غينيا كوناكري في مواجهة التغريب

  • 20 -10 - 2013
  • إلياس سليمان يولا


إلياس سليمان يولا 

التغريب تيار فكري كبير ذو أبعاد سياسية واجتماعية وثقافية وفنية، يرمي إلى صبْغ حياة الأمم بعامة، والمسلمين بخاصة، بالأسلوب الغربي، وذلك بهدف إلغاء شخصيتهم المستقلة وخصائصهم المتفردة، وجعلهم أسرى التبعية الكاملة للحضارة الغربية[1].

وقيل هو حركة موجّهة لصبغ الثقافة الإسلامية بصبغة غربية، وإخراجها عن طابعها الإسلامي الخالص، واحتوائها على النحو الذي يجعلها تفقد ذاتيتها وكيانها، وتذوب فيما يُسمّى «الثقافة العالمية» أو «الفكر الأممي»[2].

ولا ريب أن هذا المخطط من أقسى ما واجهه ويواجهه الفكر الإسلامي في مراحل مختلفة من العصر الحديث المختلفة، لأنه وليد الاستعمار وربيب الاستشراق وابن التبشير، وهو فوق ذلك مؤامرة الصهيونية مع الصليبية ضد الإسلام والمسلمين[3].

يهدف التغريب إلى حمل المسلمين على قبول ذهنية الغرب، وغرس مبادئ التربية الغربية في نفوسهم، حتى يشبّوا متغربين في حياتهم وتفكيرهم، وحتى تجفّ في نفوسهم موازين القيم الإسلامية، ويتطلب تحقيق ذلك إيجاد شعور بالنقص في نفوس المسلمين، وذلك بإثارة الشبهات وتحريف التاريخ الإسلامي ومبادئ الإسلام وثقافته، وإشاعة المعلومات الخاطئة عن أهله، وانتقاص الدور الذي قام به في تاريخ الثقافة الإنسانية، ومحاولة إنكار المقومات التاريخية والثقافية والدينية التي تتمثل في ماضي هذه الأمة، أو انتقاص القيم الإسلامية، والغضّ عن مقدرة اللغة العربية، وتقطيع أوصال الروابط بين الشعوب الإسلامية[4].

أولاً: التغريب في غينيا كوناكري[5]:

هناك عاملان رئيسان مهمّان في دفع حركة التغريب في المجتمع الغيني المسلم، متمثلان في عوامل داخلية وأخرى خارجية، كما يأتي:

أما العوامل الداخلية: فهي جزء من الابتلاء الذي أصاب المسلمين في غينيا كما أصاب كثيراً من الشعوب الإسلامية الأخرى، وهي تختلف من حيث أنواعها ومصادرها، فبعضها ناتج عن الغزو الاستعماري الذي اجتاح غينيا، وبعضها ناتج عن التيارات الفكرية والمذاهب الهدامة الوافدة إلى البلاد، وبعضها الآخر - وهو الأهم - نتيجة الجهل بحقيقة العقيدة الإسلامية الصحيحة، وعدم معرفة أهداف أعداء الإسلام ومخططاتهم، وضعف العمل على التصدي لها لدى كثير من المسلمين في غينيا.

وتأتي أهمية تشخيص الأسباب الداخلية من الحقيقة القائلة: إنّ أساس انهيار الأمم إنما يبدأ من الداخل؛ لأن من سنن الله الكونية أن الناس لا يصابون إلا من كسب أيديهم، قال تعالى:

?وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ? [الشورى : 30].

وأما العوامل الخارجية: فهي الاستعمار الفرنسي الذي جاء من خارج جسد الأمة الإسلامية، الاستعمار الفرنسي لغينيا المسلمة بنوعيه، القديم (السياسي) والحديث (الثقافي)، حافل بمآسيه العظام بين الأمس واليوم، وما زال الغينيون يتذكرون حتى الآن تلك المآسي التي جرّها عليهم وعلى آبائهم وأجدادهم جيش الاحتلال الفرنسي البغيض[6].

في مجال الديانة؛ حاول الاستعمار الفرنسي أن تكون المسيحية ديناً للدولة بمساعدته للكنيسة بالعتاد والمال والرجال، وبمحاربة الإسلام بكلّ الطرق، وذلك بتذويب الثقافة الإسلامية في الثقافة الفرنسية، ومحاولة فرسنة الشعب الغيني المسلم وتشويه فكره عن طريق التعليم العام ووسائل الإعلام، المرئية والمسموعة والمقروءة، وغيرها من الوسائل الترويجية التي تحضّ وتشجّع على نبذ العقيدة الإسلامية الصحيحة والاستمرار على الرواسب الجاهلية[7].

وفي مجال الحكم؛ جعل الاستعمار نظام الحكم في البلاد مبنياً على العلمانية، وهذا ما أدى إلى إفساح المجال لكثير من أصحاب المذاهب الهدامة من مسيحية بمختلف طوائفها، وصوفية متعصبة، وشيعية رافضة، وشركيات الوثنيين وشعوذتهم في جميع ربوع غينيا[8]، وقضت على الحضارة الإسلامية العظيمة التي كانت تسود المنطقة، وعلى كلّ خلق وقيم لها علاقة بالإسلام.

جملة القول: الاستعمار إحدى الوسائل الخطيرة التي مهدّت الطريق لحركة التغريب؛ إذ كانت الطائفة المسلمة في غينيا هي الفئة المتعلّمة المتميزة قبل مجيء الاستعمار الأوروبي في زحفه المتأخر على المنطقة في القرن التاسع عشر، فوجد الاستعمار أن المسلمين وحدهم هم أهل الدراية بالقراءة والكتابة والتدوين، فاضطر الفرنسيون المحتلون في بداية عهدهم إلى استخدام بعض المتعلمين من المسلمين في الوظائف الحكومية لإدارة الدولة، ولكن سرعان ما عملوا بهمة ونشاط لقلب الأوضاع رأساً على عقب في بضعة عقود من الزمان، وكانت السياسات التعليمية التي انتهجها الاستعمار الفرنسي هي العامل الأساسي لتدهور التعليم المدني الحديث عند المسلمين، وحرمانهم منه، وإبعادهم عن مراكز التوجيه والتأثير ووظائف الدولة، وتغيير أوضاعهم من القيادة إلى المؤخرة، ومن الغلبة إلى الضعف والقلة.

ومن أهم إجراءات التغريب التي قام بها المحتل الفرنسي ما يأتي:

- إنشاء مدارس التعليم المدني الحديث ووضع إدارتها وملكيتها في أيدي الإرساليات التنصيرية الفرنسية، ودعم تلك المدارس من ميزانية الدولة لتخرّج جيلاً جديداً من الإداريين النصارى لإدارة مؤسسات الدولة التعليمية والعسكرية والاقتصادية وغيرها، وإبعاد الإداريين المسلمين.

- اهتمام كلّ الإدارات التنصيرية بتنصير التلاميذ أكثر من اهتمامها بالتعليم، ومن ثم استخدام المؤسسات التعليمية كمؤسسات تبشيرية للنصرانية، وفي المقابل أهملت الإدارة الاستعمارية الحاكمة المدارس الحكومية التابعة لها، وتوقفت عن تنميتها بالكيف والكم الذي يؤهلها لأداء رسالتها التعليمية بصورة جيدة، أما بالنسبة للمدارس الإسلامية العربية؛ فلم يأذن الاستعمار بفتح شيءٍ منها إلا مدرسة الشيخ الحاج محمد فاديقا في كنديا[9]، ومن ثم لم يجد المسلمون الذين يبحثون عن تعليم مميّز أمامهم إلا الالتحاق بمدارس الإرساليات التنصيرية التي تدعمها سلطة احتلال ذات رسالة تعليمية موجّهة.

- استطاعت فرنسا بعد احتلالها الأراضي الغينية، وبتعاون مع الإرساليات التبشيرية، أن تجعل اللغة الفرنسية لغة البلاد الرسمية؛ حيث أصدر الحاكم الفرنسي الاستعماري لدول غرب إفريقيا الفرنسية قراراً في عام 1911م يقضي بإلغاء القضاء في المحاكم باللغة العربية، ومنذ ذلك الوقت استمر العمل باللغة الفرنسية لغة رسمية لدول غرب إفريقيا الفرنسية، والتي كانت غينيا جزءاً منها[10].

وبالرغم من غلبة الفرنسية على عقول المثقفين لكونها اللغة الرسمية المستخدمة في الدوائر الحكومية في الدولة، فإن اللسان العربي بقي شعاراً للإسلام وأهله في هذا البلد على نطاق واسع جداً، تمسكاً بعقيدتهم الإسلامية وهويتهم الدينية، وحفاظاً لأجيالهم من دوام الانصهار في بوتقة التبعية المطبقة لفرنسا، كيف لا وهي لغة القرآن الكريم.

ثانياً: مظاهر التغريب في غينيا كوناكري:

إن الأصل في الكفار أنهم لا يأمرون ولا يشيرون إلا بما يتوافق مع دينهم، وهذا مما يدعو إلى غاية الحذر والاحتراس منهم، ومما يوحي بعظمة هذا الأمر وخطورته أن النهي فيه موجّه إلى شخص نبينا صلى الله عليه وسلم، وأنه تكرر عدة مراّت في العهدين المكي والمدني، قال الله تعالى: ?فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُون? [القلم : 8 ، 9]، قال ابن عباس: «لو تُرَخِّص لهم فَيُرَخِّصون»، وقال مجاهد: «ودوا لو تركن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه من الحق»[11]، وقوله تعالى لأمته: ?وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ? [هود : 113].

إليك أخي القارئ أهم مظاهر التغريب في المجتمع الغيني المسلم على سبيل المثال لا الحصر، وهي:

1 - ترسيخ الاحتفال بأعياد النصارى:

- عيد ميلاد المسيح u (24 Decembre):

هو اليوم الذي يحتفل فيه النصارى بمولد عيسى عليه السلام - حسب اعتقادهم -، فيذهبون إلى الكنيسة للصلوات الخاصة بهم، وهو من أهم أعيادهم الدينية بعد الفصح، يحتفلون بذلك ابتداءً من يوم 24 ديسمبر (كانون الأول من كلّ عام) إلى آخر الشهر.

ومما يؤسف له أن كثيراً من المسلمين يتبعونهم في الاحتفال بهذا العيد النصراني في غينيا وبعض  البلاد الإسلامية الأخرى؛ حيث تُقفل جميع الدوائر الحكومية وغير الحكومية في غينيا، بما في ذلك المحلات والأسواق التجارية، ويقوم بعض المسلمين بإرسال التهنئة للنصارى بالبطاقات وغيرها؛ كلّ ذلك تعظيماً لهذا اليوم واحتراماً له - كما يزعمون -.

- «اثنين الفصح»، ويسمّى «عيد القيامة» (LUNDI DE PAQUE):

يحتفل به عامة النصارى في 3 أبريل (نيسان) من كلّ عام، وهو أهم أعياد النصارى السنوية، ويسبقه الصوم الكبير الذي يدوم أربعين يوماً قبل أحد الفصح، يعد عيد الفصح المسيحي امتداداً لعيد الفصح اليهودي، ولكن معناه عند المسيحيين يختلف عن معناه عند اليهود، فبينما يعتقد اليهود أن (الفصح) هو ذكرى عبورهم من «العبودية إلى الحرية» بعد خروجهم من مصر، يعتقد المسيحيون أن ذلك العيد يشير إلى عبور المؤمن بالمسيح من العبودية للخطيئة إلى «التحرر والحرية»، ويرون أن السيّد المسيح عليه السلام هو الذي أمر أتباعه أن يسيروا على هذا المنوال بقوله: «اصنعوا هذا لذكري».

المسملون في غينيا لا يشاركون النصارى في فعاليات هذا العيد النصراني، ولكنهم يقدّمون لهم الأكل والشراب في أثناء ذهابهم إلى مدينة بوفا لأداء فريضة حجّهم المزعوم، ويظهرون لهم الفرح والسرور والمحبة والتعاطف وغير ذلك من الأمور المحرّمة[12]!

 وقد فُسّر قوله تعالى: ?وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا? [الفرقان : 72] بأن من صفات عباد الرحمن أنهم لا يحضرون أعياد الكفار[13].

- عيد رأس السنة الميلادية (1Jour de LAN):

أول يناير (كانون الثاني) في كلّ عام، وفي هذه المناسبة تعطّل جميع الدوائر الحكومية وغير الحكومية ما عدا المحلات والأسواق التجارية، بل نجد أن هذا اليوم عطلة رسمية في معظم دول العالم، بما في ذلك بعض الدول الإسلامية.

حكم احتفال المسلمين بهذه الأعياد:

للمسلمين عيدان في السنة، وهما: الفطر، والأضحى، وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: «الأعياد من جملة الشرع والمناهج والمناسك التي قال الله سبحانه: ?لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً? [المائدة : 48] وقال: ?لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ? [الحج : 67]، كالقبلة والصلاة والصيام، فلا فرق بين مشاركتهم في العيد وبين مشاركتهم في سائر المناهج، فإن الموافقة في جميع العيد موافقة في الكفر، والموافقة في بعض فروعه موافقة في بعض شعب الكفر؛ بل الأعياد هي من أخص ما يتميز به الشرائع؛ ومن أظهر ما لها من شعائره، فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر، وأظهر شعائره، ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهى إلى الكفر في الجملة بشروطه»[14].

وقال أيضاً: «وأعياد الكفار: من الكتابيين والأميين في الإسلام من جنس واحد، كما أن كفر الطائفتين سواء في التحريم، وإن كان بعضه أشد تحريماً من بعض»[15].

2 - التسمّي بأسمائهم:

ومن الملاحظ في غينيا أن بعض الآباء يسمّون أبناءهم وبناتهم بأسماء حسنة، لكنهم عندما يكبرون لتأثّرهم بأجواء التغريب يكرهون تلك الأسماء الحسنة التي تدلّ على أن صاحبها مسلم، فيغيرونها ويسمّون أنفسهم بأسماء أجنبية منكرة، يشتهرون بها في الأسرة حتى على لسان الآباء والأمهات وفي المجتمع.

ولا شك «للأسماء تأثير في المسميات، وللمسميات تأثر عن أسمائها في الحسن والقبح»[16]، ولهذا كان النبي صلى الله عليه يغير الاسم القبيح بالحسن، قال الإمام البخاري: «باب: تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه»، ثم روى بسنده عن سعيد بن المسّيب أن جده حزناً قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له عليه الصلاة والسلام: «ما اسمك؟ قال: حَزْنٌ. قال: أنت سَهلٌ. قال: لا أغيّر اسماً سمّانيه أبي. قال ابن المسّيب: فما زالت الحزونة فينا بعد»[17]، وروى مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن ابنة لعمر كانت يُقال لها عاصية، فسمّاها رسول صلى الله عليه وسلم جميلة[18].

3 - تقليد الغرب في عدم تعدّد الزوجات:

من مظاهر التغريب في غينيا كوناكري رفض تعدّد الزوجات، وهناك فرق بين أن نناقش هل فلان يناسبه التعدّد أو لا، وبين أن نناقش أصل القضية، لأن هذا أمر محسوم شرعاً، والمتتبع لأحوال المسلمين الاجتماعية في غينيا يجد أن بعض المسلمات، وبخاصة المتعلمات في المدارس الفرنسية، يعارضن مسألة تعدّد الزوجات بصورة متزايدة، لا بسبب الغيرة – كما هو معروف لدى كثيرات من النساء - ولكن بسبب الاستهزاء وازدراء هذا الأمر واعتباره ظلماً للمرأة، ولذلك تشترط بعضهن عدم الزواج بأخرى عليها، بل قد تتنازل وتصبر على خيانة أخلاقية من زوجها، ولا يمكن أبداً أن تتنازل أو تصبر على التعدّد، ولهذ لا ينتشر تعدّد الزوجات بين أوساط المتعلمين التعليم الغربي.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الذين يرفضون التعدّد ليس المانع لديهم تكاليف الزواج، وهذا غير وارد ولله الحمد؛ لأنه بالإمكان أن يتزوج الشخص بمائتي دولار في غينيا، ولكن السبب هي الأفكار والثقافة الغربية التي خلّفها الاستعمار، وتشبّهاً وتقليداً بغير المسلمين من النصارى.

ويلاحظ أن تعدّد الخليلات لدى هؤلاء المتغربين هو البديل الذي يحلّ محلّ تعدّد الزوجات الشرعي، وينتج عنه كثرة الأطفال غير الشرعيين وجميع صور الخيانة الزوجية، كيف لا وهم قد حرّموا ما أحلّ الله من التعدّد، وأحلّوا ما حرّم الله من الزنا، فأصبح الحلال لديهم حراماً والحرام حلالاً!

وفي المقابل؛ فإن حالات الزواج بزوجة واحدة بالنسبة للذين تعدّت أعمارهم سنّ الأربعين من الدارسين الشرعيين والعوام هي حالات نادرة واستثنائية؛ لأن التعدّد لا يعد عيباً أو مشكلة في المجتمع الغيني الذي لم تصبه لوثات التغرب.

4 - الدعوة إلى تحديد النسل:

من مظاهر التغريب في غينيا كوناكري أيضاً الدعوة إلى تحديد النسل في الآونة الأخيرة، ويقف وراءها بعض هؤلاء المتغربين.

ولنا أن نقول لماذا تُشجّع البلدان الإسلامية والنامية - كما يقولون - على تحديد النسل، بينما تُشجّع بعض دول أوروبا على زيادة النسل؟! كفرنسا - على سبيل المثال - التي دعا بعض رؤسائها لزيادة النسل ولو عن طريق غير شرعية، ولماذا لا نسمع عن تحديد النسل في البلد الذي اغتصبت أرضه من أهله – وهو إسرائيل -؟ أليس القصد أن يقلّ عدد المسلمين دون سواهم[19]!

5 - الزواج بغير المسلمات:

يكثر زواج بعض المسلمين من الفتيات غير المسلمات، ولعل من أسباب تفشي هذه الظاهرة ما قاله أحد الذين لهم علاقة بالموضوع، حيث قال: إن البنات المسلمات أكثرهنّ لسن متعلمات، والشباب المتعلم يريد الزواج من فتاة متعلمة ليحصل التوازن والتكافؤ.

وهذه حقيقة مؤلمة، فبعض الأباء لا يهتمون بتعليم بناتهم، ولكنني أرى أن هذا ليس سبباً كافياً، وإنما تكمن المشكلة في داء الاختلاط الذي يحصل بين طلبة المدارس في أثناء الدراسة، بسبب التعرف والاحتكاك بغير المسلمات، حيث تكبر العلاقة وتستمر الصداقة المشبوهة بينهما، وتنتهي غالباً بقرار الطرفين بالزواج.

ولا يعني ذلك أن نكاح الكتابيات محرّم على المسلم، فقد أحلّ الله المحصنات من أهل الكتاب بقوله تعالى: ?وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ? [المائدة : 5]، قال أبو جعفر بن جرير الطبري بعد حكاية الإجماع على إباحة التزوّج بالكتابيات: «إنما كره عمر ذلك؛ لئلا يزهد النّاس في المسلمات»[20].

لكن قلّ من تزوّج بالنصرانية وتجده يحرص على دعوتها وهدايتها إلى الإسلام، وأدهى من ذلك وأمرّ أن يكون الأولاد على دين أمّهم، حيث يمارسون الطقوس النصرانية في الكنائس، ولا يصلّون في المساجد، ويدرسون في المدارس النصرانية، ولا يعرفون شيئاً عن الإسلام.

وعلى الرغم من ذلك فهناك مبشرات بزيادة الوعي لدى بعض الشباب المسلم بهذا الأمر، حيث يرفض بعضهم الزواج من الفتاة غير المسلمة.

6 - تقليد الغرب والتشبّه بهم في الملابس والكلام وغيرها:

ومن مظاهر التغريب في غينيا كوناكري تقليد بعض الشعب الغيني المطلق للغربيين والتشبّه[21] بهم في الملابس، ويستوي في ذلك الرجل والمرأة على حدٍّ سواء، فالرجل يقلدهم في شكل اللباس وطريقة ارتدائه، وفي لبس الرجل قلادة في عنقه، وسوار في يده، وحلق الرأس، ويحدث هذا بسبب التشبه بطريقة لاعب أو ممثل غربي.

من ناحية أخرى اختلط لباس الرجل بلباس المرأة، فأصبح الرجال يتشبهون فيه بالنّساء، والنساء يتشبهن فيه بالرجال، وأصبحت النساء بهذه الملابس كاسيات عاريات مائلات مميلات.

 ولا شك أن تقليد المرأة للغرب أشدّ وأعظم خطراً على المجتمع؛ لكونها عنصراً جوهرياً في أي عملية تحوّل أو تغيير اجتماعي، فإذا استسلمت لداء التقليد الأعمى لم تعد قادرة على تخريج الأجيال المسلمة، ومن مظاهر تغريب المرأة المسلمة الغينية تشبّه المرأة المسلمة الغينية بالمرأة الغربية في السفور وانتهاك حرمة الحشمة والحجاب، والتبرج والإسراف في استعمال الزينة بمختلف أشكالها، وبشكل عام التشبّه في اللباس الذي اخترعه الغرب، والذي أذهب الحياء عن المرأة المسلمة، فأصبحت لا تستحي أن تلبس لباساً يُظهر مفاتنها لضعاف القلوب[22].

ومن مظاهر التشبه والتقليد في الحياة العامة في غينيا، وما ابتلي به المجتمع الإسلامي، تقليدهم الغرب في المأكل والمشرب وفي نوعه وطريقته، حتى أصبح المجتمع الغيني لا يتورع عن تقديم أنواع الخمور في المطاعم والمقاهي والفنادق، فأصبح الأكل والشرب على الطريقة الغربية مظهراً مألوفاً في المجتمع الغيني.

وقد بلغ ببعض المخدوعين بالغرب من الشباب والفتيات أن قلّدوا الغرب في طريقة كلامهم وأسلوب حديثهم، واستقر في أذهانهم أن من تكلم لغة الغرب هو المثقف وصاحب الحضارة.

كما برزت ظاهرة تقليد الغرب في سلوك بعض الأفراد في طرائقهم في الحركة والمشي، وفي اللهو، وفي أغانيهم وموسيقاهم، ومثال ذلك تقليد بعض الشباب المسلمين لمثل مايكل جاكسون المغني الأمريكي في الغناء والرقص.

7 - قلّة الوعي بأهمية تعلّم العلوم الإسلامية لدى بعض المسلمين:

إن بعض المسلمين في غينيا يشعرون – بغير حق - بأن دور التعليم الإسلامي محدود، وليس ذا أهمية كبيرة في الحياة الإنسانية التي أخذت ترتقي يوماً بعد يوم في النمو والتقدّم والرفاهية والازدهار الصناعي المتطور.

واتضح ذلك جلياً بعدما قررت السلطات الفصل بين التعليمين، وإحلال كلٍّ منهما بمدارس خاصة، مع إلزام المدارس العربية بتعليم اللغة العربية فقط والمواد الفرنسية في خطوة استمرارية، إذْ إن صناديق دعم التعليم الغربي رفضت الإنفاق على غير تعليمها، ونادت بضرورة علمنة التعليم[23].

8 - تمرير الفكر التغريبي من خلال المصطلحات العامة الغامضة:

استخدام المصطلحات العامة المشتملة على معان صحيحة من حيث اللغة، وباطلة من حيث دلالتها الاصطلاحية الخاصة، ومن ذلك: الحرية، والتعددية، وحقوق الإنسان، وغيرها.

ثالثاً: دور المسلمين والمؤسسات الدعوية والتعليمية في مواجهة التغريب:

1 - دور المسلمين الأوائل وأثرهم في الوقاية من التغريب:

امتنع المسلمون إبان الاستعمار الفرنسي من توجيه أبنائهم إلى تلك المدارس، بل رأوا أن ذلك التعليم كفر لمخالفته تعاليم الدين الإسلامي، ومن ثم أوجبوا مقاطعته بكلّ وسيلة ممكنة؛ لأن التعليم في مدارس لا دينية وبأيدي رجال ملحدين يجر التلاميذ الذين يتلقون عنهم التعاليم إلى اتباعهم في كفرهم، ومن أجل ذلك رفضوا إرسال أولادهم إلى المدارس الفرنسية في حال الاختيار، أما في حالة إجبارهم على ذلك فيقبلون مرغمين، بحجة أن التعليم الديني لا يعوّض ببرامج التعليم الموضوعية الأجنبية، وأن كلّ جديد بدعة وكلّ بدعة ضلالة، فاكتفوا بتدريس الدين الإسلامي في حلقات تُقام في المساجد، وكانت المقولة الشائعة لديهم هي: «من أخذ بيد ابنه إلى المدرسة النصرانية؛ فإن ابنه سيأخذ بيده إلى نار جهنم».

قال الدكتور محمد عبدالقادر في ذلك: «ومضت فترة تردد فيها الناس في إرسال أولادهم إلى هذه المدارس؛ خشية أن تؤثر الثقافة الفرنسية المسيحية في عقيدتهم وأخلاقهم وتنصيرهم؛ مما أدى إلى تأخير نشر التعليم والثقافة العصرية في غينيا»[24].

وقد أسهمت تلك المخططات والمناهج والمقررات في تضييق فرصة الأخذ بأسباب النهضة العلمية على المسلمين، وذلك حتى يظهروا في مظهر الضعف أمام بني جنسهم النصارى[25].

وقد يسأل سائل: فما علاقة هذا الكلام بالموضوع الذي نحن بصدد الحديث عنه؟ فأقول: إن جهل المسلمين في غينيا بالعلوم الكونية العصرية، وعدم تضلعهم بها، وقلّة عدد المكترثين بها، يجعل أمرهم –دائماً - حقيراً في أعين غير المسلمين؛ حيث إن أغلب مناصب الدولة إنما تقع في أيدي المتبحرين في تلك العلوم الذين يقومون في الوقت نفسه بمحاربة اللغة العربية والعلوم الإسلامية بكلّ وسائل ممكنة، ونسبة المسلمين الحاذقين لهذه العلوم العصرية ضئيلة جداً في غينيا برغم كثرتهم وبلوغهم 95% من إجمالي سكان الدولة؛ مما أدى إلى تخلّفهم في كثير من المجالات إلى يومنا هذا[26].

أقول كما يجب الاهتمام والعناية التامة بالتعليم الديني، فكذلك لا يجوز إغفال التعليم الحديث، فالبديل الوحيد أن يتطور الاثنان معاً مستندين إلى الدّين فكراً وأهدافاً وتوجيهاً واتجاهاً.

2 - أثر وزارة الشؤون الإسلامية في الوقاية من التغريب:

لمّا تغيّر توجّه الرئيس أحمد سيكوتوري[27]، وتحوّل إلى الالتزام بالإسلام ومبادئه السمحة[28]، أدرك الوضع القائم في البلاد من فساد وانتشار الانحرافات في العقيدة والفكر والسلوك، ورأى أن المجتمع بحاجة ماسة إلى علاج سريع، فأصدر أمراً رسمياً بتاريخ 9 يونيو عام 1975م بإنشاء هذه الوزارة؛ حرصاً منه على بذل الجهود من أجل حماية العقيدة، وسدّ منافذ البدع والخرافات والمحدثات.

هكذا كانت بداية وزارة الشؤون الإسلامية في غينيا التي تولّت مهمة الدعوة ونشر الإسلام، وتصحيح المفاهيم الخاطئة لدى بعض المسلمين، ومكافحة الجهل والخرافات والبدع، في داخل غينيا، وذلك في إطار اهتمام الحكومة الغينية بالدين الإسلامي، ولا يخفى على القارئ الكريم ما لهذه المؤسسة من تأثير في ذلك؛ لكونها مدعومة بقوة البرهان والسلطان في آنٍ واحد، كما قال الخليفة الراشد عثمان بن عفان t: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»[29]، وبهذا يمكن القول بأن الإسلام والمسلمين بخير من حيث التنظيم والتنسيق والإشراف على الجمعيات الإسلامية.

وكلّ النشاطات الإسلامية والدعوية في جميع أنحاء البلاد تحت رعاية الرابطة الإسلامية الوطنية التي هي بمثابة وزارة الشؤون الإسلامية، ويرأسها أمين عام بمرتبة وزير، وحوله مجلس أعلى للشؤون الإسلامية يقررون أمور الدين في البلاد.

والرابطة الإسلامية الوطنية ممثلة في كلّ محافظة ومنطقة في غينيا لتسيير شؤون الإسلام والمسلمين فيها، وتعتبر جمهورية غينيا فريدة في إنشاء وزارة الشؤون الإسلامية من بين دول غرب إفريقيا - فيما أعلم -.

وبناء على ذلك؛ فإن الوزارة جهاز مسؤول في هذا المجال عن القيام برسالة الدعوة إلى الله، وتكثيف الجهود لنشرها، بتنظيم محاضرات وندوات ولقاءات ودورات شرعية متنوعة في مختلف الموضوعات، من قبل نخبة من العلماء المتميزين في الساحة، والمشهود لهم بالصّلاح، وممن تتوفر فيهم الحنكة والخبرة والتجربة، لمعالجة الكثير من الانحرافات العقدية والسلوكية، وتبصير المسلمين بأمور دينهم الحنيف، وأن يتم تنفيذ هذه الندوات والمحاضرات واللقاءات والدورات وفق تنظيم وتخطيط محكم، وأن تسجل هذه المحاضرات والندوات وتذاع عبر وسائل الإعلام المسموعة والمرئية.

تجدر الإشارة إلى أن من أهم المجالات التي ينبغي للوزارة أن تهتم بها هي:

-  ترجمة الكتب النافعة إلى اللغة الفرنسية واللهجات السائدة في البلد: هناك حاجة ملحة لترجمة معاني القرآن الكريم، وبعض الكتب النافعة، مثل: الأربعين النووية ورياض الصالحين للإمام النووي رحمه الله، والكتيبات والنشرات النافعة؛ لتعريف الإسلام، وإزالة الشبهات المثارة حوله، ومن المهم تزويد المسلمين بهذه الكتب لسدّ حاجاتهم الدينية، حيث لا يجيد غالبيتهم إلا اللغة الفرنسية واللهجات المحلية؛ وذلك بإيصالها إلى الأماكن العامة في الدولة، كما أنها تفيد في دعوة غير المسلمين بالحكمة والطريقة غير المباشرة.

- إعداد الدعاة وكفالتهم: الداعية هو العنصر الفعال في الدعوة، ولا تنجح الدعوة إلا بداعية يؤمن بها ويحسن عرضها، ويكون نموذجاً حياً لتعاليمها، ولذا تجب العناية بإعداده لأداء رسالته إعداداً متكاملاً من جميع الجوانب[30].

وفي ضوء أهمية ذلك؛ هناك ضرورة ملحة إلى تأسيس أو إنشاء معهد يُعنى بإعداد دعاة مدربين على أساليب الدعوة، وكفالتهم بما ييسر لهم قيامهم بالدعوة في أوساط المسلمين وغير المسلمين، في المدن والقرى، والأرياف والبادية، ويجيدون اللغة الفرنسية واللهجات السائدة في البلد، وأرى أن أنسب الفئة لهذه المهمة هم خريجو الجامعات الإسلامية؛ لما لديهم من تأصيل شرعي، فتركز في تأصيلهم لغوياً وثقافياً، فالوضع القائم الآن في غينيا يتطلب هذا الأمر.

3 - أثر المنح الدراسية في الوقاية من التغريب:

إن استمرار الدول الإسلامية والعربية في ابتعاث الطلبة من غينيا وبقية دول العالم الإسلامي للدراسة في جامعاتها الإسلامية لمن أكبر الوسائل للوقاية من المذاهب  الهدامة وأفكارها، حيث إن خريجي تلك الجامعات هم رواد حركة الدعوة الإسلامية في بلدانهم – كما عليه الوضع في غينيا -.

لقد نفع الله – عز وجل - المجتمعات بالكثير من خريجيها، حيث قاموا بالتدريس والتأليف في العلوم الإسلامية، كما قام بعضهم بالدعوة إلى الله – سبحانه وتعالى- عن طريق إمامة الناس والخطبة والدرس والمحاضرة والمشاركة في الندوات والدعوة الفردية والجماعية في المجتمع.

وتعد المملكة العربية السعودية – حرسها الله - بما لها من مكانة دينية، ورصيد علمي كبير في العالم اليوم، وخصوصاً بين المسلمين، رائدة الدعوة الإسلامية، فهي تتحمل مسؤوليات جسام لخدمة المسلمين والدعوة الإسلامية التي تتمثل في استقدام أبناء العالم الإسلامي عامة، وأبناء غينيا خاصة، وإلحاقهم بجامعاتها الموقرة في جميع مراحلها المختلفة[31]، والقيام على تعليمهم وتربيتهم تربية إسلامية رشيدة، وغرس الدّين الإسلامي الخالص، وترسيخ العقيدة الإسلامية الصحيحة في نفوسهم، ومن ثم إعادتهم إلى تلك المجتمعات دعاة مصلحين؛ حاملين نور الإسلام من بلاد الحرمين الشريفين التي شرفها الله – عز وجل - أن جعلها مهبط الرسالة على خاتم النبيين والمرسلين عليهم أفضل الصلاة والتسليم.

4 - أثر المسجد في الوقاية من التغريب:

لا شك ولا ريب أن للمسجد أثراً وأهمية عظيمة في نشر الدعوة الإسلامية عموماً، وفي نشر العقيدة الإسلامية خصوصاً، ولكن ذلك لا يتحقق إلا بعدد من الأمور.

وبيان ذلك في النقاط الآتية:

- اختيار الإمام الكفوء المناسب ليقوم بوظائفه التعليمية والإرشادية والدعوية والتربوية على الوجه المطلوب اللائق.

- توثيق صلة النّاس بالله تعالى، وتقوية إيمانهم وإسلامهم، وتعميق مفهوم العقيدة الصحيحة في نفوسهم، وتحذيرهم مما يضاده من الشرك والبدع الخرافة.

- توضيح معاني العبادة الصحيحة، وما ينبغي أن تكون عليه من الصحة والصّواب، سواءً كانت عبادات ظاهرة أو باطنة، مع التأكيد على الإحسان ومراقبة الله تعالى وخشيته في السر والعلن.

- تبليغ سنّة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس، وما كان عليه من سيرة حميدة، ومسالك جميلة وأخلاق رفيعة؛ ليحذوا حذوه وينهجوا نهجه.

- إيضاح ما كان عليه سلف الأمة وعلماؤها وفقهاؤها ونبلاؤها ودعاتها من خير وتقى وصلاح، وكيف أنّهم كانوا مصابيح الدجى وقادة لكلّ هدى، وما ينبغي لهم من الاستنان والاقتداء بهديهم والتمسك بمنهجهم.

- إبراز تاريخ الأمة الإسلامية المجيد، وكيف أضاءت للبشرية طرق العلم والأخلاق والحضارة، وربط حاضر الأمة بماضيها التليد[32].

- إعداد خطب الجمعة التي تعالج قضايا المجتمع الدعوية والتربوية والاجتماعية.

- تنظيم إقامة الدروس التعليمية والثقافية والتربوية للذكور والإناث.

- استغلال المناسبات الدينية للوعظ والإرشاد.

- تبنّي المسجد إقامة مسابقات ثقافية إسلامية بين الشباب لنشر الوعي الديني، وإيجاد روح الأخوة الإسلامية بينهم.

- إنشاء حلقات لتحفيظ القرآن الكريم في المسجد وتجويده وتفسيره، وإقامة مسابقة لذلك، وتشجيع الفائزين ببعض الجوائز العينية[33].

5 - أثر المدرسة في الوقاية من التغريب:

لا شك أن للمدرسة أهمية كبيرة في نشر الدعوة إلى الله تعالى، وتربية الناشئة على العقيدة الإسلامية الصحيحة، وتزويدهم بشتى أنواع العلوم والمعارف النافعة، مع صقل مواهبهم واستثمار قدراتهم فيما يعود عليهم بالنفع والفائدة[34]، وذلك أن المدرسة تتكون من عدة أركان وأسس، تشكّل مجتمعة العملية التعليمية والتربوية بشكل عام، وهي: المعلم، والطالب، والمنهج الدراسي، وإدارة المدرسة.

وحينما تصبغ هذه الأركان أو الأسس بالإيمان بالله تعالى، وتنطلق من العقيدة الإسلامية الصحيحة وما ترشد إليه من خير وصلاح وعزة ورفعة وسؤدد، فلا شك أن هذا سوف يثمر نجاح المدرسة في تأدية عملها والنهوض برسالتها، الأمر الذي يسهم في خدمة الدعوة، وينشر مفاهيمها، ويعمّق معانيها بين أبناء المسلمين وفي مجتمعاتهم.

ويمكن لنا أن نوضح بعض الوظائف التي يمكن أن تقوم بها المدرسة خدمة للدعوة ونشراً لها، وهي كما يأتي:

- إعداد المعلم المسلم الواعي المخلص المدرك لرسالته إعداداً متكاملاً من كلّ الجوانب: حتى يكون خير من يؤمَن على عقول الناشئة وأفكارهم، ويوجههم التوجيه الإسلامي الصحيح، فيعتني بالطالب باعتباره الهدف من العملية التعليمية كلها، ويراعي في تربيته وتنشئته معاني صحيحة من العقيدة الإسلامية التي تصوغ الطالب صياغة صحيحة، وتصبغه بالصبغة الإسلامية الحقة، وتبعده عن كلّ ما يعوق نموه أو يؤثر فيه[35].

- الاهتمام بالمنهج الدراسي من حيث المضمون والمحتوى والشكل: وأن يلتزم المنهج بالأصول الإسلامية العالية، وبدعوة الإسلام الزّكية، وأن لا يتضمن ما يخالف ذلك أو يسيء إلى الإسلام وعقيدته ودعوته[36].

- أن يقوم بالإشراف على التربية العلمية موجّهون مربون مؤهّلون مخلصون لدينهم: وهذا من الضروري جداً لنجاح العملية التعليمة.

ومن هنا يكون للمناهج التعليمية والمدرسة دور بارز في عملية إعداد الطالب ووقايته من الانحراف العقدي - بإذن الله -،

وكما يجب الاهتمام والعناية التامة بالتعليم الديني؛ فكذلك لا يجوز اليوم إغفال التعليم الحديث، فالبديل الوحيد أن يتطور الاثنان معاً مستندين إلى الدين فكراً وأهدافاً وتوجيهاً واتجاهاً.

رابعاً: خطر التغريب:

إذا كنا نحكم على الأعمال بنتائجها فماذا نحن واجدين في الدعوة إلى التغريب؟ سنجد أنها:

- دعوة إلى تقليد الغرب دون وعي وتبّصر تقليداً أعمى، وهذا يخالف روح الإسلام.

- دعوة إلى الأخذ بأساليب الغرب في الفكر والحياة، وهو أخذ يقابله بالضرورة ترك أساليب الإسلام، مما يترتب عليه فقدان الملامح المميزة للشخصية الإسلامية، فنصبح من جهة غرباء في مجتمعاتنا، غرباء عن جذورنا وحضاراتنا وتراثنا وهويتنا الدينية، يسهل بعدها أن نكون تابعين للغرب اقتصادياً وسياسياً.. لأن التشبّه في الظاهر يؤدي إلى التشبه في الباطن.

- هكذا نرى أن الدعوة إلى التغريب ستؤدي إلى التبعية للغرب، ولا شك أن الدعوة إلى التبعية أو الدعوة إلى دعوة تؤدي إلى تبعية هي خيانة للأمانة الفكرية والمسؤولية العلمية.

- الدعوة إلى التغريب تبعدنا عن أن يكون لنا فكر أصيل نابع من بيئتنا وتراثنا وحضارتنا، فالفكر المستورد لا يكون أصيلاً.

- دعوة إلى تشبه بالكفار، وهو محرم لقوله صلى الله عليه وسلم: «من تشبّه بقوم فهو منهم»[37]، قال شيخ الإسلام: «هذا الحديث أقلّ أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبّه بهم»[38].

* كاتب وباحث من غينيا كوناكري.

[1] الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب الإسلامي، (2 / 698).

[2] أضواء على الثقافة الإسلامية، د. نادية شريف العمري، مؤسسة الرسالة، طبعة 1422هـ.

[3] شبهات التغريب في غزو الفكر الإسلامي، ص 5.

[4] أهداف التغريب في العالم الإسلامي، أنور الجندي، الأمانة العامة اللجنة العليا للدعوة بالأزهر، ص 13.

[5] جمهورية غينيا كوناكري هي أحد بلدان القارة الإفريقية، وهناك أربع دول تحمل اسم غينيا، ثلاثة منها في إفريقيا، وهي غينيا كوناكري، عاصمتها  كوناكري، ومعناها بلغة السوسو (سكان غينيا الساحلية) ضفة النهر، وبها يميز النّاس غينيا عن غيرها من الدول التي تُسمّى بهذا الاسم، كانت غينيا كوناكري تحت الاحتلال الفرنسي، استقلت عام 1958م، ويشكّل المسلمون فيها عموماً 95?، والنسبة الباقية يمثلها النصارى والوثنيون.

وغينيا الاستوائية، عاصمتها مالابو، كانت تحت الاحتلال الإسباني، استقلت عام 1968م، وغينيا بيساو، عاصمتها بيساو، كانت تحت الاحتلال البرتغالي، استقلت عام 1974م، والدولة الرابعة تقع في قارة آسيا، وهي بابواغينيا الجديدة، عاصمتها بورتموزسبي، كانت تحت الاحتلال البريطاني، استقلت عام 1975م، انظر: غينيا منذ الاستقلال وحتى اليوم، لطلال محمد نور عطار، ص 10.

[6] انظر: واقع الدعوة الإسلامية في غينيا، ص 78.

[7] يقول أحمد سيكوتوري: «نستطيع أن نقول: إنّ أبطالنا الوطنيين أمثال الحاج عمر طال، والإمام ساموري توري، والإمام أبو بكر بيرو باري، لم يكونوا يدافعون إلا من أجل وجود الإسلام في إفريقيا»، انظر: الإسلام دين الجماعة، ص 77 و 89، وانظر أيضاً: مجلة المستقبل العدد 138 شوال 1423هـ، يناير: 202 / 2003م، والمسلمون في غينيا، ص 99.

[8] انظر: الجمع بين الدعوة إلى الله وطلب الرزق، ص 634.

[9] انظر: توحيد الألوهية لدى مسلمي غينيا كوناكري، ص 29.

[10] انظر: الجمع بين الدعوة إلى الله وطلب الرزق، ص 633.

[11] انظر: تفسير ابن كثير، سورة القلم.

[12] وهذا مشاهد وغير خاف عن أحد في غينيا.

[13] انظر: اقتضاء الصراط المستقيم، لشيخ الإسلام ابن تيمية، (1 / 516).

[14] انظر: اقتضاء الصراط المستقيم، (1 / 529).

[15] انظر: المصدر السابق، (1 / 498).

[16] انظر: زاد المعاد، (2 / 307).

[17] رواه البخاري قي كتاب الأدب، باب تحويل الاسم  إلى اسم أحسن منه، برقم: 6192.

[18] أخرجه مسلم في الأدب، برقم: 2139.

[19] انظر: الغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام، من بحوث مؤتمر الفقه الإسلامي الذي عقدته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض 1396ه، ص 124.

[20] انظر: المصدر المذكور، (2 / 388).

[21] كلمة التشبّه بالكفار عند الإطلاق تعم التشبّه في عامة الأمور، ومعناه: أن يقوم الإنسان بشيء يختص به الكفار بحيث يدل من رآه أنه من الكفار، وهذا هو الضابط. أما إذا كان الشيء قد شاع بين المسلمين والكفار فإن التشبّه فيه يجوز، وإن كان أصله مأخوذاً من الكفار ما لم يكن محرماً، انظر: اقتضاء الصراط المستقيم، (1 / 479)، وفتاوى علماء بلد الحرام، ص 943.

[22] من ملاحظات الباحث تجاه الظاهرة.

[23] وذلك أن امتلاك القوة والسلطة لها تأثير إيجابي أو سلبي على الدعوة الإسلامية.

[24] انظر: المسلمون في غينيا، ص 148.

[25] تقرير حول تعليم اللغة العربية والثقافة الإسلامية بجمهورية غينيا لعام 1993م، إعداد سيد عبدالكريم جباتي مفتش تعليم اللغة العربية والإسلامية بوزارة التربية الوطنية. انظر أيضاً: واقع الدعوة الإسلامية، ص 140، واقع الدعوة الإسلامية في غينيا، ص 129.

[26] وهذه المعلومة من ملاحظات الباحث لأحوال المسلمين في غينيا، وصرح بها عدد كبير من الدعاة والمسؤولين الذين قابلهم الباحث.

[27] هو: أحمد سيكوتوري ولد عام 1921م من أبوين مسلمين كانا يعملان في الزراعة، واستقلت جمهورية غينيا في 2 أكتوبر 1958م على يد فخامته، وأصبح أول رئيسٍ لها، وحكم البلاد لمدة 26 سنة حتى وافته المنية - رحمه الله - في 26 مارس 1984م إثر نوبة قلبية في الولايات المتحدة الأمريكية.

[28] حيث كان في البداية معجباً بالنظام الاشتراكي الممزوج بالإسلام، إلا أنه تراجع في نهاية الأمر إلى الالتزام بالإسلام، يقول الشيخ محمد بن عبدالله سبيَّل في ذلك: «كنت أسمع وأنا في مكة المكرمة أن شعب غينيا شعب شيوعي، وأن رئيس غينيا رئيس شيوعي، ولكن لما وصلت إلى هذه البلاد وجدت خلاف ذلك، وأنه ليس كذلك، فلذلك ازددت بهجة وسروراً واطمئناناً لما رأينا بعد مجيئنا - والحمد لله - من تسابق الناس إلى المساجد...».

انظر: زيارة إمام مكة المكرمة إلى جمهورية غينيا: ص 11.

[29] انظر: مجموع الفتاوى، (11 / 416).

[30] انظر: الكتاب الوثائقي عن الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ص 241.

[31] مثل: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وجامعة أم القرى بمكة المكرمة، وجامعة الملك سعود بالرياض.

[32] انظر: وسائل الدعوة، د. عبدالرحيم بن محمد المغذوي، ص 220.

[33] إن بعض الناس يظنون أنّه ما لم يلتحقوا بالحلقات من الصّغر فليس لهم أن يأتوا إليها بعد ذلك؛ لأنه قد فاتهم الأوان، وهذا خطأ وسوء فهم، فحلقات القرآن على مستويات: منها ما هو للصّغار، ومنها ما هو للشباب والكبار، ولكل حلقة طريقة في التدريس تتفق مع المرحلة العمرية، كما أن الحلقات أنواع: منها ما هو للقراءة فقط، ومنها ما هو للقراءة والحفظ، ويكفي أن يعرف الدارس في هذه الحلقات القراءة على الوجه الصحيح، وقد تعلم الصحابة وهم كبار – رضوان الله تعالى عليهم -.

[34] انظر: وسائل الدعوة، د. عبدالرحيم بن محمد المغذوي، ص 227، وتدريس التربية الإسلامية الأسس النظرية والأساليب العملية، د. مجاد زكي، ص 325.

[35] انظر: تدريس التربية الإسلامية الأسس النظرية والأساليب العلمية، د. مجاد زكي بتصرف يسير، ص 233.

[36] انظر: أساليب الدعوة الإسلامية المعاصرة، د. حمد بن ناصر بن عبدالرحمن العمار، ص 260 - 261، ووسائل الدعوة، د. عبدالرحيم المغذوي، ص 234.

[37] رواه أبو داود في اللباس الشهرة، رقم: 2186، وصححه الألباني في إرواء الغليل، (5 / 109).

[38] اقتضاء الصراط المستقيم، (1 / 270).