قراءة في مؤلَّف ريمي دويير: من بحيرة التشاد إلى مكّة عالم سلطنة برنو خلال القرنين 16-17م

  • 5 -1 - 2019
  • احمد الشكري

أحمد الشكري

معهد الدراسات الإفريقية/ جامعة محمد الخامس- الرباط/ المملكة المغربية

ما من شكٍّ في أنّ إنتاج عملٍ جديدٍ ورصينٍ عن تاريخ السودان الأوسط خلال العصر الوسيط أو الحديث؛ يشكّل في حدِّ ذاته حدثاً أكاديميّاً لافتاً، عِلماً أنّ الدراسات التاريخية عن منطقتنا، مقارنةً بالسودان الغربي أو الشرقي، قليلةٌ ونادرة.

قُدّر لي أن أتعرّف على الباحث الفرنسي ريمي دويير Rémi Dewière، مطلع شهر مارس من السنة الماضية 2017م، حيث زارني بمقر عملي (معهد الدراسات الإفريقية/ الرباط)، وتباحثنا في عددٍ غير قليلٍ من القضايا المتعلقة بتاريخ إفريقيا. وقد شكّلت هذه المناسبة فرصةً سانحةً للتعرف عليه وعلى أعماله، فارتأيت تقديم أهمّ دراسةٍ صدرت له مؤخّراً، تحمل عنوان: (من بحيرة التشاد إلى مكّة: عالم سلطنة برنو خلال القرنَيْن 16-17م)، منشورات السوربون 2017م[1]، وأصل العمل أطروحةٌ جامعية أعدّها الباحث برسم نَيْل الدكتوراه بالسوربون 1: باريس.

تقع الدراسة في 469 صفحة، مقسّمة إلى أربعة أقسام أو أبواب، كلُّ واحدٍ منها يشمل فصلَيْن، فبات لدينا ثمانية فصولٍ وخاتمة؛ وفضلاً عن كلمة العرفان والمقدّمة ثمّ التمهيد؛ فقد ذيّلها بمجموعةٍ من الملاحقِ المهمّة، ناهيك عن فهرس الأعلام البشرية والجغرافية، مع ثبْت لائحة المصادر والمراجع، ولائحة الخرائط والبيانات المستعملة.

وبغضّ النظر عن مواقف الباحث، وطبيعة المنهج المعتمَد لديه في صناعة عمارة الدراسة، فإنّ كلّ متمرّسٍ بتاريخ إفريقيا يدرك من خلال هذه الملاحق- التي زاد عدد صفحاتها عن 120 صفحةً- أننا أمام عملٍ أكاديميٍّ رصينٍ وجاد، يستحقّ كلّ التنويه والإشادة.

فكّ الارتباط ما بين كانم وبرنو:

في مبادرةٍ تحمل أكثر من دلالة؛ حاول الباحث منذ الصفحات الأولى، التي عقدها للتقديم ثم التمهيد، استعراض موجزٍ لتاريخ سلطنة برنو، شمل التفاعلات المتعدّدة الأبعاد لبرنو مع محيطها الجهوي والدولي، وذلك من مرحلة التأسيس إلى غاية تاريخ انهيارها واندثارها.

ارتبط تاريخ برنو بأسرة «سيفاوة» التي كان لها دّورٌ سياسيٌّ مهمٌّ بمنطقة حوض التشاد من القرن 9 إلى القرن 19م؛ ويعود أصل الأسرة- حسب الروايات التاريخية- إلى سيف بن ذي يزن اليمني الحِمْيَرِي. وتفصح المصادر عن أنّ بدايةَ أسرة سيفاوة كانت أول الأمر في «كانم» الواقعة شرق بحيرة تشاد، ثمّ سرعان ما اشتدّ عود الدولة، فعرفت أَوْجَها هنالك خلال القرن 13م، خاصّةً أيام السلطان دونمه بن سلمة (1210-1248م). وانطلاقاً من «جيمي» أو «انجيمي» العاصمة، كانت كانم وقتئذٍ تبسط هيمنتها على الكثير من المحاور التجارية، خاصّةً بعد سيطرتها على واحات إقليم فزان (جنوب ليبيا حاليّاً).

وخلال هذه الفترة؛ بدأ سلاطين سيفاوة يتشوّفون لبسط هيمنتهم على إقليم برنو الواقع غرب بحيرة تشاد، بيد أنه بعد وفاة السلطان المذكور؛ دخلت المنطقة طيلة قرنَيْن من الزمان في مرحلةٍ من الفوضى وعدم الاستقرار السياسي، الناجم أساساً عن صراع سلاطين سيفاوة مع قبائل التُّبُ الرُّحَّل المنتشرين في منطقة التيبستي (شمال شرق كانم).

نعتقد أنّ المؤلف حاول من هذا الاستعراض الموجز (لأهم التطورات التاريخية التي عرفتها سلطنة برنو) أن يزيح الضبابية التي عادةً ما نصادفها في الدراسات المتعلقة بالسودان الأوسط

وخلال هذه المرحلة المظلمة؛ بدأت بعض فئات كانم تتسلل وتهاجر نحو برنو، وفي الوقت نفسه برزت سلطةٌ جديدةٌ منافسةٌ في كانم، تُعرف بأسرة بولـله (= بولاله)، الأمر الذي عجّل بالرحيل النهائي لسيفاوة في اتجاه برنو، وذلك أيام السلطان عمر بن إدريس (1382-1387م). وإلى حين صعود السلطان علي بن دونمه (1465-1497م)، الذي وضع حدّاً لهذه المرحلة المضطربة؛ نلاحظ بداية تجذّر سلطة سيفاوة في برنو، حيث أسّسوا دولةً هنالك على الجانب الغربي من حوض بحيرة التشاد، استمرت قائمةً إلى غاية نهاية القرن 18م.

وهناك عددٌ غيرُ قليلٍ من السلاطين الذين دمغوا هذه الفترة من العصر الحديث لدولة برنو؛ نذكر منهم، فضلاً عن علي بن دونمه (1465-1497م)، ابنه السلطان «إدريس بن علي» الذي اشتهر بغزوه لكانم.

وتشير الوقائع التاريخية الخاصّة بالقرن 16م؛ إلى أنّ المرحلة عرفت نوعاً من الشدّ والجذب فيما بين برنو وكانم، فنجدهما تارةً ينخرطان في صراعاتٍ عسكريةٍ متلاحقة، وتارةً يجنحان للسّلْم والأمن، فيستغلانه لتوطيد سلطتيهما القائمتَيْن في كلٍّ من برنو وكانم؛ وقد يحدث أن تتمّ تزكية حالة السّلْم هاته بالمصاهرة فيما بين أعضاء الأسرتَيْن الحاكمتَيْن.

ويُعدّ إدريس بن علي (1564-1596م)[2]، أشهر سلاطين برنو، أحد ثمرات هذه المصاهرة فيما بين سيفاوة وبولاله، وقد كانت له سفارات إلى المغرب وطرابلس وكانم والباب العالي، وبلغت شهرته منطقة الحوض الأوسط لنهر النيجر، إذ تحدثت عنه عدة مصادر تنبكتية. ومنذئذٍ عرفت سلطنة برنو أَوْجَ ازدهارها إلى غاية عهد عمر بن إدريس (1619-1639م)، وعهد ابنه علي بن عمر (1639-1677م).

وخلال فترة الازدهار هاته، الممتدة من منتصف القرن 16م إلى غاية نهاية القرن التالي، نسجّل اجتهاد سلاطين المرحلة في القيام بأداء فريضة الحج، بالموازاة مع ذلك عملوا على تطوير صلاتهم بطرابلس، والمغرب، ووداي، ودارفور، كما كانت لهم علاقاتٌ متميزةٌ مع الإمارات الهوسية، أو تلك الواقعة جنوب برنو، مثل كاوروروفه (kwororofa)، التي لا نعرف عن تاريخها سوى النّزر القليل.

وما نستخلصه من هذه الوقائع المتشابكة؛ أنّ بداية حكم أسرة سيفاوة كان بمنطقة كانم، حيث اتخذوا «انجيمي» عاصمةً لهم، بَيْدَ أنّ الأسرة سرعانَ ما وجدت منافسةً قويةً من جانب بولاله المسلمين أيضاً، فاضطرت للهجرة من شرق البحيرة (= كانم) إلى غربها (= برنو) في نهاية القرن 14م، وأقامت دولتها هنالك.

وخلال النصف الثاني من القرن 15م ومطلع القرن التالي؛ تمكَّنت أسرة سيفاوة من ترسيخ دعائم دولتها ببرنو، خاصّةً أيام السلطان علي بن دونمه (1465-1497م)، وخلَفِه إدريس بن علي (1497-1519م). وصادفت هذه الفترة امتلاء بحيرة التشاد، وتوسُّع ضفافها، بسبب عودة النشاط الهيدروليكي لأحد أهمّ روافدها المغذية: نهر كومادوگو يوبي(Komadugu Yobe) . وقد استدعى الوضع الجديد، منذ نهاية القرن 15م، تأسيس عاصمةٍ سياسيةٍ جديدةٍ (بيرني غسركمو)؛ مما أهّل سلطنة برنو لأن تلج عهداً جديداً خلال القرنَيْن 16-17م، اتسمَ بالقوة والازدهار، ولعلّ أبرز مؤشّر يترجم ذلك: تلك المحاولات الجادة من جانب سيفاوة لاسترجاع كانم وإزاحة الأسرة المنافسة (بولاله) من الساحة السياسية بمنطقة حوض بحيرة التشاد.

وإذا علمنا أنّ الباحث سيعود لاستغلال العناصر الإخبارية نفسها، على امتداد صفحات الدراسة، فلابدّ أن يقفز للذهن السؤال عن جدوى مثل هذه المبادرة؟ ونعتقد أنّ المؤلف حاول من خلال هذا الاستعراض الموجز (لأهم التطورات التاريخية التي عرفتها سلطنة برنو) أن يزيح تلك الضبابية التي عادةً ما نصادفها في الدراسات المتعلقة بالسودان الأوسط، حيث لا يتمّ فكّ الارتباط فيما بين كانم وبرنو، إذ غالباً ما يأتي الكلام عنهما جمعاً (كانم– برنو)، أو ككيانٍ سياسيٍّ واحدٍ وليس اثنَيْن (سيفاوة # بولاله).

مباشرةً بعد استعراض تطورات الوضع الداخلي المحلّي وتشابكاته الجهوية؛ تمّ استحضار تعقيدات الوضع الدولي وتأثيراته على إفريقيا خلال القرنَيْن 16 و17م؛ ولعلّ أهمّ ما يشدّ المتتبع بهذا الصدد تلك التحولات المهمّة التي عرفتها الخريطة السياسية للبحر الأبيض المتوسط وقتئذٍ، فقد اندفع العثمانيّون برغبةٍ جامحةٍ للسيطرة على جلّ أجزاء الضفة الجنوبية للبحر المتوسط، حيث سيطروا على مصر المملوكية (مقرّ آخر الخلفاء العباسيّين) عام 1517م؛ ثم تابعوا سيرهم، وتمكّنوا بعد صراعٍ مريرٍ مع الإسبان، استغرق عدة عقود، من بسط هيمنتهم على الجزائر 1533م، وطرابلس 1551م، وتونس في المرة الأولى عام 1569م، ثم بصفةٍ نهائيةٍ عام 1574م.

وفي المنحى نفسه؛ تستوقفنا محاولاتهم تجاه المغرب على عهد السعديّين، غير أنّ معركة «وادي المخازن» عام 1579م، التي انتصر فيها المغرب على البرتغال، أوقفت طموحات الجيران، سواء تعلّق الأمر بالإمبراطورية العثمانية شرقاً أو الإمبراطورية الإسبانية شمالاً، وبذلك بات المغرب يفصل ما بين أكبر قوتَيْن عالميتَيْن خلال العصر الحديث.

وأمام سياسة التوسّع لدى الجيران؛ وجد المغرب نفسه مندفعاً لحماية عمقه الإفريقي، فكانت حملته المشهورة على مملكة سنغاي 1591م، ونتيجةً لذلك تزحزحت المحاورُ التجارية الصحراوية وانشدّت نحو الشرق، مما سمح ببروز إمارات الحوسا (الهوسا): (كانو وكاتشنة أو كاتسينة).

وفي السياق ذاته؛ فإنّ وصول الأوروبيّين إلى سواحل خليج غينيا أنعش التجارة الأطلنتية، وساهم في ترسيخ دينامية التحولات على مستوى الصحراء الكبرى، كما أنّ تطور تجارة حوض تشاد مع البحر الأحمر؛ ساهم بدَوره في بروز قوى إسلامية في المناطق الفاصلة بينهما، مثل: سنار ودارفور.

ومن الآثار الناجمة عن طرد المسلمين من إسبانيا نهاية القرن 15م، واجتهاد العثمانيّين في بسط هيمنتهم على شواطئ البحر الأبيض المتوسط شرقاً وجنوباً، أن تأجّج الصراع بين المسلمين والمسيحيّين؛ مما فرَضَ نوعاً من التجديد الإسلامي، نجد له ترجمةً واضحةً في تزايد وتنامي الدَّور الاجتماعي والسياسي للطرق الصوفية، مثل القادرية والشاذلية. وتدريجيّاً؛ اخترق الإسلام الصوفي الصحراء، وأخذت تأثيراته تمسّ مجتمعات منطقة الساحل، بل امتدّ تأثيره ليشملَ الأسر الحاكمة أو بالأحرى السلطات السياسية هنالك.

قضية المصادر والمنهج المعتمد:

تُعدّ قضية المصادر (في حقل الدراسات الإفريقية)، وما ينجرّ عنها من تبعاتٍ على المستوى المنهجي، أبرز إشكاليةٍ تُثقل كاهل المختصّين والمهتمّين، حتى ليمكننا القول إنّ تاريخ إفريقيا هو قضية مصادر أولاً وأخيراً. وعلى هدي الباحثين المتمرسين؛ بادَرَ «ريمي دويير»- شأن جلّ المختصّين- إلى مقاربة جوانب مختلفة من المسألة، إن في التقديم أو التمهيد؛ وأكثر من ذلك؛ فإنّ المقتضيات الموضوعية فرضت عودته للموضوع على امتداد كلّ صفحات القسم الأول من الدراسة.

يذكر المؤلف أنّ قلّةً من الباحثين حاولوا مقاربة تاريخ سلطنة برنو، خلال العصر الحديث، مع التركيز على السياق الجغرافي والاقتصادي والاجتماعي

لقد شدّدت الدراسة منذ التقديم على التعريف ببعض المحطات التاريخية لسلطنة برنو خلال العصر الحديث؛ برسم فكّ الارتباط ما بين كانم وبرنو (سيفاوة # بولاله). وبالموازاة مع ذلك؛ حاول المؤلف تأكيد أنّ محور دراسته سينصبّ على عهد السلطان إدريس بن علي (1564-1596م)؛ من خلال مؤلفات كاتبه الإمام أحمد بن فرتو، الذي عاش خلال النصف الثاني من القرن 16م، وترك لنا مؤلفَيْن: الأول يحمل عنوان (كتاب غزوات برنو) ألّفَه عام 1576م، والثاني جاء بعد سنتَيْن من ذلك، يحمل عنوان: (كتاب غزوات كانم).

وتتأتى أهمية كتابات ابن فرتو؛ كون الرجل كان من أبرز رجالات البلاط البرنوي على عهد السلطان إدريس بن علي، حيث رافقه في الكثير من حملاته العسكرية، كما شارك قادة الجيش في اجتماعاتهم التمهيدية للعمليات العسكرية بغرض الغزو أو الحرب. زد على ذلك: أنه كان كاتب السلطان والناطق باسمه؛ وبصفته الإمام الأكبر بالبلاط؛ فقد كان الملك بصحبة حاشيته يقدّمونه في صلواتهم سائر الأيام، خاصّةً في المناسبات الدينية (العيدَيْن، أثناء شهر رمضان، وليلة القدر.. إلخ). تبعاً لما تقدّم؛ فإنّ ما تركه لنا ابن فرتو يمثّل شهادةً أصيلةً لشاهد عيان، يتحدث من قلب البلاط البرنوي، فضلاً عن أنه كان مقرّباً من السلطان صاحب القرار.

ولإرفاد هذه المادة المصدرية الفريدة والخصبة؛ وقع لفت انتباه القارئ إلى مصدرَيْن آخرَيْن لا يقلّان أهميةً عن المنوّه بهما أعلاه، يتعلّق الأول بنصٍّ تاريخيٍّ نادر، خلَّفه جرّاحٌ فرنسيٌّ عن برنو، يُدعى: «بيير جيرار» Pierre Girard، ومناسبة ذلك أنه أُسر بولاية طرابلس الغرب في أثناء حكم الخلافة العثمانية، ثم عمل بجانب الباشا «عثمان الساقزلي» حاكم الولاية فيما بين عامَي (1668-1675م). وباعتبار مدة إقامة الأسير «بيير جيرار» فضلاً عن موقعه في جهاز الدولة، فقد أتيحت له الفرصة- غير ما مرّة- ليكون شاهداً على مدى حيوية العلاقات فيما بين برنو وولاية طرابلس على مختلف الأصعدة، الشيء الذي حفّزه على كتابة مؤلَّفٍ تاريخيٍّ عن برنو اعتماداً على روايات فرنسيٍّ آخر أسير عاش في بنغازي عام 1672م، والتأليف ما يزال مخطوطاً، ويوجد حاليّاً ضمن محفوظات خزانة المكتبة الوطنية بباريس (BnF).

أما النص الثاني؛ فإنه يعود لنهاية القرن 18م، ويحمل عنوان (كتاب الإدارة)، وهو الآخر ما يزال مخطوطاً، متوفّر ضمن محفوظات مكتبة جامعة محمد بلو في زاريا، كتبه أحد حفدة السلطان علي بن دونمه (1747-1792م)، والتأليف يستعرض تاريخ برنو، مع الإشادة بالدَّور الحيوي لأسرة سيفاوة في بناء الدولة[3].

ولما كان عنوان الدراسة يوجّه عنايتنا نحو مكّة المكرمة، ناهيك عن مقتضيات أفق انتظار القارئ غير العربي-الإسلامي، فقد كان طبيعيّاً أن يتصدر التقديم اهتماماً غير هيّنٍ بقضية الحَجّ، مما حتمّ العمل على إبراز ما يلاقيه الحاجّ في المجتمع البرنوي من احترامٍ وتقدير، يجد ترجمته المادية في إعفائه من الضرائب ببلده، بموجب مراسيم التوقير الصادرة عن السلطان، تُعرف بالمحارم (جمع محرم).

وعلى المستوى المنهجي؛ يذكر المؤلف أنّ قلّةً من الباحثين حاولوا مقاربة تاريخ سلطنة برنو، خلال العصر الحديث، مع التركيز على السياق الجغرافي والاقتصادي والاجتماعي المتسع الذي كانت تتحرك فيه السلطة. ولخدمة هذا الغرض؛ ارتأى «ريمي دويير» توسيع الحدود الجغرافية والزمنية للسلطنة، ثم اجتهد في فتح حوار مع مختلف المختصّين في حقولٍ معرفيةٍ متعددة: المناخ والاقتصاد والفلاحة والجغرافية البشرية وعلم التضاريس. وقد أوفى المؤلف بعهده، وإن كنّا نؤاخذه بعض الشيء على اهتمامه الكبير بالمجالات الشمالية والشرقية للسلطنة على حساب المجالات الغربية[4].

وهناك أمرٌ بالغٌ الحساسية، يشدّ انتباه القارئ على امتداد صفحات الدراسة، إذ سعى صاحبُنا بشتّى الوسائل المتاحة إلى مقاربة مكانة سلطنة برنو في العالم وقتئذٍ، وحاول التركيز على تفاعل التحركات أو الدينامية البشرية للهجرات بالمنطقة (ومنها: رحلات الحج)، مع صيرورة تشكيل الدولة في حوض بحيرة التشاد. والمتمرّس بحقل الدراسات الإفريقية؛ يدرك مدى الصعوبات التي يمكن أن يلاقيها أيُّ باحثٍ حين مواجهته لمثل هذه الإشكالية، خاصّةً إذا علمنا أنّ المواد المصدرية المحلية المدوّنة أو الشفاهية غالباً ما تغيّب البعد الزمكاني في تأطير الأحداث والوقائع التاريخية[5].

ولمواجهة هذا التحدي الصعب؛ اصطنع المؤلف مجموعةً من الخرائط المناخية والسياسية والديموغرافية والهيدروليكية (شبكة الكيانات المائية).. إلخ، بلغ عددها 45 خريطة، نصادف اثنتَيْن منها في التقديم. وبقدر ما نثمّن المجهودات الجبارة للمؤلف في صناعة تلك الخرائط، وهو عمل لم يسبقه إليه أيُّ باحثٍ مختص؛ فإنّ السؤال حول نجاعة نهجه يظلّ قائماً غير مرفوع.

أحمد بن فرتو مؤرخ البلاط البرنوي:

شكّلت كتابات ابن فرتو المادة الأساسية للمؤلف في تناول التطورات التاريخية التي عرفتها السلطنة خلال القرنين 16 و17م، وبالنظر لما تطرحه قضية المصادر من إشكالياتٍ جوهريةٍ في كتابة تاريخ إفريقيا الوسيط والحديث، وبخاصّةٍ المجالات الصحراوية وما يوجد جنوبها، فلن نستغرب حينما نصادف القسم الأول بفصلَيْه (ص 43-94) يتحدث عن سيرة ابن فرتو وإنتاجاته المعتمدة في الدراسة.

وما لم تظهر وثائق جديدة؛ يمكننا القول إنّ الباحث «ريمي دويير» اجتهد في جمع جلّ المعلومات المتوفرة والمشتتة في المصادر، وحاول باقتدارٍ ملاحظٍ تتبع سيرة ابن فرتو ومكانته في البلاط.

عاش مؤرّخنا خلال النصف الثاني من القرن 16م، ويظهر من عددٍ من التلميحات أنه ينتمي لعائلةٍ علميةٍ عريقة، وتمكّن بفضل مؤهلاته الشخصية والعلمية من أن يصبح من أبرز رجالات السلطان الحاج إدريس بن علي الملقب بأَلَوْمَا (1564-1596م)، حيث كان يؤمّه وحاشيته في الصلوات، مما يفسّر حيازته لقب «الإمام الأكبر» بالمملكة (السلطنة). ونستفيد من كتاباته أنه كان كثير الحضور بجانب السلطان، سواء تعلّق الأمر بالمهام الدينية أو الدنيوية (مثل المشاركة في اجتماعات السلطان مع قادة الجيش أو غيرهم من رجالات الدولة)، لذلك لا نستبعد إقامته بالقصر الملكي أو قريباً منه.

واللافت للنظر- في هذه السيرة- أنّ الإمام الأكبر أحمد بن فرتو لم تسعفه الظروف لأداء فريضة الحج لأسبابٍ نجهلها. ومن الإفادات الجديدة الخاصّة بسيرته، مما انتبه إليه قلّة من الباحثين، ومنهم «ريمي دويير»، تلك الإشارة العارضة الواردة في مؤلفه: (كتاب غزوات كانم)، حيث ورد اسم محمد بن أحمد (يُعرف أيضاً بمحمد بن عائشة- نسبةً لأمّه) بوصفه أحد رجالات السلطان إدريس بن علي، وكان يحمل لقب «الإمام الأصغر»، فعدّه- ريمي- من أبناء ابن فرتو، وكأنه يستعد لخلافة والده في منصبه كإمامٍ أكبر للبلاط.

خلّفَ الإمام الأكبر أحمد بن فرتو مؤلفَيْن، الأول منهما يحمل عنوان (كتاب غزوات كانم) (= شأن كانم= KK)، استعرض فيه الحملات العسكرية التي قادها السلطان إدريس بن علي ضدّ كانم انطلاقاً من برنو. وأما الثاني فإنه يحمل عنوان (كتاب غزوات برنو) (شأن برن= KB) ألَّفه عام 1576م، وقد تعرّض فيه أيضاً للحملات العسكرية السابقة، ثم تلك التي شملت كانو (= Kano) وفزان والأراضي الواقعة شمال نهر گونغول (Gongola). وإجمالاً يمكن القول: إنّ (شأن برنو) يستعرض مجموع الحملات العسكرية التي ساهمت في ترسيخ حكم سلاطين برنو، فيما ركّز (شأن كانم) على قصة انتصار برنو على كانم.

ومعطى القول؛ أنّ مؤرخنا يُعدّ بمثابة شاهد عيان، لموقعه من السلطة والسلطان، ثم إنه كان مشاركاً أو مساهماً في صياغة عددٍ من القرارات السلطانية الحاسمة، لذلك فقد قلّت لديه المصادر، واعتمد في غالب الأحيان على بصيرته. ونتأكد من خلال رواياته التاريخية أنه كان حافظاً للقرآن، وملمّاً بالكثير من الأحاديث النبوية، ومطلعاً على كتب المغازي الإسلامية؛ زد على ذلك أنه كان حافظاً لأشهر القصائد الشعرية العربية وقتئذ.

وطبيعة موقع ابن فرتو تفترض تواطؤاً مع توجهات السلطان، بل إنه كان معجباً بأعماله وإنجازاته، مما حمله على كتابة مؤلفَيْن بغرض تخليد ذكراه والإشادة بخصاله الحميدة، وورعه وتقواه، وعدله، وحكمته في تدبير أمور دولته ديناً ودُنيا.

بيد أنّ تحقيق هذا الغرض لم يكن بالأمر اليسير أو الهيّن، فاحتاج الإمام أحمد بن فرتو لنموذجٍ للاقتداء به في الكتابة على النهج المطلوب؛ وفي سبيل ذلك استند على «ما رآه من تأليف الشيخ الفقيه مَسْـفَرْمَه[6] عمر بن عثمان، في عصر سلطانه إدريس بن علي بن أحمد [1497-1519م]»؛ ثم أضاف ابن فرتو قائـلاً: «وقَصَدْنَا أن نفعل مثل ذلك في عصر سلطاننا [ألوما]، وهو الملك الفقيه العادل التقي الزاهد الورع الوفيّ الشجاع الحـاج إدريس بن علي بن إدريس بن علي [...]، فلذلك قَصَدْنَا أن نذكر سير سلطاننا وما فعله هو في تاريخ إمارته [إلى غاية عام 1576م] من الغزو والجهاد والرباط وإصلاح الطرائق على تجار المسافرين».

أخيراً؛ وجبت الإشارة لمسألةٍ تُحسب للمؤلف «ريمي دويير»، حيث خصّص ما يناهز 20 صفحةً (43-58) تتبع فيها قصة مخطوطات ابن فرتو منذ أن عثر عليها الرحالة والمستكشف الألماني هنري بارثHeinrich Barth حوالي العام 1853م، وكيف انتقلت تلك المخطوطات- أو بالأحرى نسخ منها- لبعض المكتبات الأوروبية، ومَن هو أول مَن اعتمد عليها وأشاعها بين المختصين والمهتمين، ثم كيف تمّت ترجمتها للغات الأوروبية.. إلى غير ذلك من المعطيات المفيدة في التأصيل التاريخي للمؤلَّفَيْن المذكورَيْن: (شأن برن/ شأن كانم).

ومثل هذا العمل- في الأعراف الأكاديمية الغربية- يندرج ضمن مهامّ الكوديكولوجيا (علم دراسة المخطوطات)، بيد أنّ الباحث «ريمي» أبى إلا أن ينخرط في العملية بحسٍّ تاريخيٍّ مستنير، ومثقل بهموم حقل الدراسات الإفريقية ومشكلاته في وقتنا الراهن، ومن ذلك: اجتهاده البالغ في تفكيك المعجم العربي المتداول في كتابات ابن فرتو، حيث توقف كثيراً عند الألقاب والاصطلاحات المحلية.

ولعلّ أهمّ ما نستخلصه مما تقدّم: أننا لا نتوفر على الأصول أو المسودات التي كتبها ابن فرتو؛ وإنما فقط على نسخٍ منها لا غير؛ ونضيف هنا- استكمالاً لمجهود الباحث- أن تقييمه ينسحب على جلّ المخطوطات العربية المتعلقة بتاريخ منطقة الساحل والصحراء خلال العصر الوسيط والحديث، أي تلك التي كتبتها النخبة المتنورة بالمنطقة قبل نهاية القرن 17م.

مجال سلطنة برنو:

حاول القسم الثاني من الدراسة تفصيل القول في المعطيات الطبيعية والإيكولوجية لمجال حوض بحيرة تشاد، التي تُعدّ من أكبر البحيرات في العالم؛ ومن أهمّ الروافد المغذية والممولة لهذا الكيان المائي، نجد الأنهار التالية: شاري (Chari)، ولوگون (Logone)، وكومادوگو يوبي (Komadugu Yobe)، والأوّلَيْن يمدان البحيرة بأكبر نسبةٍ من المياه، تزيد عن 80% في الفترات العادية.

عرفت بحيرة التشاد عبر مسار تاريخيها الطويل عدة تطورات، وشكّلت في عدة محطات تاريخية- مناسبة من الناحية المناخية- مركزاً حضاريّاً غايةً في الأهمية، حيث تقاطرت على ضفافها شعوبٌ وقبائلُ مختلفة. ولعلّ من المؤشرات الدالة على هذا الاستقطاب الحيوي؛ أنّ بحر الغزال- الذي يوجد شرق البحيرة- لا يعرف نشاطاً هيدروليكيّاً إلا إذا امتلأت حقينة البحيرة بشكلٍ معتبر.

وعلى العكس من ذلك؛ فإنّ توالي الظروف المناخية الجافّة، يؤدي إلى تقلص حجم البحيرة عبر الأزمان، مما يجعلها معرضةً للانقراض والاختفاء مستقبلاً.

ولمساعدة القارئ على تتبع تاريخ هذه التحولات والتطورات، نجد في صفحة رقم 109 رسماً بيانيّاً يوضح تطور مستوى حقينة البحيرة فيما بين نهاية القرن 14م ومطلع القرن 18م.

ويعتقد المؤلف أنّ هناك تلازماً- إلى حدٍّ ما- فيما بين مستوى امتلاء البحيرة والتطورات السياسية والاقتصادية والبشرية التي كانت تعرفها المنطقة. ويستشهد على ذلك بأمثلةٍ مستقطعةٍ من الفترة المعنية بالدراسة، حيث اختار مرحلتَيْن: الأولى (1530-1560م) عرفت البحيرة خلالها ضعفاً في مستوى المياه، فيما شهدت الثانية (1420-1450م) جفافاً حادّاً؛ وكلا الفترتين تزامنتَا مع حالةٍ من الاضطرابات والفوضى السياسية بالمنطقة. ومن ثَمّ يمكننا القول: إنّ أساس سلطة حكام برنو (سيفاوة) مرتبطٌ بمستوى امتلاء البحيرة: هل هو متوسط أو كبير. على أنّ هذا الاعتبار لا يمكن أن يغيّب دَور المعطيات السياسية أو الدينية، إذ يمكن أن يكون مستوى الامتلاء بالبحيرة جيداً، ومع ذلك نسجّل بعض الاضطرابات السياسية أو الهجرات والتحركات البشرية.

بعد الحديث المفصل عن بحيرة التشاد (مركز منطقة الساحل)، في الفصل الثالث من القسم الثاني، انتقل بنا الفصل الرابع من القسم ذاته إلى الحديث عن الفضاء الصحراوي المحاذي لمنطقة الساحل من جهة الشمال، ويمتد هذا المجال (الفيافي؛ بتعبير ابن فرتو) أفقيّاً على مسافةٍ تناهز 4000 كم، تفصل ما بين المحيط الأطلنتي والبحر الأحمر، فيما تتراوح مسافتها عموديّاً ما بين 1500 و1800 كم.

وتخترق الصحراءَ شبكةٌ من المسالك، تنتهي عند موانئ الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط. وباعتبار أهمية التجارة الصحراوية، بالنسبة للوحدات السياسية القائمة على ضفتيها، ومنها سلطنة برنو، فقد كانت الحاجة لتأمينها تتطلب علاقات متميزة مع قبائل الصحراء، مثل: التوارق (الطوراق) والتُّبُ، وفي هذا السياق؛ نتفهّم نزوع سلاطين برنو للسيطرة على واحات الصحراء بفزان؛ برسم تأمين المسالك التجارية المتصلة بها. والأمر ذاته كان يحرّك هواجس العثمانيّين بطرابلس، حيث تطلعوا للهيمنة على إقليم فزان، بل راودتهم أفكارٌ جدّيةٌ لبسط نفوذهم على سلطنة برنو منذ العقد التاسع من القرن 16م.

والغالب على الظن؛ أنّ التهديد العثماني شكّل أحد العوامل الأساسية التي دفعت برنو لتوثيق علاقتها مع المغرب على عهد السعديّين (أيام حكم السلطان أحمد المنصور الذهبي: 1578-1603م)؛ أملاً في الحصول على الدعم المعنوي والمادي (السلاح الناري).

ولمّا بات المحور التجاري الرابط ما بين سلطنة برنو ولاية طرابلس (طرابلس ? فزان ? كوار ? برنو) أكثرَ الطرق التجارية المستعملة خلال العصر الحديث؛ أضحت طرابلس محطةً تجاريةً مهمّةً فيما بين البحر المتوسط والصحراء، وأيضاً فيما بين المغرب والمشرق. وفي هذا ما يفسّر تنازع القوى الإقليمية حول «فزان»: (الحفصيّين في تونس، والعثمانيّين في طرابلس، وسلطنة برنو)، فضلاً عن صراعات هؤلاء جميعهم مع التوارق الرُّحَّل المنتشرين بالمنطقة ونواحيها. وفي ظلّ هذا السياق الملتهب؛ نجحت أسرة أولاد محمد الفاسي (وهي أسرة مغربية) في استغلال الوضع، وتمكّنت من بسط نفوذها وهيمنتنها على إقليم فزان فيما بن القرن 16 ومطلع القرن 19م.

وإذا استثنينا الدراسات المونوغرافية؛ فإنّ جلّ الدراسات التاريخية المتعلقة بشريط منطقة الساحل، أو تلك المتعلقة بالمجال الصحراوي، عادةً ما نجدها تهتم بالمسالك التجارية العمودية، أي تلك التي تصل الشمال بالجنوب، في حين تتجاهل وتتغافل الطرق والمسالك التجارية الأفقية ولا تعيرها العناية اللازمة. وههنا؛ برهنت الدراسة مدعومةً بمجموعةٍ من الخرائط التفصيلية عن إفادات قيّمة (ص 155، 169، 172).

من بحيرة التشاد إلى مكّة:

جاء هذا العنوان ليحكم عقدة موضوع القسم الثالث، وشأن باقي الأقسام، فقد حوَى هو الآخر فصلَيْن (الخامس والسادس)؛ ولما كانت الرحلة الحَجّية تندرج في تصوّر المؤلف ضمن التحركات أو الهجرات البشرية، المتعددة في نوعها والمختلفة في نوازعها ومقاصدها، فقد كان طبيعيّاً أن يهتمّ الفصل الأول منهما (الخامس) بالحديث عن تاريخ وطبيعة الهجرات والتحركات البشرية في منطقة حوض التشاد.

يشهد التاريخ الديموغرافي للمنطقة على أنها كانت تعرف غلياناً أو بالأحرى دينامية بشرية تكاد لا تهدأ، سواء خلال العصر الوسيط أو الحديث؛ ويظهر أنّ الموضوع شاسعٌ للغاية، ويستلزم مساحةً مناسبة، تزيد بكثير عمّا خصّصه المؤلف له، على أنّ هذه الملاحظة لا تقلّل من شأن المجهودات المنهجية والموضوعية التي بذلها صاحب الدراسة؛ بهدف ضبط نوعية الهجرات والتحركات البشرية للقبائل وفئة التجار أو العلماء والفقهاء أو العبيد.

وفي هذا المسعى؛ توقفت الدراسة بتفصيلٍ عند هجرة أسرة سيفاوة من كانم إلى برنو، كما لقيت هجرة الفُلان من حوض نهر السنغال في اتجاه حوض بحيرة التشاد عنايةً غير هيّنة. وبحسب المعطيات التاريخية؛ فإنّ تحركات القبائل من منطقةٍ لأخرى قد تمليه اعتباراتٌ مناخيةٌ مثل الجفاف، أو سياسيةٌ مثل الانهزام في معركة، أو تطلعُ حاكمٍ للهيمنة على منطقةٍ ما، وفي الحالة الأخيرة غالباً ما تكون إرادية غير قسرية.

ويُدرج المؤلف رحلة العبيد نحو أسواق النخاسة ضمن الهجرة القسرية؛ في المقابل، فإنّ تحرك التجار والفقهاء إرادي، تحفّزه إجراءاتٌ تنظيميةٌ من جانب السلطة الحاكمة ببرنو، مثل ضمان أمن الطرق وخفض قيمة الضرائب، أو حرص السلطان على تمتيع الفقهاء الوافدين من البلاد الإسلامية (شأن حجاج أهل برنو) بمراسيم التوقير (المحارم)، التي تضمن مجموعةً من الامتيازات، منها الإعفاءات ضريبية. ومما يدل على حيوية وتفاعل العلاقات المتعددة الأبعاد فيما بين منطقة الساحل وشواطئ البحر الأبيض المتوسط: استقطاب سلطنة برنو لمجموعةٍ من المرتزقة الأتراك، وأيضاً عناصر من الرقيق الأوروبي.

لقد جرَت العادة أن تستفيد الرحلات الحَجّية والسفارات الرسمية بين البلاطات ممّا توفره وتتيحه القوافل التجارية، والأمر ذاته ينسحب على تحركات وهجرات القبائل، سواء بشكلٍ طوعي وإرادي أو قهري وقسري. وعلى الرغم من قلّة العناصر الإخبارية؛ يظهر أنّ التحركات البشرية فيما بين منطقة حوض بحرية التشاد ومنطقة حوض النيل (سودان النيل)، ستعرف تطوراً ملاحظاً خلال القرنَيْن 16 17م؛ ومن أبرز المؤشرات الدالة على ذلك: أنّ المسالك بينهما شدّت الحُجّاج من برنو وسنغاي وجلف، بل حتى من بلاد المغرب، ونتيجةً لذلك؛ لم تعد القاهرة محطةً أساسيةً في طريق المقبلين على الحجّ، بل أضحت موانئ عيذاب وحلايب وسواكن، المقابلة لمكّة المكرمة على الضفة الأخرى من البحر الأحمر، من الخيارات المهمّة لهم.

وتجعلنا الإفادة الأخيرة أكثر استعداداً لولوج الفصل السادس من القسم الثالث، حيث خصّصه المؤلف «ريمي دويير» للحديث عن الحَجّ كمؤشر على مدى انخراط واندماج برنو في دار الإسلام. وبعد تأكيد أنّ الحج يمثّل الركن الخامس في الإسلام، وأنّ قلّة من الناس تسمح ظروفهم بأداء هذه الفريضة، انتقل بنا للحديث عن ظاهرة متميزة لدى سلاطين برنو، تتمثل في إقبالهم وحرصهم الشديد على أداء فريضة الحجّ في أثناء ولايتهم، وتلك ميزة قلّما سجّلتها المصادر مقارنةً بخلفاء وسلاطين الدول الإسلامية، اللهمّ إلا إذا كانت الحجاز تابعةً لهم (كالأمويّين، والعباسيّين، والمماليك أو العثمانيّين).

بلغ عدد سلاطين برنو (سيفاوة) ممن أدّوا فريضة الحجّ نحو عشرين حاجّاً، ومنهم من حَجّ مرتَيْن أو حتى خمس مرات، مثل السلطان علي بن عمر (1639-1677م) الذي قُتل في أثناء عودته من رحلته الحَجّية الأخيرة.

وكان أول مَن قعّد لهذا التقليد، عند ملتقى القرنَيْن 11 و12م، السلطان دونمه بن حمي (1086-1140م)، ثم استمرت هذه الرغبة مع مَن جاء بعده إلى حدود القرن 18م، مثل السلطان حمدون بن دونمه: (1715-1729م)؛ ويجد القارئ في صفحة 226 لائحةً بأسماء السلاطين الذين أدّوا فريضة الحَجّ؛ مع تعيين فترات حكمهم.

تتطلب الرحلة الحَجّية لأهل برنو تتطلب في الذهاب ما بين 5 إلى 6 أشهر على أقلّ تقدير، وعادةً ما كانت القافلة تصل للقاهرة مطلع شهر شوال (وربما قبل ذلك)؛ حتى تتمكن من الخروج مع المحمل المصري في يوم 25 من الشهر نفسه، لتصل إلى مكّة بعد 40 يوماً. وطريق حَجّ أهل برنو- كما ذكرنا سابقاً- يوافق المسالك التجارية المعهودة، زد على ذلك أنّ القاهرة كانت تمثّل محطةً أساسيةً في وجهتهم (كوار– فزان- أوجلة – القاهرة – المدينة المنورة – مكّة)؛ وغير خافٍ أنّ اللقاء في القاهرة شكّل على الدوام مناسبةً سانحةً للحُجّاج، من مختلف بقاع إفريقيا، للتداول في الأمور التجارية والسياسية والثقافية.

مع نهاية القرن 15م؛ شهدت العلاقات فيما بين حوض بحيرة التشاد ومنطقة سودان النيل تطوراتٍ لافتة، خاصّةً خلال القرنَيْن المواليَيْن، مما سمح لعددٍ غير قليلٍ من سلاطين برنو باستغلال هذه الطريق الجديدة في رحلتهم الحَجّية. وقد أومأنا- قبل قليل- إلى أنّ هذه الطريق عادةً ما تنتهي بهم الى موانئ (عيذاب، وحلايب، وسواكن) المقابلة لمكّة على الضفّة الأخرى من البحر الأحمر؛ وكانت المحطات الأساسية لهذا المحور تنطلق من «باغيرمي» الواقعة جنوب شرق حوض التشاد، ومنها ينتقلون إلى: وداي فَدارفور ثمّ سنار أو دنقلة، وأخيراً البحر الأحمر.

وينتهي الفصل السادس بسؤالٍ مهمّ، طرحه صاحب الدراسة دون محاولة الإجابة عنه: هل كان هناك ركب حَجّي برنوي منتظمٌ مثل الركب الحَجّي المغربي؟

دولة برنو بوصفها قوة إسلامية:

حاول القسم الرابع والأخير (الفصل: 7 و8) استعراض مظاهر نفوذ وسلطة دولة برنو الإسلامية، ومن ذلك تجربة الحَجّ بحسب رأي المؤلف.

وههنا؛ وجب لفت الانتباه إلى أنّ جلّ الدراسات التاريخية الحديثة، خاصّةً منها المتأثرة بالمنهج الأنثروبولوجي، تجنح إلى اعتبار رغبة الحكام المسلمين في أداء فريضة الحَجّ، ومنهم سلاطين برنو، إنما هي محاولةٌ منهم لكسب الشرعية والمشروعية بغرض ترسيخ نفوذهم وسلطتهم، من ثَمّ؛ نفهم تطلعهم الدائم للهيمنة على ركاب الحجيج بدولهم بوسائل مختلفة، مثل تعيين شيخ الركب، أو تقدّم الحاكم لتوديع الركب، ثم حرصه على استقبال الحجاج عند عودتهم، إلى غير ذلك من مظاهر الرعاية والاحتضان. على أنّ أهمّ ما كان يشغل السلطان بهذا الشأن؛ يتمثّل في توفير الأمن للحُجّاج من خلال مراسلة السطلة القائمة في القاهرة؛ بوصفها أهمّ محطةٍ في ركاب الحجيج الإفريقية.

قد يتفق القارئ مع هذا الطرح الذي يجعل الحَجّ غايةً لطلب المشروعية السياسية، بَيْدَ أنّ الأخذ بهذا التفسير يفرض أسئلةً مزعجةً يضيق بها المقام هنا؛ نكتفي منها بالاستفهام الآتي: نحن نعلم أنّ طريق الحَجّ مَهْلَكَة، سواء تعلّق الأمر برعايا دولة برنو أو غيرها من الوحدات السياسية بمنطقة الساحل (الإمارات الهوسية، سنغاي، جُلُفْ)؛ فكيف إذاً لسلطانٍ يتخلى عن العرش لمدةٍ تناهز سنةً ونصف، ولا يضمن رجوعاً سالماً مهمَا حمل معه من أموال (الذهب)، أن يطلب الشرعية السياسية من خلال الحَجّ؟!

اعتمد المؤلف الخرائط التاريخية بشكلٍ مكثّفٍ ومفيدٍ للغاية، ولا يسعنا بهذا الصدد إلا أن نقدّر المجهود أو بالأحرى الإبداع الرصين والمعتبر الذي قدّمه لنا في هذا الجانب

 لنترك هواجسنا المعرفية، ولنتابع المظاهر التي حاول من خلالها المؤلف إبراز دينامية الحاكم المسلم في برنو برسم بسط هيمنته ونفوذه.

أشرنا سابقاً إلى أنّ كتابات مؤرخنا ابن فرتو، في أصلها وجوهرها، اختصت برصد التحركات العسكرية للسلطان إدريس بن علي (1564-1596م) في جلّ جهات البلد، وقد استغلّ المؤلف العناصر الإخبارية المتاحة، واعتمدها كإحدى الوسائل الفاعلة في بسط نفوذ الحاكم. بالموازاة مع ذلك؛ اقترح علينا- بغرض المقارنة- نموذجاً من تاريخ المغرب الأقصى، حيث كان السلاطين يقومون بتحركاتٍ عسكريةٍ؛ تهدف إلى تمهيد البلاد أو تأديب بعض القبائل المناوئة للسلطة المركزية، وتُعرف هذه التحركات العسكرية في الوثائق المغربية بـ: «الحركات السلطانية».

 وأحد العناصر الدالة على سيادة الدولة المركزية «النظام الضريبي»، غير أنه للأسف الشديد لا نملك سوى معلوماتٍ قليلةٍ عن هذا الجانب. ويظهر أنّ الضرائب المفروضة على استخراج الملح وبيعه؛ كانت تمثّل أوّلَ دخلٍ ضريبيٍّ للدولة البرنوية خلال القرن 16م. وما يهمّنا في القضية أنّ العمل على رفض أدائها؛ يعني طرح أو خلع بيعة السلطان (الولاء)، مما يجعل القبيلة أو المنطقة المعنية مهدّدةً بحملةٍ عسكريةٍ من جانبه؛ وما إن تظهر طلائع الجيش السلطاني بهدف تأديبهم؛ حتى تجد الناس يفرّون بأنفسهم لمناطق مستعصية الولوج، مثل الصحاري أو المناطق التي تكثر فيها البرك والمستنقعات المحاذية لبحيرة تشاد.

ولفرْض هيبة الدولة؛ تصبح العناية بأمر حدود البلد من القضايا الأساسية التي تشغل بال سلطان برنو، ويقتضي ذلك تأمين المسالك أو المحاور التجارية فيما بين المراكز الحضرية، وأيضاً تأمين القرى المحيطة أو المرتبطة بها. وإذا كان السلطان في الغالب الأعمّ يستدعي القوة العسكرية لفرْض الأمن والتبعية؛ فإنه في بعض الأحيان يجنح للقنوات الدبلوماسية إذا كانت ستحقّق أهدافه دون المواجهة العسكرية؛ وتمدّنا الشهادات المصدرية بأمثلةٍ لذلك، سواء مع سلطان كانم أو أمراء التوارق.

ونستخلص من كتاب (شأن برنو)؛ ما يبرز الصعوبات الجمّة التي عاناها السلطان إدريس بن علي في سبيل توحيد برنو وفرْض هيبة الدولة، مما يوحي بأنّ سلفه السلطان عبد الله بن دونمه (1557-1564م)، لم يول الأمرَ العناية الكافية واللازمة.

بعد استيفاء حقّ العناصر المادية في أمر مظاهر نفوذ وسلطة دولة برنو الإسلامية؛ انتقلت الدراسة لمقاربة العناصر الرمزية، ومنها اعتماد الألقاب السلطانية.

وبعد الإغراق في توضيح الألقاب وتراتبيّتها في المفهوم الإسلامي (الخليفة، والأمير، والسلطان، والملك، وصاحب البلد)؛ تابع المؤلف تفسيره للغايات السياسية من استعمال هذه الألقاب في المحيط الجهوي، ثم أوضح الأسباب الكامنة وراء ادّعاء أسرة سيفاوة النسب الحِمْيَرِي (سيف بن ذي يزن)، ثم كيف جمعت الأسرة في مرحلةٍ لاحقةٍ ما بين النسب الحِمْيَرِي والقُريْشيّ لعلمها أنّ لقب الخليفة لدى أهل السنّة لا يكون إلا في قريش، ولمّا تمّ لهم مرادهم تطلعوا لتقلّد الخلافة في بلدهم، فما كان لهم سوى أن يطلبوها من الخلافة العباسية المقيمة في القاهرة أيام المماليك، كما الحال بالنسبة للسلطان علي بن دونمه (1465-1497م)، الذي طلب من الخليفة المتوكل بمصر تقليده الخلافة.

والمثير في هذه الصيرورة، المتعلقة بالألقاب في سلطنة برنو، أنها كانت مواكبةً لكلّ ما كانت تعرفه الأقطار الإسلامية، فظهر في كتابات القرن 18م لقب «السلطان الولي» الذي تُرجى كرامته، أو لقب «السلطان العالم» الذي اتخذه كلٌّ من السلطان الحاج حمدون (1715-1729م)، والسلطان علي بن دونمه (1747-1792م).

وفي الختام؛ استحضر المؤلف خلاصة عمله بقوله: إنه حاول في عمله أن يجسّم الوسط الطبيعي والسياسي لسلطنة برنو في علاقتها مع مختلف الجهات بما فيها الحجاز، اعتماداً على كتابات أحمد بن فرتو. وبغضّ النظر عن إمكانية الحصول على مصادر جديدة؛ فإنّ الدراسة أبانت عن أنّ التحليل المتبصّر للمواد المصدرية- المتوفرة أصلاً- يمكن أن يجدّد ويخصّب معارفنا التاريخية عن مجتمعات منطقة الساحل جنوب الصحراء خلال العصر الوسيط والحديث.

ولفكّ شفرة البناء المنهجي لعمارة موضوع الدراسة؛ يمكننا القول إنّ المؤلف استعمل ثلاث تقنيات أو وسائل منهجية أساسية في سبيل بناء تصوراته المقترحة على القارئ:

أولها: الاستعانة بالمعلومات التي توفرها المصادر المتأخرة عن فترة موضوعه، والتي وصلتنا خلال القرنَيْن 18 و19م؛ كما أنه لم يجد حرجاً في استغلال حصيلة المعلومات والتصورات التي وصلتنا عبر رجالات الإدارة الاستعمارية خلال النصف الأول من القرن العشرين.

ثانيها: تمثّل في اعتماد الخرائط التاريخية بشكلٍ مكثّفٍ ومفيدٍ للغاية، ولا يسعنا بهذا الصدد إلا أن نقدّر المجهود أو بالأحرى الإبداع الرصين والمعتبر الذي قدّمه لنا في هذا الجانب؛ وقد بلغ عددها على امتداد صفحات الدراسة نحو 45 خريطة، وما من شكٍّ أنها ساعدتنا على/ في مقاربة الكثير من الإشكاليات الغامضة في تاريخ المنطقة، سواء تعلّق الأمر بحدود الدولة السيفاوية بكانم أو ببرنو، ناهيك عن اهتمامها بتوطين مجال القبائل المساهمة في الدينامية التاريخية للمنطقة، أو الأعلام الجغرافية (المدن، والحصون.. إلخ). وأكثر من ذلك؛ اجتهد المؤلف في صناعة خرائط تاريخية مناخية وتضاريسية وطبوغرافية؛ بغرض تمييز المتغيرات المتعلقة بالمجال الصحراوي عن شريط منطقة الساحل، أو نطاق منطقة السفانا الذي يشكّل مقدمة الغابة الاستوائية. بناءً على ما تقدم؛ يحقّ لنا أن نقول مع المؤلف: «إنّ أهمية الخرائط لا تقلّ قيمةً عن النصوص المصدرية».

إنّ تقنية صناعة واعتماد الخرائط المختلفة للمجال المعني بالدراسة مع محيطه المتشابك معه جغرافيّاً وبشريّاً وتاريخيّاً ومناخيّاً، إضافةً لمجهودات «ريمي دويير» في ترجمة العديد من المعطيات التاريخية إلى رسومٍ بيانية، ثم سعيه لتوثيق شجرة سلاطين الأسرة السيفاوية الحاكمة في لائحةٍ خاصّة، كلّ هذا شكّل نقطةَ ضوءٍ مشعّة ولافتة في الدراسة، كما أنه مثّل إضافةً نوعيةً عزّ نظيرها في حقل الدراسات الإفريقية.

التقنية الثالثة: التي اعتمدتها الدراسة على المستوى المنهجي، وساعدت المؤلف في بناء عمارة أطروحته، تمثّلت في طرح العناوين المُوجّهة. إذ فضلاً عن العناوين التي يقترحها علينا في الأبواب أو الفصول، فإنه ألحّ علينا بشبكةٍ منتقاةٍ من العناوين الجانبية، نصادفها أمامنا على رأس كلّ صفحتَيْن أو ثلاث على أكثر تقدير؛ ومثل هذا النهج قصد من ورائه توجيه القارئ، الذي لا يتمتع بالنفس الطويل، أو بالأحرى القارئ غير المختص.

وغير خافٍ- في هذا الجانب- أنّ المؤلف بدَا متأثراً بالمنهج الأنثروبولوجي الذي فرض نفسه خلال العقدَيْن الأخيرَيْن في حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية؛ بَيْدَ أنه حاول استغلاله مع بعض التصرف المناسب لحقل التاريخ، إذ عِوَض الاستعانة بشبكةٍ من الأسئلة البسيطة أو المركبة- في بعض الأحيان- كما يفعل الأنثروبولوجي، نجده يقلب الأمرَ ويحوّلها إلى عناوين صغيرة، تتصدر فقراتٍ معلومَةٍ في بياض صفحتَيْن أو ثلاث على أكثر تقدير، وذلك كلما رام الحديث عن قضيةٍ ما.

[1] Rémi Dewière, DU LAC TCHAD A LA MECQUE : LE SULTANAT DU BORNO ET SON MONDE (XVIe- XVIIe SIECLE), Edition de la Sorbonne 2017.

[2] بسبب التنازع على السلطة؛ انقسمت سيفاوة إلى فرعين: «بنو داود» و «بنو إدريس»، وحينما تمكن الفرع الأخير من إزاحة منافسه؛ أصر المنتصر على الاحتفاظ بنسبه، لهذا نجد غير واحدٍ من سلاطين برنو يحملون الاسم نفسه: الحاج إدريس بن علي (1497-1519م)/ الحاج إدريس بن علي (1564-1596م)/ الحاج إدريس بن علي (1677-1696م).

[3] على الرغم من انفتاح صاحب الدراسة على الكثير من الحقول المعرفية؛ فإنه لم يُبد أي رغبة في مناقشة الإشكاليات التي تطرحها الرواية الشفوية في كتابة تاريخ إفريقيا.

[4] حرصت الدراسة على إبراز الوحدة الطبيعية والسياسية والاجتماعية لمنطقة الساحل التي توجد بها برنو وسنغاي وجُلُفْ، تبعاً لذلك؛ فقد كنّا نتوقع من صاحبها التفاتةً تجاه مملكة سنغاي، المهيمنة وقتئذٍ على الحوض الأوسط لنهر النيجر ومجالاته الجنوبية، والتي عاصرت مملكة برنو، وعرفت- مثلها- أوج ازدهارها خلال القرن 16م. ومثل هذا الاستحضار مفيدٌ للمقارنة على عدة أصعدة، نكتفي منها: بتشابه حالة ابن فرتو مع القاضي محمود كعت الجَدّ، الذي عاصر السلطان أسكيا محمد (1493-1528م)، وحَجّ معه عام 1495م، وكان- شأن ابن فرتو- الكاتب الخاصّ للسلطان، مما أهلّه لأن يكتب المسودات الأولى لكتاب (تاريخ الفتاش في أخبار البلدان والجيوش وأكابر الناس وذكر وقائع التكرور وعظائم الأمور وتفريق أنساب العبيد من الأحرار)، وغنيٌ عن البيان أنّ (تاريخ الفتاش) يُعدّ من أهمّ مصادرنا عن مملكة سنغاي على عهد أسرة الأسكيّين (1493-1591م).

[5] انظر: أحمد الشكري 2010م، الذاكرة الإفريقية في أفق التدوين (نموذج بلاد السودان)، الرباط: منشورات معهد الدراسات الإفريقية، ص (299-302)، (305-315).

[6] يعتبر تأليف الشيخ الفقيه مَسْـفَرْمَه من المؤلفات التاريخية الضائعة.