كفـاءة التمويـل الإسلامـي فـي الوقايــة مــن الأزمات المعاصــرة

  • 6 -7 - 2014
  • عبدالحليم عمار غربي


د. عبد الحليـم عمـار غربـي 

تمهيد:

توالت أزمات مالية ومصرفية، تحوّلت بعدها إلى أزمات اقتصادية، بما فيها الأزمة المالية العالمية 2007م – 2009م، مروراً بأزمة الديون السيادية الأوروبية عام 2010م التي عرّضت عدداً من الحكومات إلى خطر الإفلاس والانهيار، ثم تبعتها الأزمة المصرفية القبرصية عام 2013م التي أصبح يتحمّل فيها المودعون خسائر كبيرة!

في ظلّ هذه الأزمات؛ ظهر توجّه دوليّ نحو التمويل الإسلامي، وطُرحت تساؤلات عمّا إذا كان بديلاً عن التمويل التقليدي أو يكمِّله! ومدى قدرته على توقي الأزمات واحتوائها، وحدثت تطورات في تأسيس برامج لتدريس التمويل الإسلامي؛ لكونه يستند إلى مبادئ عالمية لا تختصّ بالمسلمين فقط؛ بل تهدف إلى خدمة الاقتصاد العالمي!

وسوف نُبرز في هذا المقال الكفاءة الاستخدامية للتمويل الإسلامي في الوقاية من الأزمات المعاصرة؛ من خلال معالجة خمسة محاور.

أولاً: إشكالية ضعف الكفاءة الاقتصادية لنظام التمويل التقليدي وآثارها السلبية:

الآثار السلبية للوساطة المالية التقليدية:

تقوم الوساطة المالية التقليدية على آلية الفوائد المسبقة المضمونة، فالبنك يقترض بفائدة من وحدات الفائض، ويُقرض بفائدة أعلى منها لوحدات العجز، ومن الفرق بين الفائدة الدائنة والمدينة يُحقِّق البنك فائدة تُشكِّل تكلفة يتحمَّلها المستثمر والمودع.

إن لهذه الوساطة، والتمويل المقدَّم من خلالها، جملة من الآثار السلبية، منها[1]:

- تؤدي إلى تركُّز الثروة؛ فالأموال في ظلّ هذه العلاقة العقدية تسير باتجاه الوحدات التي تكسب دائماً؛ أي الوحدات التي تُقرض بفائدة، وتنحسر في المحصِّلة عن وحدات العجز التي تلتزم بردّ القروض مع الفوائد، فالتمويل التقليدي يؤدي إلى تمركُز الملكية؛ على خلاف التمويل الإسلامي الذي يسعى لتوسيع قاعدة الملكية.

- أنّ التمويل التقليدي يُسهم في ارتفاع تكاليف الإنتاج، والتي يدفعها المستثمر للمموِّل الوسيط، وينتقل عبؤها للمستهلكين عبر الأسعار، وهو بذلك مصدر رئيس من مصادر التضخم الذي يُعْرف باسم (تضخم دفع التكلفة).

- أنّ التمويل التقليدي يُرحِّل كلّ مخاطر النشاط الاقتصادي إلى فئة المستثمرين، بعد أن يحتاط لمخاطرة الإقراض بالضمانات الكافية، ما تسبَّب في حدوث الدورات الاقتصادية في أحيان كثيرة، ولو اشترك جميع الأطراف في تحمُّل مخاطرة النشاط الاقتصادي، كما في المشاركة والمضاربة، فإنّ ذلك يؤدي إلى تحقُّق الحوافز الملائمة للاستثمار.

- أنّ التمويل التقليدي يُمثِّل عقبة أمام الاستثمار الحقيقي والمنظِّم، كما أكَّد ذلك كينز Keynes الذي يُفاضل بين تكلفة التمويل، ممثَّلة في سعر الفائدة، والكفاءة الحدية للاستثمار أو الربح الذي يتوقَّع الحصول عليه من العملية الاستثمارية.

- أنّ التمويل التقليدي ينتقل باتجاه الوحدات المليئة التي تستطيع تقديم الضمانات المالية الكافية، أما المستثمر الذي لا يستطيع تقديم هذه الضمانات فلن يحصل على التمويل المطلوب ولو كان كفؤاً.

- أنّ التمويل التقليدي يتسبَّب في الدورات التي تُؤثِّر في النشاط الاقتصادي، فقد أشار ويكسل Wicksell إلى الاختلاف بين معدل الفائدة الطبيعي ومعدل الفائدة النقدي، ودوره في إحداث الدورة الاقتصادية.

- أنّ الأزمات المالية المتتالية تحدث بسبب دورة النقود المحمَّلة بالديون؛ حيث «إنّ هذه الدورة هي عبارة عن قيام البنوك باستقطاب الأموال من المودعين، ومن ثمّ إقراضها للمدينين بفائدة، وهو ما يحوِّل النقود إلى ديون، ومن ثمّ بيع الديون عن طريق التوريق».

فيروس الفائدة الربوية:

شبَّه الكاتب والطبيب جيكاران J. Jaikaran الفائدة بالفيروس الذي يتكاثر بشكل كبير إلى أن يدمِّر الخلايا الحية، في كتاب أسماه (فيروس الدَّين Debt Virus)، والحقيقة أنّ وضع الرِّبا في النظام الاقتصادي لا يختلف كثيراً عن الورم السرطاني في الجسم الحي؛ مثلما يُوضِّحه الشكل الآتي:

شكل 1: تشبيه الرِّبا في الاقتصاد بالورم السرطاني في الجسم

وفي ظلّ الجدل الدائر بين واضعي السياسات الرأسمالية بشأن تقديم حلول للأزمة المالية العالمية؛ ظهرت دعوات غربية لتطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي، من أهمها:

- طرح بوفيس فانسن Beaufils Vincent رئيس تحرير مجلة تحديات الاقتصادية Challenges في افتتاحية 11/09/2008م موضوعاً بعنوان (البابا أو القرآن Le papeou le Coran)، جاء فيه: «أظن أنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها؛ ما حلَّ بنا ما حلَّ من كوارثَ وأزمات، وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري؛ لأنّ النقود لا تلد نقوداً»!

- توقّع الاقتصادي الفرنسي موريس آليهMaurice Allais  الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1988م، في مقال بعنوان: (الشروط النقدية لاقتصاد الأسواق.. من دروس الأمس إلى إصلاحات الغد)، حدوث الأزمة المالية العالمية، واقترح للخروج من الأزمة وإعادة التوازن شرطين، هما: (تعديل معدَّل الفائدة إلى حدود الصفر، ومراجعة معدَّل الضريبة إلى ما يقارب 2%)، وهذا ما يتطابق تماماً مع إلغاء الرِّبا، ونسبة الزكاة في النظام الاقتصادي الإسلامي!

الانتقادات المتعلقة بالمشتقات المالية:

لقد تعرَّضت المشتقات المالية إلى انتقادات كبيرة من قِبل العديد من الاقتصاديين، نوجز أهمها في الجدول الآتي:

الانتقادات المرتبطة بالمشتقات المالية

المصدر

وصف المشتقات المالية

عدد من الأكاديميين

«سوق المشتقات المالية = نادي عملاق للقمار»

«الترويج لعلم إدارة المخاطر = أكذوبة كبرى»

جورج سوروس

«إنّ بعض أدوات المشتقات قد تم تصميمها خصيصى لتمكين المؤسسات الاستثمارية من المقامرة»

Warren Buffett

«المشتقات المالية = أسلحة مالية للدمار الشامل»

 

 

 

 

 

«المشتقات المالية = أسلحة مالية للدمار الشامل»

وهكذا؛ مع مطلع القرن الحادي والعشرين أصبح المجال مفتوحاً لأهمّ المؤسسات المالية، وهي (البنوك)، لتغامر بأخطر الأدوات المالية، وهي (المشتقات)، وفي أهمّ الأصول الاقتصادية، وهي (العقار)، الأمر الذي كان أحد أهم أسباب الأزمات المعاصرة.

الهرم الاقتصادي المقلوب:

تؤدي آليات الفوائد المسبقة إلى اختلال هرم التوازن الاقتصادي لصالح التفاقم المتوالي للمديونيات، فيصبح الهرم مقلوباً في غير صالح النمو الاقتصادي الحقيقي؛ حيث أشارت الإحصائيات إلى أنّ إجمالي حجم الاقتصاد الحقيقي بلغ على مستوى العالم قرابة 60 تريليون دولار، في حين بلغ إجمالي حجم الاقتصاد المالي والنقدي حوالي 600 تريليون دولار! ونُوضِّح ذلك في الشكل الآتي:

شكل 2: الهرم المقلوب في ظل آليات التمويل التقليدي

ويُشير الوضع المعكوس للهرم إلى أنّ حجم الصفقات المالية يتجاوز حجم الاقتصاد الحقيقي الذي نشأت عليه؛ حيث يتّضح من ملاحظة الهرم المقلوب أنّ قاعدته تقوم على مساحة الاقتصاد الحقيقي المتمثل في إنتاج السلع والخدمات، ومن الطبيعي أن يرافق هذا النشاط تعاملات مالية تُعبِّر عن هذا النشاط، ولكن عندما تبدأ هذه التعاملات بالتحرك بوتيرة منفلتة؛ فإنّ حجمها سيبدأ بتجاوز حجم الاقتصاد الحقيقي، ولن تُعبِّر القيمة التي يتم التبادل بها عن القيمة الحقيقية للصفقة! من هنا وفي داخل الهرم ستبدأ احتمالات ظهور (الفقاعة الاقتصادية Bubble)، والتي يمثلها الشكل 3.

شكل 3: الفقاعة الاقتصادية في ظل آليات التمويل التقليدي[2]

حيث يشمل المستطيل داخل الهرم مثلثيْن:

المثلث (1): يتوسَّع صعوداً، وهو يمثِّل تزايد احتمالات ظهور الفقاعة الاقتصادية كلما توسَّع حجم الهرم؛ حيث إنّ قيمة الصفقات تكون أبعد ما يمكن عن قيمة الأصول التي تُمثّلها، وهنا ستستمر الفقاعة بالتوسُّع إلى أن تصل إلى الانفجار، وكلما كانت في أعلى الهرم؛ كان انفجارها أكثر تأثيراً.

المثلث (2): يضيق صعوداً، وهو يمثِّل قدرة الاقتصاد على التصحيح؛ إذ يكون ذلك أسهل عند القاعدة عندما يكون حجم التعامل المالي قريباً من حجم الاقتصاد الحقيقي، بينما تقلّ كلما ارتفعت لقمّة الهرم، وتتناقص القدرة الذاتية في معالجة آثار انفجار الفقاعة كلما ابتعدنا عن الاقتصاد الحقيقي.

ويُمثِّل النظام الاقتصادي بهذه الصورة عبئاً كبيراً على المجتمعات الإنسانية؛ الأمر الذي يستدعي إعادة بناء نظام اقتصادي مستقر وقابل للاستمرار والنمو، بمعالجة العلاقة بين المديونية والثروة معالجة جذرية لضمان تجنُّب الأزمات مستقبلاً.

ثانياً: الكفاءة التمويلية المرتبطة بتنوع الصيغ وتعدُّد أساليب التمويل الإسلامي:

مبادئ التمويل الإسلامي وأسسه:

يقوم التمويل الإسلامي على مجموعة من المبادئ، نلخّصها في العناصر الآتية:

- الاستناد إلى الشريعة: ثلاثية: (العقيدة، الأخلاق، الفقه).

- استبعاد محرّمات المعاملات: ثلاثية: (الربا، الغرر، الظلم).

- خصائص العقود المالية: ثلاثية: (الإباحة، الإرادة، التراضي).

- خصائص الوساطة: ثلاثية: (الوساطة الاستثمارية، الارتباط بالاقتصاد الحقيقي، الغُنْم بالغُرْم).

- التمييز بين مكونات العائد: ثلاثية: (الربح، الأجر، الرسوم).

صيغ التمويل الإسلامي وأساليبه:

يقوم التمويل الإسلامي على صيغ متنوعة، أهمها[3]:

أ - أسلوب التمويل التشاركي:

هو نوع من التمويل، يشمل:

المضاربة: عقد من عقود الاستثمار، يتمّ بموجبها المزج والتأليف بين عنصري الإنتاج (العمل، ورأس المال)، في عملية استثمارية، تُحقّق فيها مصلحة الملاك والعمال المضاربين، ولها عدة أنواع.

المشاركة: عقد من عقود الاستثمار، يتمّ بموجبها الاشتراك في الأموال لاستثمارها وتقليبها في النشاطات المختلفة؛ بحيث يُسهم كلّ طرف بحصة في رأس المال، وتتنوع حسب التقسيم المستخدم.

ب - التمويل التجاري:

هو نوع من التمويل، يشمل:

بيع المُرابحة: هو عملية بيع بمثل الثمن الأول مع زيادة الربح؛ متّفق عليها بين البائع والمشتري.

بيع السَّلَم: هو بيع آجل بعاجل؛ فالآجل هو السلعة المباعة، والعاجل هو الثمن الذي يدفعه المشتري.

ج - أسلوب التمويل التقاولي والتأجيري:

هو نوع من التمويل، يشمل:

الاستصناع: صنع السلع بأوصاف معلومة، بمواد من عند الصانع، على أساس أن يدفع المستصنع مبلغاً معيَّناً، حسب الاتفاق الموجود في العقد.

التأجير: يرتكز التأجير على بيع المنفعة، وفيه عدة أنواع، منها: التأجير المباشر، الإيجار المنتهي بالتمليك.

د - أسلوب التمويل الزراعي:

هو نوع من التمويل، يشمل صيغ الاستثمار الزراعية، ومنها:

المزارعة: تقديم عنصري الأرض والبذور المحدَّدة لمالك معيَّن إلى عامل (المزارع) ليقوم بالعمل والإنتاج، مقابل نصيب مما يخرج من الأرض (الإنتاج)، وفق نسبة لكلٍّ منهما.

المساقاة: تقديم الثروة النباتية (الزرع والأشجار المثمرة) المحدَّدة لمالك معيَّن إلى عامل ليقوم باستغلالها وتنميتها (الري أو السقي والرعاية)؛ على أساس أن يوزَّع الناتج في الثمار بينهما بحصة نسبية متفق عليها.

المغارسة: تقديم الأرض المحدَّدة لمالك معيَّن إلى طرف ثانٍ ليقوم بغرسها بأشجار معيَّنة حسب الاتفاق المبرم بينهما، ويكون الشجر والإنتاج بينهما.

ه - أسلوب التمويل التكافلي والتضامني:

هو نوع من التمويل، يشمل الوقف والزكاة، كما يأتي:

التمويل التكافلي الوقفي: تحويل لجزء من المداخيل والثروات الخاصة إلى موارد تكافلية دائمة، تُخصَّص منافعها من سلع وخدمات وعوائد لتلبية احتياجات بعض الفئات.

التمويل التضامني الزكوي: التعبئة الإجبارية للموارد الزكوية التضامنية؛ لتأمين السلع والخدمات الأساسية والرعاية الاجتماعية للفقراء ومحدودي الدخل، وتنشيط الحركية الاستثمارية.

إنّ هذا التنوُّع الصيغي، والتعدُّد في أساليب التمويل، يؤدي إلى تغطية الاحتياجات التمويلية لمختلف المؤسسات، بما يتناسب مع طبيعتها وحجمها ومجال نشاطها.

خصائص صيغ التمويل والاستثمار الإسلامي وأساليبه:

تلتزم مؤسسات التمويل الإسلامي بتوظيف أموالها إمّا في عمليات استثمار، وإمّا في عمليات تمويل؛ حيث تختلف عمليات التمويل عن عمليات الاستثمار فيما يأتي:

- عمليات التمويل: يُقصد بها تبادل السلع والأصول أو منافعها، ويُحدَّد لها ثمن أو أجر محدَّد؛ بحيث يكون العائد منها معلوماً عند التعاقد، ودرجة المخاطر فيها تكون منخفضة، ويترتّب عليها نشوء مديونية في ذمّة المتعاقد المستفيد بالأصل أو بالمنفعة، ويندرج ضمن هذه العمليات مختلف عقود البيوع المعروفة في الفقه الإسلامي، وكذلك صيغ الإجارة بمختلف أنواعها.

- عمليات الاستثمار: يُقصد بها الصيغ والأساليب التي تشترك فيها أكثر من جهة بتقديم عنصرَي المال والعمل؛ من أجل القيام بالنشاطات الاقتصادية المنتِجة لثروة جديدة في المجتمع؛ ومن ثمّ تحقيق الأرباح التي توزَّع بين تلك الجهات المُسْهمة، فلا يكون العائد من هذه العمليات محدّداً مسبقاً، وإنما يكون مرتبطاً بما يتحقّق من نتائج ربحاً أو خسارة، ولذلك لا يترتّب عليها مديونية في ذمّة طرف لصالح طرف آخر، ومن الطبيعي أن تكون نتائج هذه العمليات غير مؤكَّدة؛ مّا يجعل درجة مخاطرها مرتفعة.

شكل 4: خصائص مميّزة لصيغ التمويل والاستثمار الإسلامي وأساليبه

تطوير المنتجات المالية الإسلامية:

يُمثِّل التراث الفقهي الإسلامي مجالاً خصباً للمنتجات والأدوات المالية، وقد قام فريق من الباحثين في (المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب)، التابع للبنك الإسلامي للتنمية، باستخراج 1357 منتجاً مالياً من 14 مرجعاً فقهياً أصيلاً من المذاهب الأربعة[4].

كما نظّمت (الهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل) بالتعاون مع (المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية) عام 2007م حلقة نقاش حول: (تطوير المنتجات المالية الإسلامية)[5]، وآليات تطوير المنتجات وتحسينها من الناحيتين الشرعية والفنية.

إنّ الوقوف على إشكالية (المنهجية المناسبة لتطوير المنتجات المالية الإسلامية) يتمّ على مستويين:

- الجوانب الشرعية: المعيارية الشرعية؛ من خلال الالتزام بمبادئ التمويل الإسلامي وأسسه، وكذلك الالتزام بالفتاوى والمعايير الشرعية.

- الجوانب الفنية: الاحترافية المهنية؛ من خلال تقسيم مراحل تطوّر المنتجات المالية إلى 6 مراحل أساسية، في ضوء الممارسات والتطبيقات المتّبعة (ثقافة المؤسسة، تحديد احتياجات العملاء، استراتيجية المنتج، توليد الأفكار واختيار أفضلها، تصميم المنتج، إطلاق المنتج).

المعايير والمؤشرات الموضوعية لصيغ التمويل الإسلامي وأساليبه:

هناك خمسة معايير ومؤشرات موضوعية تُبيِّن مدى سلامة صيغ التمويل الإسلامي وأساليبه ومنتجاتها، نستعرضها فيما يأتي[6]:

1 - معيار المديونية: إنّ النتيجة الطبيعية لآلية الفوائد المسبقة هي أن ينمو الاقتصاد المالي بمتتالية هندسية – خلافاً للاقتصاد الحقيقي الذي ينمو بمتتالية حسابية -، وهو ما يؤدي إلى حدوث الأزمات والتقلبات الاقتصادية الدورية؛ سواء من خلال الانهيار أو الإفلاس.

والتمويل الإسلامي مقيَّد دائماً بالاقتصاد الحقيقي، ولذلك فإنّ نسبة الديون إلى الثروة الحقيقية تكون محدودة، ولا يمكن أن تصبح أضعاف الثروة.

2 - معيار ارتباط التمويل بالحركية التجارية الحقيقية: يؤكِّد هذا المعيار أنّ التمويل يكون تابعاً للحركية التجارية وليس العكس، فهو وسيلة لتحقيقها، ومن ثمّ المنافع التي تنتج عنها.

وعائد التمويل، سواء كان معدل ربح أو هامش الربح في البيع المؤجَّل، لا يمكن سداده إلا من خلال التبادل الحقيقي للسلع والخدمات.

3 - معيار المصالح الحقيقية: يتطلب هذا المعيار ارتباط حركية التمويل بحركية النشاط الاقتصادي الحقيقي في دائرة الأولويات المجتمعية الاقتصادية التي تضمن تحقيق المصلحة، بدءاً من الضروريات فالحاجيات فالتحسينيات، في حين أنّ التمويل التقليدي لا يرتبط بالأولويات، وقد يكون هرم ترتيب الأولويات مقلوباً أو مضطرباً.

4 - معيار القيمة المضافة: يقتضي هذا المعيار أن يكون حاصل القيمة المضافة للتداول موجباً، وتنعكس في مجموع الأرباح التي يحقِّقها البائعون، فقد شُرع البيع لمصلحة المتبايعين، أما إذا كان المشتري يهدف إلى بيع السلعة بثمن أقلّ من الثمن المؤجَّل الذي اشتراها به؛ فإنّ البيع في هذه الحالة يولِّد قيمة سالبة وليست موجبة.

5 - معيار الوضوح والشفافية: يؤكِّد هذا المعيار أهمية تحديد الهدف من التعاقد والمقصود منه، فالأصل في الأموال الوضوح، والشفافية مقصد شرعي، بينما الحيل الربوية تنافي هذا المقصد.

ثالثاً: كفاءة التمويل الإسلامي المتعلقة باحتواء التقلبات الاقتصادية الدورية:

كفاءة التمويل الإسلامي المتعلقة باحتواء التقلبات الاقتصادية المرتبطة بالمديونية:

لقد جمعت آية المداينة بين تحريم الرِّبا وإنظار المُعسر، ولعلّ الحكمة في الربط بين هذين المبدأين يتجلّى جانب منها في ضوء التقلبات الاقتصادية الدورية.

ويُعَدّ مبدأ إنظار المعسر فريضة واجبة لا تقتصر أهميته على القيمة الأخلاقية والإنسانية التي يُجسِّدها؛ بل يؤدي وظيفة اقتصادية مهمة في ظل التقلبات الاقتصادية الدورية؛ وذلك للاعتبارات الآتية[7]:

- إذا كانت الأزمات الاقتصادية تنشأ من تعثُّر السداد؛ فإنّ من أهم السياسات الاحتوائية لتداعياتها هو الدعم التمويلي التضامني الزكوي للغارمين، وإمهال المدينين غير القادرين على السداد.

- إذا كانت الأزمات الدورية تنشأ من التساهل في إقراض ذوي الملاءة المنخفضة الذين يُتوقَّع إعسارهم أكثر من غيرهم؛ فإنّ تطبيق مبدأ إنظار المعسر يمكن أن يحُول دون التوسُّع في إقراض هذه الفئة، ومن ثمّ يُقلّل من احتمالات الانهيار منذ البداية.

- إنّ إلغاء الفائدة الربوية من شأنه أن يضبط التوسُّع في الائتمان؛ بحيث لا تتحوَّل السوق في مرحلة الرواج إلى حالة الفقاعة التي تُهدِّد الاقتصاد، أما في حالة الكساد فإنّ إنظار المعسر من شأنه أن يُقلِّل من معدل تراجع أسعار الأصول، ومن ثمّ يُجنِّب السوق الانزلاق إلى حالة الانهيار، فالجمع بين هذين المبدأين من شأنه أن يحتوي تقلبات الأسواق، ويسيطر على عوامل الانهيار؛ دون أن يمنع السوق من أداء وظائفها الأساسية.

- كفاءة التمويل الخيري في احتواء التقلبات الاقتصادية، فالتقلبات الاقتصادية تحدث لتصحيح الاختلالات التي تتراكم في أثناء مرحلة الرواج، لكي تعود السوق بعد ذلك مجدَّداً نحو الازدهار، وعليه فإنّ محاولة تأخير التصحيح أو منعه من الوقوع ستؤدي إلى استفحال المشكلة، ولا شك أنّ الأزمات الدورية المعاصرة هي نتيجة سياسات تأخير التصحيح.

- إنّ التوجُّه نحو (القطاع الخيري) هو أفضل السياسات لمواجهة الأزمات الاقتصادية، وقد تطوّر (القطاع الخيري) بشكل كبير في الدول الغربية؛ فمع بداية عام 2005م أُدرج العمل التطوعي في مسوَّدة الدستور الأوروبي، ثم في الميثاق الأوروبي، كأحد النشاطات الاجتماعية الاستراتيجية لدول المجموعة الأوروبية[8].

وتُشير الإحصائيات إلى أنّ 71.095 مؤسسة مالية خيرية تنشط في الولايات المتحدة الأمريكية، وتختص بجمع التبرعات وتوزيعها على المؤسسات والمشاريع الخيرية، ويصل مجموع وقفياتها إلى 550 مليار دولار، وتوزِّع من ريعها سنوياً 30 مليار دولار على المجالات الاجتماعية كلها تقريباً[9].

هرم التوازن الاقتصادي:

لقد طرحَت شدّة الأزمات المعاصرة وسرعة انتشارها العديد من التساؤلات حول النظام الاقتصادي العالمي وبنيته، ومدى قدرته على امتصاص الأزمات والتصحيح الذاتي، وهذا ما يقوم به التمويل الإسلامي الذي يتميّز عن التمويل التقليدي؛ بأنّ نمو المديونية مقيَّد بنمو الثروة، فالتمويل الإسلامي مرتبط بالقطاع الحقيقي بما لا يؤدي إلى نشوء الهرم المقلوب الذي يمتاز بعدم الاستقرار، ويُعدّ علامة فارقة للتمويل التقليدي.

ففي ظل التمويل الإسلامي يكون الهرم عادياً متوازناً، قاعدته الاقتصاد الحقيقي؛ متمثِّلاً في الثروة الحقيقية والأصول الفعلية المنتجة، ثم يُكمِّله الاقتصاد المالي الذي يرتبط بالاقتصاد الحقيقي، ولذلك فهذا النظام التمويلي مستقرّ، وقابل للاستمرار، ويضمن التوازن بين الاقتصاد الحقيقي والمالي.

شكل 5: هرم التوازن الاقتصادي في ظل آليات التمويل الإسلامي

بناءً على ما سبق؛ فإنّ نموذج الاقتصاد والتمويل الإسلامي هو الذي يستطيع أن يحقِّق الاستقرار والإنتاجية؛ لأنه يقوم على هرم صحيح، قاعدته ثروة حقيقية ذات مساحة واسعة، وقمّته حجم طبيعي من الديون، وذلك خلافاً للاقتصاد والتمويل التقليدي القائم على هرم مقلوب، قاعدته ثروة محدودة، تقوم عليها مساحة عريضة من الديون.

شكل 6: هرم التوازن الاقتصادي في ظل آليات التمويل الإسلامي والتمويل التقليدي

رابعاً: الكفاءة المرتبطة بتكامل أشكال التمويل الإسلامي وصيغه:

الكفاءة المتعلقة بالتمويل التضامني الزكوي:

يمكن الاستفادة من الأدوات النقدية والمالية الزكوية في تحقيق نوعية الاستقرار المطلوب في ظل الأوضاع الاقتصادية المضطربة، مثل: حالات التضخم، وحالات الانكماش والركود؛ وذلك على النحو الآتي[10]:

أ – في حالات التضخم النقدي:

تُستخدم الأدوات النقدية الزكوية للتخفيف من ظاهرة التضخم عن طريق التأثير في طرق الجمع والتحصيل، وكذا توجيه أساليب إنفاقها.

- الجمع النقدي لحصيلة الزكاة: للتقليل من حجم الكتلة النقدية في التداول.

- الجمع المسبق لحصيلة الزكاة: للتأثير التخفيضي للكتلة النقدية المتداولة.

- التغيير النوعي لنسب توزيع الزكاة: إنّ توزيع حصيلة الزكاة بين السلع الاستهلاكية والسلع الرأسمالية والإنتاجية لصالح السلع الإنتاجية؛ سيؤدي إلى زيادة العرض الكلي من خلال الإنفاق الزكوي الإنتاجي والاستثماري، وذلك سيُسهم في تقليص حدّة الضغوط التضخمية.

ب – في حالات الانكماش والركود:

تلجأ الدولة إلى استعمال الأدوات الإيرادية المتعلقة بالزكاة من أجل التأثير في حركية النشاط الاقتصادي، ومن بين طرق التأثير نذكر ما يأتي:

- الجمع العيني للزكاة: قد تضطر الدولة أحياناً بغية التأثير في الوضع الاقتصادي إلى الجمع العيني للزكاة؛ كيلا تُؤثِّر كثيراً في الكتلة النقدية بالانخفاض بمقدار حصيلة الزكاة، وبحسب الوضع السائد ودرجته الانكماشية تكون نسبة الجمع العيني إلى إجمالي الحصيلة.

- تأخير جمع الزكاة: قد تلجأ الدولة إلى تأجيل جباية حصيلة الزكاة للتأثير في الأوضاع الاقتصادية السائدة، فقد ثبت أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخّرها على بعض الصحابة على أن تبقى ديناً عليهم، كما ثبت أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان قد أخّرها في عام الرّمادة نظراً لتدهور الأوضاع الاقتصادية.

- زيادة الإنفاق الاستهلاكي الزكوي: من خلال رفع نسب التوزيع النوعي ضمن الأصناف الثمانية؛ بصورة تؤدي إلى زيادة الطلب الكلي، وإحداث حركية في الاستهلاك الكلي في الاقتصاد الوطني؛ بشكل يُسهم في تغيير مستويات الركود والانكماش والعودة إلى أوضاع النمو الاعتيادية في الاقتصاد الوطني.

هذه الآثار التلقائية للزكاة تعمل أداة استقرار ذاتية، مبنية داخل النظام الاقتصادي، وتُغذِّيه بحركة مستمرة، تُقلِّل أو تمنع حدوث التقلبات الاقتصادية.

الكفاءة المتعلقة بالتمويل التكافلي الوقفي:

يتجه الوقف الطوعي للموارد الخاصة لتمويل المشاريع التي تُنتج السلع والخدمات العامة، كالصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية للفقراء ومحدودي الدخل، وتشييد دور العلم وأماكن العبادة... فهذه المجالات أصبحت اليوم تستقطع جزءاً مهمّاً من إيرادات الموازنة العامة للدولة، وتُموَّل أحياناً بأدوات تزيد من حدّة التضخم.

وتؤدي مؤسسة الأوقاف دوراً محورياً في تحويل جزء من الدخل الفردي في صورة إنفاق استثماري اجتماعي يقلِّل من دور الدولة المالي في تغطية هذه النشاطات؛ ومن ثمّ يُقلِّل من الانعكاسات السلبية لهذا الدور، وهذا ما ينعكس حتماً على الوضع الاقتصادي والنقدي بشكل إيجابي؛ إذ ستتحول نسبة مهمة من القوة الشرائية من المجالات الاستهلاكية الترفية إلى الاستثمارات الاجتماعية التوازنية التي تحدُّ من التقلبات الاقتصادية الدورية.

شكل 7: الكفاءة المتعلقة بتكامل أشكال التمويل التضامني الزكوي والتكافلي الوقفي والربحي الخاص

الكفاءة المتعلقة بأولوية التمويل غير الربحي:

ينشأ الرِّبا من جهتين: حاجة المقترض (جهة الطلب)، وشحّ المقرض (جهة العرض)، وتأتي الزكاة لتُغْني المحتاج أو تخفِّف من عِوَزه، وفي الوقت نفسه تُشجِّع صاحب المال على السّخاء، وتقتلع جذور الشحّ والبخل من قلبه، وبذلك تعمل الزكاة على استئصال الرِّبا من الجذور.

بناءً على ما سبق؛ يتبيِّن لنا تكامل النظام المالي الإسلامي وترابط أجزائه، كما يتّضح خطأ التركيز في جانب وإهمال الآخر كما هو حاصل الآن؛ حيث يتم التركيز في مؤسسات التمويل الإسلامي الربحية، مع إهمال كبير للمؤسسات غير الربحية، وعلى رأسها مؤسسة الزكاة، فمحاولة إزالة الرِّبا دون تفعيل مؤسسة الزكاة تؤدي إلى خلل جوهري في مسيرة التمويل الإسلامي، على مستوى الفهم والتنظير، وعلى مستوى الممارسة والتطبيق[11].

الكفاءة المتعلقة بتكامل صناعة التمويل الإسلامي:

تشكِّل الصناعة المالية الإسلامية منظومة متكاملة من المؤسسات والمنتجات المالية القادرة على تحقيق متطلبات التنمية الاقتصادية، وتتركّز هذه الصناعة في قطاع البنوك الإسلامية بنسبة 80%[12]؛ على حساب المؤسسات المالية الأخرى[13] الضرورية لتحقيق التكامل والتوازن والتنوّع في مكوِّنات بنية الصناعة المالية الإسلامية، كصناديق الاستثمار، وأسواق الصكوك ورأس المال، والتمويل الأصغر.

إنّ الأسس التي يقوم عليها التمويل الإسلامي تشجِّع على التخصّص بسبب ارتباطه الوثيق مع النشاط الاقتصادي المنتج، فعقود البيع الآجل والسَّلَم والاستصناع والمزارعة والمغارسة والإجارة والمشاركة.. وغيرها تفرض الترابط بين التمويل والنشاط الحقيقي؛ ما يقتضي نوعاً من التخصّص في النشاط التمويلي بحسب القطاع الذي تُطَبَّق فيه هذه العقود؛ لكي ينجح المموِّل في حفظ حقوقه وتحقيق الكفاءة، ومن ثمّ الربحية اللازمة، فقواعد التمويل الإسلامي تقتضي تخصُّص المؤسسات المالية بحسب مجالها ونطاق عملها.

وهذا التخصُّص من شأنه أن يرفع مستوى الكفاءة ومعدل الإنتاجية، كما أنه يتيح الفرصة لبناء صناعة مالية تتكامل فيها المؤسسات المتخصِّصة بعضها مع بعضها الآخر؛ لتصبح الصناعة إجمالاً أقدر على الاستجابة للمتطلبات الاقتصادية للتنمية.

خامساً: تقدير الكفاءة التطبيقية المتوقَّعة لصيغ التمويل الإسلامي وأساليبه:

يمكن إبراز الكفاءة الاقتصادية المتوقَّعة لصيغ التمويل الإسلامي على المستويات الآتية[14]:

1 - الكفاءة المتوقعة على مستوى الأموال المستثمرة:

يؤدي تطبيق صيغ التمويل الإسلامي إلى إلغاء التكاليف الاقتصادية، على المستوى الجزئي أو على مستوى الاقتصاد الوطني أو حتى على المستوى الدولي، وتكاليف السلع والخدمات النهائية تكون في حالة التمويل الإسلامي أقلّ منها في حالة التمويل التقليدي؛ بمقدار عبء التكلفة الربوية.

2 - الكفاءة المتوقعة على مستوى توظيف الأموال والطاقات العاطلة:

إنّ تطبيق صيغ التمويل الإسلامي تؤدي إلى سهولة المزج والتأليف بين عنصر العمل وعنصر رأس المال في صوره المتعدِّدة، من مضاربة ومشاركة ومرابحة ومزارعة...، الأمر الذي يؤدي إلى فتح مجالات لتشغيل الطاقات العاطلة في مختلف النشاطات الاقتصادية، والمعالجة المباشرة لمشكلة البطالة.

كما يزول الأثر السلبي المترتِّب على الحرج والمشقّة الناتجة عن فرض نظام التمويل التقليدي، والذي أدّى إلى وجود أموال عاطلة تتحرَّج من التعامل مع المؤسسات المصرفية بسبب التعامل بالفائدة.

وبناءً على ما سبق؛ يتضح أنّ (صيغ التمويل الإسلامي) بديل جيِّد؛ حيث تتعدَّد آثارها الإيجابية المتوقَّعة؛ بحيث تُسهم في احتواء التقلبات الاقتصادية الدورية.

3 - استقرار نظام التمويل الإسلامي:

يُعَدّ النظام المالي الإسلامي أكثر استقراراً مقارنة بالنُّظم الأخرى؛ وذلك للاعتبارات الآتية:

- مشاركة المودعين والمساهمين في المخاطرة تؤدي إلى تجنُّب الانهيار وقت الأزمات.

- عدم تداول الديون في سوق ديون متكاملة يمنع من الاختلال والعدوى.

- ارتباط التدفقات النقدية بالتدفقات السلعية يؤدي إلى زيادات متوازنة في الطلب والعرض.

- منع عقود الرِّبا، والغرَر، وبيع البائع ما لا يملكه من أصول، يؤدي إلى تحجيم المجازفات في الأسواق.

وقد أقرّ صندوق النقد الدولي في وقت سابق بقدرة النظام المالي الإسلامي على امتصاص الصدمات الدولية؛ لأنه نظام قائم على الاستثمار في الإنتاج السلعي، وليس قائماً على المجازفات في الأسواق المالية غير المرتبطة بالاقتصاد الحقيقي.

وهذا ما يتفق مع آراء عدد من الاقتصاديين[15]؛ فقد توصَّل سيمونز H. Simons إلى أنه يمكن تفادي خطر الاضطراب الاقتصادي إذا لم يتم اللجوء إلى الاقتراض، وكان تمويل الاستثمارات بالمشاركة.

كما أكَّد مينسكي H. Minsky حقيقة أنّ قيام كلّ مؤسسة بالتمويل الذاتي، أو بالمشاركة برأسمالها، والتخطيط الرشيد لاستثمار أرباحها غير الموزعة، يُنتِج نظاماً مالياً قوياً، ولكن لجوء المنتجين إلى التمويل الخارجي عن طريق الاقتراض يُعرِّض النظام لعدم الاستقرار.

ودلّت الدراسات والأزمات المعاصرة على أنّ مؤسسات التمويل الإسلامي أكثر استقراراً وأقلّ تأثُّراً من مؤسسات التمويل التقليدي.

آثار محاكاة المنتجات المالية التقليدية:

إنّ متابعة المنتجات الرائجة في السوق وتقليدها من خلال توسيط السلع لها سلبيات كثيرة، منها[16]:

- تصبح الضوابط الشرعية مجرّد قيود شكلية لا قيمة اقتصادية من ورائها، وهذا ما يُضعف قناعة العملاء بالمنتجات المالية الإسلامية، وتصبح تلك الضوابط عبئاً وتكلفة إضافية تُحمّل على العميل، لتكون المنتجات المالية الإسلامية المقلَّدة في النهاية أكثر كلفة من المنتجات التقليدية، مع أنها تُحقِّق النتيجة نفسها.

- تستلزم معاناة الصناعة المالية الإسلامية المشكلات والأزمات التي تعانيها الصناعة التقليدية.

- إنّ محاولة تقليد جوهر المنتج التقليدي وأساسه يقود الصناعة المالية الإسلامية لمحاكاة سائر أدوات المنظومة وعناصرها، ويهدد خصوصيتها وضوابطها، وتصبح تابعة للآليات المالية للصناعة التقليدية!

- لا يعني ما سبق أنّ جميع المنتجات التي تُقدِّمها الصناعة المالية التقليدية غير مناسبة للتمويل الإسلامي، ولكن ينبغي التمييز بين اقتباس ما يلاءم التمويل الإسلامي ومبادئه، ومحاكاة الأساس الذي تقوم عليه المنظومة التقليدية.

بناءً على ما سبق؛ تتّضح أهمية تقويم المنتجات المالية الإسلامية القائمة من قِبَل مؤسسات مالية متخصِّصة في عملية التصنيف الائتماني في إطار المعايير الشرعية والموضوعية؛ وذلك للاعتبارات الآتية:

- تصنيف المنتجات المالية الإسلامية من أجل حماية المستثمرين، وحماية المؤسسات المالية الإسلامية المنضبطة من منافستها بمنتجات رديئة تُسيء إليها.

- معرفة مدى تحقيق تلك المنتجات للأولويات التنموية، ومدى تلبيتها لاحتياجات المتعاملين.

- معرفة مدى سلامة تطبيق تلك المنتجات بالسوق المصرفية، وتميّزها عن المنتجات المالية التقليدية.

خاتمة:

في ظلّ الأزمات المالية المتكرِّرة، والتقلُّبات الاقتصادية الدورية، يبحث العالَم اليوم عن نظام مالي عادل، يقوم على الاستثمار الحقيقي لتوسيع القاعدة الإنتاجية، وقد أدركت ذلك كريستين لاغاردChristine Lagarde وزيرة المالية الفرنسية سابقاً، والمدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي حالياً، حين قالت: «إن المبادئ التي نكافح من أجلها مدوّنة بوضوح في التمويل الإسلامي»[17].

ومبادئ التمويل الإسلامي في جوهرها قيم عالمية، يمكنها أن تُسهم بكفاءة في الوقاية من الأزمات المالية المعاصرة، وتعجيل الخروج من تبعاتها وتداعياتها السلبية؛ من خلال المشاركة وتوزيع المخاطرة، وتجنُّب بيع الديون والمجازفات، وإلغاء التعاملات الربوية، وتشجيع العقود المرتبطة بالاقتصاد الحقيقي...

وقد قام المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية بإعداد وثيقة (مبادئ الوسطية المالية: عشرة مبادئ لنظام مالي ومصرفي متوازن وعادل)[18]؛ بهدف معالجة الأزمات المالية ومسبِّباتها، وهي:

1 - الحدّ من الإفراط في المداينات وبيع الديون وتوريقها والتصرّف فيها.

2 - العمل على إحداث توازن بين الصيغ القائمة على مبدأ المشاركة في الربح والخسارة، وصيغ التمويل المبني على الدَّين غير المرتبط بنمو الثروة.

3 - بناء نظام نقدي وإيجاد وسائل للدفع أكثر عدلاً واستقراراً.

4 - استخدام آلية معدّل الربح بديلاً عن آلية سعر الفائدة.

5 - تطوير أدوات وصيغ فعّالة وعادلة في إدارة المخاطر وتوزيعها، لا المتاجرة بها.

6 - بناء نظام مالي ومصرفي أكثر كفاءة وعدلاً واستقراراً ومرتبطاً بالاقتصاد الحقيقي.

7 - وضع آليات عادلة لضمان الحقوق المالية للمقرضين مع عدم إلحاق ضرر بالمدينين.

8 - تصحيح دور الأسواق المالية، ووضع ضوابط محدَّدة لترشيد سلوكيات المتعاملين فيها.

9 - الحوكمة والشفافية في نشاط المؤسسات المالية وعلاقتها بالأطراف ذات العلاقة.

10 - تفعيل دور الدولة في رعاية النظام النقدي والمالي والرقابة على المعاملات والأسواق لتحقيق النمو المتوازن.

* قسم الأعمال المصرفية - كليـة الاقتصاد والعلوم الإدارية - جامعـة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

[1] عبد الجبار السبهاني: آثار التمويل الربوي، في: http://al-sabhany.com/index.php/2012-08-21-02-39-44

[2] وزارة المالية العراقية، الدائرة الاقتصادية، «الأزمة المالية العالمية وأثرها على الاقتصاد العراقي»، 2009م، ص 11.

[3] صالح صالحي: المنهج التنموي البديل في الاقتصاد الإسلامي.. دراسة للمفاهيم والأهداف والأولويات وتحليل للأركان والسياسات والمؤسسات، دار الفجر للنشر والتوزيع، القاهرة، 2006م، ص (402 – 408).

[4] المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، مشروع المنتجات والأدوات المالية في الفقه الإسلامي: المرحلة الأولى، البنك الإسلامي للتنمية، ط 1، 2008م، ص (16 – 18).

[5] تقرير حول جلسة العصف الذهني: تطوير المنتجات المالية الإسلامية، المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية والهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل، 2007م، ص (4 – 9).

[6] سامي السويلم: 5 معايير أساسية للتأكُّد من خلوّ المنتجات الإسلامية من الرِّبا، صحيفة الاقتصادية الإلكترونية، السعودية، ع 5458، 20/09/2008م، في: http://www.aleqt.com/2008/09/20/article_155583.html

[7] سامي السويلم: الأزمات المالية في ضوء الاقتصاد الإسلامي، سابك لدراسات الأسواق المالية الإسلامية، 2012م، ص (116 – 118).

[8] طارق عبد الله: الدولة والوقف في القرن الحادي والعشرين.. من الوصاية إلى الشراكة، مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ع 361، مارس 2009م، ص 100.

[9] المرجع السابق، ص 101.

 [10] صالح صالحي: السياسة النقدية والمالية في إطار نظام المشاركة في الاقتصاد الإسلامي، دار الوفاء، ط 1، 2001م، ص (103 – 105).

[11] سامي السويلم: مدخل إلى أصول التمويل الإسلامي، مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي، جامعة الملك عبد العزيز، 2011م، ص (33 – 34).

[12] يُلاحَظ أنّ هناك خللاً هيكلياً في تركيبة الصناعة المالية الإسلامية؛ بسبب تركيزها في التجربة المصرفية، وهذا انعكاس لواقع الصناعة في هذه المرحلة، حيث تقوم البنوك الإسلامية بدور كبير؛ فقد ارتبط موضوع المؤسسات المالية الإسلامية في بدايته بموضوع البنوك الإسلامية، ثم تطوّر إلى شركات التأمين التكافلي، وصناديق الاستثمار، وأسواق الأوراق المالية.. .

[13] Kuwait Finance House, "Islamic Finance Research", KFH Research Ltd, Kuwait, 2010, p. 11.

[14] صالح صالحي: المنهج التنموي...، مرجع سابق، ص (409 – 411).

[15] عبد الحميد الغزالي: الأرباح والفوائد المصرفية بين التحليل الاقتصادي والحكم الشرعي، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، البنك الإسلامي للتنمية، جدة، ط 1، 1994م، ص (17 – 22).

[16] سامي السويلم: التحوط في التمويل الإسلامي، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، البنك الإسلامي للتنمية، جدة، ط 1، 2007م، ص (128 – 130).

[17] “The principles we’re fighting for are very well inscribed in Islamic finance”; www.france24.com, 15.10.2009.

[18] المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية، مبادئ الوسطية المالية.. عشرة مبادئ لنظام مالي ومصرفي متوازن وعادل، مارس 2009م.