فرصة في التنمية الإفريقية

  • 1 -10 - 2011
  • تحرير المجلة


شهدت القارة الإفريقية في شهري شعبان ورمضان ولادة مشروع ووفاة مشروع..

وُلد مشروع «اتحاد علماء إفريقيا»، في مؤتمره التأسيسي الذي انعقد في باماكو، عاصمة دولة مالي، في المدّة من 5 - 9 شعبان 1432هـ / الموافق 6 - 10 يوليو 2011م.

ومات مشروع القذافي في إفريقيا..

تطلع الرئيس الليبي المهزوم معمّر القذافي، الذي امتد حكمه لاثنين وأربعين عاماً، إلى قيادة إفريقيا، فسمّى نفسه «ملك ملوك إفريقيا»، وكان يعدّ نفسه لذلك بقائمة من المشروعات والمبادرات!

يُذكر منها:

- «شركة الاستثمار العربية الإفريقية الليبية» التي استثمرت في أكثر من خمسةٍ وعشرين بلداً إفريقياً، اثنين وعشرين منها في جنوب الصحراء الكبرى، في مجالات التعدين والتصنيع والسياحة والاتصالات.

- التأثير الحاسم في إطلاق مشروع «راسكوم» أول شبكة اتصالات فضائية لإفريقيا، يُفترض أن تمد المناطق الريفية في إفريقيا بالبث التلفزيوني والاتصال بالإنترنت([1]).

- «بنك الاستثمار الإفريقي»، ومقرّه طرابلس.

- «صندوق النقد الإفريقي»، ومقرّه في ياوندي في الكاميرون.

- «البنك المركزي الإفريقي»، ومقرّه في أبوجا في نيجيريا.

توقّع بعض المراقبين أن تطوّر هذه الهيئات المالية الثلاث كان سيمّكن البلدان الإفريقية من التملّص من سيطرة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، أداتي الهيمنة الاستعمارية الجديدة, كما كان تطوّرها سيعني بدء نهاية «الفرنك الإفريقي»([2])، وهي العملة التي تُجبر أربع عشرة مستعمرة فرنسية (سابقة) على استعمالها([3]).

ثم ما لبث أن جاء «الربيع العربي» في ليبيا بما لا يشتهي القذافي, وزالت معه مشروعاته التي بناها لمجده الشخصي، وكان لديه استعداد لتدميرها حين تنقضي نهمته، كما فعل ودمّر بلده بالكامل على يد ميليشياته، وراح من شعبه ضحية جنونه أكثر من خمسين ألف ما بين قتيل ومفقود ومعتقل معذّب.

لكن السؤال: أليس في أمتنا مَن يقدر على سدّ هذه الثغرة؟ أو أن الفرصة متروكة دائماً للمتربصين؟

أملنا أن يدرك كلٌّ من الساسة والحكماء والمفكرين والعلماء واجبهم الذي لن يقوم به غيرهم, وأن يدرك كلُّ فرد منهم أن كلّ تأخير أو تقصير من أحدهم ستتداعى آثاره السلبية بشكل يصعب تخيّله.

ولنتخيل بعض آثار تخلّف هذه النُّخب عن دورها؛ كم من البشر يمكن أن يؤثّر قرار واحد في حياتهم؟ أليس المئات والآلاف والملايين، والذين تتعدد أشكال التأثير فيهم بتعدد جوانب الحياة عموماً وخصوصاً؟! قد لا تتخيل مدى صعوبة إحصاء الآثار النفسية التي تتجرعها البشرية مثلاً من قرار فاسد يتّخذه فرد واحد، ويؤيده عليه أفراد ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا معبراً لشهوات الآخرين، مقابل عيش ذليل، وكرامة مهدرة، وعدالة مضيّعة، وحرية موؤودة!

وقد تجدّد الأمل بعد أن تحرّرت بعض الشعوب العربية جزئياً من منفّذي الإرادة الاستعمارية، ويتجدّد الأمل في الشعوب المسلمة التي بدأت تستعيد دورها في رسم قرارات التنمية لصالحها، في عمقها الاستراتيجي في القارة الإفريقية.

الشرط الأول الذي نحتاج إلى تأكيده لتحقيق هذا الهدف: الإرادة الصلبة، والعزيمة الماضية، والتصميم الحديدي، الذي تنهزم أمامه كل إرادة وتصميم دخيل, ولم تكن مشكلة الأمة إلا في الإرادة، أما القدرة فما أوسعها، وما أكثر تجدّدها وتولُّدها إذا توفرت الإرادة!

إذا توفّرت الإرادة سهُل بإذن الله كلّ صعب ?وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً... ? [التوبة : 46].

وحين نرى هذه الإرادة الشعبية المبهرة لشعوب الشمال الإفريقي وغيرها اليوم نستبشر كثيراً، لكن ينبغي ألا يمنعنا هذا الاستبشار من التخوّف لنحتاط، ولا يمنعنا من استشعار الواجب علينا.

فالتخوف الأكبر: هو أن تتمزق الإرادة مرة أخرى، وتتنازع بين مصلحة البلد ومصالح الأعداء، فتضعف.

والواجب الأكبر: أن تتحالف إرادات النُّخب، وأن تتلاحم فيما بينها، إذا أرادت لشأن الأمة صلاحاً, وللتنمية نهضة وتقدماً.

وإذا ما طُولب الساسة الجدد بصياغة إرادات الشعوب لتحقيق مصالح البلاد ورفاهية العباد؛ فإن الحكماء والخبراء والمفكرين والعلماء مطالبون بالحضور القوي، للمشاركة الفاعلة في صياغة تلك الإرادة، حتى يكون الساسة مشاركين في صناعة القرار لا مستقلين به، ولا مستبدين, لأن العلماء والمفكرين إذا غابوا استبد السياسيون مرة أخرى، ولا ريب.

وإذا كنّا نحتاج إلى ساسة يُتيحون المجال لمشاركة المفكرين والعلماء والدعاة والمثقفين؛ فإننا نحتاج إلى علماء يكونون في الشأن العام فاعلين ومشاركين، ونخص - فيمن نخص - بذلك علماء الشريعة الأمناء، ورثة الأنبياء، علماء إفريقيا، وعلماء الأمة جمعاء.

هؤلاء نحتاج إلى حضورهم بعلمهم الشرعي، وفكرهم الواقعي الذي يفهمون به لغة المتخصصين في سائر العلوم العصرية، حضورهم بتحالفهم مع الخبراء المتخصصين في تطوير الحلول التنموية التي تحتاج إليها شعوب القارة, حضورهم بتأثيرهم في القرار الإفريقي الذي يتشكل واقع القارة اليوم على أساسه.

لسنا ننسى دور علماء بعض الدول الإفريقية ودعاتها، وذلك في مواجهة إقرار قانون الإرهاب الذي يهدف إلى تجميد العمل الخيري وتجريم أهله.

كما لا ننسى دور علماء آخرين في مواجهة قرار إلغاء البقية الباقية من الأحكام الشرعية في قانون الأحوال الشخصية؛ استجابة للمشروعات الدولية لعولمة الأسرة, كالموقف المشرّف الذي شهدناه لدعاة مالي وعلمائها الذين كانوا جديرين باستضافة «اتحاد علماء إفريقيا».

ومن الحضور المشكور الذي نطمح إلى مثله: «مؤتمر دور العلماء في تعزيز السّلم الإفريقي» الذي انعقد مصاحباً لمؤتمر تأسيس «اتحاد علماء إفريقيا».

والمشروع الذي وُلد (اتحاد علماء إفريقيا) نموذج آخر جيد لحضور العلماء وإيجابيتهم, نرجو أن يمثّل مجموع قوى علماء الشريعة في إفريقيا، بجميع أطيافهم السُّنية والدعوية، ويكون مدخلاً للتنمية الإفريقية الفكرية والثقافية والعلمية، وفرصة تاريخية للمؤسسات الإسلامية ذات الاهتمام بالقارة.

كما نرجو أن يكون هذا الاتحاد عاملاً في قيام المشروعات العملاقة في القارة وتكاثرها، كتلك المشروعات التي كان القذافي يؤسسها لمجده، والتي تؤثر في صياغة حياة الشعوب.

ونأمل لبلاد مالي أن تستعيد مجدها، كما كانت أيام مملكتها الإسلامية، وحضورها العلمي التاريخي، لتكون بديلاً من القذافي، وليس من ليبيا.. فليبيا ومصر وتونس بوابات منتظرة للتنمية الإفريقية، إن شاء الله تعالى، وما ذلك على الله بعزيز.

([1]) دخل القمر الصناعي «راسكوم» في مداره في آب 2010م، وهو ما سيمكّن البلدان الإفريقية من الاستقلال عن الشبكات الفضائية الأوروبية والأمريكية، ويوفّر لها مئات ملايين الدولارات.

([2]) «الفرنك الإفريقي»: تضمنه وزارة المالية الفرنسية، وسعر صرفه ثابت مقابل الفرنك الفرنسي السابق، والآن اليورو، وهو يكرّس التبعية النقدية الإفريقية لفرنسا.

([3]) انظر مقالاً بعنوان: لماذا شنّ الناتو حرباً على ليبيا.. صحافي إيطالي يكشف المستور, نشرته شبكة البصرة, وقد نُشر المقال في صحيفة المانيفستو الإيطالية في 22/4/2011م، وأُعيد نشره بالإنجليزية في موقع «غلوبال ريسرتش» في 24/4/2011م.