قضية الجنوب السوداني

  • 1 -4 - 2011
  • تحرير المجلة


تمر الأمة الإسلامية بنكبات كثيرة في هذا العصر، حيث تكالبت عليها قوى الشر من الشرق والغرب لتقوم بتفتيتها وتمزيقها، وأحدث فصول هذا التفتيت فصل جنوب السودان عن شماله؛ بعد استفتاء الانفصال الذي أُعد وفق خطط غربية مريبة, ومؤامرات حيكت لتمزيق السودان، سنعرضها في ملف هذا العدد الذي يتناول قضية الجنوب من جميع جوانبها.

وبعد تصوّيت نسبة كبيرة من السكان - طوعاً أو كرهاً - للانفصال؛ أصبحت دولة الجنوب النصرانية واقعاً ملموساً، تمر بآخر مراحل التدشين والإعلان المنتظر في الأيام القادمة.

حقيقـة؛ لم تكن مؤامرة الانفصال وليدة اليوم ولكنها قديمة, حيث تضافرت مجموعة من العوامل التي ساهمت في إثارة الصراع وتأجيجه بين شمال السودان وجنوبه، ومن هذه العوامل الاختلافات الإثنية واللغوية والدينية، والسياسات الاستعمارية، وكذلك سياسات الحكومات السودانية المتعاقبة، فضلاً عن الدور الإقليمي الذي مارسته دول الجوار, ودَوْر بعض الأطراف الدولية.

ووصول حكومة الإنقاذ الوطني إلى الحكم عام 1989م؛ سرعان ما رفعت الحكومة راية الجهاد الإسلامي ضد القوى الجنوبية المتمردة، وشنّت حملة عسكرية واسعة النطاق ضد قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان، كما قامت بتسليح ميليشيات أطلقت عليها «قوات الدفاع الشعبي»؛ لأجل التصدي لقوات الجيش الشعبي لتحرير السودان.

في غضون ذلك؛ تضاعفت الجهود الدولية لتسوية الأزمة من خلال «منظمة الإيجاد» (الهيئة الحكومية للتنمية في شرق إفريقيا)، مع تهميش واضح لأي جهود عربية، وبخاصة تلك التي تقوم بها مصر وليبيا؛ لأن الجهود العربية كانت تنصبّ على فكرة «السودان الموحّد» مع إعطاء صلاحيات واسعة للجنوبيين، في حين أن الجهود الدولية والإفريقية ركّزت في فكرة «حق تقرير المصير».

وقد تدخّلت الولايات المتحدة في الصراع السوداني بالضغط على أطرافه؛ من أجل السير في طريق التسوية السلميّة, وهو ما أدى إلى توقيع اتفاق إطاري، يُسمّي «اتفاق ماشاكوس» في يوليو 2002م، بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان، فأصبحت الظروف مهيأة لاستكمال مسيرة المفاوضات بين حكومة الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان، وبالفعل عُقدت العديد من جولات التفاوض التي أسفرت عن توقيع «اتفاق السلام الشامل» في «نيفاشا» في 9 يناير 2005م.

وكانت البنود الآتية هي أبرز ما تضمّنه «اتفاق نيفاشا»:

- حق تقرير المصير للجنوبيين:

نصّ «اتفاق السلام» على «حق تقرير المصير» لجنوب السودان في نهاية الفترة الانتقالية, ومدتها ست سنوات، لتحديد ما إذا كان الجنوب سينفصل عن البلاد أو لا, على أن يمارس الجنوبيون حقهم في تقرير المصير عبر استفتاء شعبي من بين بدائل أخرى.

- تقاسم السلطة:

نصّ الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية, تتكون من كلٍّ من حزب المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الشعبية لتحرير السودان، وأطراف أخرى، وذلك في إطار نظام إدارة لا مركزية، كما تشكّل الحركة إدارة منفصلة تتمتع بحكم شبه ذاتي في الجنوب. وتكون المشاركة في الحكومة الاتحادية بنسبة 52% للمؤتمر الوطني، و 28% للحركة الشعبية، و 14% لباقي القوى السياسية الشمالية، و 6% للقوى الجنوبية الأخرى بخلاف الحركة الشعبية. 

كما نصّ الاتفاق على أن يكون الرئيس من الشمال, ونائبه الأول هو زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان من الجنوب، والنائب الثاني من الشمال، ومن ثم احتفظ عمر البشير برئاسة السودان، وتولّى جون جارنج منصب النائب الأول للرئيس (يتولى هذا المنصب الآن سيلفا كير بعد وفاة جارنج عام 2005م), فيما يتولّى السيد: على عثمان طه (وهو من الشمال) منصب النائب الثاني.

كما تكون العربية والإنجليزية اللغتين الرسميتين للبلاد، ويشغل سكان الجنوب 30% من الوظائف الحكومية.

- إجراء انتخابات عامة:

نصّ «اتفاق نيفاشا» على أن تُجرى انتخابات عامة على كل المستويات؛ في مدة لا تتجاوز السنة الرابعة من بدء الفترة الانتقالية.

- تقاسـم الثروة:

يتم تقاسم الثروة القومية بالتساوي، وبخاصة عائدات النفط في المنطقة الجنوبية التي يوجد بها معظم آبار النفط المستغل، فيتم تقاسمها مناصفة بين الحكومتين الجنوبية والمركزية؛ بعد منح 2% على الأقل للولايات التي ينتج النفط فيها.

 كما تُخصص نصف عائدات البلاد غير النفطية، مثل الضرائب والرسوم التي تجمعها الحكومة الوطنية من الجنوب، لحكومة الجنوب بإشراف هيئة مشتركة.

كما نصّ الاتفاق على أن يتم إنشاء نظام مصرفي مزدوج؛ بحيث يكون للبنك المركزي السوداني نظامان مصرفيان، (نظام مصرفي إسلامي) في الشمال يعمل وفق النظام الإسلامي، أي يحظر التعامل بالفائدة، أما الجنوب فسيكون له (نظام مصرفي تقليدي) يعمل وفق قواعد العمل المصرفي المتبعة في الدول الرأسمالية، وأن يتم إنشاء (بنك جنوب السودان) كفرع للبنك المركزي، وأن تكون هناك عملة جديدة.

- إدارة المناطق المهمّشة:

نصّ الاتفاق على أن يكون لجبال النوبة وولاية النيل الأزرق(1) اللتين تشكّلان مناطق تماس بين الشمال والجنوب؛ حكومتان يرأس كلاًّ منهما بصفة دورية حاكم، يكون الحاكم في إحدى الولايتين من الحكومة السودانية (الشمالية)، وفي الولاية الأخرى من الحركة الشعبية، ولا يتولّى أحدهما حكم الولايتين في وقت واحد، وتخصيص منصب نائب الحاكم لعضو من الحزب الذي لا يشغل منصب الحاكم. وبعد إجراء الانتخابات يتم انتخاب الحاكم مباشرة من جانب الناخبين المسجلين بالولاية.

ويكون للمنطقتين برلمانان منتخبان, يكون التمثيل فيهما على النحو الآتي: 55% لحزب المؤتمر الوطني, و 45% للحركة الشعبية.

وبالنسبة لـ «منطقة أبيي»؛ فقد كانت أبيي جزءاً من ولاية غرب كردفان التابعة لشمال السودان, وقد نصّ الاتفاق على منح أبيي وضعاً خاصاً، وأن يُعد سكانها في الفترة الانتقالية مواطنين في ولايتي غرب كردفان (شمالاً) وبحر الغزال (جنوباً)، وأن تُدار من قبل مجلس تنفيذي محلي ينتخبه سكانها, وإلى حين إجراء الانتخابات تتولّى الرئاسة تعيين أعضاء هذا المجلس التنفيذي، وذلك من بين مواطني منطقة أبيي. وأن يتم نشر مراقبين دوليين لمراقبة تطبيق الاتفاق في أبيي، في حين سيصوّت سكانها في استفتاء منفصل يتزامن مع استفتاء جنوب السودان, وذلك لتحديد ما إذا كانت ستحتفظ بمكانتها الخاصة في الشمال، أو أنها ستكون جزءاً من ولاية بحر الغزال في الجنوب!

الترتيبات الأمنية:

نصّ الاتفاق على سحب أكثر من 100 ألف جندي حكومي منتشرين في الجنوب، وقوات الحركة الشعبية المنتشرة في ولاية جبال النوبة والنيل الأزرق, تحت إشراف دولي، مع مراعاة احترام الحدود الشمالية الجنوبية التي رُسمت عام 1956م.

كما نصّ الاتفاق على تشكيل مجلس جديد للدفاع المشترك, مؤلف من كبار الضباط من الجانبين, بالتنسيق بين قيادة قوات الحكومة والحركة الشعبية. ولن يتم دمج القوات الحكومية وقوات الجيش الشعبي، بل سيتم التعامل معهما بالتساوي في إطار القوات المسلحة السودانية (يعني: سيحتفظ الجنوب بقواته, وهو ما يمهّد للانفصال أيضاً).

وخلال الفترة الانتقالية (6 سنوات) يساهم الجانبان بأعداد متساوية من القوات لتشكيل قوات جنوب السودان، 6 آلاف جندي في جبال النوبة، 6 آلاف جندي في ولاية النيل الأزرق، 3 آلاف جندي في العاصمة الخرطوم.

ونحن نتساءل عما استفاده النظام السوداني من هذه الاتفاقية التي صبّت جميعها في مصلحة الجنوبيين، وكانت التمهيد القوي لما حدث بعد ذلك من الانفصال وولادة كيان جديد, ولاؤه وهويته وثرواته خاضعة للغرب عموماً وأمريكا خصوصاً؟!

 هذا الكيان المنتزع من السودان يعدّه الكثيرون مثل «إسرائيل جديدة» يتم غرسها عنوة في قلب إفريقيا, ويجري تجهيزها للالتفاف على دولتي السودان ومصر، وفصل شمال إفريقيا المسلم عن جنوبها ذي الغالبية غير المسلمة، ولوقف زحف الإسلام وانتشاره في دول القارة، وسيكون قاعدة للتنصير والنشاط الكنسي، وقاعدة للعمل الاستخباراتي والأمني في شرق إفريقيا لخدمة قوى الاستعمار الحديث.

كذلك وقف الدور السوداني الكبير والنشط في مساعدة القارة ونشر الإسلام، واحتضان الكوادر الإفريقية.. فإلى الله المشتكى!

نحن نأمل في ظل المتغيرات الاقليمية ان يتم تدارك الخلل, وترتيب الصفوف, وعدم اليأس, ويمكن ان تكون هناك مبادرات لبناء علاقات متزامنة مع جنوب السودان بحيث تحقق مصالح حقيقية شرعية للطرفين, بعيدا عن الصدامات والتوترات, بما يعود بالنفع على كلا الدولتين, لا سيما ان مبررات العلاقة الطبيعية بينهما قوية, لا يمكن الانفكاك عنها بسهولة, ان الجو الايجابي للعلاقات مع أي طرف هو في مصلحة الشعوب لدى الطرفين 0

وذلك يتطلب حكمة وشجاعة وقوة ومرونة, كما يتطلب تجردا للمصالح الشرعية الثابتة قبل أي مصالح مظنونو تقدم على المصالح الشرعية.

من أخلص لله والتزم شريعة نبيه صلى الله عليه وسلم في السلم والحرب, وأخذ بأسباب القوة المادية التي يستطيعها بلغ من عدوه ما يريد, بل يحار فيه عدوه.

(1) صدر لولاية النيل الأزرق وجبال النوبة (قانون تنظيم المشورة الشعبية) من ثماني عشرة مادة, غلبت عليها مواد الأحكام التمهيدية والتفسير والمرجعيات، والهدف - كما جاء في هذا القانون تحت المادة الخامسة - هو: (أ) تأكيد وجهة نظر شعبي ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق بشأن «اتفاقية السلام الشامل»؛ بخصوص أيٍّ من الولايتين, وعن مدى تحقيقها لتطلعاتهم. (ب) تسوية نهائية للنزاع السياسي في أيٍّ من الولايتين, وإرساء السلام.