قراءة في الأزمة الإنسانية في مالي.. أسبابها وتداعياتها على القارة الإفريقية

  • 9 -4 - 2013
  • محمد البشير أحمد موسى


أ. محمد البشير أحمد موسى    

تنطلق العقلية الغربية في تعاملها مع الأفارقة وغيرهم من قواعد استبدادية، من أهمها قاعدتان، الأولى هي القاعدة المطّردة «فرّق تسد»، والقاعدة الثانية التي ظهرت على السطح في الآونة الأخيرة، والتي طالما استعملتها القوى الغربية في مستعمراتها السابقة، وبخاصة فرنسا والبرتغال، هي: «أبي يعرف أكثر مني».

ومظاهر التكالب الغربي - السابق والحالي - على خيرات إفريقيا المنطلقة من هاتين القاعدتين كثيرة، وتؤكّدها تصريحات قادتهم بين الحين والآخر، في الحاضر والماضي، فقد قال نابليون بونابرت – مثلاً - أمام مجلس الدولة الفرنسي: «تنطلق الحملة العسكرية لتدافع عن الدين الغربي والمسيحي، وبعد مرورها يفسح المجال للتاجر، أولاً المبشر، وبعده الجندي، وأخيراً التاجر»[1].

فالحملات الغربية على الدول الإفريقية وغيرها، مهما كان اسمها، أو تحت أي شعار قامت، تنطلق لتحقيق هدف رئيس، هو السيطرة على رأس المال، وتوظّف لخدمة هذا الهدف كل الإمكانات والشعارات الدينية والإنسانية، وتجهّز لها القوة العسكرية، ومن أجله توقّع المعاهدات والاتفاقات مع المستعمرات أو الدول التابعة لها، وتقوم بتمثيل دور الأب الحنون، أو البطل المنجد، وهي في الحقيقة «دول استعمارية» تستنزف الثروات والخيرات، أو تدخرها مخزوناً لأجيالها لا لأجيال البلد الذي تحتل أرضه وتنهب ثرواته.

بهذه العقلية الاستبدادية انطلقت الحملة العسكرية الفرنسية مع حلفائها باسم «عملية سيرفال»، أي «القط المتوحش»، لقتل العباد ونهب البلاد، تحت راية «محاربة الإرهاب»! ولتزيد هذه الحملة من جراحات المسلمين، وتعيد لنا صورة «دارفور» وما لحق بأهلها من تدويل ومتاجرة بقضيتهم وتنصير لأبنائهم، وتذويب لهويتهم تحت شعارات جوفاء مثل «وقف المجزرة ضد الأفارقة من العرب الجنجويد»! لتبين لنا تلك المعايير المزدوجة في تعامل الغرب مع قضايا المسلمين.

والتأييد السريع من كلّ الدول الغربية لهذه الحملة، والقيام بالحملة دون إذن مسبق من مجلس الأمن الدولي - في حالة فريدة أخرى تُضاف إلى حالتي أفغانستان والعراق -، دليل واضح على أن المستهدف هو خيرات الشعوب الإسلامية، والقضاء على الإسلام الذي يرسّخ روح المقاومة والجهاد في هذه الشعوب، كما في تصريح نابليون بونابرت السابق.

وهذه النغمة (إيجاد الاستقرار في المنطقة) نفسها هي التي تكرّرت في محنة دارفور، فقد صرّح حينها وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دو فيلبان: «إن هذا النزاع في غرب السودان يجب أن يدفعنا إلى التعبئة؛ لأنه يهدّد استقرار المنطقة؟!»[2]، وقال جورج بوش حينها أيضاً: «على الحكومة السودانية أن توقف فوراً الأعمال الوحشية التي تقوم بها الميليشيات المحليّة ضد السكان الأصليين، وأن تترك المنظّمات الإنسانية (أي التنصيرية) تصل إلى المنطقة»!

ولم يمر وقت على أزمة دارفور حتى بدأت جولة أخرى في منطقة الساحل والصحراء، انطلقت من مالي، وقد تلحقها كلٌّ من النيجر وموريتانيا وتشاد وليبيا، لنشهد مزيداً من قوافل النازحين واللاجئين، ومزيداً من تحركّات المنظّمات التنصيرية (الإنسانية)، والتي لا تجد لها سوقاً وقبولاً في المناطق المستقرّة، ولهذا تبحث عن المناطق التي يسود فيها الجهل، ويضربها الفقر والفاقة، لعلها تكسب أفراداً، أو على الأقل تعمل على زعزعة عقائد المسلمين وثوابتهم.

تزداد الوطأة على المسلمين، ويتم تهجيرهم حينما يشتد الصراع بين الدول الغربية والآسيوية على مصارد الطاقة والثروة، فهذه الأحداث التي تدور اليوم في مالي سبقتها إرهاصات، وهذا ما أكّده كتاب صدر عن البنك الدولي في 16/9/2006م، بعنوان: (طريق الحرير لإفريقيا)، يفيد كاتبه أن هناك تزايداً ملحوظاً في الشركات الصينية والآسيوية العاملة في القارة الإفريقية، وأن اهتمامها تعدى مجرد تعقب الموارد الطبيعية!

وبيّن الكتاب كذلك أن الصادرات الإفريقية إلى آسيا زادت ثلاثة أمثالها في السنوات الخمس الماضية، لتجعل آسيا بذلك ثالث أكبر شريك تجاري (27%)، بعد الاتحاد الأوروبي (32%)، والولايات المتحدة (29%)، وبلغ إجمالي هذه الاستثمارات من الصين 1,18 بليون دولار أمريكي حتى منتصف عام 2006م.

ويقول هاري برودمان المستشار الاقتصادي بالبنك الدولي: «إن البيانات الجديدة تشير إلى أن الشركات الآسيوية بدأت في تنويع أنشطتها بعيداً عن النفط والغاز الطبيعي، لتشمل مجموعة واسعة التنوع من الصناعات، وهو اتجاه قد يؤدي إلى إنتاج سلع أكثر تقدماً في إفريقيا، ويساعد القارة السمراء على زيادة مشاركتها في التجارة العالمية»[3]، إلا أن إفريقيا لم ترَ «الحرير» وإنما رأت الحرائق، ويذهب الحرير إلى أيدي الغرب، وبخاصة فرنسا.

وهذا ما بيّنه أيضاً رئيس وزراء دولة إفريقيا الوسطى الأسبق جون - بول نغوباندي في كتابه (إفريقيا بدون فرنسا)، فقد لخّص  الحالة المعقّدة في الدول الفرانكفونية في علاقاتها بفرنسا، والمؤلف شخصية مهمة في مستعمرة من المستعمرات الفرنسية التي تعاني إلى اليوم التدخلات الفرنسية، حين قال في كتابه: «سعيدة هي الشعوب التي تثير جرائمها الاستنكار».

فقد ذكر أن الجرائم المرتكبة في حق الأطفال في سيراليون أثارت ردود فعل أقلّ من تلك التي أثارها خرق حقوق الإنسان في البلقان، ولاحظ أن الأمم المتحدة تمكّنت من حشد قوة تتكون من آلاف الجنود من أوروبا وأمريكا وغيرها، وأعدت إمكانيات لوجستية ضخمة لتسوية أزمة كوسوفو، ولكن لم يستطع مجلس الأمن إيجاد 5000 رجل من ذوي القبعات الزرق لإحلال السلام في بلد كبير مثل الكونغو، والذي يبلغ عدد سكانه 50 مليوناً، على الرغم من أن تفكك هذا البلد قد يفجّر نصف القارة[4].

ويقول المؤلف في موضع آخر من كتابه: «إن قوة روابط إفريقيا الفرنكفونية مع القوة الاستعمارية السابقة جعلتها لا تصدق إمكانية تخلي هذه الأخيرة عنها»، ويلاحظ أنه «على خلاف المستعمرات البريطانية التي تم التخلي عنها مبكراً لتدبّر أمورها وحدها، وتعلّمت من الآلام، في غالب الأحيان، أن تستغني عن اليد المنجدة للقوة الحامية السابقة، واصلنا نحن الفرنكفونيون في الاستفادة، طوال أكثر من ثلاثين سنة، من الوصاية الأمنية لمركزنا القديم. علينا أن نقر بأنه... تمّت صبينتنا، بدون شك حان الوقت لنتحمل بدورنا، في الألم، واجبات الاستقلال»[5]، ولكن آهات هذا الوزير لم تجد آذاناً صاغية لدى حكام بماكو وأولئك الذين شاركوا في الحملة الدولية للعدوان على الشعب المسلم في مالي!

مَن يُسيطر على مصادر البترول والطاقة في العالم قد ضَمِن السيطرة على العالم نفسه:

أصبحت هذه القاعدة التي ظهرت في أواخر عام 2001م، إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر، إحدى أسباب الصراع اليوم في مالي، حيث إن مصادر الطاقة والثروة التي في باطن الأراضي المالية إحدى الأسس التي انطلقت منها أمريكا في انقلابها في مالي، وإتيانها بزمرة من أبنائها الذين تلقوا تدريبات عالية ضمن القوة الأمريكية الإفريقية (أفريكوم)، وهذه القاعدة تبدَّى منطلقها الأساسي اليوم في عدد من الدول الإفريقية، يقول مايكل واتس في كتابه (إفريقيا وإمبراطورية البترول)[6]: «يوضح تقرير نشرته مؤخراً صحيفة الفاينانشال تايمس (1 مارس/ آذار 2006م) بمنتهى الوضوح الأجندة الجديدة لأمريكا، فعلى الرغم من أن إفريقيا ليست محظية بالهيدروكربونات (البترول والغاز)، كما في دول الخليج، فإن القارة أصبحت «مستعدة لتوازن القوى» بين الدول، وبالتالي فهي موضع منافسة شديدة بين شركات البترول».

وتتوقّع شركة IHS للطاقة، وهي من أكبر الشركات الاستشارية في مجال صناعة البترول، أن يَجتَذِب إنتاج البترول في إفريقيا، لا سيما في المناطق الساحلية الواقعة على المحيط الأطلسي، «استثمارات ضخمة في مجال عمليات الاستكشاف»، مما سيسهم بنسبة 30% في إنتاج الهيدروكربون السائل مع حلول عام 2010م، فخلال السنوات الخمس الأخيرة، عندما كان اكتشاف حقول بترول جديدة أمراً نادراً، كان برميل بترول واحد من كلّ أربعة براميل جديدة يتم اكتشافها خارج أمريكا الشمالية يُكتَشَف في إفريقيا، وهكذا فإن تزاحماً وتهافتاً جديدين أخذا يتكوّنان، وأرض المعركة هي حقول البترول الإفريقية الغنية[7].

وفي تقرير لمجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة الأمريكية، معنون بـ «أكثر من مجرد إنسانية» في عام (2005م)، تم تحديد آلية جديدة لتعامل أمريكي مختلف مع إفريقيا، وأولى عناية خاصة بإفريقيا، وأشار إلى «أهمية إفريقيا الاستراتيجية المتزايدة» بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية، فخليج غينيا في غرب إفريقيا الذي يضم حقول البترول الغنية في البر وفي البحر، والممتد من نيجيريا إلى أنجولا، يشكّل البند الأساسي والبديل الأمثل لاحتياجاتها من الطاقة في الخليج العربي.

أما مازن الحسيني في مقدمته التي عنونها بـ (أمريكا والبترول وعسكرة إفريقيا) على الكتاب أعلاه؛ فقد لخّص الاستراتيجية الأمريكية في الحفاظ على مصادر الثروة، إيماناً منها بأهمية القاعدة أعلاها للحفاظ على قوتها وسيطرتها على العالم، حيث يقول: «ويتضح من الأرقام الرسمية المتعلقة بإنتاج واحتياطي البترول في إفريقيا؛ مدى الأهمية التي تعلّقها الولايات المتحدة الأمريكية على القارة السوداء، فقد قدَّر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد UNCTAD) في عام 2001م حجم احتياطي البترول في القارة بثمانين مليار برميل، أي ما نسبته 8% من الاحتياطي العالمي الخام.

وباتت إفريقيا تنتج ما يربو على أربعة ملايين برميل يومياً، أي ما يعادل إنتاج إيران وفنزويلا والمكسيك مجتمعة، فخلال السنوات العشر ما بين 1992م و 2002م زاد إنتاج إفريقيا بنسبة 36%، مقابل 16% لباقي القارات، مما حدا بمجلس الدراسات والأبحاث الوطني الأمريكي أن يقول في دراسة له إنه بإمكان الولايات المتحدة الأمريكية أن تستورد من الآن حتى عام 2015م ما نسبته 25% من احتياجاتها من البترول من إفريقيا، وذلك مقابل 16% في الوقت الحالي».

وقد أشار روبرت مورفي، مستشار وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون الإفريقية السابق، إلى أن احتياطي البترول الإفريقي هو في الأساس من نوع «الأوف شور»، أي خارج الحدود البرية، في المياه الإقليمية، ويظلّ في منأى عن أية اضطرابات سياسية أو اجتماعية محتملة.

وكانت مؤسسة الدراسات الاستراتيجية والسياسات المتقدمة (IASPS)، وهي مؤسسة أُنشئت في القدس في عام 1984م كمركز للأبحاث والتخطيط، وهو مركز مقرّب من حزب الليكود الإسرائيلي، ووثيق الصلة بمجموعة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية، قد لفتت الانتباه إلى إمكانيات الطاقة في إفريقيا في دعوتها إلى اتباع استراتيجية تُحَرِّر الولايات المتحدة الأمريكية من الاعتماد على بترول الشرق الأوسط، وقد لقيت أفكار المؤسّسة تجاوباً عند إدارة الرئيس جورج دابليو بوش، خصوصاً بين القائمين على شؤون الطاقة، وعلى رأسهم نائب الرئيس، وغيره من صقور البيت الأبيض.

ونظّمت المؤسّسة في مطلع 2002م مؤتمراً لدراسة موضوع الطاقة، شارك فيه والتر كانستاينر، نائب وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الإفريقية، وآخرون من كبار مسؤولي الإدارة والكونجرس، إضافة إلى مستشارين دوليين ومسؤولين في مجال الصناعة البترولية وشركات الاستثمار، وأسفر المؤتمر عن تشكيل «مجموعة المبادرة لسياسة البترول الإفريقي» (The African Oil Policy Initiative Group – AOPIG)، تضم ممثلين عن الإدارة الأمريكية وعن الشركات العملاقة المعنية.

وصدر عن المؤسّسة كتاب أبيض بعنوان (البترول الإفريقي، أولوية بالنسبة للأمن القومي الأمريكي وللتنمية الإفريقية)، وقد استجابت إدارة بوش لمقترحات المؤتمر، وانعكس ذلك في «سياسة الطاقة الوطنية» التي كشف عنها نائب الرئيس ديك تشيني في حينه.

وبناءً على هذه الرؤية؛ فقد تم تشكيل القوة الإفريقية الأمريكية للحافظ على هذه المقدّرات تحت سياسة: «خطط لأمن القارة» مع القيادات العليا للجيوش الإفريقية، أو الأصح مع نُخَبٍ من تلك القيادات.

وقد أُعلن أن اجتماعاً «غير مسبوق» عُقد في مركز قيادة القوات الأمريكية في أوروبا الذي مقرّه في شتوتجارت بألمانيا، في 23 و 24 مارس/ آذار 2004م، شارك فيه رؤساء أركان الجيوش في ثماني دول إفريقية، هي تشاد ومالي وموريتانيا والمغرب والنيجر والسنغال والجزائر وتونس، بالإضافة إلى قادة القوات الأمريكية في أوروبا، وتمحور الاجتماع حول موضوع التعاون العسكري في «مكافحة الإرهاب»، خصوصاً في منطقة الساحل والصحراء الكبرى، وهي المنطقة التي تدير فرنسا فيها الحرب علناً، وأمريكا من خلال الدعم اللوجستي.

 أما جون بيلامي فوستر؛ فيقول في مقالته التي عنونها بـ «تحذير لإفريقيا: الاستراتيجية الكبرى.. الإمبراطورية الجديدة للولايات المتحدة الأمريكية» في كتاب (إفريقيا وإمبراطورية البترول) - سبق ذكره -، أنه جرى وضع مفهوم في الأوساط العسكرية الأمريكية خاص باستخدام استراتيجية «فن استخدام الجنود في المعركة»، واستراتيجية أخرى تتمثل في «فن استخدام المعارك لكسب الحرب»، والحرب المقصودة في هذه الاستراتيجية هي مصادر الطاقة والثروة.

ويستطرد قائلاً: إن «الاستراتيجية الكبرى لأمريكا اليوم تتعلّق بدمج إمكانيات دولة على شنّ حرب مع الاحتفاظ على أهدافها الأخرى، وتتمثّل كذلك في الأهداف الموجّهة للسيطرة على مناطق جغرافية كاملة، بما في ذلك الموارد الاستراتيجية، مثل المعادن ومجاري المياه، والأصول الاقتصادية والسكّان والمواقع العسكرية الحيوية، وتُعد أنجح الاستراتيجيات الكبرى في الماضي، وهي التي اتبعتها القوى الغربية إبّان الحقبة الاستعمارية للقارة»[8].

الأزمة الإنسانية في مالي ومآلاتها المستقبلية:

تعيش آلاف الأسر من نازحي مالي من الطوارق والعرب والأفارقة - على حدٍّ سواء - بشمال مالي في أوضاع إنسانية حرجة، فقد اضُّطر هؤلاء إلى الفرار من مدنهم وقراهم، تاركين كلّ ما يملكون وراءهم خوفاً من أن تطالهم أعمال العنف التي تقع بين الحين والآخر نتيجة الصراع المسلّح الدائر في شمال البلاد منذ 17 يناير 2012م الماضي، بين الحكومة المركزية والمقاتلين في شمال البلاد.

وتفاقمت الأزمة خلال الأسبوعين الماضيين، حيث وصل أعداد النازحين واللاجئين، حسب تقديرات الأمم المتحدة، إلى قرابة أربعمائة ألف (400.000) شخص ما بين نازح ولاجئ، لينضموا إلى الأعداد السابقة، والتي نزحت أو لجأت خلال بدء الأزمة في العام الماضي.

لم يجد هؤلاء المواطنون المدنيون العزل وسيلة لإنقاذ حياتهم إلا اللجوء إلى مناطق صحراوية نائية، تبعد عن قراهم عشرات الكيلومترات، حيث يستظلون حالياً بالأشجار، ويفترشون الأرض، في أجواء قاسية، رافعين أيديهم إلى الله طلباً للمساعدة والعون.

ويعاني هؤلاء النازحون، وغالبيتهم من الأطفال والنساء والشيوخ، انعدام جميع ضروريات الحياة الأساسية، وعلى سبيل المثال: انعدام المياه الصالحة للشرب والغذاء والبطاطين والأغطية والفرش، وغيرها من الضروريات كالأدوية والإسعافات الطبية، وهذه الأوضاع تجعلهم نهباً للمنظّمات التنصيرية التي تتربّص بهم الدوائر في ظلّ غياب الدول والمنظّمات الإسلامية.

أعداد النازحين:

ويأتي هذا الصراع ليزيد الطين بلة، فالمنطقة مرشّحة أصلاً لحدوث أزمات غذائية فيها بسبب قلّة الأمطار في العام الماضي 1433هـ، والتي تمثّل مصدراً أولياً لاقتصاد المنطقة القائم على الثروة الحيوانية والزراعة.

وتقدّر المفوضية العليا لشؤون اللاجئين الدولية عدد النازحين الماليين بأكثر من مليون نازح ولاجئ داخل مالي وخارجها، وفقاً لتقاريرها الصادرة (5/4/2012م)، مع العلم بأن هذا العدد تزايد مع الصراع الحالي، حيث أضيف في يناير 2013م ما إجماله (293.840) ما بين لاجئ ونازح (تقرير المفوضية العليا للاجئين يناير 2013م):

الدولة

المقاطعة / المدينة

عدد النازحين / اللاجئين

مالي

في الصحراء بين غاو وكيدال، والنازحون من تمبكتو إلى مناطق قريبة لمدينة سيقو

يقدّرون بأكثر من (203.840)

الحدود مع النيجر

منطقة «تيلابيري» فراراً من الحرب في «ميناكا» و «أنديرامبوكان»

26000

موريتانيا

النازحون من مدينة غاو

20.000

بوركينافاسو

النازحون من مدينة غاو - تمبكتو - كيدال

400000

قرب حدود الجزائر

صحراء تيساليت

12000

 

 

الإجمالي = 293.840 لاجئاً ونازحاً

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

برامج عملية مقترحة لتخفيف الأزمة الإنسانية والعلمية:

- إقامة ائتلاف للمنظّمات الإسلامية لدعم الجهود الإغاثية والدعوية؛ لما لذلك من أثر في تعزيز الوجود الإسلامي في هذه الأزمة.

- إطلاق مبادرة لجمع المعلومات عن وضع المخطوطات من حيث التلف والنهب، وقيام المؤسّسات البحثية الكبيرة، كمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ومركز جمعة الماجد، بإطلاق حملة لصيانة المخطوطات التالفة، والتنسيق مع المؤسّسات المحلية في تمبكتو، وبخاصة معهد مماحيدرة للمخطوطات والوثائق، وبناءً على الفهارس التي تم جمعها من خلال مؤسّسة الفرقان للتراث الإسلامي في لندن عام 1427هـ الموافق 2006م.

- عقد مؤتمر عاجل للعلماء والدعاة من أبناء مالي من مختلف المدن والمناطق في دولة مجاورة لتوحيد الصف الإسلامي، والحفاظ على الانسجام والتعايش السلمي بين المكوّنات المختلفة في البلاد.

- إطلاق مبادرة من الجهات الدعوية والشخصيات الإسلامية العالمية للقيام بزيارات ميدانية للوقوف على أوضاع النازحين واللاجئين، وزيارة الحكومة المركزية في بماكو، وتوجيه رسائل حول أهمية الوحدة والانسجام بين الشمال والجنوب، ووقف عمليات التطهير العرقي للشماليين، وخصوصاً في المناطق والمدن الشمالية، وعدم التضييق على الدعوة الإسلامية والمنظّمات الإسلامية الدولية الساعية لإغاثة النازحين في المدن المختلفة.

- إطلاق مبادرة من المؤسّسات التعليمية العريقة في عالمنا الإسلامي، وبخاصة جامعة الأزهر والجامعات المصرية الأخرى، وجامعات المملكة العربية السعودية، وجامعات السودان، وجامعات موريتانيا وغيرها، لاستيعاب أبناء الطوارق والعرب الذين حُرموا لسنوات عديدة من التعليم، ولدرء تزايد الفاقد التربوي بعد هذه الأحداث، ونقترح إنشاء مؤسّسات تعليمية في المخيمات في مناطق اللجوء، قبل أن تتخطفهم المنظّمات التنصيرية والفرق الهدّامة، ولنا فيما حدث للاجئي دارفور في المخيمات الواقعة على الحدود السودانية التشادية عظة وعبرة.

وهذه مشاريع مقترحة، نقدّمها لأهل الخير ومن المنظّمات الخيرية للمساهمة العاجلة في تنفيذها:

المشروع

المنطقة المقترحة

الدولة

برامج إغاثية / صحية

 

كيدال - غاوا - تمبكتو

مالي

منطقة «تيلابيري» فراراً من الحرب في «ميناكا» و «أنديرامبوكان»

الحدود مع النيجر

النازحون من مدينة غاو

موريتانيا

النازحون من مدينة غاو - تمبكتو – كيدال (معظم النازحين في وضعية يرثى لها)

بوركينافاسو

صحراء تيساليت (معظم النازحين في وضعية يرثى لها)

قرب حدود الجزائر

نشر الدعاة والمعلمين

كل المخيمات

جميع دول اللجوء

مشاريع تنموية (مساجد، آبار)

كل المخيمات

جميع دول اللجوء

مجمعات حضرية، وتشمل (مسجد، مدرسة، بئر ارتوازي، مستوصف)

بالمناطق المالية كلها والثغور الحدودية (لما لها من أثر في الحفاظ على هوية المسلمين ووحدتهم)  

مدن مالية وحدود دول اللجوء

حتى لا تتكرر مأساة دارفور في مالي:

حين يغيب التصور الإيماني الحقّ عن بعض أبناء الدعوة الإسلامية في مالي، وبخاصة الدعاة منهم، فبدلاً من التنافس في نشر الدعوة والإيمان والتوحيد وسط الوثنيين والنصارى، وتذكير المسلمين بإسلامهم وتعهّدهم عليه، وتربيتهم التربية الإيمانية الحقة، أخشى ما أخشاه أن تنصرف الجهود والأوقات في تنافس دنيوي ومظاهر دنيوية! ويقع بعضهم تحت أهواء المصالح والشهوات، والعصبيات الجاهلية، فتنصرم عرى الإخاء ووشائج القربى في المجتمع الماليّ الذي عاش مرتبطاً بالإسلام وحده دون غيره، وتشكّلت من خلاله هويته الإسلامية، وذاق حيناً من الزمن طعم أمجاد الممالك الإسلامية في الجنوب والشمال.

فعندما يكتب التاريخ عن مملكة مالي أو صنغاي تتبادر إلى الأذهان مساهمة قبائل المنطقة وشعوبها في بناء ممالك من أعظم ممالك تاريخ الأمة الإسلامية عموماً، وفي غرب إفريقيا خصوصاً، قدّمت للإنسانية حضارة ظلت سامقة إلى اليوم، وشاهدة على ما يتحلى به الماليون اليوم من انسجام وتعايش سلمي، لم تشهد مثله كلّ مناطق غرب إفريقيا إن لم نقل دول جنوب الصحراء عموماً.

حين تماسكت عرى الوحدة والإخاء في منطقة السودان ودارفور دام السلام فيها سنين عدداً، وساهم في تكوينها كلّ أطياف المجتمع المسلم، وهكذا كانت المنطقة حين قامت فيها أعظم مملكة إسلامية في وسط القارة الإفريقية، حتى إن بعض خيراتها كانت تفيض على أرض الحجاز.

وحين تمزقت عرى الأخوة الإسلامية فيها تحولّت في ليلة وضحاها إلى مجتمع يتسم بالعصبيات الجاهلية، وغابت وشائج الإيمان عن القضية، فها هي الآن تعيش في أزمة إنسانية وأزمة عقدية بتنصير عدد من أبنائها، وتحوّل بعضهم إلى أدوات بيد القوى الغربية لتنفيذ سياساتها التي لم تستطع تنفيذها مباشرة إبّان الحقبة الاستعمارية، وأزمة جاهلية تشكّلت من معظم أطياف المجتمع، كلّ ينافح عن نفسه ويزعم أنه على الحق.

وانتشر في مخيمات لاجئي دارفور بشرق تشاد التنصير ومحو للهوية الإسلامية، وقد نقل بعض الباحثين صوراً لما يحدث في مقر منظّمة الخدمة اليسوعية للاجئين (JRS)، حيث يمكن أن تُشاهد فيها أحد القساوسة في أثناء أداء قداس الأحد للكاثوليك وهو يقوم بتعميد أطفال المسلمين (وهو إجراء يقام لمن دخل النصرانية حديثاً، وذلك بغسل جسمه أو جزء منه بالماء)، وهناك رياض الأطفال (التنصيرية) في مخيمي كوننقو وميلي، وأنشطة ما يُسمّى بعيد المرأة، وأنشطة مركز الشباب (التنصيري) بمخيم كوننقو[9].

هذا غير نشر الأمراض والأوبئة الخبيثة، وخطف الأطفال، من دارفور وبعض التشاديين، ونقلهم إلى فرنسا، كما فعلت جمعية «أرش دو زوي» الفرنسية في عام 2007م، وهي المحاولة الوحيدة التي أعلنت عنها، غير أولئك الذين تم نقلهم إلى إسرائيل ودول أخرى.

قد يتكرر هذا المشهد في مالي، وفي النيجر التي باتت على أعتاب أزمة مثل التي تشهدها مالي، ولعل تذكّر ما جرى من تنصير في مخيمات اللاجئين من أبناء دارفور يساهم في شحذ همم الدعاة والعلماء وطلبة العلم، وتوحيد جهودهم ورصّها لمواجهة الحملة الغربية الصليبية التنصيرية في الدول الإسلامية الأخرى.

* باحث في الدراسات القانونية والإفريقية.

 [1]ج. سوريه كانال: إفريقيا السوداء، ج 1 / ص 128، وانظر كذلك: من أجل حوار بين الحضارات، لروجيه غارودي، باريس 1977م، ص 52.

[2] وكالات الأنباء والقنوات الفضائية، الجزيرة، بي بي سي.

 [3]موقع البنك الدولي على الشبكة الدولية (الإنترنت).

 [4]إفريقيا بدون فرنسا، ط 1 / 2002م ، دار ألبان ميشال للنشر والتوزيع، باريس -  فرنسا.

 [5]إفريقيا بدون فرنسا، مرجع سابق، المقدمة.

 [6]انظر: كتاب (إفريقيا وإمبراطورية البترول Africa and the Oil Empire)، تأليف Michael Watts and John Bellamy Foster، تقديم وترجمة: مازن الحسيني، ط 1 / 2007م.

 [7]مقالة: مايكل واتس في كتاب (إفريقيا وإمبراطورية البترول) بعنوان: النهب الرأسمالي والتزاحم على إفريقيا.

 [8]انظر: كتاب (إفريقيا وإمبراطورية البترول Africa and the Oil Empire)، مرجع سابق.

 [9]المستجيربالله / جارالنبي محمد فضل، الأمين العام لجمعية الوفاق للتنمية الشاملة 1432هـ / 2011م.