(قراءات إفريقية) وهموم القارة الإفريقية

  • 1 -4 - 2014
  • تحرير المجلة

يصدر العدد العشرون من مجلة (قراءات إفريقية) وبين دفتيه قراءات متنوعة في واقع القارة الإفريقية، منها ما اتسع مداه عبر ساحاتها الحاضرة، ومنها ما انتحى بجانب منها، وتنقّل عبر أزمنتها التاريخية، متابعة لبعض ما جرى فيما مضى، وبعض ما يجري اليوم، رصداً وتحليلاً ودراسة ونقداً، واستقراءً لما يمكن أن يُتوقع لمستقبل القارة.

فالوقائع والأحداث مهما تناثرت وتباعدت؛ فهي محكومة ضرورة بتتابع زماني وآخر مكاني، إضافة إلى العلاقة الناشئة بينها بما تمثّله قارة إفريقيا من محورية لكلّ ما حواه العدد من قراءات متنوعة: تاريخية وسياسية وتنموية وغيرها؛ ما يجعل العلاقة بينها علاقة عضوية.

إنّ قراءات هذا العدد - وإن تنوعت - تتمحور في نسقين أساسيين، كلّ منهما نقيض الآخر فيما أحدثه من تأثيرات في القارة الإفريقية: نسق الإسلام، ودوره الإيجابي في بناء الحضارة وفي التنمية، ونسق الاحتلال الغربي، ودوره السّلبي في هدم كيان إفريقيا وتمزيقه، واستنزاف ثرواتها، واستدامة تخلّفها.

ووقوفاً على المرحلة التاريخية التي كانت بداية للنّسق الإسلامي في إفريقيا، وجسّدت ميلاداً جديداً لها، وبداية لحضارة زاهرة بدخولها الإسلام، ضمّت مجلة (قراءات إفريقية) في هذا العدد تقريراً عن مؤتمر (جهود الصحابة رضوان الله عليهم في نشر الإسلام في إفريقيا)، الذي انعقد بالخرطوم في 9-11 ربيع الأول 1435هـ الموافق 10-12 يناير 2014م، والذي أبرزت محاوره عمق انتماء القارة للإسلام واللغة العربية، وجاءت توصياته مؤكّدة لضرورة أن تعي الأجيال تلك الجهود، وأن يواصل الأبناء المسيرة، وذلك بحمل ما بلّغه الأولون من الآباء والأجداد من أمانة الدعوة ونشر الإسلام.

ثم جاء تأكيد هذا الانتماء والدور الإيجابي للنّسق الإسلامي في إفريقيا من خلال قراءة أخرى، وهي عرض لنموذج واقعي لمّا حقّقته القارة الإفريقية في ظلّ الإسلام من نهضة حضارية شاملة، تجسّدت فيما بلغه العلم والثقافة من ازدهار، وما شهدته النُّظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها من تطوّر، فموضوع (دولة مالي) تتناول القراءة فيه تاريخ (إمبراطورية مالي الإسلامية) التي تُعَدّ واحدة من أهم الممالك الإسلامية التي نشأت في قارة إفريقيا، والتي تمثّل فيها حكم الإسلام وعدله، وتحقيقه الأمن والاستقرار في غرب إفريقيا، وإحكام النسيج الاجتماعي، والانسجام بين العرقيات المختلفة من زنج وبربر وعرب في ظلّ الأخوّة الإسلامية، وهي (مالي) نفسها التي تشهد اليوم حرباً دامية بسبب النّسق الغربي الذي أوقع الفرقة فيمَن ألّف الإسلام بين قلوبهم، لفرض سيادته بمبدأ (فرّق تسد)، فالمقابلة ما بين الحالين: حال (مالي) في ظلّ الإسلام، وحالها في ظلّ الاحتلال، تُبرز ما بين النّسقين من تعارض في الغايات والأهداف، والأساليب والوسائل، والآثار والنتائج.  

وفي قراءة أخرى ضمّها العدد العشرون؛ سيطالع القارئ موضوع (الحراك الإسلامي والكنسي في دولة الكونغو الديمقراطية) والتي يمثّل النّسق الغربي فيها حقبة تاريخية ممتدة، أعقبت - من حيث التتابع الزمني - النّسق الإسلامي الذي ترسّخ في (الكونغو) قديماً، حيث خضعت (الكنغو) للاحتلال الغربي (البلجيكي)، الذي حرص على أن تكون إفريقيا على نسق حضارته وثقافته ونصرانيته؛ فكانت عملية التنصير التي تمثّل أهم أهدافه، وجعلها مرتكزاً لاستراتيجياته وسياساته، وخططه وبرامجه، وأوقف عليها معظم جهوده، فالكنغو نموذج لما يعمّ إفريقيا من نشاط تنصيري مستغلاً حاجات الناس لطمس هوية إفريقيا الإسلامية.

وهدمُ بنى القارة الإفريقية واستنزافُ ثرواتها هو ما قامت عليه سياسات المحتل الغربي، فقد بنى نهضته الصناعية على دمار نهضة إفريقيا، فقد عطّل ما كان فيها من صناعات ناشئة قبل احتلاله لها، وحوّل المجتمعات الإفريقية إلى أسواق نافقة لصناعاته ومنتجاته، وحقّق رفاهية شعوبه ومجتمعاته على شقاء الإفريقي وبؤسه، وأقام أمنه واستقراره بينما ترك القارة تموج باضطرابات وحروب مستعرة، يعمل على إذكائها بصورة مستمرة، أدار مصانعه ومزارعه بأيدي مَن استرقّهم من أبناء القارة، واليوم يستنزف عقولها وكفاءاتها.

فإبقاء إفريقيا على حالة من التخلّف في صورة مستمرة يهدف المحتل من ورائه إلى تعطيل عملية التنمية فيها، وجعلها بيئة طاردة للكفاءات؛ في الوقت الذي يغري فيه هذه الكفاءات ببيئات جاذبة مهيأة وتشريعات وقوانين مشجّعة، يتجلّى ذلك من خلال ما يعرضه موضوع (إفريقيا.. والكفاءات المهاجرة)، الذي يندرج تحت آثار نسق الاحتلال الغربي، وما ترتّب على سياساته من استنزاف ثروات إفريقيا ومواردها المختلفة، وضمان استمرار هجرات كفاءاتها إليه.

وهذا النسق المدمّر والمعطّل، والذي تسلّط مجلة (قراءات إفريقية) الضوء عليه في صفحات هذا العدد، يطال كذلك ما تلجأ إليه القارة من بناء منظمات إقليمية تنموية؛ إمّا: بالهيمنة عليها، وتوجيه خططها وسياساتها وبرامجها، ووضعها في إطار العولمة الشاملة، وإمّا بعرقلة مشروعاتها، أو تعطيلها كاملاً، فالنّخب الموالية والمنح المشروطة مما استخدمه من الأدوات، إضافة إلى الانقلابات والحروب الممنهجة، والتي تتركز بصورة أساسية في الدول ذات الاستراتيجية الإسلامية التاريخية، والجيوبوليتيكية، ومناطق الثروات والمعادن النفيسة والطاقة وغيرها في إفريقيا.

ويستهدف النّسق الغربي من وراء ذلك تحقيق عدة أهداف مزدوجة، يتعلق بعضها بإعاقة التنمية بصورة عامّة في إفريقيا، وتعزيز التمكين لوجوده فيها، وإعادة بسط هيمنته من خلال قوات التدخّل وغيرها، وفرض العولمة، وتفتيت الكيانات الإسلامية المؤثرة التي تمثّل الخطر الحقيقي لمستقبله (كما يحدث في السودان ومالي)، أو إبادة المسلمين المستضعفين (كما يجري الآن في إفريقيا الوسطى)، والتي خصّها العدد بقراءة لما يدور فيها من جرائم ضدّ المسلمين، تقع تحت بند التطهير العرقي وجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية، ولا حراك..! برغم أنّ لما يسمّى بـ (محكمة الجنايات الدولية) مكاتب في إفريقيا الوسطى، ويسمح ميثاقها بالتدخّل؛ لأنّ إفريقيا الوسطى دولة مصادقة عليه، لكن الحقيقة التي تبرزها مواقف هذه المحكمة مما يجري أنّ هذا الميثاق اتفاقية انتقائية، تُفعّل بنودها ضد الأفارقة المسلمين لقهرهم وإهدار حقوقهم، وتُعطّل ما دام الطرف المُدان بإبادة المسلمين فرنسا وأتباعها!

وإضافة إلى ما سبق؛ هناك قراءات أخرى للواقع الإفريقي في صفحات هذا العدد، والتي نرجو أن تقرّب لقراءنا الكرام بعضاً من هموم القارة الإفريقية وأحوال شعوبها المسلمة.