناك جامعات جديدة أنشئت في السنوات الأخيرة ببعض الولايات، فيها أقسام للغة العربية والدراسات الإسلامية، مثل: جامعة الحكمة بمدينة إلورن في ولاية كوارا، وجامعة كشنا (الإسلامية) في ولاية كشنا، وجامعة عمر موسى يرأدوا في ولاية كشنا، وجامعة ولاية كدونا، وجامعة ولاية كوغي، وجامعة ولاية كوارا، وجامعة إبراهيم بدماسي بابنغدا بلافي في ولاية نيجا، وكل الجامعات السابقة تمنح الشهادة الجامعية في اللغة العربية والدراسات الإسلامية، وبعضها بدأت ببرامج الدراسات العليا، مثل جامعة ولاية كوغي، وجامعة عمر موسى يرأدوا، وللتخصُّصين حضور ومكانة كبيرة في معظم الجامعات القديمة والجديدة، وكلّ هذه ميزة قد لا توجد في كثير من الدول الإفريقية الأخرى.

مناهج المدارس العربية الإسلامية:

أما عن مناهج اللغة العربية في المستوى الابتدائي؛ فإن إدارات التعليم الابتدائي مع إدارات التعليم العربي الإسلامي بالولايات هي التي تشرف عليها.

والمناهج السائدة في المدارس الثانوية مناهج موحّدة في معظم المدارس الثانوية، وبخاصة شمال نيجيريا، وتشرف عليها لجنة اللغة العربية والدراسات الإسلامية بمعهد التربية التابع لجامعة أحمد بلّو في زاريا.

مشكلات المناهج في المدارس العربية الإسلامية:

هناك صعوبات كثيرة في تطبيق هذه المناهج، وأكثرها ترجع إلى عدم الإمكانات المادية، وإلى عدم وجود  كوادر من العلماء المتخصّصين النابغين في المجال التربوي يشرفون على المناهج والمدارس إشرافاً تاماً ودقيقاً، وكذلك عدم توفّر أساليب الإشراف التربوي المناسب الذي يرفع من قدرات المعلمين وأدائهم.

فنلاحظ أنه لا توجد كتب معدة ومطبوعة لبعض المواد، فالأمر متروك لاجتهاد المدرّس، وإذا نظرنا إلى المطبوعة منها، فإننا نجد بعضها فوق مستوى معظم الطلاب، كما أنها كُتبت بأقلام كتّاب غير مواطنين، وتعكس ظروف بيئة مغايرة لبيئتنا قد ألّفت من أجلها، وكان مما ينبغي للتعليم أن يكون نابعاً من البيئة، وأن تؤخذ ظروفها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في الحسبان.

ويؤكّد ما سبقت الإشارة إليه ما كتبه أحد الباحثين في مجال التربية، وهو من أبناء المنطقة، حيث ذكر أن[7] المشكلات المنهجية من المشكلات التي تعانيها المدارس الإسلامية العربية في غرب إفريقيا، بل في كثير من أجزاء العالم الإسلامي، وتقف عقبة كأداء قد تعيق سير بعضها إن لم توقفه نهائياً، وتبدو مشكلات المنهج مقبولة نوعاً ما في بدء نشأة هذه المدارس، لا سيما القديمة منها، بسبب ظروف إنشائها التي لم تسمح بوجود مناهج مدروسة ومخطّط لها، والتي منها مواجهة المدارس الفرنسية والإنجليزية التي أنشأها الاستعمار، ومنها عدم الخبرة الكافية بالدراسة النظامية الحالية.

لكن الأوان قد آن لتنطلق هذه المدارس من مناهج مدروسة، وقد مضى على بعضها ما يجاوز نصف القرن – مثل مدرسة العلوم العربية بكنو –، كما أنه من العيب أن تقع المدارس الحديثة العهد في مشكلات منهجية؛ لما يُفترض في مؤسّسيها الاطلاع على الدراسة النظامية ومناهجها، ولأنهم من خريجي المعاهد أو الجامعات.

وأضاف أيضاً، من ضمن المشكلات[8]، الافتقار إلى الكتب المدرسية، وبخاصة الطبعات الأخيرة منها، إذ تجد بعض ما يُدرّس من الطبعات القديمة جداً، وربما لم يعد منهجاً يدرّس في بلده الأصلي.

ويشير أحد الكتاب عن التعليم العربي الإسلامي في إفريقيا إلى أهمية الكتب المدرسية في العملية التعليمية، ووضعها في إفريقيا، في إحدى مقالاته[9]، ففي حالة عدم وجود مناهج محدّدة ومفصّلة ومقسّمة على السنوات الدراسية قد تكون الكتب الدراسية هي البديل، ولكن حتى هذا البديل يفتقر إليه تعليم اللغة العربية والدين الإسلامي في إفريقيا، سواء في المرحلة الابتدائية أو الثانوية، حيث يعد الكتاب المدرسي من أهم الوسائل التعليمية إن لم يكن أهمها جميعاً، ففي أنحاء غرب إفريقيا ما زال طلبة اللغة العربية ومدرّسوها يعتمدون على الكتب المستوردة من بعض الدول العربية، وبخاصة مصر والسودان .

وأكّد قوله، بالنسبة للتعليم الثانوي، بأن الكتب المستوردة تقتصر على كتاب النحو الواضح وكتب النصوص العربية للمدارس الثانوية في مصر، وهي كتب قديمة في طريقتها وأمثلتها، ولا تشتمل كتب النصوص خاصة على كلّ ما هو مقرّر، فيضطر المدرّسون إلى استنساخ ورق يشتمل على هذه النصوص المقرّرة التي لا توجد في هذه الكتب، وهو ما يضيف صعوبات أخرى لكلٍّ من التلاميذ والمدرّس.

ومن الإنصاف أن لا ننكر بعض المحاولات العديدة المتفرّقة لإنتاج بعض الكتب الملائمة للبيئة النيجيرية، ومن أهمها ما قام به معهد التربية بجامعة أحمد بلّو في زاريا، حيث أصدر بالمطبعة الناسخة مجموعة من الدروس النموذجية النابعة من البيئة النيجيرية، لاستخدامها في تجربة المنهج الذي وضعه المعهد، غير أن هذه المحاولة لم يُكتب لها النجاح نظراً لافتقارها إلى الموارد المالية لنشرها.

وهناك أيضاً مساهمة قيّمة من قسم اللغة العربية بجامعة بايرو – كنو، حيث أصدر سلسلة كتاب (العربية الميسّرة) في ثلاثة أجزاء، وهو كتاب قيّم في تعليم اللغة العربية، شارك في إعداده نخبة ممتازة من أساتذة قسم اللغة العربية بالجامعة، وقد طُبع طباعة فاخرة وممتازة، ومتوفّر في المكتبات والأسواق.

التعليم العربي الإسلامي في الجامعات النيجيرية:

التعليم العربي الإسلامي في الجامعات النيجيرية مرتبط بتاريخ بدايات التعليم العالي؛ حيث يعد امتداداً للتعليم للمراحل الأولية والابتدائية والثانوية.

وكما كان للإرساليات التبشيرية دور خطير في تلك المراحل، حيث استغلتها في نشر التعليم الغربي والدين المسيحي، أسهمت كذلك في التعليم العالي في طوره المبدئي، وكان غرض الإرساليات الرئيس من التعليم العالي - وهو لا يختلف عن غرضها في المراحل الأخرى - تدريب رجال الدين وتزويدهم بالمؤهلات اللازمة ليتمكَنوا من القيام بنشر الدين المسيحي في هذه البلاد، فإذا ما وُجد من الوطنيين رجال أكفاء يؤمنون بتلك الرسالة، استطاعوا حمل عبء التبشير بين إخوانهم المواطنين؛ لأنهم أعرف بشعورهم وبتقاليدهم وعاداتهم[10].

لا يخفى على كلّ منصف ما تقوم به تلك المدارس والمعاهد الدينية من الأدوار الفعّالة في تطوير المجتمع وتقدّمه

وأول كلية جامعية افتتحت في نيجيريا هي كلية إبادن الجامعية، وبدأ تسجيل الطلبة فيها في يوم 18 يناير سنة 1948م[11]، وهي صورة طبق الأصل للكليات الإنجليزية، فنظام التعليم فيها لا يمت بصلة إلى المجتمع النيجيري، ونوع التعليم فيها لا يتوافق مع طبيعة البلاد، ولعله لا يحقّق لها أغراضها، وكانت تابعة لجامعة لندن، خاضعة لقوانينها وسائرة على طريقتها، تأخذ امتحاناتها، ويحصل الطلبة على درجة جامعية من جامعة لندن.

حدثت تغييرات وتطوّرات كبيرة للتعليم العالي بعد استقلال نيجيريا عن الاستعمار البريطاني عام 1960م، حيث أُدخلت دراسات إفريقية لها صلة بالمجتمع، وفي عام 1961م أنشأت جامعة إبادن قسماً خاصاً باللغة العربية والدراسات الإسلامية، على نمط أقسام الدراسات الشرقية في إنجلترا، حيث تدور الدراسة حول تعليم اللغة العربية لا تعليم اللغة نفسها، وكانت العلوم الإسلامية تدرس لا كما هي على حقيقتها ولكن كما يراها المستشرقون[12].

وفي عام 1960م أُنشئت كلية عبدالله بايرو، وكان اسمها عند إنشائها كلية أحمد بلُو، وتفرعت عنها كلية الآداب والدراسات الإسلامية في يناير 1964م، وساهمت في رفع مستوى تدريس اللغة العربية والدراسات الإسلامية في نيجيريا، وأوجدت فرص مواصلة الدراسة الجامعية لكثير من حملة الشهادة الثانوية، وأصبحت مركزاً وملتقى للحضارتين الإسلامية القديمة والغربية الحديثة، وأوجدت منهجاً تعليمياً مزدوجاً يوجب على الطالب أن يدرس علوماً متعددة يتسع معها أُفُقه، ويلمّ بقدر من الثقافة العامة، ثم يتخصّص فيما بعد في المرحلة الأخيرة على نظام تعليمي هرمي.

وهكذا استمر فتح أقسام اللغة العربية في الجامعات النيجيرية استجابة لحاجة المواطنين في معظم الولايات، حيث يوجد عدد كبير من خريجي المدارس الثانوية، ومن حملة الدبلوم البسيط والشهادة الوطنية للتربية، الذين يرغبون في مواصلة الدراسة الجامعية للتخصّص في اللغة العربية أو الدراسات الإسلامية.

أما عن منهج اللغة العربية في المستوى الجامعي؛ فإن هيئة الجامعات النيجيرية [Nigerian Universities Commission - NUC] هي المسؤولة عنه، فهي التي تضع المنهج، وتشرف عليه الإشراف المباشر، وتوزّعه على أقسام اللغة العربية في الجامعات النيجيرية للتنفيذ، ويُعاد تطويره والنظر فيه من وقت إلى آخر.

مشكلات أخرى:

ومن المشكلات التي تواجه التعليم العربي الإسلامي في نيجيريا بمختلف مراحله: عدم التدريب المهني لكثير من الأساتذة، فمعظمهم يحتاجون إلى تدريب خاص في استخدام الأساليب الحديثة، والطرق العلمية الحديثة في تدريس اللغات, والتزوّد من العلوم الأخرى، مثل: علم النفس التربوي، وعلم اللغة التطبيقي، والتقنيات التربوية، وغيرها من العلوم الضرورية التي تكفّل النجاح للعملية التعليمية التعلّمية.

وتعاني بعض أقسام اللغة العربية في بعض الجامعات النيجيرية مشكلة الاستقلالية، فهي شُعب بأقسام اللغات في بعض الجامعات، وتُدمج مع بعض اللغات، ويقلّل ذلك من قيمتها، ومن أنشطتها العلمية والأكاديمية، ومن نسبتها في ميزانية الجامعة.

ويجب على أقسام اللغة العربية بالجامعات النيجيرية أن تهتم بالأنشطة اللغوية المختلفة, والنشاط يعني إيجابية المتعلّم في عملية التعلّم، حيث يشارك في الموقف التعليمي راغباً، لأن العمل يُشبع حاجة لديه، ويساعده في الوصول إلى هدف محدّد، والأنشطة المدرّسية بكل أنواعها تساعد في تنمية شخصيات المتعلمين، وتربيتهم التربية الخُلُقية والاجتماعية والنفسية والجسمية والعقلية، مما يعدّهم لمواقف الحياة المستقبلية، والطلاب الذين يشاركون في النشاط الجامعي لديهم القدرة على الإنجاز الأكاديمي، وهم يتمتعون بنسبة ذكاء مرتفعة، كما أنهم إيجابيون بالنسبة لزملائهم وأساتذتهم.

للنشاط الجامعي اللغوي أثر واضح في عملية تعليم اللغة، وهو يفوق أحياناً أثر التعليم في حجرة الدراسة عن طريق المواد الدراسية، ويمكّن الطلاب  من الاستفادة العملية التطبيقية من اللغة العربية في مواقف طبيعية بعيداً عن قيود الحصّة، ويمكن أن تشمل الأنشطة الطلابية: الإذاعة المدرسية، والصحافة المدرسية، وأصدقاء المكتبة، والخط العربي، والتمثيل، والخطابة، والإلقاء الشعري، وغيرها.

المقترحات:

و فيما يلي سرد لبعض المقترحات التي قد تسهم في وضع بعض الحلول الناجعة لبعض المشكلات:

1 - الاهتمام بالتدريب المهني للأساتذة، سواء قبل الخدمة أو في أثنائها، لرفع قدراتهم.

2 - تطوير مناهج اللغة العربية والدراسات الإسلامية في المستويات كافة.

3 - توفير المعامل اللغوية والوسائل التعليمية المناسبة.

4 - توفير الإمكانيات المادية اللازمة لممارسة الأنشطة اللاصفية.

5 - توطيد العلاقات والاتصالات بالجامعات والمنظّمات والمؤسّسات العربية والإسلامية للاستفادة من تجاربها وخبراتها الواسعة، مثل المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (الإيسسكو)، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألسكو)، وغيرها.

6 - إيجاد مكتبات علمية في المدارس والأقسام.

7 - إيجاد فرص تسمح للطلاب بممارسة اللغة العربية في البيئة النيجيرية.

8 - إيجاد كتب مناسبة لمقررات اللغة العربية والدراسات الإسلامية.

9 - ضرورة اهتمام المشرفين بتلبية الحاجات التعليمية والمهنية لمعلّمي اللغة العربية والدراسات الإسلامية.

وختاماً:

يتضح لنا من هذه الجولة القصيرة مدى ازدهار التعليم العربي الإسلامي في نيجيريا وتطوّره، وهو أمر غير موجود في كثير من الدول الإفريقية المسلمة، ويؤكّد لنا كلّ ذلك حرص المسلمين الشديد على اللغة العربية لارتباطها بالدين الإسلامي والثقافة الإسلامية، ولا تزال هناك رغبة عارمة لدى كثير من المسلمين في نيجيريا في تعلّم اللغة العربية والتزود بالثقافة الإسلامية.   

* قسم اللغة العربية - جامعة عمر موسى ير أدوا، ولاية كشنا، نيجيريا.

[1] الدهاليز: هي تلك المدارس التقليدية التي تتخذ بيوت العلماء والشيوخ مقراً لها، حيث يأتي إليها الناس من مختلف الأحياء والمدن للتزود من العلم والمعرفة.

[2] أ. د. شيخو أحمد غلادنث: حركة اللغة العربية وآدابها في نيجيريا، شركة العبيكان للطباعة والنشر، الرياض، ط 2، (1993م)،  ص 37.

[3] د. علي أبوبكر: الثقافة العربية في نيجيريا من 1750م إلى 1960م عام الاستقلال، مؤسسة عبد الباسط، لبنان، ط 1، (1972م)، ص 15.

[4] سليم حكيم: تعليم اللغة العربية في نيجيريا، وزارة الثقافة والإرشاد، بغداد (1966م)، ص 12.

[5] أ. د. شيخو أحمد سعيد غلادنث، مرجع سابق، ص 152.

[6] محمد جلال عباس: اللغة العربية في إفريقيا، الدارة، ع 1،  س 9 (1403هـ)، ص 192.

[7] هارون المهدي ميغا: المدارس الإسلامية العربية في غرب إفريقية، مشكلات وحلول، مجلة الفيصل، ع 257،  س 1418هـ،  ص 29.

[8] هارون المهدي ميغا، المرجع السابق، ص 30.

[9] محمد جلال عباس: اللغة العربية في إفريقيا، مرجع سابق، ص 195.

[10] غلادنث، مرجع سابق، ص 217.

[11] Fafunuwa .A. Babs P. 23

[12] غلادنث، مرجع سابق، ص 275.