قضية مالي.. ومستقبل المنطقة

  • 20 -4 - 2013
  • تحرير المجلة

أ د. كمال محمد جاه الله الخضر
لم يكد المسلمون يستفيقون من مآسايهم حتى ظهرت في الأفق مأساة جديدة، مسرحها الجديد دولة مالي، يشعل أوارها هذه المرة فرنسا التي لم تنس ماضيها الاستعماري، وعادت إلى المنطقة لتزرع جيوشها بمباركة من الأمم المتحدة ومساندتها، وبأموال المسلمين!

تمثّل منطقة الساحل منطقة نفوذ فرنسي، حيث احتلت كلّ دولها تقريباً في فترات سابقة، وما زالت صاحبة القرار في هذه البلدان، ولقد مارس الاستعمار الفرنسي في إفريقيا أبشع همجية ووحشية في التاريخ الحديث كلّه، فهي التي قتلت - على سبيل المثال - مليوناً وستمائة ألف جزائري خلال سنوات احتلالها الهمجي للجزائر من 5 يوليو 1830م، وحتى 1 نوفمبر1954 م.

وظلّت تنهب خيرات إفريقيا حتى الرمق الأخير لمرحلة الاستعمار، لتواصل نهبها في مرحلة الاستقلال، فما زالت فرنسا تسيطر على مناجم الماس والذهب والمعادن واليورانيوم في الدول الإفريقية، وحينما خرجت فرنسا من القارة تركت الدول التي كانت تحتلها في فترة استقلال موهوم، تعيش في صراع سياسي، وتخلّف إداري واقتصادي، أبقاها في ذيل الشعوب والأمم، فأي مدَنية وحضارة أصابت تلكم الشعوب من جرّاء سيطرة فرنسا و «استعمارها» لعشرات السنين؟!

من المسلّم به وجود تنافس بين أمريكا وفرنسا للسيطرة على هذه المنطقة الحيوية، والغنية بالثروات الطبيعية، والتي هي في الأساس تابعة للنفوذ الفرنسي، ولهذا هرولت فرنسا نحو المنطقة خوفاً على نفوذها ومصالحها الاستراتيجية في المنطقة من الزائر الأمريكي الجديد، الذي جاء إلى المنطقة بقوة تحت دعوى مكافحة الإرهاب، مما زاد الأمر اشتعالاً بينهما، وعجّل بتدخّل فرنسا عسكرياً.

ولم يكن لفرنسا أن تتدخل عسكرياً إلا لعلمها بأن الأرض ممهّدة، وأن خطر الحركات الجهادية ليس بالخطر الكبير، وخصوصاً أن بعض هذه الحركات تم اختراقه، بالإضافة إلى تعويلها الرئيس على بعض مجموعات الطوارق للقتال معها جنباً إلى جنب، وهو أمر لا تخطئه عين.

أما أمريكا؛ فهدفها السيطرة على المنطقة لعدة أسباب:

- وجود كثير من الثروات فيها، كالغاز، والمعادن، واليورانيوم الذي يشكّل في النيجر أكبر الاحتياطيات في العالم، وتهيمن عليه فرنسا، ولا يستفيد منه أهلها!

- تسعى أمريكا منذ 2007م ليكون لها موطئ قدم في هذه المنطقة التي فضّلها البنتاغون لإقامة مقر للقيادة العسكرية الأمريكية بإفريقيا «أفريكوم» (AFRICOM)، ووقف رفض هذه الدول حجر عثرة أمام طموح أمريكا بإنشاء أكبر قاعدة عسكرية لها في إفريقيا في هذه المنطقة.

- محاصرة المدّ الإسلامي في هذه المنطقة، خصوصاً بعد تمدّد تنظيم القاعدة في الصحراء الكبرى، وتمركزه في شمال مالي.

بدأت الأحداث الأخيرة بوقوع انقلاب عسكري في باماكو في 21 مارس 2012م، قام به أحد قادة الجيش ممن تدرّب في أمريكا سابقاً، وهو النقيب «أمادو سانوغو»، على الرئيس «أمادو توماني توري»، حيث جاء الانقلاب قبل حوالي شهر من موعد الانتخابات الرئاسية في البلاد، والتي كان محدّداً لها أبريل 2012م، وأعلن وقتها الرئيس المالي المخلوع «أمادو توري» عدم ترشحه فيها؛ لإتمامه المرحلة الثانية من الحكم، وذلك بموجب الدستور الذي لا يجيز له الترشّح لفترة ثالثة.

هذه المنطقة منذ مدة وهي مسرح لعمل المخابرات الأجنبية عامة، والفرنسية، والأمريكية، وخصوصاً مع تزايد نموّ تنظيم القاعدة، فكيف يحدث هذا الانقلاب دون علم هذه الأجهزة؟!

كان السبب المعلن للانقلاب عدم استجابة الحكومة لمطالب الجيش بتسليح رفاقهم الذين يعانون هزائم متكرّرة في شمال البلاد، وذلك في حربهم ضد الطوارق وأفراد القاعدة.

قام الانقلابيون بتسليم السلطة إلى رئيس انتقالي هو «ديونكوندا تراوري»، وهو رئيس البرلمان السابق الذي كان مرشحاً لانتخابات الرئاسة المقررة في أبريل 2012م، وقد جرى تنصيبه في 12 أبريل 2012م بمقتضى تسوية إفريقية وضغط فرنسي، جاء ذلك بعد أسبوعين من الانقلاب.

وتم اختيار «شيخ موديبو ديارا» رئيساً للوزراء، وهو عالم سابق في إدارة الطيران والفضاء الأمريكية (ناسا) ورئيس مايكروسوفت في إفريقيا، وقد تولّى منصب رئيس الوزراء في أبريل الماضي، وهو زوج ابنة الرئيس السابق «موسى تراوري» الذي انقلب عليه «أمادو توري» في عام 1991م.

سيطر الطوارق على الوضع في شمال مالي، والتي تبلغ مساحتها أكثر من ثلثي مساحة مالي، وكان لهم - وما زال - نفوذ كبير في دولة مالي طيلة عقود من الزمن بعد استقلال مالي 1960م، ولم تستطع الدولة السيطرة على مناطقهم الشمالية، والتي كانت تُدار كأنها ذات حكم ذاتي، وكلّما حاولت ذلك اصطدمت بالمجتمع الأزوادي العصيّ على التطويع[1]، وبعد الانقلاب بدؤوا يلوّحون بالانفصال، وبخاصة جبهة تحرير أزواد الموجودة في فرنسا، وهي جبهة علمانية تدعمها بعض الدول الخارجية.

أما الحركات الجهادية؛ فهي الشمّاعة التي يعلّق عليها الجميع أسباب تدخّله، والشعار المرفوع دائماً «الحرب على الإرهاب»، والذي يسبقه غالباً الإعلان عن قيام إمارة إسلامية على أيدي من لا يملكون قوة ولا عُدّة ولا أرضاً، والحركات الإسلامية الجهادية الموجودة في الشمال كثيرة ومختلفة ومتفرّقة وبعضها مخترق، واللاعب الأكثر نشاطاً في المنطقة هي «حركة أنصار الدين» التي أسّسها قائدها الحالي «إياد غالي»، وهو من أبناء أسر القيادات القبلية التاريخية لقبائل «الإيفوغاس» الطوارقية.

وتوجد «حركة الجهاد والتوحيد» في غرب إفريقيا، التي تأسّست في أكتوبر عام 2011م، ويقودها «سلطان ولد بادي» أحد شخصيات المجتمع العربي في أزواد.

كما يوجد «تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي»، الذي وصل إلى المنطقة عام 2003م على يد أمير كتيبة الملثمين «مختار بالمختار» الملقب بـ «بلعور»، الذي شكّل مؤخراً كتيبة أطلق عليها «الموقّعون بالدماء»، وأعلن مسؤوليته عن اختطاف مئات الرهائن في مصنع للغاز في عينامناس بجنوب الجزائر، والتي انتهت نهاية مأساوية بقتل العشرات من الرهائن والخاطفين.

شجّع هذا الوضع بعض الجماعات المسلّحة على إعلان إقامة دولة إسلامية، وقاموا بتنفيذ بعض المظاهر الإسلامية في بعض المدن، مثل إقامة الحدود، والتعزير على التدخين بالضرب أو السجن، ومنع مشاهدة التلفزيون، وإجبار النساء على لبس الحجاب.

وقد أيدت دول الجوار، مثل الجزائر وموريتانيا والنيجر وبوركينا فاسو وساحل العاج والسنغال وغيرها، التدخّل العسكري الفرنسي، على الرغم مما قد يقع عليها من أضرار، مثل هجرات اللاجئين الماليين، كذلك احتمال فرار كتائب جهادية إلى هذه الدول جراء اشتداد المواجهة والقذف الجوي عليها.

أما الدول الغربية، وعلى رأسها أمريكا وفرنسا، فهي لا تسعى لحلّ مشكلات مالي بقدر ما تسعى لإغراق هذه المنطقة في أتون صراعات لن تنتهي، مما ينذر بصَوْملة جديدة للمنطقة.

إن «الفوضى الخلاقة» هي السياسة الأمريكية التي وعدت الولايات المتحدة بها دول العالم الإسلامي، لنشر الصراعات والقلاقل والفوضى التي تدمّر مقوّمات الدول، وتجعل الكيانات الموجودة في أضعف حالاتها، لا تستطيع أن تقوم بنفسها، ومن ثم تضطر إلى طلب الحماية والعون من هذه الدول الاستعمارية، كما ستتحوّل القوى والجيوش الموجودة في تلك الدول إلى ميليشيات لا تستطيع أن تحمي أحداً حتى نفسها، والنتيجة دمار شامل، وقتلى لا حصر لهم، ولاجئون ومشتتون في صحراء جرداء.

ومن ثم تكون الأرض مرتعاً لفرق التنصير المهيأة دائماً لاستغلال هذه الأوضاع في إفريقيا، لا سيما مالي التي كانت عصيّة دائماً على التنصير، كما أنها كانت منبعاً للنشاط الدعوي الإسلامي في غرب إفريقيا.

لا حلّ لقضية مالي إلا عبر «الحوار» بين الإخوة الفرقاء، فهو الضمانة الوحيدة للسيطرة على الوضع واستعادة الهدوء واللُّحْمة، بعد أن كدّرت العلاقة بينهم قوى تريد خلخلة البنية العرقية في مالي.

ينبغي للجميع أن يبني حلّ أزمة مالي على قواعد أساسية، منها رفض الانفصال، وإعطاء الشماليين حقوقهم، ورفض التدخّل الفرنسي، واستعادة هيبة الدولة، وإجراء انتخابات نزيهة لاختيار نظام مستقر، وتأكيد قوة العلاقة ومتانتها بين الماليين الأفارقة والطوارق والعرب.

ولا يصح أن نرهن هذا المأمول بواقعنا الأليم، وهو استمرار فصول القصة بتفرقنا وغفلتنا وجهلنا، وإنما ينبغي أن نرهنه بإفاقتنا من غفلتنا، وأن نعي جيداً أن أمتنا في أضعف حالاتها، وتسعى لتخرج من شرنقة التبعية والتخلّف بعد ثورات الربيع العربي.

و «مجلة قراءات» من منطلق استشعارها لأهمية القضية وخطورتها وتعمّقها وتعقيدها؛ أفردت ملفاً كاملاً للقضية، راعت فيه التوازن بين أطراف القضية، ومحاولة تقديم وجهات النظر المختلفة، سعياً منها لتقديم حلول للقضية، وأملاً في إحداث التوافق بين الأشقّاء.

[1] صحيفة الشرق الأوسط، الأحد 13 يناير 2013م، العدد 12465، ماذا لو شذت الحرب في مالي عن القاعدة؟، عبد الله ولد محمدي.