قضية مالي .. نظرة مستقبلية 1 (2)

  • 28 -4 - 2013
  • كمال محمد جاه الله


  أ د. كمال محمد جاه الله الخضر   

على الرغم مما سبق عرضه من أوراق بحثية في هذا الملف، كشفت عن كثير من أبعاد الأزمة في جمهورية مالي المسلمة، فإن الأحداث الحاليّة هناك صارت أزمة معقّدة، تحتوي على تفاصيل كثيرة، وحصرها في إطار «عدوان صليبي» على دولة مسلمة هو اختزال لها، فهي أزمة متشعّبة، ابتداءً من كونها سلسلة طويلة من الصراع الداخلي، ومحاولة للخروج على الدولة، ثم لتعدّد أطرافها وكثرة الحركات التي لها دور مباشر في إذكائها وإشعال نارها، مروراً بأسباب تصاعدها وتطوّرها، والتدخّل الدولي في ثنايا هذه الأزمة، ولا سيما التدخّل الفرنسي المفضوح، حيث انتهزت فرنسا فرصة أحداث مالي الداخليّة لاستعادة هيمنتها المفقودة في تلك البقاع من قارة إفريقيا، ولكي تلاحق تطوّر التحرّكات الأمريكية في المنطقة، والتي أثارت مخاوفها من وجود عسكري أمريكي تتضرر منه مصالحها الحيوية.

وفيما يخصّ تداعيات هذه الأزمة؛ يمكننا أن نخلص إلى أربعة محاور أساسية، نرى أنها أمراض نجمت عن هذه الأزمة، وغيرها أعراض، وهي على النحو الآتي:

أولها: تشويه صورة الإسلام: ذلك أن بعض الحركات الإسلامية النابعة من جمهورية مالي، والإقليمية، والتابعة لبعض دول الجوار، كانت ضمن المحرّك الأساسي لهذه الأزمة، وسعى بعضها لفرض قوانين نسبها للإسلام دون مراعاة للقواعد المفترض اتّبعاها لتحقيق المقاصد السامية للشريعة الإسلامية من تهيئة البيئة المناسبة، وقد ترتّب على ذلك تشويه لصورة الإسلام لدى العوام، وتشويه لصورة التعليم الإسلامي الراسخة في أذهان الماليين، ومدارسه التي قامت على أكتافها الثقافة الإسلامية في تلك البلاد، بل أصبح تقصير الرجال للثياب ولبس النساء للنقاب مصدر اتّهام يوجب التحقيق الأمني.

وثانيها: التدخّل الدولي: الذي يشير بلا شك إلى تربّص القوى العظمى لبلاد الإسلام حيثما وجدت، ويشير إلى صراع خفي يبدو في الأفق بين فرنسا وأمريكا والصين على جمهورية مالي، أو المنطقة عموماً، على الرغم من أن مالي ليست هدفاً مباشراً للقوى الغربية التي تسعى لنهب ثروات الشعوب الإفريقية، وذلك لخلوّ أراضيها من الثروات، إلا اليورانيوم وبعض المعادن، وهذا ما يبدو أنه أحد الأسباب، إضافة إلى أن مالي دولة واعدة بطاقاتها البشرية، كما أن أراضيها تصلح قاعدة لمراقبة المنطقة، والانقضاض على جيرانها من الدول المكتنزة بمصادر الطاقة المختلفة، لا سيما الجزائر والنيجر.

أما المحور الثالث فهو تصفية الحسابات والانتقام: فواقع الأزمة انجلى عنه تفتيت لُحْمة مالي الداخلية بتركيبتها السكانية ذات الخلفيات الإثنية المختلفة، فأصبحت أراضي مالي حلبات مصارعة لتصفية الحسابات بين القبائل المختلفة، دون وجه حق، وأماكن لممارسة الانتقام في أبشع صوره، دون مراعاة وتمييز، فلم يشفع لذلك ما كان بينهم من تاريخ مشترك، أو آصرة دين تجمع، حتى غدا أبناء المجتمع الواحد فصائل وجماعات، وانقسمت مالي بين شمال وجنوب، ولا يحصد آثار هذه الانقسامات إلا الضعفاء والفقراء الذين يتحولون إلى لاجئين يهيمون في الأرض.

وأما المحور الرابع فهو المخطوطات: فالمخطوطات هي كنوز لا تُقدّر بثمن، فهي ثروة مالي الحقيقية إذا تباهت الدول بمقدّراتها، وليس من عجب أن تكون ضمن الضحايا الأساسيين للأزمة، وذلك أن الحاسدين يريدون لهذا التراث الإسلامي المجيد أن يصير في عداد المفقودات، ولا شك أن حرق مخطوطة أو تمزيقها يعني فَقْد جزء عزيز من التراث الإسلامي الذي حافظت عليه الأجيال لقرون عديدة، شاهداً على عظمة الإسلام والمسلمين في هذا البلد الذي قامت على أراضيه حضارة إسلامية يُشار إليها بالبنان.

وإذا كان الأمر بهذه الخطورة؛ فإنه لا بد من تقديم حلول، لتهوين وقع الكارثة، وتلافي الآثار الناجمة عن هذه الأزمة في ذلك البلد المسلم الواعد.

إن القراءة الفاحصة في هذه الأزمة تبيّن أن إمكانية الحلّ ليست مهمّة مستحيلة، مع أنها ليست سهلة في الوقت نفسه، لكنها يمكن أن تسلك مسالك السهولة متى ما توفّرت الإرادة والعزيمة الجادتين بين طرفي الأزمة، ولخشيتنا أن يكون الخاسر في آخر المطاف هو إنسان مالي، الذي يتطلع إلى حياة آمنة ملؤها الطمأنينة والاستقرار، فإننا نرى أن الحلول العملية لهذه الأزمة تكمن في الجوانب الآتية:

جانب يُلقى على عاتق الحكومة: إذ المطلوب منها على نحو عاجل الاستفادة من تجاربها السابقة في العبور بسلام من هذه الأزمة، وإيقاف الحرب الدائرة حالياً بتكوين لجنة وطنية شاملة للمكوّنات الإثنية للبلاد تحقّق في الأحداث، وتحدّد الأطراف المسؤولة عن الفساد والإفساد، ومحاكمة من يقفون وراء هذه الأحداث. كما ينبغي لها القيام بالتوعية الشاملة للمواطنين، وتحذّرهم من تصفية الحسابات ومحاولات الانتقام، وترسّخ لديهم أن القضاء هو الجهة الوحيدة لإقامة العدل وتسوية الخلافات، وتسعى إلى عقد حوار وطني شامل للمصارحة فالمصالحة، إضافة إلى توسيع دائرة الحرية واللامركزية والشفافية، وبيان أن وحدة التراب من المقدّسات التي يجب ألا تُمس بشكل من الأشكال.

وهناك جانب يخصّ علماء الدين في مالي: إذ المطلوب منهم القيام بمهمّتهم الإصلاحية بموضوعية، فيراعون الله في كلّ حركاتهم وسكناتهم، ويجعلون مصلحة الأمة الإسلامية نصب أعينهم، إضافة إلى مشاركتهم في القرارات المتعلّقة بمصير بلادهم، وإنما خصصنا علماء الدين دون غيرهم لأنهم عماد الأمة ودعامتها، ولأن الإسلام والثقافة المرتبطة به والمؤسّسات العاملة في نشر الدعوة تعرّضت لتشويه متعمّد يستوجب المسارعة في إرجاع الأمور إلى نصابها.

والجانب الثالث يتعلّق بالمنظمات الإقليمية والإسلامية والدولية: وذلك أن واقع الأزمة في مالي ومثيلاتها من الدول الإفريقية، إنما هي في المقام الأول أزمة تنمية، بمفهوم التنمية الواسع، وإذا لم تضطلع تلك المنظّمات بمختلف مشاربها بدور فاعل يصبّ في مساندة مالي في إحداث تلك التنمية التي يتطلع إليها شعبها، وبالطريقة التي تحفظ لمالي استقرارها وتضمن لها مستقبلاً أفضل، فإن تداعيات هذه الأزمة قد تنتقل إلى دول أخرى، ومناطق لم تكن في الحسبان، هذا، إضافة إلى ضرورة السعي الجاد من قبل تلك المنظّمات إلى إيجاد مساعدات إنسانية عاجلة لتلافي الكوارث التي نجمت عن الأزمة في تلك المنطقة، لا سيما مناطق شمال مالي التي تتجرّع الأمرّين.

* نائب عميد الدراسات العليا - جامعة إفريقيا العالمية.