قضية اللغة في الأدب الإفريقي

  • 14 -7 - 2018
  • د. آدم يوسف موسى


د. آدم يوسف موسى 

كثيراً ما شُبّهت اللغة بالكائن الحيّ؛ لكونها تنمو عبر مراحل، وتزدهر، ثمّ تنقرض (أي تموت) إذا أُهملت ولم تُستخدم الاستخدام الصحيح، وإن استُخدمت وبُذلت الجهود من أجل انتشارها نمت وتطورت.. وهناك كثيرٌ من اللغات اندثرت وانقسمت إلى لغاتٍ؛ مثل اللاتينية.

ونظراً للموقع الجغرافي الذي تتمتع به قارة إفريقيا، وكذلك التنوع الإثنيّ في السكان، فإنّ إفريقيا تُعدّ من أكثر قارات العالم زخراً باللغات، إذ تكاد تكون وعاءً جامعاً لكلّ اللغات، وهي بيئةٌ خصبةٌ لدراسة حالة اللغات وتطورها[1]، إضافةً إلى اللغات الوافدة التي دخلت إفريقيا عبر المستعمر خلال القرون الثلاثة الماضية، وهذا ما سنجتهد لنُسلّط عليه الضوء؛ من خلال آراء الكُتّاب والأدباء الأفارقة وأهل الاختصاص.

اللغة في الأدب الإفريقي:

إنّ مسألة «الكتابة باللغات الوافدة أو المحلية؟» كانت من التحديات التي واجهت الكُتّاب في إفريقيا بصفةٍ عامّة، وكانت لهم مواقف تجاه ذلك؛ سنوردها في السطور القادمة.

لقد ظلّت مسألة اللغة في الأدب الإفريقيّ بصفةٍ عامّة، شعراً كان أو نثراً، حتى الآن، تشغل الأدباء في إفريقيا، وجعلت الكاتبَ الإفريقيَّ ينظر إلى القضية بقلق، فبعضُ الكُتّاب يرى أنّ استعمال لغةٍ أخرى غير اللغة الأمّ مسألةٌ طبيعية، لكونها قضيةً إنسانية، فقد تكون هناك فئةٌ تتكلم لغةً معيّنة وهذه اللغة لقومياتٍ أخرى، وفئةٌ تركت لغتها وذهبت إلى لغةٍ أخرى، فاللغة تزدهر وتتقدّم بجهدٍ جماعي، وهي نفسها تنتقل من مرحلةٍ إلى أخرى، ففي عالَم اللغويات نجد أنّ اللغة أشبه بالكائن الحي، تتفرع من أصلٍ واحدٍ إلى عدّة لغات، وهذا ما يدعو بعضَ الكتّاب للقول بأنه لا غضاضة في استخدام اللغات الأوروبية بدلاً عن اللغات المحلية في إفريقيا، في المقابل يرى كتّابٌ آخرون في إفريقيا أنّ استعمال لغةٍ أخرى غير اللغة الأمّ مسألةٌ تحتاج إلى توقف، ووصفوا ذلك بأنه «استلاب للهوية».

لقد كُتب الأدب في إفريقيا بلغاتٍ متعددة، أجنبية ومحلية، أجنبية مثل: (الإنجليزية، الفرنسية، الإسبانية... إلخ)، ومحلية مثل: (السواحلية، والهوساتية، والكيكويو، واليوربا، والصومالية، والأمهرية، والكانمباوية أو الكانوري).

إنّ كلّ تلك اللغات، وما تحتضنه من ثقافاتٍ وأساطيرَ ورموزٍ ورواياتٍ وأشعارٍ وحكاياتٍ شعبيةٍ وأمثالٍ وحكم، تؤلّف مجتمعةً نسيجَ هذا الأدب الإفريقيّ ووحدته الكلية الكبرى.

ويطرح هذا الأدبُ الإفريقيُّ قضايا عدّة، منها: أنّ معظم الأدباء الأفارقة- الذين ينتمون إلى مجموعاتٍ لغويةٍ ودولٍ مختلفة- لا يكتبون بهذه اللغات، بالرغم من أنّ لبعضها أبجديةً من نوعٍ معين، ويكتبون باللغة الأجنبية، وتحديداً لغة المستعمر الذي كان يحتل البلاد، ومن ثمّ نرى هؤلاء يتبنون هذه اللغات الأوروبية خطّاً فكريّاً في الكتابة، وفي مختلف الأنشطة الثقافية خارج الإبداع.

وهذا ما يطرح بدَوره قضيةً مهمّةً؛ تتعلق بكيفية تواصل هؤلاء الكُتّاب مع جمهورهم المعني بفحوى الرسالة الفنية، وهو جمهورٌ في معظمه- كما نعلم- مخترقٌ بالأمّية والجهل والتخلّف والفقر المدقع؟

وإذا ألقينا نظرةً على خريطة الكُتّاب الأفارقة باللغات الأجنبية ألفيناها في تزايدٍ مستمر، وهذا ما يجعل خطاباتهم الفنية التوجيهية الإصلاحية مقتصرةً على إدراك النّخبة القليلة؛ وهذا بدَوْره يمثّل تناقضاً منهجيّاً ساخراً؛ من حيث كونه أدباً حداثيّاً يتبع مناهج طبقية كلاسيكية إقطاعية، يُحجب فضاؤها عن المعنيّين الفعليّين بها!

إنّ الأدب الإفريقيّ يطرح إشكالات عدّة، منها ثنائية الشفوية والكتابية، وثنائية لغة الكتابة والاستجابة لشروط التواصل، لكن قبل التطرق إلى هذه الثنائية الأخيرة نشير إلى أنّ قضية «الشفاهية»، بخصائصها وفطرتها وأسلوبها، تسري في هذا الأدب حتى منه ذلك المكتوب بلغاتٍ أوروبية؛ إذ اللغة فكر، والفكر لا يعبّر إلا عمّا هو مؤسّسٌ عليه.

يُضاف إلى ذلك تنوّع اللغات واللهجات الإفريقية وكثرتها، ولهذا يشير د. ولد الطلبه إلى صعوبة دراسة الأدب الإفريقيّ دراسةً موضوعية، ربما بسبب تعقيدات اللغة فيه، فهو يقول: «يكفي أن نعرف أنه قد أُحصيت أكثر من 600 لغةٍ يتحدثها سكان القارة»، فضلاً عن آلاف اللهجات التي لا يتكلمها أحياناً إلا مجموعاتٌ قليلةٌ تُحسب بالمئات، ولنُشر- على سبيل المثال- إلى 350 لغةً في زائير، بينها 4 لغات فقط يتحدث بها عددٌ كبيرٌ من سكان البلد، هي: السواحلية- لينغالا- الكيكونغو- تشيليبا. وفي غانا تمّ إحصاء ما بين 47 و 62 لغةً وأكثر من 800 لهجة، وهناك 150 لغةً صغيرة في نيجيريا، و 72 لغةً في ساحل العاج، و 62 لغةً في الكاميرون[2].

ولقد طُرحت أسئلةٌ محوريةٌ بهذا الصدد من قِبَل الكُتّاب الأفارقة، من أهمّها: لمن نكتب؟ وكيف يمكن إيصال أصواتنا وقضايانا الفكرية؟

وسنجتهد- فيما يأتي- في مناقشة أبعاد هذه الأسئلة التي طُرحت، باللغات الوافدة والمحلية، لأهميتها، وأهمية قضية لغة الأدب في إفريقيا.

تعدّد لغة الأدب في إفريقيا وإشكالية وحدة الكتابة:

مواقف الكُتّاب الأفارقة:

يواجهنا هنا سؤالان: لماذا يكتب الأفارقة بلغاتٍ غير إفريقية؟ وهل الكتابة بلغاتٍ غير إفريقية لها تأثيرٌ في الأدب الإفريقي؟

إنّ قضية اللغة في الأدب الإفريقي كانت محلّ نقاشٍ كبير؛ٍ بين نقادٍ وكُتّابٍ رأوا أهمية اللغة، وآخرين ذهبوا خلاف ذلك، وبالرغم من كلّ النظريات والدراسات التي تضمّنت هذا المنحى؛ فإنّ الكتابة باللغات الوافدة، مثل الإنجليزية والفرنسية، لم تكن سهلةً ومتيسرة، فالكاتبُ الإفريقيُّ قبل إصدار روايته ونصّه القصصي لابد أن يعبر طريقاً شاقّاً، فقد كان النصّ يمرّ عبر شاشات دقيقة، وهذا ما جعل لغة الكاتب لغةً قويةً وأداته متميزة، كما أنه كان يكتب للقارئ الإفريقيّ والأوروبيّ على حدٍّ سواء، مما جعله يقدّم إبداعه بطرقٍ مغايرة.

يطرح الأدبُ الإفريقيُّ قضايا عدّة، منها: أنّ معظم الأدباء الأفارقة- الذين ينتمون إلى مجموعاتٍ لغويةٍ مختلفة- لا يكتبون بهذه اللغات، ويكتبون باللغة الأجنبية، وتحديداً لغة المستعمر

يقول الدكتور علي شلش: «إنّ الإفريقيّين الذين كتبوا بلغاتٍ أوروبية لم يختاروا ذلك على الإطلاق، وإنما فُرض عليهم الأمر فرضاً، أمّا سببُ عدم وجود لغةٍ إفريقيةٍ مكتوبةٍ في متناول أيديهم؛ قد يكون بسبب التعلّم الذي لم يكن متاحاً بغير اللغات الأوروبية»[3].

وسنعرض فئتَيْن من الكُتّاب في إفريقيا، فئة ترفض الكتابة باللغات الوافدة بوصفها استلاباً للهوية، وفئة  أخرى لا ترى فيها حرجاً (تؤيد) كونه أداةً ومسألةً إنسانية.

الفئة الأولى:

يقول الروائي النيجيري الشهير غينوا أتشيبي Chinua Achebe، في خطابٍ عنوانه: (الكاتب الإفريقي واللغة الإنجليزية) في العام 1964م: «هل من الصواب أن يهجر امرؤٌ لسان أمّه من أجل لسان شخصٍ آخر؟! إنّ الأمر ليبدو خيانةً مرعبة، ويثير الإحساس بالذنب، لكني لا أملك خياراً آخر، لقد وُهبت اللغة، وأنا مصمّمٌ على استعمالها»[4]، ويقول أيضاً: «إنّ اللغة الإنجليزية ستقدر على حمل ثِقَل تجربتي الإفريقية، ولكنها لابد أن تكون إنجليزيةً جديدة؛ بحيث تظلّ على صلةٍ مستمرةٍ بموطن أسلافها، وتتغير بحيث تناسب البيئة الإفريقية الجديدة»[5].

ويقول غينوا أتشيبي -Chinua Achebe في موقفٍ نهائيٍّ-: إنّ السبب الوحيد الذي جعل في مقدورنا الحديث عن الوحدة الإفريقية، بعضنا مع بعضنا الآخر، هو أننا حين نلتقي معاً يكون بحوزتنا عددٌ من اللغات المشتركة يمكننا الحديث بها.

ويتوصّل غينوا أتشيبي  Chinua Achebe إلى أنّ كلّ هذا النقاش يكشف لنا أنّ الأدب الإفريقيّ ليس وحدةً واحدة، وإنما هو مجموعةٌ من الوحدات المترابطة، فهو في الحقيقة المجموع الكليّ لجميع الآداب الوطنية والإثنية في إفريقيا[6].

إنّ قضية اللغة في الأدب الإفريقيّ عموماً كانت إشكاليةً وموضع تساؤلات لقضايا أخرى، مثل: هل الأدب الإفريقيّ المكتوب بالإنجليزية هو جزءٌ من الأدب الإنجليزي الحديث؟ أو أنه يُعدّ من الأدب الأفروإنجليزي؟ أو أنه أدبٌ إفريقي؟ وماذا عن الذي كُتب باللغة الفرنسية؟ وماذا عن الإفريقي الذي كرّس جهوده وكتب باللغات الإفريقية؟

كلُّ هذه الأسئلة المطروحة ظلّت محور نقاشٍ وحوارٍ لدى النقاد، وقد قال الأديب السنغالي دفيد ديوب: «المبدع الإفريقي محرومٌ من استعمال لغته، مقطوعٌ عن شعبه، وأنّ أعماله قد أصبحت تصويراً لسياسة الاحتواء من خلال المخيلة والأسلوب، وسوف تنال بدون شك التصفيق الحار من مجموعة نقادٍ معيّنين، وأنّ هذا جعل بعضاً منهم مثقفين طائعين مطبوعين حسب الأزياء الأوروبية الفرنسية»[7]، وأضاف أيضاً: «إنّ استعمال الإنجليزية والفرنسية هي مسألةٌ ضرورية، تاريخية مؤقتة.. لا أكثر».

أما غينوا أتشيبي Chinua Achebe؛ فهو يرى أنّ مسألة اللغة يجب أن تكون مسألةً عادية، وإن كانت تثير فيه الإحساس بالذنب، فهو يقول: «ينتابني الشعور أنّ اللغة الإنجليزية ستكون قادرةً على حمل وطأة تجربتي الإفريقية، لكن ينبغي أن تكون إنجليزيةً جديدةً متسقةً اتساقاً تامّاً مع وطن أسلافنا لتناسب المحيط الإفريقي الجديد»[8].

وقد سُئل الروائي حميدو كاني: يكتب الأفارقة بلغةٍ أجنبية، وينشرون ويقرؤون في بلدٍ أجنبيٍّ في الغالب (فرنسا)، هل يمكن اعتبارهم حقيقةً أفارقة، أو- ببساطة- كتّاباً فرنسيّين من أصلٍ إفريقي؟

فأجاب: إنهم أفارقةٌ يعيشون في إفريقيا، أحاسيسهم إفريقية، وما يميزهم يكمن في التجارب والإحساس في الأسلوب، لدى الكاتب الإنجليزي أو الفرنسي تراثٌ من آلاف السنوات من الكتابة وراءه، ونحن على الوجه المقابل ورثنا تراثاً شفهيّاً.

لا أحد ينكر انتشار اللغات الأوروبية، مثل: (الفرنسية والإنجليزية)، وهذا ساعد الكُتّاب الذين كتبوا بها على إظهار قضاياهم، وطرح مشروعاتهم الفكرية، والثقافية لأسبابٍ تتعلق بقوة هذه اللغات وانتشارها.

الفئة الثانية:

وهنا نجد كاتباً كبيراً في إفريقيا مثل نغوجي واثيونغو (Ngugi wa Thiong'o)، وهو أحد أهمّ كُتّاب الرواية والمسرحية في شرق إفريقيا بدولة كينيا، قد ودّع الكتابة باللغة الإنجليزية التي كتب بها واشتهر، في روايته (تويجات الدم)، وقام بوداعها وداعاً أخيراً في كتابه (تصفية استعمار العقل).

ونجد أنّ الرواية في إفريقيا كُتبت بلغاتٍ مختلفة، ولقد كانت الكتابة باللغتَيْن الإنجليزية والفرنسية هي التي هيمنت على هذا الميدان، إضافةً إلى اللغة العربية في شمال القارة، وفي بعض دول إفريقيا جنوب الصحراء، مثل: دولة تشاد، ونيجيريا، وإريتريا.

يرى هذا الروائي الكيني الشهير نغوجي واثيونغو: أنّ استعمال لغاتٍ أخرى غير إفريقية كان بسبب أزمة الهوية، وأنّ مسألة اللغة هي تجربةٌ إنسانيةٌ مهمّة في الإبداع، وفي دراسةٍ له يقول: «أودّ التنويه فقط بـ [الكاتب] جاكارا وا وانجو، الذي سجنه البريطانيون عشر سنوات بين (1952م – 1962م) بسبب كتابته بالكيكويو كتابه (موانديكي واماوماو ايثاميريويني)، وهو يوميات، احتفظ به سرّاً وهو في الحبس السياسي، وقد نشرت الكتاب دار هاينمان كينيا، ونال سنة 1984م جائزة (نوما)، إنه كتابٌ مليءٌ بالقوة، وسّع مدى لغة النثر في الكيكويو...»[9]، ولقد ودّع نغوجي الإنجليزية، وداعاً أخيراً، وكتب روايتَيْه (شيطان على الصليب – ماتيغاري ما نيجرونغي) باللغة الكيكويوية، ومسرحيتَيه (سأتزوج حين أشاء – غنّي لي يا أمي)[10].

ويخلص نغوجي واثيونغو إلى أنّ الأدب الإفريقيّ الذي كُتب باللغات الأوروبية كان بوجهٍ خاصٍّ أدب تلك البرجوازية الوطنية، وقد كُتب بواسطة مبدعيها، وقد عكست موضوعاتها واهتماماتها، كما أنه انحصر في تلك الطبقة؛ حتى في نطاق توزيعه ونوعيّة قرّائه[11].

ويُعرب نغوجي واثيونغو عن رأيه في أدب النخبة الإفريقية، التي أطلق عليها: «البرجوازية الصغيرة»، فيقول: إنّ إنتاجها الأدبيّ المكتوب باللغات الأجنبية كان منذ البداية هو أدب «البرحوازية الصغيرة» التي تكوّنت في المدارس الاستعمارية والجامعات، ولم يكن بمقدور هذا الأدب أن يكون غير ذلك بالنظر للأداة اللغوية الأجنبية المستخدمة في أعمالها الأدبية، هذا.. وقد واكب نشأة هذا الأدب وتطوره اقتراب تلك الطبقة التدريجي من نطاق السلطة السياسية والاقتصادية[12].

وهذا الموقف الذي تبنّاه نغوجي واثيونغو، وكُتّابٌ غيره في إفريقيا، كان محلَّ نقاشٍ كبيرٍ بينه وبين الروائي النيجيري الشهير غينوا أتشيبي، وهو في هذا الصدد يقول: «لا تدع أحداً ينخدع بواقع أننا قد نكتب بالإنجليزية؛ لأننا ننوي أن نفعل بها أشياء لم يُسمع بها من قبل»[13].

وعلى خلاف نغوجي لا يربط غينوا أتشيبي مسألة اللغة بالأدب، فيقول: «إنّ كلّ أدبٍ يجب أن يسعى للأشياء التي تقع في نطاقه، فيجب أن يتحدّث عن مكانٍ محدّد، وأن ينشأ من احتياجات تاريخه، ويتطور مع ماضيها وحاضرها، ومن تطلعات شعبها»[14].

طُرحت أسئلة محورية بهذا الصدد من قِبَل الكُتّاب الأفارقة، منها: لمن نكتب؟ وكيف يمكن إيصال أصواتنا وقضايانا الفكرية؟

وقد استنتج الأستاذ (هـ يان) في النهاية إلى أنّ تصنيف الأدب حسب الجغرافيا أو الطبقة أو لون البشرة لا يعدّ معياراً موضوعيّاً حاسماً في التصنيف، فالأدب عامّة، والإفريقي خاصّة، هو كما يقول: «لا يمكن أن يُصنّف إلا على أساس الأسلوب والمواقف التي يعرضها، وبدقّةٍ أكثر أقول: على أساس دراسة الأعمال المفردة، وتحليل أساليبها، وتصنيفها بعد ذلك، ثمّ مطابقتها مع تقاليد الأساليب والمواقف المشابهة؛ ولا يمكن أن تأمل في وضع الأعمال الأدبية في «أُسرها» الصحيحة ما لم تفحص هذه السمات، وما لم تحلّل عملاً محدّداً فلن تستطيع أن تحدّد الأدب الذي ينتمي إليه ذلك العمل، هذا التصور الأسلوبي إذا أضفنا إليه فكرة: أنّ تعبير المرء بلغته الأمّ لا يمكن أن يدانيه أيّ تعبيرٍ آخر بأيّ لغةٍ مهما بلغ المعبِّر من حذقٍ باللغة الثانية؛ إنْ نحن أدركنا هذا الأمر كان بإمكاننا- فيما يتعلق بالأدب الإفريقي غير العربي- أن نطرح قضية (الحرف التعبيري) الملائم لكتابة تلك الآداب غير المتوفرة على أبجدية، شريطة أن تكون الكتابة باللغة الأمّ»[15].

فالمشكلة التي يطرحها هذا الأدب الإفريقي، غير العربي والأمهري، المكتوب باللغات الأوروبية الوافدة المذكورة- بشكلٍ مُلحٍّ-: هل هذا الأدب هو أدبٌ للتصدير فقط؟

يجيب عن هذا التساؤل الأديب الإفريقي (داثورني) قائلاً: «إنّ الكتاب الإفريقيّين في القرن العشرين مغتصبون بلا شك، فقد تعلموا في عالَمٍ جديد، وامتصوا قيماً جديدة، وأطلقوا أسماءً جديدةً على الموضوعات القديمة، واكتسبوا ارتباطاً غريباً بالكلمة، ومن المحزن أن يكون الأديب الإفريقيّ في القرن العشرين مقاولاً ثقافيّاً؛ لأنه يكتب ولا يتكلم، ويتكلم لغةً لا يسمعها أحد، ولا يسمعه أحد، لأنه نصّب نفسه ولم يُنصّبه أحد! إنه إذاً يصنع ثقافته للتصدير»[16].

وهناك كُتّابٌ وقفوا بين الفئتَيْن:

سُئل- في إحدى المرات- الأديب الطيب صالح- وهو روائي عالمي يكتب باللغة العربية-: هل تعتقد أنّ الأدب العربيّ حقّق إنجازات مهمّة تستحق أن تُقدّم عالميّاً؟

فأجاب قائلاً: «لا شك في ذلك، وأنا لا يراودني أيُّ ريبٍ في ذلك، خصوصاً الأدب الإفريقي، الأدب الإفريقيّ حظّه أحسن من حظّ أدبنا؛ لأنّ أغلب الكُتّاب والروائيّين الأفارقة يكتبون إمّا باللغة الإنجليزية أو الفرنسية، فهؤلاء يقرؤون بلغة أوروبا، عندك: غينوا أتشيبي، وول سونيكا. غينوا أتشيبي هو نجيب محفوظ في الأدب الإفريقي، وهناك الكاتب منغوبتي، وصنبين عثمان.. هؤلاء قدّموا للأوروبيّين تجربةً إنسانيةً لم يروها»[17].

والأديب الإفريقي (داثورني)- الذي وصف الكُتّاب الأفارقة الذين يكتبون باللغات الوافدة بأنهم (مغتصبون)- يقول: «لابد أيضاً أن نكون موضوعيّين نوعاً ما، فهذه اللغات الإفريقية ذات الطبيعة الشفوية، والتقاليد الكتابية البسيطة، والبدائية أحياناً، لا توفر- في نظر هؤلاء الكُتّاب- إطاراً موضوعيّاً ملائماً لاحتضان تلك الأفكار والتصورات ذات الطبيعة الحداثية، وبالتالي يكون اللجوء إلى اللغة الأجنبية هو لأجل توصيل أصوات تلك الأمم ومعاناتها وقضاياها المصيرية، حتى تُسمع ويُحسّ بها دوليّاً، ويشعر الآخرون بمدى الانهيار والتردّي اللذين تركهما المستعمر فيها وعلى شتّى الأصعدة»[18].

وقد تساءل عددٌ من الكُتّاب الأفارقة- منهم غينوا أتشيبي-: من أين يجد الوقت ليتعلّم عشرات اللغات النيجيرية؛ علماً بأنّ كلّ لغةٍ من بينها قد يُنتج أدباً مكتوباً؟ ثم يقارن الوضع في إفريقيا بأمريكا اللاتينية، وتحديداً البرازيل، ويقارن بين وضعية كُتّابها واستخدامهم للغة البرتغالية؛ وبين وضع الدول الإفريقية الأنجلوفونية والفرنكوفونية، ويخلص إلى أنّ الوضع في إفريقيا- فيما يتعلق بقضية اللغة- لهو أفضل حالاً بكثير، ففي إفريقيا تُستخدم لغةٌ عالميةٌ مما يتيح فرصاً أكبر أمام آدابها، واتساعاً في نطاق القرّاء، وهذا يمكن ملاحظته من خلال ظهور جيلٍ جديدٍ من الكُتّاب الأفارقة، من أمثال: الروائي الكنغولي آلان موبانكو، والنيجيرية شيماماندا نغوزي أديشي، والسودانية ليلى أبو العلا، والزيمبابوية ايفون فيرا... إلخ.

اللغة بين العالمية والمحلية:

نشير هنا إلى أنّ قضية اللغة هي قضيةٌ عالمية، يقول فيها الروائي والمفكر البلغاري إيليا ترويانوف: «ما أراه جديراً بالاهتمام هو خوف المجتمعات حول العالم أن تحلّ الإنجليزية محلّ اللغات، وهي مشكلةٌ كبيرة، وكارثةٌ أن يتحدث البشرُ بالإنجليزية فقط. والمشكلة الثانية أنها ليست الإنجليزية الجميلة، بل ترى أن كلّ شخصٍ يتحدث بكلمات محدّدة جدّاً، لذا ستختفي اللغات المحلية الثرية بمفرداتها لتحلّ محلها هذه الإنجليزية الفقيرة، ولذا أرى أنه من الضروري أن تقوم المدارس بتعليم أكثر من لغتَيْن للنشء الصغار، بل إنّ علماء النفس يرون أن تعلّم الطفل لعدة لغاتٍ سيجعله أكثر ذكاءً»[19].

المشكلة التي يطرحها هذا الأدب الإفريقي غير العربي والأمهري، المكتوب باللغات الأوروبية الوافدة، يطرح تساؤلاً ملحّاً: هل هذا الأدب هو أدبٌ للتصدير فقط؟

إنّ ما أنتجه الكُتّاب في إفريقيا، سواء باللغات الوافدة أو الإفريقية، لا يستطيع أحدٌ إنكاره، وقد أضاء مضمونُه بالتأكيد جوانبَ مهمّةً من القضايا الإفريقية، قضايا التراث، والتاريخ، والثقافة، والسياسة، وعرّفوا العالَم خارج القارة بمعاناة شعوبهم وأزماتهم، وخلقوا حلقة تواصل بينهم وبين الآخرين.

ولهذا يرى غينوا أتشيبي أنّ قراره بالكتابة بالإنجليزية في مقابل لغته الأمّ (الإيبو: Igbo) أدى إلى انتقاد البعض له، لكنه يقول: إنّ اختياره لها كان على أساس الحاجة الملحّة إلى سرد قصّة القهر والمعاناة التي تتعرض لها مجموعة (الإيبو: Igbo) العِرْقية التي ينتمي إليها، وإنّ اختياره للغة الإنجليزية لم يكن لاعتبارات عملية فقط، فاستخدامه لها طوال عمره أدّى إلى (وقوعه في غرامها)، وإنّ اللغة لا يُنظر إليها كعدوّ، وإنما كأداة[20].

ويرى الباحث الموريتاني محمد سالم ولد الخليفة- الذي سبق أن أعدّ بحوثاً عن أصول وتقاليد مجتمع «الفلان» الإفريقي- أنّ النخب الإفريقية باتت محبطةً من التبعية الثقافية للمستعمر، وهو ما انعكس من خلال الدعوات المتزايدة لإحياء اللهجات المحلية ومدّ الجسور نحو العرب.

وقال ولد الخليفة: إنه وبالرغم من أنّ حضور اللغة العربية في إفريقيا لا يزال محدوداً بالمقارنة مع اللغتَيْن الإنجليزية والفرنسية؛ فإنّ التوجّه الإفريقيّ الجديد يؤشّر على عدوّة قوية للثقافة العربية والإسلامية، منتقداً غياب العرب عن هذا التحوّل الإفريقي.

واتفق الباحث جوب، وولد الخليفة، في حديثيهما على ضرورة أن يواكب العربُ العودةَ الجديدة للأفارقة إلى اللغة العربية، من خلال مشروعات ثقافية، وتأسيس مدارس ومعاهد عربية بالدول الإفريقية، وفتح الباب أمام الطلاب الأفارقة الراغبين في تعلّم لغة الضاد[21].

إنّ عامل اللغة في إفريقيا شهد تقدّماً لبعض اللغات وتأخراً للغاتٍ أخرى، وقد ساهمت الوسائل التقنية الحديثة في دعم بعض اللغات مساهمةً فعّالة، وكذلك الدعم المادي، والمشروعات البحثية والتعليمية، إضافةً إلى عالَم المال والأعمال، كلّ ذلك كان رصيداً فاعلاً للغاتٍ عالميةٍ مثل: الإنجليزية، والصينية... إلخ، في حين أنّ اللغات الإفريقية واجهت تدهوراً لتأخرها عن المواكبة؛ بجانب الحروب، والأزمات السياسية، والانقلابات، والنزوح والهجرة، وعدم الاستقرار[22].

من خلال ما سبق؛ يخلص الباحث إلى بعض النتائج، وهي:

1- أنّ اللغات الوافدة، مثل: اللغة الإنجليزية والفرنسية، ساعدت في نقل بعض قضايا إفريقيا إلى العالم؛ بالرغم من أنها انتشرت على حساب تدهور اللغات المحلية.

2- لم تستطع اللغات المحلية في إفريقيا منافسة اللغات الوافدة لأسبابٍ تتعلق بصعوبة توحيد القارة تحت لغةٍ واحدة، وضعف إفريقيا سياسيّاً واقتصاديّاً، وتنمويّاً، والحروب، وعدم الاستقرار، مما جعلها تتخلف وتتراجع في كثيرٍ من الأمور؛ بما فيها اللغة.

3- أنّ الذين نادوا بضرورة التخلّي عن اللغات الوافدة هم أنفسهم الذين عادوا وكتبوا باللغات الوافدة، لأنها أصبحت منتشرة، ومن خلالها يمكن أن تصل أصواتهم.

4- أنّ استقرار الدول الكبرى، وازدهار نهضتها عالميّاً وثقافيّاً، واهتمامها بدعم لغاتها، أدى لانتشارها في إفريقيا والعالم، ولا سيما اللغة الإنجليزية.

5- الاهتمام الكبير بدعم الإنجليزية والفرنسية في إفريقيا، تحديداً عبر المنظمات والمؤسسات التعليمية والوكالات الإعلامية، ساعد بشكل فاعلٍ على انتشارها في إفريقيا.

6- أنّ عدم الاهتمام بدعم اللغات الإفريقية من قِبَل الدول الإفريقية، ووجود مئات اللغات في أرجاء إفريقيا، دون وجود خطةٍ استراتيجيةٍ للالتفاف حول لغةٍ واحدة، فتح المجال بشكلٍ أوسع لانتشار اللغات الوافدة، مثل: الإنجليزية والفرنسية.

7- أنّ اللغات العالمية، مثل: الإنجليزية والفرنسية، ساعدت بعض النخب الإفريقية في القارة في إبراز قضاياهم، وساعدتهم أيضاً على الوصول إلى العالمية والشهرة، وإحراز جوائز عالمية، مثل جائزة نوبل وغيرها.

8- أنّ اللغة مسألةٌ إنسانية، ويمكن أن يستخدم الإنسان اللغة التي في متناول يديه لإيصال صوته؛ بوصفها أداةً ووسيلة.

الخاتمة:

بناءً على ما ورد ذكره؛ فإنّ اللغات الوافدة أصبحت من اللغات العامّة والرئيسية في إفريقيا، وقد تراجعت اللغات الإفريقية المحلية أمامها لأسبابٍ عدّة، منها عدم اهتمام الحكومات الإفريقية وعدم الاستقرار، ولكي يتحقق ازدهار اللغات المحلية في إفريقيا فإنّ هذا يتطلب منظومةً متكاملة، تعمل برؤى وخططٍ استراتيجيةٍ مترابطةٍ بين الدوائر السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. إنّ اللغة أداةٌ ووسيلة، يمكن أن تؤدّي دَوْراً مهمّاً إذا استُخدمت في طرح قضايا القارة بشكلٍ صحيح، وعلى المنظمات في إفريقيا، وبخاصّةٍ الاتحاد الإفريقي، أن تعطي اهتماماً كبيراً لدعم التعليم والثقافة واللغة، بميزانيات مخصّصة، وفق خططٍ تعزّز اللغات المحلية الأكثر استخداماً في إفريقيا، وتعمل على تضمينها في المناهج التعليمية والمنابر الرئيسة.

* (تشاد)- روائي وباحث متخصّص في الدراسات الإفريقية– أستاذ مساعد– مركز البحوث والدراسات الإفريقية بجامعة إفريقيا العالمية.

[1] آدم يوسف موسى، اللغات في إفريقيا (دراسة استراتيجية مقارنة عن واقع اللغة العربية واللغات في إفريقيا، 2015م-2016م)، منشورات مركز البحوث والدراسات الإفريقية- جامعة إفريقيا العالمية لعام 2015م (اليوبيل الذهبي للجامعة)، السودان/ الخرطوم- 2016م، ص3.

[2] www.alnoor.se/article.asp?id=139296#sthash.GC4Y2ct5.dpuf

[3] على شلش، الأدب الإفريقي، سلسلة ثقافية شهرية تصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت، رمضان 1413ه/ مارس 1993م، ص171.

[4] نغوجي واثيونغو، تصفية استعمار العقل (دراسة)، ترجمة سعدي يوسف، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1987م، ص27.

[5] علي شلش، مرجع سابق، ص29.

[6] السابق، ص110.   

[7] السابق، ص49.

[8] نغوجي واثيونغو، تصفية استعمار العقل (دراسة)، مرجع سابق، ص30.

[9] نغوجي واثيونغو، تصفية استعمار العقل (دراسة)، مرجع سابق، ص56.    

[10] نغوجي واثيونغو، تصفية استعمار العقل (دراسة)، مرجع سابق، ص13.

[11] إيناس محمد ممدوح، الذات والآخر في الرواية الإفريقية، بحث لنيل درجة الماجستير، جامعة القاهرة (1993م) معهد البحوث والدراسات الإفريقية، ص101.

[12] إيناس محمد ممدوح، الذات والآخر في الرواية الإفريقية، مرجع سابق، ص109.

[13] المرجع نفسه، ص109.

انظر أيضاً:

https://prezi.com/-ktd-09ib7s5/presentation-on-achebes-the-african-writer-and-the-english-language/

[14] المرجع نفسه، ص110.

[15] http://www.alnoor.se/article.asp?id=139296

[16] للمزيد راجع في ذلك:

 Chinua Achebe , English and the African Writer ,Indiana University Press& Center for African and African American Research at Harvard University ,p4.

[17] جهاد فاضل، أسئلة الرواية (حوارات مع الروائيين العرب)، الدار العربية للكتاب، الطبعة الأولى 1990م، ص25.

[18] علي شلش، مرجع سابق، ص29.

[19] إيليا ترويانوف، مجلة أوراق– ملحق ثقافي متخصص– يصدر مع مجلة الخرطوم الجديدة– فبراير 2009م- العدد (42)، ص7.

[20] جريدة الشرق الأوسط، الأربعاء 7 شوال 1421ه/3 يناير 2001م– العدد (8072).

[21]http://arabi21.com/story/825457/%D8%A7%D9%87%D8%AA%D9%85%D8%A7%D9%85-

[22] آدم يوسف، مرجع سابق، ص42.