قراءة في المخطوطات العربية الإسلامية الإفريقية

  • 19 -1 - 2011
  • محمد العقيد محمد أحمد


 محمد العقيد 

المخطوطات أنفس ما اقتنته المكتبات:

المخطوطات من أهم مكنونات الشعوب، وأنفس ما اقتنته المكتبات، وأغلى ما احتواه التراث؛ لدلالاتها الحضارية والتاريخية والثقافية.

وإن أعظم تراث معرفي في تاريخ الإنسان هو ما قدمته الحضارة الإسلامية للبشرية، فالمخطوطات الإسلامية تأتي في مقدمة المخطوطات العالمية من حيث العدد والتنوع وقيمة محتوياتها، وتُعد في الوقت الحالي أهم تراث مكتوب في العالم، بل لعله التراث الوحيد الذي بقي محفوظاً بصورة كبيرة قياساً بغيره من التراث في الحضارات الأخرى غير الإسلامية التي اندثرت معالمها.

وهي ترتبط بأوثق مصادر العلم والمعرفة وأعظمها شمولاً وإحاطة، ( الوحي الإلهي) وهو ما أكسبها أصالتها، وتميزها في منهجيتها العلمية  ومحتوياتها الزاخرة بالعلوم المختلفة والنظريات والإنجازات في شتى المجالات.

 لقد «تنبه العالم إلى أهمية التراث العربي الإسلامي من المخطوطات - وهو ما غفل عنه أصحابه -، وتأسست في جامعات الغرب كراسي الأستاذية والمعاهد المتخصصة لدراسة هذا التراث وأثره على الحضارة العالمية، وجاءت الاعترافات والإشادة بدوره، من ذلك ما كتبه... المستشرق «جورج سارتون 1884م - 1956م» عن العرب والمسلمين في مؤلفه الكبير (تاريخ العلم) مبرزاً دور الحضارة العربية في التقدم العلمي»(1).

لقد استفاد العالم أجمع مما حوته المخطوطات الإسلامية من مناهج ودراسات قيّمة في شتى العلوم والمعارف، أسست لنهضة العلوم الحديثة وتطورها، وبناء الحضارة الإنسانية المعاصرة.

وقد كان لإفريقيا حظ وافر من هذا التراث؛ حيث شارك علماؤها في ازدهار الحضارة الإسلامية، والثقافة العربية, «وكانوا أول من قاموا بتعريب ألسنتهم, وانصهروا في بوتقة الثقافة العربية الإسلامية تماماً حتى أتقنوها وبرعوا فيها، فخلّـفوا لنا ثروة علمية هائلة عُدّت من عيون التراث العربي الإسلامي، ممثلة في آلاف المخطوطات المكتوبة باللغة العربية في مختلف الفنون والعلوم، ومتفرقة في أنحاء المناطق والأمصار»(2)، حتى إنه لا تكاد تخلو حاضرة من حواضر الممالك الإسلامية في إفريقيا من وجود كمٍّ من المخطوطات العربية الإسلامية.

 نحاول في هذه العجالة إلقاء الضوء على تراث المخطوطات العربية الإسلامية الإفريقية كمًّا وكيفاً، وتاريخ نشأتها وتطورها، وانتشارها، وحالها من حيث العناية والاهتمام بها، ومدى أهمية المخطوط العربي الإسلامي الإفريقي، وما يحمله من مؤشرات ودلالات بصفته العنصر الرئيس لهوية القارة المسلمة وانتمائها، وأهم مكونات حضارتها، والمرتكز الأساس لنهضتنا في حاضرها ومستقبلها.

التراث العربي الإسلامي.. بداية التدوين والتوثيق:

بدأت عملية التدوين والتوثيق والتأصيل العلمي والمنهجي والتقييد بالكتابة في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ووُضعت قواعد الرواية في علم الحديث من النظر في حال الرواة وطرق النقل وحال المروي، جاء في كتاب الشيخ طاهر الجزائري (توفية النظر إلى أصول الأثر): «توهّم أناس أنه لم يقيد في عصر الصحابة وأوائل عصر التابعين بالكتابة شيء غير الكتاب العزيز، وليس الأمر كذلك؛ فقد ذكر بعض الحفاظ أن زيد بن ثابت ألّـف كتاباً في علم الفرائض، وذكرالبخاري في صحيحه أن عبد الله بن عمرو كان يكتب الحديث، وذكر «مسلم» كتاباً أُلّـف في عهد ابن عباس في قضاء عليّ»(3)، وكان مما دُوّن في السنة الأولى للهجرة (وثيقة المدينة), ورسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملوك عصره.

بذلك بدأت عملية التدوين، وقامت حركة التأليف الإسلامي العربي، وتفرعت مناهج الكتابة في شتى أنواع العلوم والمعارف، ولم يمض قرنان من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أصبحت صناعة الكتب ومهنة النسخ منتشرة، وقامت تجارة الكتب في كل أنحاء العالم الإسلامي، عبّر المؤرخ «وول ديورانت» عما بلغه الاهتمام بذلك في العصر العباسي بقوله: «لم يبلغ الشغف باقتناء الكتب والمخطوطات في بلد آخر من بلاد العالم - اللهم إلا في بلاد الصين - ما بلغه في بلاد الإسلام في هذه القرون، حين وصل إلى ذروة حياته الثقافية»(4).

  تناولت المصنفات المخطوطة العربية الإسلامية شتى فروع المعرفة وأنواع العلوم المختلفة، وقامت المكتبات الملكية والعامة والخاصة في كل مكان، وأصبح المخطوط من الكتب تراثاً متداولاً بين الناس، وتطور كمًّا وكيفاً، حتى وصلت أعداده الملايين، «يقدّر المعهد العربي للمخطوطات التابع للجامعة العربية عدد المخطوطات العربية الإسلامية بأربعة ملايين»(5)، موزعة في أنحاء متفرقة من العالم، ولكنها بحسب الواقع وما تشير إليه بعض البحوث والدراسات فوق ذلك كثيراً؛ فملايين المخطوطات مكنوزة في خزائن خاصة لم يبلغها العدّ والحصر، وبخاصة في إفريقيا، فمدينة تمبكتو Timbuktu في مالي ـ مثلاً ـ  تزخر بخزائن لمخطوطات لم تر النور بعد، ولا تزال كميات كبيرة منها في منازل متوارثة لقرون طويلة، يقول في ذلك «موريس مورفي» من مكتبة الكونجرس الأمريكي: «إن حوالي مليون مخطوطة موزعة في أنحاء تمبكتو، وربما ثلاثة ملايين مخطوطة في أرجاء إفريقيا الغربية»(6).

التواصل العربي الإفريقي قبل الإسلام وبعده:

عرفت إفريقيا العرب واللغة العربية قبل الإسلام بعدة قرون؛ فقد وصلت بعض القبائل العربية والتجار العرب إلى سواحلها الشرقية، وتوغلوا إلى أجزائها الداخلية، «... ووصلوا إلى بحيرة تشاد ونهري شاري ولوغون جنوبي تشاد وشمالي دولة إفريقيا الوسطى [الحالية] في حقبة ترجع إلى ما قبل الإسلام وما بعده»(7), كما عبَروا مضيق باب المندب منذ أقدم العصور، واكتشفوا البلاد الواقعة على الساحل الشرقي الإفريقي من بلاد الدناقلة (تقع حالياً في شمال السودان) والحبشة شمالاً، وحتى موزمبيق ومدغشقر جنوباً.

وقد اتخذت بعض الهجرات العربية التي تمت في خلال القرن السابع الميلادي شكلاً استيطانياً؛ إذ تشير (مخطوطتا كلوا وباتي)(8) إلى بعض تلك الهجرات، وما نتج عنها من بناء بعض المدن الساحلية  المهمة، مثل مومباسا وزنجبار وكلوا ومالندي.

إلا أنه يمكن القول - بصورة عامة - أن ما كان قبل الإسلام من هجرات العرب وعلاقاتهم بإفريقيا لم تكن ذات أبعاد حضارية ولم ترتكز إلى أسس دينية أو فكرية عميقة كما كانت بعد الإسلام، فالإسلام وما لازمه من نشاط دعوي وعلمي وحركات جهادية كان المرتكز الأساس الذي أثمر حضارة عريقة في إفريقيا، وقام عليه التاريخ الإسلامي لإفريقيا، وبخاصة التاريخ الوسيط لإقليم غرب إفريقيا، فقد كان لنشاط العلماء الدعوي والعلمي دور كبير في صناعة هذا التاريخ. وارتبطت بذلك اللغة العربية بوصفها لغة الإسلام والمفتاح إلى العلوم الإسلاميـة، وهو ما جعـل تعلمها والكتابة بهـا من الواجبات، ربما اهتداءً بمقولة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «تعلّـموا العربية فإنها من دينـكم»؛ فلا غرو أن ترك لنا هؤلاء العلماء تقاليد راسخة وثابتة في مجال التأليف بهذه اللغة(9).

نشأة المخطوطات الإسلامية العربية في إفريقيا وتطورها:

يمثّـل دخول الإسلام في إفريقيا البداية الحقيقة لنشأة المخطوطات العربية الإسلامية فيها؛ إذ كان المصدر الرئيس لوجودها وتطورها، وقد ثبت أن تاريخ المخطوط العربي الإسلامي في إفريقيا يعود إلى القرن الأول الهجري، وذلك خلافاً لبعض الدراسات التي تُرجعه إلى ما قبل القرن الثالث عشر الميلادي؛ فقد وُجد مخطوط ضمن ما عُثر عليه  في كينيا، «عنوانه (أخبار لامو)، يرجع تاريخ تدوينه إلى العام 76 الهجري»(10)، فهذا الكشف يُثبت قدم تاريخ تراث المخطوطات الإفريقية، وطول امتداده الزمني،  كما أنه يغيّر فهماً آخر يتمثل في اعتقاد بعض الباحثين أن شرق إفريقيا كان تفاعلها مع الإسلام ضعيفاً، وبخاصة في مجال الكتابة والمخطوطات العربية.

كما أن دخول الإسلام في القرن السابع الميلادي لوسط إفريقيا التي تضم الغابون، الكونغو برازافيل، وإفريقيا الوسطى - بانغي، والكونغو كينشاسا، وغينيا الاستوائية، وساوتومي برنسيب، ومنطقة تشاد التي تُعد البوابة إلى باقي دول وسط إفريقيا؛ كان بداية لتاريخ المخطوط العربي الإسلامي فيها، «يؤكد كثير من الباحثين والمستشرقين الأوروبيين أن الشخصية التشادية قد تأثرت بالثقافة العربية الإسلامية منذ القرن السابع الميلادي، إلى درجة أن كثيراً من الدول التي قامت على أرض تشاد عبر القرون اللاحقة، مثل دول: كانم، وباقرمي، ووداي، اتخذت من اللغة العربية لغة رسمية لها»(11)،  فدولة كانم - مثلاً - كانت مراسلاتها ومحارمها (مراسيمها وتصاريحها) وخطاباتها جميعها باللغة العربية، كما دوّنت بها تاريخها ونمط إدارتها وحضارتها.

 وأما غرب إفريقيا؛ فبالرغم من أن تاريخ المخطوطات العربية فيها جاء متأخراً نسبياً عن تاريخها في شرق إفريقيا، قبل القرن الثالث عشر الميلادي، فإنها شهدت ازدهاراً وتطوراً كبيرين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، وكثرت فيهما المؤلفات العربية، وكان للكتب العربية قيمتها، وانتشرت المكتبات العامة والخاصة، وقد أبدع علماء تمبكتو مخطوطات رائعة الجمال باللغة العربية في العلوم الإسلامية واللغة والأدب والرياضيات والطب والشريعة وعلم الفلك وعلم الحيوانات والتاريخ الإسلامي، وكان من بينها نسخ لكتب نادرة حوتها خزائن المكتبات العامة والخاصة.

عوامل نشأة التراث العربي الإسلامي المكتوب في إفريقيا وتطوره:

من أبرز العوامل التي أسهمت في ذلك:

دخول الإسلام لإفريقيا: وما أحدثه فيها من تطور ديني وفكري، أدى إلى قيام نهضة علمية شاملة، وازدهار حركة التأليف والتدوين والكتابة والنسخ وتطورها.

قيام الممالك الإسلامية في إفريقيا: مكّنت الممالك للغة العربية، وجعلت منها لغتها الرسمية، ودوّنت بها تاريخها، إلى درجة أن بعض الباحثين أشار إلى أن شهرة الممالك الإسلامية التشادية لا ترجع فقط إلى عظمتها وطول عمرها – على الرغم من أهمية ذلك -؛ وإنما كذلك لكثرة ما خلّفت هذه الممالك من وثائق ومؤلفات وكتابات باللغة العربية(12).

قيام جامعات ومدارس علمية نشطة: تكوَّن فنّ الكتابة ونَمَا في ظل مؤسسات التعليم والبحث التي انتشرت بانتشار الإسلام  في أنحاء متفرقة من إفريقيا، وساعدت على نشر المخطوطات، ومن أبرز تلك الجامعات «جامعة تمبكتو» الشهيرة، وقد مثّـلت «جامعة سنكوري» نموذجاً حياً يشهد على ازدهار صناعة المخطوطات في تمبكتو، وهناك «مدرسة بير» في القرن السابع عشر الميلادي و «مدرسة كوكي» التي درس فيها كثير من طلبة العلم، في عاصمة البرنو «كَوكَو».

الحركات الدينية: مثل حركة الشيخ عثمان بن فوديو وغيرها, فقد جعلت تلك الحركات اللغة العربية لغتها الرسمية في القضاء والفتاوى وجميع العقود والمراسلات، كما أنها أسهمت بجهود كبيرة في حركتي التأليف والنسخ وتطورهما.

تشجيع الأمراء والسلاطين والوزراء في الممالك الإسلامية: ورعايتهم ودعمهم للعلم والعلماء وطلبة العلم (نظام الرعاية)، حيث كانوا يخصّصون الهبات والعطايا للعلماء مقابل جهودهم العلمية والفكرية والقيام بالتأليف والكتابة، «وقد لاحظ ذلك حسن بن الوزان عند زيارته لمملكة مالي، وذكر «...أن الملك ينفق بسخاء على عدد كبير من الأطباء والقضاة ورجال الدين والفقهاء الآخرين»(14).

الشيوخ والعلماء: فقد كان لجهودهم أثر قوي في نشر الإسلام والعلوم الدينية واللغة العربية، والاهتمام العام بها وبمراجعها العلمية ومخطوطاتها في المجتمعات الإفريقية. فالناظر في الثقافة العربية الإسلامية في غرب إفريقيا كما يقول بروفيسور عز الدين موسى: «يجد أن خير مقاييس لها هي: عدد العلماء، عدد الطلاب، وتنوع أماكن التعليم، حركة التمدن، الكتب الواردة، والمكتبات الخاصة، ودرجة اتساع التأليف. وفيما يخص عدد العلماء يذكر السعدي صاحب تاريخ السودان أنه عندما أسلم سلطان جني كان بها 4200 عالماً»(15).

الاهتمام باقتناء الكتب والمخطوطات: وتكوين المكتبات العامة والخاصة، وهو أمر ساد في كل حواضر العالم الإسلامي بما فيها حواضر الممالك الإسلامية في إفريقيا، يقول المستشرق آدم متز في كتابه (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري): «أن أوروبا وقتها لم يكن بها أكثر من عدد محدود من المكتبات التابعة للأديرة. ولا يعرف التاريخ أمة اهتمت باقتناء الكتب والاعتزاز بها كما فعل المسلمون في عصور نهضتهم وازدهارها، فقد كان في كل بيت مكتبة، وكانت الأسر الغنية تتباهى بما لديها من مخطوطات نادرة وثمينة, وكان بعض التجار يسافرون إلى أقصى بقاع الأرض لكي يحصلوا على نسخة من مخطوط نادر أو حديث، وكان الخلفاء والأثرياء يدفعون بسخاء من أجل أي مخطوط جديد»(16). وقد أصبحت تجارة الكتب والمخطوطات أكثر رواجاً وربحاً من غيرها، وكان الخطاطون يبيعون النسخ التي يصنعونها مقابل غِرامات من الذهب.

اكتشاف صناعة الورق وانتشار حرفة (الوراقة) في العالم الإسلامي: فقد كان لاكتشاف صناعة الورق وانتشار حرفة (الوراقة) في العالم الإسلامي فضل في انتشار تأليف المخطوطات ونسخها, فقد انتشرت صناعة المخطوطات في المنطقة الساحلية الإفريقية، كما ساعد وصول أنواع الورق الجيد إلى هذه الحواضر من مدن جنوب أوروبا على ازدهار حركة التأليف وزيادة نشاطها في خلال القرنين الثامن والتاسع الهجريين.

تفرق المسلمين وهجرة العلماء من الأندلس بعد انحسار الدولة الإسلامية فيها: حيث انتشر العلماء في أنحاء متفرقة من العالم الإسلامي وبخاصة إفريقيا، وأسهموا في إحياء الحركة العلمية وانتشار المخطوطات .  

التواصل المستمر بين العلماء المسلمين العرب في بلاد المغرب العربي والعلماء الأفارقة: وبخاصة في منطقة غرب إفريقيا، وقد كان لذلك أثر كبير في التطور العلمي، ونشاط الكتابة والتأليف.

اهتمام السلاطين والوزراء والأمراء في الدول الإسلامية في إفريقيا بالتراث المخطوط: والاحتفاء بنفائس الفكر الحضاري، وحرصهم على البحث عنها واقتنائها وحفظها في ممالكهم ودولهم، ونشرها بين رعاياهم بإنشاء مكتبات للمساجد، وتزويد العلماء بالكتب كملك الكانم وملك غاوو، وكان هؤلاء بحكم قدراتهم المادية يهتمون بأربعة أمور: «النوادر من كتب القرنين الثاني والثالث للهجرة, والكتب التي بخطوط مؤلفيها من القرون المبكرة أيضاً, والنسخ التي كتبها خطاطون مشهورون من المصاحف ودواوين الشعر, والنسخ الخزائنية التي استنسخوها لأنفسهم, أو أمروا بتزيينها فنياً لمكتباتهم»(17).

واقع المخطوطات العربية الإسلامية الإفريقية اليوم، (نماذج ومشاهد):

ظلت المعارف الإسلامية ومخطوطاتها غالبة على المشهد الإفريقي حتى بدء الزحف الأوروبي، إلا أنه بعد غلبة الاستعمار وما أحدثه من تغيرات في أنظمة الممالك الإسلامية في الجوانب السياسية والتشريعية والتعليمية؛ أصاب الثقافة العربية الإسلامية ضعف شديد وانهيار، وهو ما أضعف الاهتمام بالمخطوطات وأفقدها شيئاً من قيمتها العملية، فأوصدت عليها الخزائن وطُمر بعضها تحت التراب، وهي تعاني الإهمال وسوء الحفظ، ورداءة المكان.

كنوز المخطوطات العربية الإسلامية الإفريقية:

مئات المكتبات الخاصة موزعة في بعض الدول الإفريقية، تشاد ونيجيريا والنيجر والكاميرون وبوركينا فاسو، وغيرها من الدول الإفريقية، تضم ما يقرب من (5) ملايين مخطوطة، تنتمي إلى عصور قديمة، وحتى القرن التاسع عشر لم يتم استكشافها والبحث في مواضيعها حتى الآن.

 وأكثر من (800) كتاب ومخطوط، تمثل قيمة بالغة الأهمية لدراسة التراث الاجتماعي والثقافي لزنجبار وسواحل إفريقيا الشرقية، توجد لدى المحفوظات الوطنية في شرق إفريقيا.

وعشرات الآلاف من المخطوطات في مدينة تمبكتو (جوهرة الصحراء) بمالي، يعود عمرها لأكثر من ثمانية قرون، ويبلغ عدد المكتبات الخاصة في مالي وحدها قرابة (120) مكتبة خاصة، يضم ما يقرب من (22) مكتبة منها مليون مخطوطة على أقل التقديرات.

                   

ومن أشهر المكتبات العائلية في تمبكتو مكتبة الشيخ عبد القادر حيدرة التي افتتحت رسمياً للزوار سنة 2000م، وتحتضن المكتبة اليوم أكثر من (9000) مخطوطة ومادة مطبوعة، يعود أقدم مخطوطاتها إلى القرن التاسع الهجري، وتوارثت هذا المخطوطات عائلة حيدرة منذ ما قبل القرن السادس عشر الميلادي.

وهنالك «مكتبة أحمد بابا» التي تحولت إلى «مركز أحمد بابا» يضم (30000) مخطوطة، و«مكتبة فوندو قاطي»، وتضم (7028) مخطوطاً، و «مكتبة طاهر» التي تضم أكثر من (3700) مخطوط مكدسة بعضها فوق بعض داخل صناديق، إلى جانب أوعية معدنية.

تحتوي مكتبة الإمام السيوطي على مخطوطات قيّمة، منها نسخة من القرآن الكريم يعود تاريخها إلى القرن السادس عشر، كما تضم المكتبة مخطوطاً نادراً في علم الفلك، إلى جانب مخطوطات أخرى تتناول الرياضيات والتاريخ والطب والفلسفة وغيرها، وأقدم مخطوطات في هذه المكتبة يعود تاريخها إلى القرن 12 الميلادي.

كما توجد في السنغال  مجموعات من المخطوطات النادرة ضمن عدد من المكتبات الخاصة.

ومن أبرز بيوت العلماء التي تحتفظ بمجموعات من المخطوطات العربية الإسلامية في نيجيريا: بيت وزير صكوتو الوزير جنيد، وبيت الشيخ محمد ناصر الدين كبرا بمدينة كانو الذي يحوي أكثر من ألفي مخطوط، وقصر أمير كانو، وقصر السلطان أبو بكر بمدينة صوكوتو، وقصر شيخ برنو سلطان برنو بمدينة ميدو غري، وكلها بمناطق شمال نيجيريا.

كما أن المتاحف الوطنية في نيجيريا تحتفظ ببعض المخطوطات، مثل: المتحف القومي بمدينة جوس، والمتحف الوطني بمدينة كادونا، ودار الوثائق القومية بمدينة صوكوتو شمال نيجيريا، وبعض المكتبات العامة والجامعية بها عدد من تلك المخطوطات، كمكتبة جامعة أبادن الشهيرة، إضافة إلى بعض المعاهد المتخصصة في الجامعات النيجيرية مثل معهد البحوث الإفريقية بجامعة أبادن.

نماذج من المخطوطات في بعض جامعات نيجيريا (Kano: Bayero University Library):

مصحف خطي مؤرخ 1117هـ من مجموعة كادونا                     

حالة بعض المخطوطات العربية بمجموعات نيجيريا

 

موسوعة سكويين أوسلو - لندن The Schoyen Collection

أول سورة البقرة على مصحف من نيجيريا، كُتب بالخط المغربي بأسلوب سوداني, في القرن التاسع عشر

وأما في إقليم شرق إفريقيا؛ فإن عدم الوقوف على كثير من المخطوطات، وبالأخص تلك التي في حوزة أسر السلاطين الذين كانوا يحكمون في شرق إفريقيا، لا يعني عدم وجودها، وإن كانت لا تبلغ في عددها ما بلغته في غرب القارة.

ففي حوار مع «الجزيرة نت» قال مدير مركز البحوث مراد رضوان إنه على الرغم من عراقة الإسلام في الحبشة؛ فإن الظروف السياسية ساهمت في جهل العالم بمساهمات إثيوبيا في إثراء التراث الإسلامي. ومن المعروف أن مدينة «تمبين» في «تقراي» كانت مستودعاً للوثائق التاريخية للحبشة قبل الإسلام وبعده, كما يقول عبد الله شريف، وهو من المهتمين بالمخطوطات العربية الإسلامية في إثيوبيا، ويقدر أحد الباحثين النصارى أن ما نسبته 100 في المائة من التاريخ الإثيوبي في القرون الوسطى مكتوب باللغة العربية، مما يعني أن العلماء العرب هم من كان لهم السبق في كتابة التاريخ الإثيوبي.

ويذكر الأكاديمي والباحث في شؤون التراث الإثيوبي, ورئيس شعبة اللغة العربية في جامعة أديس أبابا الأستاذ محمد سعيد أنه «لم يتم الاعتراف بالتراث الإسلامي على الإطلاق على أنه تراث إثيوبي في السابق إلا في الوقت الحالي؛ على اعتبار أنه جزء من التراث الوطني العام، ...(21).

بعض المخطوطات العربية الإسلامية النادرة في متحف سان تكلا بإثيوبيا: