عيد الأضحى في المجتمع الإفريقي.. رصد لبعض مضامينه الحضاريَّة

  • 12 -12 - 2015
  • آدم بمبا


د. آدم بمبا 

  للأعياد في كلِّ دينٍ أهميَّة قصوى؛ فهي تحقّق الكثير من الوظائف الاجتماعيَّة، كتعزيز تماسك المجتمع أو المجموعة المعيَّنة، وشعور كلِّ فردٍ داخل المجموعة بالانتماء والتَّمايُز، والتَّرويح عن النَّفس، وغير ذلك من الدلالات الرُّوحيَّة والأخلاقيَّة والإنسانيَّة التي يؤمن بها الدِّين المعيَّن[1]، وتتراوَحُ الأديانُ بين مُكثرٍ من الأعياد وبين مقلٍّ، والإسلام من الصِّنف الأخير.

وبتعبير الباحث فيرنانديزْ؛ فإنَّ هذه الأعياد شكلٌ من (الخطاب الرَّمزي figurative language) لدى كلِّ مجموعةٍ للتَّعبير عن هويَّتها، وإبراز صورتها للآخر، خصوصاً في أزمنة التَّوتُّر الاجتماعيِّ[2].

أمَّا الأعياد في الإسلام تحديداً؛ فإنَّها تضطلع بمقاصد ساميةٍ؛ إذ ترتبط تلك بالتَّعبُّد وبالذِّكرى والاستلهام من المواقف التي رافقت مشروعيَّة تلك الأعياد؛ لذلك توصف الأعياد في الإسلام بوصف: (شعائر)، أي أنَّها مواسم لاستشعار ما وراء الطُّقوس الاحتفاليَّة ومظاهر البهجة.

تأثير عيد الأضحى في جوانب الثَّقافة الإفريقية يُعدُّ صورةً جزئيَّة من التَّأثير الإسلاميِّ الكليِّ في مظاهر الحضارة الإفريقية

وعن عيد الأضحى خاصَّة؛ أوضح الباحث ميشيلْ بالينْ أنَّ: «الاحتفال بهذا اليوم إحياءً لذكرى فداء ابنِ إبراهيم من الذَّبح، عليه وعلى أبيه السلام، يمثِّلُ يوماً فريداً في التَّقويم الإسلاميِّ. وليس الاحتفاءُ بنجاة الابن سبَبَ الاحتفال فقط، وإنَّما رغبة إبراهيم - عليه السلام - في التَّضحية بابنه امتثالاً لأمر الله، إنَّه الطَّاعة والانقياد لأمر الله من الأب وابنه، وذلك حجَرُ الزَّاوية في الإسلام، إنَّ هذا هو معنى كلمة: إسلام»[3].

وفي أثر العيد في بناء انتماء المسلم إلى الأمَّة الإسلاميَّة الكبرى؛ يؤكِّد الباحث فيرنانْديزْ - السَّابق ذكره - أنَّ مناسبة الحجِّ وعيد الأضحى تمثِّل هذا المعنى بامتياز؛ بوصفها تعبيراً عن (الصُّورة العالميَّة global image) للمسلمين حول العالَم[4].

أمَّا في إفريقيا خصوصاً؛ فقد حقَّقت مناسبة العيدَين هذا المقصد التَّضامني بإحداث قَوْلَبةٍ جديدة لأسُس الرَّوابط الاجتماعيَّة بين مسلمي إفريقيا، وخرجت بتلك الرَّوابط عن ربقة الرُّؤية الضَّيِّقة المنحصرة في علاقات الدَّم والقَبيلة، إلى رابطة العقيدة الموسَّعة، وفي هذا السِّياق يوضِّح الكاتب بوغاجي أثرَ العيدَيْن وغيرهما من الشَّعائر الإسلاميَّة ببلاد الهوسا، فيقول: «إنَّ الشَّعائرَ الإسلاميَّة، كإيتاء الزَّكاة، وصوم رمضان، وصلاة الجمعة، والعيدَين... وعقيقة الأطفال، ومراسم الزَّواج، والجنائز، قد شكَّلت رباطاً أساساً لتلك التَّجمُّعات. أمَّا طقوس تقديس قبور الأسلاف (Kusheyi)، التي كانت تمثِّلُ الرَّوابط الجوهريَّة في التَّجمُّعات القبَليَّة في تلك المنطقة، فإنَّها لم تعُدْ بذات أهميَّةٍ في مجتمعٍ متعدِّد الأصول»[5]، ويؤكِّد الباحث جبريل كولي ذلك أيضاً؛ بأنَّ احتفاليَّات العيد بين يوربا، بسيراليون في العهد الكولونياليِّ، كان له الأثر الكبير في تضامُن هذا المجتمع ذي الأقليَّة آنذاك بمدينة فريتاوْن، وحفاظه على هويَّته واستقلاله[6].

بناءً على هذه الأهميَّة لشعيرة العيدَيْن في المجتمع المسلم؛ فإنَّ الدِّراسة الحاليَّة تسعى لاستعراض صُوَرٍ من تأثير هذه  الشَّعيرة في ثقافات إفريقيا قديماً وحديثاً؛ وكما هو معلومٌ فإنَّ الحديث عن قارَّة مترامية الأطراف، وعبر حُقَبٍ تاريخيَّة ممتدَّة، لا يسلم من التَّعميم؛ لذلك فإنَّ الدِّراسة الحاليَّة مجرَّد استعراضٍ عامٍّ ليس إلاَّ.

هذا، وإنَّ الدِّراسات في هذا المجال جدُّ نادرة، بل إنَّ المنهج الأكثر دقَّةً في تناوُل مثل هذا الموضوع هو المنهج الميدانيُّ المسحي؛ لرصد مفردات ثقافة الأعياد الإسلاميَّة في واقع مجتمعات إفريقيا المسلمة، وهو منهجٌ دون مقدور الباحث في هذا المقام.

بهذا الصَّدد، تجدر الإشارة أيضاً إلى دراستَيْن مهمَّتَين، وربَّما يتيمَتَين في هذا المجال: إحداهما للباحث الأنثروبولوجي برونْسْهورثْ – بالإنجليزيَّة -، وترجمة عنوانها: (ارفعْ صوتك (بالتَّكبير) واذبحْ أضحيَّتك!) مطبوعة (588 ص)[7]، والأخرى بالفرنسيَّة لمجموعةٍ من الباحثين الاجتماعيِّين، عنوانها مترجماً: (تاباسْكي في السِّنغال: عيد إسلاميٌّ في مجتمع حَضَري)، منشورة في كتاب مطبوع (466 ص)[8]، وتلتقي الدِّراستان في كونهما دراستين اجتماعيَّتين ميدانيَّتين في المجتمع الإفريقي الحضَري المعاصر، وفي استهدافهما رصد التَّأثيرات الثَّقافيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة لعيد الأضحى بالمجتمع موضوع الدِّراسة، لكنَّ الدِّراسَتَين تختلفان – مكاناً - اختلاف المشرق والمغرب، لكَوْن الأولى عن أقصى شرق إفريقيا في مجتمع تانْغا بتنزانيا، والأخرى في أقصى الغرب الإفريقي عن المجموعات الإثنيَّة القاطنة بالسِّنغال.

وقبل هاتَين الدِّراسَتَين يوجد نصٌّ للرَّحالة المغربي ابن بطوطة عن زيارته لمملكة مالي (1352 – 1353)؛ وسجَّل في فقراتٍ من الفصل الخاصِّ بمالي بعض مشاهداته لطقوس عيد الفطر والأضحى آنذاك، إنَّ هذا النَّص القصير الذي جاء في (426 كلمة) فحسب على قدرٍ من الأهميَّة كبير؛ لاشتماله على مضامين اجتماعيَّة وثقافيَّة قد انْمحى بعضها مع الزَّمن.

ومن المعلومات التي كشف عنها ابن بطوطة في مشاهداته تلك عن عيد الأضحى بمالي:

(أ) وجود المصلَّى في أرضٍ فضاء على مقربةٍ من القصر.

(ب) حرص المسلمين في لباس الجديد من الثِّياب البيض.

(ج) لبس السُّلطان وسائر النَّاس الطيلسان في هذا اليوم فحسب.

(د) تخصيص الملك بموعظةٍ بعد صلاة العيد.

(هـ) جلوس السُّلطان في ميدان على عريشٍ مضروبٍ يُطلَقُ عليه: «بَنْبي»؛ لسماع إنشاد «دوغا»، وعزف النِّساء، ورقص الغلمان.

(و) إنشاد شعراء «جالي» أشعاراً وعظيَّة؛ لتذكير السُّلطان بواجباته، وحثِّه على حسن الأفعال.

عيد الأضحى: أسامٍ محليَّة ومضامين ثقافيَّة:

يُطلق على عيد النَّحر في لغة هوسا: (بابانْ صلاة  babban’ salla)، أي: الصَّلاة الكبرى، وعلى عيد الفطر: (كرامارْ صلاة karamar salla)، ومثل ذلك تماماً عند مادينغ؛ حيث يُشارُ إلى عيد الفطر باسم: (seli-deni)، وإلى الأضحى باسم: (seli-ba)، وينبغي التَّنبُّه هنا إلى تعبيرهم عن العيد بـكلمة: (صلاة).

أما يوربا؛ فيطلقون على عيد الأضحى: (Ileya)، وهي اقتراضٌ محرَّفٌ من العربيَّة (أضحى)، تطوَّر فيه صوتُ الضَّاد إلى اللاَّم على ألسنة يوربا، ومثل ذلك بلغة مادينغ: (l?yan-seli)، أي: صلاة الأضحية[9]، غير أنَّ الباحث (Ryan: 1978 : 280) يذهب إلى أنَّ (ileya) عند يوربا غير مقترضة من العربيَّة، وإنَّما هي اختصارٌ لقولهم: (Ile-ya)، أي: لنَعد إلى البيت! إشارةً إلى عودة كلِّ فردٍ إلى أسرته ومسقط رأسه من أجل العيد[10].

وفي لغة ولوفْ بالسِّنغال وغامْبيا يُطلق على الأضحى: (تاباسْكي Tabaski)، وعلى عيد الفطر: (كوريتيهْ Korité).

حقَّقت مناسبة العيدَين قَوْلَبةٍ جديدة لأسُس الرَّوابط الاجتماعيَّة بين مسلمي إفريقيا، وخرجت بتلك الرَّوابط عن ربقة علاقات الدَّم والقَبيلة، إلى رابطة العقيدة الموسَّعة

أمَّا في السواحيليَّة؛ فيُعرف عيد الأضحى باسم: (عيد الحج)، ويُطلق عليه بعضُهُم: (sikukuu)، وهو إطلاقٌ عامٌّ على جميع الأعياد حتى غير الإسلاميَّة. كما توجد عدَّة إطلاقاتٍ عليه، منها: (iddyamfungotatu) (عيد الشَّهر الثَّالث بعد رمضان)، و (sikuya (iddya) kuchinja) (عيد النَّحر)، و (sikuyavijungu) (يوم المائدة؛ إشارةً إلى الأكل الجماعيِّ، وتلك عادةٌ تبدأ منذ غرَّة الشَّهر حتى يوم العيد)، كما يطلقون عليه: (sikukuukubwa) (العيد الأكبر)، ويقابله: (sikukuundogo) لعيد الفطر[11].

بناءً على هذا الاستعراض لعدَّة نماذج من الأسماء المطلقة على العيدَين في لغات الشُّعوب المسلمة تتبيَّنُ تشابهات موجودة بين تلك الأسماء، مثل: وصف أحدهما بالأصغر والآخر بالأكبر، ويبدو أنّ ذلك ظاهرةٌ متواردةٌ في معظم لغات الشُّعوب المسلمة، غير أنَّ الجزم بذلك بحاجةٍ إلى دراساتٍ استقرائيَّة استقصائيَّة، بجانب ذلك توجد بعض الأسماء المختصَّة لدى بعض الشُّعوب كما هو الحال في السَّواحيليَّة.

هنا تجدر الإشارة إلى ظاهرةٍ ثقافيَّة عن أسماء (عيد الأضحى) في المجتمعات الإفريقية، تتمثَّل في تسمية المولود الذي يصادف مولدُهُ إحدى هاتَين المناسبَتَين بها، وتلك ظاهرةٌ معروفةٌ في الثَّقافة الإفريقية قبل الإسلام في إشارة الاسم إلى موسمٍ معيَّن أو عيدٍ دينيٍّ، من ذلك: الاسم (Ekpo) عند إثنيَّة Ibibio بجنوب نيجيريا؛ لمن وُلد في موسم (عيد أرواح الأسلاف UsoroEkpo)[12].

أمَّا في السِّياق الإسلاميِّ؛ فإنَّ كثيراً من المسلمين يحملون أسماء الأيَّام والأشهُر العربيَّة؛ وبخاصَّة ذات العلاقة بالمناسبات والشَّعائر الإسلاميَّة، على سبيل المثال يشيع في الوسط السواحيلي وعند هوسا أسماء مثل: رجبُ، وشعبان، ورمضان، وعاشور، وجمعة، وتضاف علامة التَّأنيث إلى بعض هذه الأسماء للبنات، مثل: mwa-jumaa,mwana-jumaa.

أمَّا في مجتمع مادينغ؛ فيُطلقون على المواليد أسماء الأشهُرِ العربيَّة والمناسبات الدِّينيَّة بترجماتها في لغتهم، مثل: Sunkalo لرمضان، و Seriba لعيد الأضحى - اسماً للذُّكور -، و  Domba لربيع الأوَّل، و Makurubi لليلة القدر - اسماً للإناث -، وعند فولاني يُطلق Julde على المولود بمناسبة عيد الفطر، فكلَّما نودي أحدٌ بأيٍّ من الأسماء المذكورة، عُرِفت مناسبةُ مولده.

أبرز مظاهر الاستعداد للعيد في المجتمعات الإفريقية:

يتمثَّل الاستعداد لعيد الأضحى في المجتمعات الإفريقية في عدَّة مظاهر اجتماعيَّة، منها: تزيين المنازل – في القرى- بطلائها بمادة بيضاء، وقد ترسم بعض النِّساء نقوشاً هندسيَّة مميَّزة على جدران منازلهنَّ، ويصبغن أيديهنَّ وأقدامهنَّ بالحناء، ويهيِّئن للعيد ما عندهنَّ من الزِّينة.

أمَّا الشَّباب؛ فيقومون عادةً قبل يومَين من العيد بتنظيف المصلَّى ونزع الأعشاب منه؛ لأنَّ صلاة العيد تكون عادةً في أرضٍ خلاء داخل القرية أو خارجها.

ويسهر الخيَّاطون شهراً كاملاً تقريباً قبل العيد في خياطة الملابس الجديدة.

ومن المظاهر العامَّة المرتبطة بالأضاحي، قيام بعض الأفراد بتسمين غنمٍ لفترة قد تبلغ عاماً كاملاً أو عدَّة أشهُرٍ، فيعزلونها عن بقيَّة القطيع، ويحرصون على عَلَفها وإطعامها؛ حيث يُعتَقَد أنَّ كلَّ فردٍ سيجوز على الصِّراط على أضحيته، كذلك يُبادر بعضُهم إلى شراء أضحيَّته قبل العيد بأكثر من شهرٍ؛ تفادياً للغلاء المصاحب لفترة العيد، كما يقوم الرُّعاةُ الفولانيُّون بعزل قطيعٍ من الغنم يُطلق عليها: (غنم العيد)، فيحرصون على تسمينها وورودها المراعي الخصبة والعناية بها؛ حتى تكون رائجةً في سوق العيد.

وقد أوضح الباحث أدْرياسينْ أنَّ أهميَّة العيد تتَّضح في هذا المقام، فكون الفولاني رعاةً رُحَّلاً تحكُمُهم معايير كثيرة في قرار الحلِّ والتِّرحال؛ فإنَّ عيد الأضحى يمثِّل معياراً قويّاً بين تلك المعايير، فيؤثِّر في اختيارهم للمراعي، وتوجيه مسار رحلاتهم الرَّعويَّة، ورصد الأسواق الرَّائجة ومواسم العيد، أي أنَّ جانباً مهمّاً من حياة شعب الفولاني مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً بعيد الأضحى[13].

هذا، وتُعدُّ فترة عيد الأضحى فترةً باهظة التَّكاليف؛ بفعل العادات الاجتماعيَّة الكثيرة التي تلبَّست بهذه الشَّعيرة، مثل لزوم شراء الرَّجل الأضحية لوالدَيْه ولأعمامه وأحمائه، وتوفير ملابس العيد لذَوِيه وبعض أقاربه؛ مَا يُلجئ بعضَهُم إلى تحمُّل ديونٍ كثيرة، وفي السِّنغال مثلاً، تصرف الحكومة أو الشَّركات في القطاع الخاصِّ أجوراً مقدِّمة للموظَّفين بهذه المناسبة تُحسم من رواتبهم على فترات، وتسمَّى: (Avances Tabaski)[14].

أيضاً؛ من العادات قُبَيْل العيد سفر الأفراد إلى ذويهم إذا تيسَّر ذلك؛ لقضاء العيد معهم.

أمَّا عن هلال شهر العيد؛ فيبدو أنَّه يكون عادةً واضحاً جليّاً لا يماري في رؤيته اثنان؛ لذلك ورد في أمثال مادينغ قولهم: (ereyira la yoselibakalo)، أي: فلان يرائي مثل هلال عيد الأضحى.

الخروج للعيد:

يكون خروج الناس لمصلَّى العيد وقت الضحى تبعاً للمذهب المالكي في ذلك، وفي القرى، حتى في بعض المُدُن يأتي الإمامُ إمَّا راكباً دابَّة وإمَّا راجلاً، وحوالَيه طلابه يقرؤون الآيات وينشدون المدائح النَّبويَّة، ويكون هُوَ آخر الحاضرين عادَةً بعد شيخ البلَد والأمير (في مجتمعات هوسا).

وبعد الصَّلاة والخطبة يذبح الإمامُ أضحيته التي يؤتى بها إلى المصلَّى؛ ليكون ذلك إيذاناً للمسلمين بالذَّبح، بعد ذلك ينتشر النَّاس، وفي ولايات الهوسا بشمال نيجيريا يسير الأمير مع الرَّكب من المصلَّى إلى قصره؛ حيث يجد بانتظاره جموع المهنِّئين من أهل القرى الآتين لتهنئته بالعيد، وتقام وليمةٌ كبيرة، وتوزَّع الهدايا على الفقراء، وقد يأتي بعضُهُم بهدايا خاصَّة للأمير.

قد يكتسب (عيد بَرزَ) منحىً سياسيّاً حادّاً في بعض الفترات تبعاً للطَّقس السِّياسيّ، ومواقف المسلمين من الحكومات

ومن الأنشطة الثَّقافيَّة المصاحبة لهذه المناسبة إنشاد المدَّاحين الشَّعبيِّين لأشعارٍ في حقِّ الأمراء، ووُجهاء النَّاس، وكذلك سرد قصَّة )بايزيدا(، وهي قصَّة ملحميَّة للبطل الأسطوريِّ الذي تزعم هوسا أنَّه وفد من كنعان، وأنَّه هو جدُّ قبائل هوسا، ومؤسِّس ممالكها[15].

وفي مناطق يوربا جنوبي نيجيريا تخرج المجموعات في المدن في جولةٍ استعراضيَّةٍ على الخيول المزيَّنة تُعرف باسم: (ita-Oba/ Ojude Oba)، يطلقون فيها الرَّصاص، ويلعبون بالرِّماح، وهي فُرصةٌ للأفراد والعشائر لاستعراض ثرائها وقوَّتها (العسكريَّة)[16].

ويتبارى المدَّاحون الشَّعبيُّون في هذه المناسبة في سرد «مآثر» كلِّ عشيرة. أمَّا في جنوب بوركينافاسو مثلاً، فإنَّ المدَّاحين من الفولاني يقومون بالتَّطواف على المنازل خلال أيَّام العيد الثَّلاثة، وإنشاد مدائح في حقِّ كلِّ أهل بيتٍ، ويحصلون بالمقابل على بعض الهدايا من الأقمشة، والدَّواجن، والنُّقود.

هذا، وإنَّ عناية الملوك والسَّلاطين بإفريقيا بالعيدَين، وكونهما مناسبةً لتوطيد أواصر التَّعاون، وحسن الجوار بين المسلمين وبين الملوك غير المسلمين عادةً، لظاهرةٌ معروفةٌ في التَّاريخ الإفريقي، فقد كان كثيرٌ من الملوك يشاركون المسلمين في هذه المناسبة، ومن النَّماذج في هذا المجال مملكة (مُوصِي Mossi) الوثنيَّة القديمة، وفيها بلغ الوئامُ بين الأقليَّة المسلمة وبين الزُّعماء (مُورونَابا Moronaba) شأواً كبيراً، وكان الزَّعيم الوثنيُّ يشهدُ صلاة عيد الفطر (Nolokre) و صلاة عيد الأضحى (Kisha)، ويضحِّي فيه، ويجزل عطاياه للمسلمين[17]، وقد أحدَث ذلك خلافاتٍ فقهيَّة بين العلماء المسلمين ببلاد السُّودان الغربي في مفهوم الولاء والبراء.

التَّهاني وعبارات المجاملة:

لمناسبة التَّهنئة بالعيدَيْن صِيَغٌ محفوظةٌ في معظم لغات إفريقيا، وتفيد تلك الصيغ في تقوية أواصر الأخوَّة والتَّضامُن والألفة بين الأفراد في المجتمع.

ومن أشهَر عبارات التَّهنئة بعيد الأضحى بلغة مادينغ: (sambe-sambe)، أو: (salimafo!)، ويُجاب اختصاراً: (Allah an kesambejon ye!)، أي: (جعلنا الله عِبَادَ كلِّ سنة)، وفي لغة وُلوفْ: (demenati, baalmaaq) (عيداً سعيداً، بلَّغنا الله عاماً آخر)، وعند يوروبا: (EkuOdunileya/ EkuYedu) (عيد مبارك!).

وممَّا يتكرَّر عند مادينغ قولهم:

كل عام وأنتم

Smabesambe!

بالآباء، بالأمهات، بالزَّوجات، بالأزواج، بالبنين، بالغنى...

Fatigiya la, Batigiya la, Musotigiya la, Cetigiya la, Dentigiya la, Keneya la, Nafologigiya la,

رزقنا الله أعواماً كثيرة.

Allah ka san camanyiraan’na

سامحونا (أخطاءنا)

Yafaan’ma

 

 

 

 

 

 

ويزيد الدَّاعي في هذه الصِّيغة ويخصِّصُ طبقاً لحال المدعُوِّ له[18]، وقد يطول الدُّعاء لدقائق معدودة يتناوب فيها الأفراد الدُّعاء بعضهم لبعضهم الآخر، ويتحدَّدُ مدى الدُّعاء بمدى طلاقة الدَّاعي في الدُّعاء، وأحياناً علاقته بالمدعوِّ له. هذا، ولا بدَّ من زيارة جميع الأقارب والمعارف بهذه المناسبة للتَّهنئة.

غير أنَّ حياة المدُن قد لا تسمح بالوفاء بهذه اللاَّزمة الاجتماعيَّة، ومع شيوع وسائل التَّواصُل فإنَّ الكثيرين يكتفون بالهواتف والرَّسائل الإلكترونيَّة القصيرة (SMS)، وقد دخلت التَّهاني في الشَّبكة العالميَّة، وبدأ الشَّباب يتفنَّنون فيها، ومن إيجابيَّات ذلك توسيع مدارك بعض الشَّباب عن العالَم الإسلاميِّ، وتضامُنهم مع القضايا الإنسانيَّة والسِّياسيَّة التي تهمُّ المسلمين، ففي تغريدة إلكترونيَّة على توتير بمناسبة عيد الفطر؛ أرسل أحدهم باسم «سعيد كايْتا» من مالي تهنئةً يقول فيها:

«sambesambe/ happy Eid Mubarak/ Bonne fete de Eid del fitra a tout(sic) mesfreres et soeurs du monde. Paix au Mali, a Gaza, et dans le monde».

أي: «كلُّ عام وأنتم بخير/ عيد مبارك سعيد (بالإنجليزية)/ عيد فطر مبارك (بالفرنسيَّة)، لجميع إخواني وأخواتي في العالَم.. ليحلَّ السَّلام في مالي وفي غزَّة وفي العالَم أجمع»[19].

توزيع لحوم الأضاحي:

بعد عودة النَّاس من المصلَّى يشرع كلُّ بيتٍ في ذبح أضحيته، والاعتقاد الشَّائع أنْ يتولَّى ربُّ البيت وصاحب الاضحية نفسه – إذا كان رجلاً - بذبحها، وليس غيره، اللَّهم إلاَّ إذا كانت زوجة الرَّجل حاملاً، فإنَّ مجتمعات مادينغ تتشاءم حينئذٍ من إراقة الزَّوج للدَّم، وفي تلك الحالة يتولَّى غيره الذَّبح، وفي المدن يكلِّف بعضُ النَّاس الجزَّارين المحترفين لسلخ الأضحية وتقطيعها.

ويطوف بعض الدَّباغين على المنازل لجمع الجلود ودبغها بأجور، وقد لا يرغب بعضُ النَّاس في ذلك فيَهَبون الجلود لأولئك الدَّباغين[20]، وفي العادة تُتَّخذ تلك الجلود للصَّلاة، أو لتجليد المصاحف، أو لعمل الأحجبة التي يُعدُّها (علماء الأسرار) (sirrkaramogow)، وغير ذلك من الاستخدامات، ولتلك الاستخدامات تعبيرٌ قويٌّ لمكانة الأضحية لدى المسلمين، واعتبارها شهادةً قائمةً لهم يوم القيامة بأداء هذه الشَّعيرة.

بعد تقطيع اللَّحم إلى أجزاء صغيرة، ترسل شرائح منها إلى الأقارب والجيران والفقراء، وقد غدا هذا التَّوزيع مجرَّد «روتين» اجتماعيٍّ؛ حيث قد يتبرَّم بعضُهُم إذا أرسل بلحم إلى صاحبه ولم يحصل على «ردٍّ»، وكأنَّ الآخر لا يُبادلُهُ مجاملته بالمثل، ومن العادات القديمة السَّابقة للإسلام التي تدخَّلت في توزيع لحوم الأضاحي تخصيص أبناء الأخت بعنق الذَّبيحة!

وفي بعض مجتمعات هوسا، في توغو مثلاً، حيث يسكنون في أحياء معروفة، يُطلق عليها: (زونْغو)، ومعظمهم من التُّجار الموسرين، فإنَّ بعض أولئك من كبار التُّجار منهم ويُعرفون باسم: (مايْ غيدا maigida)، يقومون بذبح أبقار أو أغنامٍ إلى جانب الأضحية الفريضة؛ وتوزيع لحومها على سكان الحيِّ[21].

وفي قرى مجموعات مالينْكي بمالي وكوت ديفوار وغينيا، يوجد قطيعٌ من البقر ملكٌ للقرية (forobamisi)، تؤخذ منها واحدة أو أكثر بحسب حجم القرية، فتُذبح وتوزَّعُ لحومها على الجميع. كما أنَّ من العادة – في القرى خاصَّة - الاجتماع وقت الظَّهيرة في دار شيخ البلد، وهو عادةً أكبر أهل القرية سنّاً، لغداء جماعيٍّ يحضرها جميع أهالي القرية ولو من غير المسلمين. كذلك، فإنَّ من العادة في عموم إفريقيا – تقريباً - إعطاء الجيران من غير المسلمين من لحوم الأضاحي، وهذا التَّقليد يُعزِّز روح السَّلام وحسن الجوار بين المسلمين وبين جيرانهم.

من العادات المرتبطة بلحوم الأضاحي في السِّنغال – خاصَّة - الاحتفاظ بأجزاء منها، قوائمها خاصَّة، لتُؤكَل ليلة عاشوراء، وكأنَّهم يربطون العام الفائت بالحاضر، ويقوم العلماء بشجب هذه العادة، وهي في اضمحلالٍ واضح.

رقصاتٌ وعروضٌ شعبيَّة:

تتخلَّل أيَّامَ العيد رقصاتٌ شعبيَّةٌ وفنونٌ أدائيَّة عدَّة بالمجتمعات الإفريقية على الرُّغم من الموقف المالكيِّ الصَّارم من الغناء واللَّهو، غير أنَّ العادات والتَّقاليد الموروثة لها قوَّة حاضرة.

ويقوم الشَّبابُ والنِّساء عادةً بتلك العروض الشَّعبيَّة المصاحبة للعيد، والظَّاهر أنَّ مظاهر البهجة واللَّهو تقلُّ في عيد الفطر عنها في الأضحى، ولعلَّ ذلك من تداعيات الحالة النَّفسيَّة الإيمانيَّة المفعمة المصاحبة لرمضان، أو لاعتبار عيد الفطر (عيداً أصغر)؛ كما يؤكِّده الإطلاق الدَّارج في معظم لغات المسلمين بإفريقيا.

وفي مشاهدات ابن بطوطة للعيدَين بمملكة مالي تسجيلٌ دقيقٌ للإنشاد بحضرة السُّلطان، وضرب آلة (بالانْغْ balang=xylophone)، وكبيرُ المنشدين يُدعى (دوغا) متبوعاً بنحو ثلاثين من غلمانه.. «وكلُّ واحدٍ منهم متقلِّدٌ طَبله يضربه، ثم يأتي أصحابه من الصِّبيان يلعبون ويتقلَّبون في الهواء كما يفعل السِّندي، ولهم في ذلك رشاقةٌ وخفَّةٌ بديعة، ويلعبون بالسُّيوف أجمَلَ لعب»[22].

وفي الوقت الحاضر لا تزال صُوَرٌ من الرَّقصات والعروض الشَّعبيَّة تقام بمناسبة العيدَيْن، والأضحى خاصَّةً، مثل رقصة (taarab) بمجتمعات سواحيلي، وأغاني (واكا) بمجتمعات يوربا وهوسا، وغيرها من الفنون الشَّعبيَّة التي تُضْفى عليها صبغةٌ دينيَّة، والسُّؤال: هل هناك أنواعٌ مخصَّصة من الفنون الغنائيَّة والرَّقصات الشَّعبيَّة لا تُقام إلا بهذه المناسبة؟ وهو سؤالٌ لا نملك عنه إجابةً في حال عدم اطِّلاعنا على دراساتٍ ميدانيَّة في هذا المجال.

من العادات القديمة بمجتمع سواحيلي بمنطقة تانْغَا، وبخاصَّة (تنزانيا)، خروج الصِّبيان مع معلِّميهم بعد صلاة العيد والتَّطواف في المدينة، يقرأون سُوَراً من محفوظاتهم، وينشدون قصائد إسلاميَّة، وفي الوقت الحاضر تقوم الجماعات والمدارس الإسلاميَّة بتنظيم مسابقاتٍ في حفظ القرآن بين الأطفال مساء العيد[23].

شعيرة عيد الأضحى لا تزال تحمل الكثير من المخزون الحضاريِّ للمجتمعات المسلمة بإفريقيا

ومن الأنشطة الثَّقافيَّة الدِّينيَّة أيضاً ما يُعرف باسم: (عيد بَرَز iddbaraza)، وهو تجمُّعٌ على مستوى القرى والمدن والدَّولة في تنزانيا، وفي غيرها من مدُن الشَّرق والجنوب الإفريقي، يقوم فيها أحد المشايخ بكلمة حول موضوعٍ اجتماعيٍّ أو دينيٍّ، ويلقي بمواعظ إلى المستمعين، وقد يكتسب (عيد بَرزَ) منحىً سياسيّاً حادّاً في بعض الفترات تبعاً للطَّقس السِّياسيّ، ومواقف المسلمين من الحكومات، وفي أهميَّة هذا التَّجمُّع يؤكِّد الباحث برونْسْهورثْ بقوله: «إنَّه أكثر أنشطة يوم العيد بروزاً (على المستوى الوطنيِّ)؛ لأنَّه يُذاعُ محليّاً في التّلفزيون والرَّاديو»[24]، ويحضره السِّياسيُّون ومسؤولو الحكومة، وله أبعادٌ سياسيَّة واجتماعيَّة بعيدةٌ واسعة، تُسهم في التَّأكيد على تماسُك المجتمع الإسلاميِّ، وتضامنه مع المجتمع من أجل تحقيق وحدةٍ وطنيَّة.

هذا، ويبدو أنَّ تقليد (عيد بَرز)، هذا المشار إليه، امتدادٌ أو شبيهٌ بما أوردَهُ ابنُ بطوطة بمملكة مالي من جلوس السُّلطان على عريشٍ مضروبٍ بعد العصر، بحضرة جمهور الشَّعب، وقيام كبير الشُّعراء بإنشاد أشعارٍ وعظيَّة يذكِّره بأنَّ ملكه زائل، وأنَّ من الخير له أن يفعل من الخير ما يُذْكَر به بعده مثلما فعل أسلافه[25].

العيد في الأدب والفنّ:

لشعيرة العيدَيْن، وغيرهما من الشَّعائر الإسلاميَّة، حضورٌ في الفنِّ الأدبي، غير أنَّ الباحث لا يكاد يعثر على ما يشفي في هذا المجال من النَّماذج الشِّعريَّة والقصص والحكايات، والظَّاهر أنَّ الكثير من تلك النُّصوص الشَّعبيَّة قد ضاع بفعل التَّحوُّل الاجتماعي المتسارع في المجتمع الإفريقي بأجمعه، والانقطاع الحادِّ بين الجيل السَّابق والحاضر، أضفْ إلى ذلك تصاعُد الاستنكاف من الفنون الأدائيَّة من لَدُن الأجيال الجديدة من العلماء المسلمين.

من القصص الشَّعبيَّة في هذا المجال قصَّة الذِّئب الطَّماع (La tabaski de bouki)، الذي أراد أن يُعيِّد الأضحى مثل ملك، يسرق أربعة خراف سمان من أربع قُرى، ويمنِّي نفسه بالأكل حتى التُّخمة، وفي يوم العيد حين دقَّت طبول الدَّعوة للوليمة في القرية الأولى، وبدأ الذِّئب يجري نحوها، دقَّت الطُّبول في القرية الثَّانية؛ فعاد أدراجه، وهكذا وقع الذِّئب في حَيْصَ بَيْصَ، وهو يلهث جارياً نحو كلِّ قريةٍ، فلا يصل إلى منتصف الطَّريق حتى يعود جارياً نحو قرية أخرى، والنَّتيجة أنَّه أعياه الجريُ، وخارت قواه، ولم يصل أبداً إلى أيٍّ من القرى، فـ «الطَّمع والشَّره يوقعان صاحبهما في أخطاء»[26]، كما تقول القصَّة.

وإذا كانت النَّماذج شحيحةً في هذا المقام في النُّصوص الشَّعبيَّة؛ فإنَّ النَّماذج من الرِّوايات الفنيَّة الحديثة التي تناولت موضوع عيد الأضحى، في إثراء فضائها الرِّوائيِّ، يمكن وصفها بالكثيرة، ومن أوائل تلك الرِّوايات الفنيَّة التي تناولت موضوع عيد الأضحى رواية (كريم) لعثمان صوصيهْ السنغالي[27]، وفيها تصويرٌ لبعض المظاهر الاجتماعيَّة المعتادة للعيدَين، ومثلها رواية (القمامة) للروائي بابا باتيهْ ديوبْ[28]، عالج فيها تمسُّك المجتمع بالمظاهر، وإرهاق الأفراد أنفسهم من أجل إرضاء الرَّأي العام، ففي عيد الأضحى يحرص كلُّ ربِّ أسرة في توفير الملابس الجديدة لزوجاته وأطفاله، ويتباهَوْن في ذلك، وفوق كلِّ ذلك حرص كلِّ شخصٍ على شراء الأضحية مهما غلا الثَّمن؛ مخافة أن يقع ضحيَّة الألسن، أو أن يبدوَ أقلَّ قدراً من أقرانه.

بعيداً عن توظيف شعيرة الأضحى فنيّاً في النَّقد الاجتماعيِّ؛ تأتي رواياتٌ جديدة لتصوير الدِّلالات الرُّوحية والإنسانيَّة السَّامية في شعيرة العيد، ولدينا في هذا الصِّنف رواية (صاحبة الجلجل الذَّهبي) للروائي تيمتي باصوري[29]، وفيها تسجيلٌ عميق لطقوس عيد الأضحى، وحمل العيد لمضامين روحيَّة واجتماعيَّة في إثراء رؤيا هذه الرِّواية؛ بكون الإسلام عاملاً للسَّلام والتَّسامُح والوئام الاجتماعيِّ.

رواياتٌ أخرى سعت إلى رسم بعض أبعاد شخصيَّاتها من خلال ربطها بشعيرة عيد الأضحى، ومن الصُّور المتواردة في تلك الرِّوايات إبرازها لمبدأ (برِّ الوالدَين)، وذلك بالتزام الشَّخصيَّة المحوريَّة بتوفير كبش الأضحية لوالدَيه، من ذلك رواية (نداء حلبات المصارعة) للكاتبة أميناتا صوفالْ السنغاليَّة، وفيها يلتزم السَّيد (انْديوغو باري) كلَّ عام بشراء الأضحية لوالدته العجوز على الرُّغم ممَّا عُرِفَ عنه من انزلاقٍ في حياة البورجوازيَّة، والتَّنصُّل من العادات والأعراف التَّقليديَّة[30].

من الأمثلة الرِّوائيَّة أيضاً رواية (ضفادع الأحراش) السِّياسيَّة، وفيها يُقبضُ على البطل الثَّائر في اضطرابٍ سياسيٍّ، وبينما يُقاد إلى حتفه يهمس في أذن زوجته بوصيَّته الأخيرة قائلاً: «اذهبي إلى البنك واسحبي الرَّصيد كلَّه، وأرسلي منه إلى والدي لمصاريف عيد الأضحى المقبل...»[31].

كذلك، يبرز مبدأ البرِّ بالوالدَين مرتبطاً بشعيرة عيد الأضحى في مشاركة الغلام «عثمان» في سباقٍ للجري يوم العيد، وفوزه بكبشٍ يأتي به إلى المنزل هديَّة لوالده الـمُقْعَد المعْدم، يقول السَّارد: «في ذلك اليوم؛ كانت صورة الإله القادر قد ارتسمتْ بجلاءٍ أمام عَيْنَي بابا إبراهيما، أدرك أنَّ الله قد زوَّد ساقَيْ ابنه عثمان بما فقَدَهُ هو من ساقَيْه.. كلاَّ لم يَعُدْ أيضاً مُقعداً»[32]، وبهذا الموقف استطاع الكاتب أن يُصوِّر بدقَّةٍ إسهام هذه المناسبة في إبراز بُعدٍ عميقٍ في شخصيَّة الغلام، وفي الوقت نفسه بُعد الإيمان بالله وبألطافه في شخصيَّة والد الغلام، فعيد الأضحى، في كلٍّ من الرِّوايات الفنيَّة السَّابقة، قد اضطلع برسم البُعد الرُّؤيَوي للرِّواية، وبإثراء فضائها، ورسم أبعاد شخصيَّاتها.

خاتمة:

إنَّ تأثير عيد الأضحى في جوانب الثَّقافة الإفريقية يُعدُّ صورةً جزئيَّة من التَّأثير الإسلاميِّ الكليِّ في مظاهر الحضارة الإفريقية، أكَّد ذلك باحثون كُثُر عبر دراسات أنثروبولوجيَّة وتاريخيَّة، منهم الباحث برافْمان[33]، الذي استكشف الكثير من الأصول الإسلاميَّة في فنِّ الأقنعة، ومنهم الباحثان ماركْ[34] وتاماري[35]، وغيرهم، بل إنَّ هذا التَّأثير، كما يؤكِّده الباحث ماهر صولْ، قد تجاوز الأوساط الإسلاميَّة بإفريقيا إلى غير المسلمين، ومن مظاهر ذلك ربط المجموعات الإثنيَّة غير المسلمة الكثير من رموزها الثَّقافيَّة بالمصدر المكِّيّ، واقتراضها الكثير من العناصر الإسلاميَّة في طقوسها التَّقليديَّة[36].

هذا، وإنَّ شعيرة عيد الأضحى لا تزال تحمل الكثير من المخزون الحضاريِّ للمجتمعات المسلمة بإفريقيا وفي غيرها من المجتمعات، من ذلك مثلاً إسهام هذه الشَّعيرة في نشر ثقافة السَّلام والتَّسامُح، وفي تعزيز روح الإخاء والتَّضامن في المجتمع بأسْرِه.. مسلمين وغير مسلمين، ولا شكَّ أنَّ دعم هذه الخاصيَّة في شعيرة عيد الأضحى يحقِّق مكاسب اجتماعيَّة جمَّة لم تزل المجتمعات البشريَّة بعيدةً عن تحقيقها.

أخيراً: إنَّ الدِّراسة الحاليَّة لو نجحت في «فتح شهيَّة» الباحثين للقيام بدراساتٍ مفصَّلة مركَّزة عن شعيرة عيد الأضحى، أو غيرها من الشَّعائر الإسلاميَّة، واستكشاف آثارها الحضاريَّة بإفريقيا.. لو حقَّقت قراءة الدِّراسة الحاليَّة هذا المقصد؛ لكفى ذلك!

* أكاديمية الدراسات الإسلامية، جامعة مالايا، ماليزيا.

[1] G. C. Bruinhorst. (2007). Raise your Voices and Kill your animals, Amsterdam University Press, 44.

[2] Fernandez. (1985)./////205-206. In G. C. Bruinhorst, Raise your Voices, Op. Cit.

[3] Palin, Michael. (2010). Sahara, UK: Hachette. (Day forty-three).

[4] Fernandez. Op. cit., /////

[5] Bugaje, Usman Muhammad. A Comparative Study of the Movements of UthmandanFodio in Early Nineteenth Century Hausaland and Muhammad Ahmad al-Mahdi in Late Nineteenth Century Sudan, MA Thesis, (Khartoum: Institute of African and Asian Studies), December, 1981), p.42.

[6] Gibril, R. Cole. (2013).The Krio of West Africa: Islam, Culture, Culture, Creolization, and Colonialism in the Nineteenth Century,Ohio University Press, 177.

[7] G. C. Bruinhorst. Raise your Voices…, Op. Cit.

[8] Anne-Marie Brisebarre, Liliane Kuczynski. (2009). La Tabaski au Sénégal: une fête musulmaneen milieu urbain, KARTHALA Editions.

[9] تحويل صوت الضاد العربية إلى (لام) ممالة مطرد في اللغات الإفريقية الكونغو النيجيريَّة، يقرؤون مثلاّ: (ولا الضَّالين) بقولهم: (ولا لالين).

[10] Margaret, Thompson Drewal. (1992). Yoruba Ritual: Performers, Play, Agency, Indiana University Press, 215.

[11]G. C. Bruinhorst. Raise your Voices…, Op. Cit., 132.

[12] Klasberry, UmmaUmana. (2012). CULTURE OF NAMES IN AFRICA: A Search for Cultural Identity, Xlibris Corporation; also: E. U. Okoko (1988).Ubium History: Customs and Culture, Paico Limited.

[13] Adriansen, H. K. (2008). Understanding Pastoral mobility: the Senegalese Fulani, GEOGRAPHICAL JOURNAL, Vol. 174, No.3, 207-222.

[14] Anne-Marie Brisebarre, La Tabaski au Senegal, Op. Cit., 126.

[15] Dierk, Lange. “The Bayajidda legend and hausa history”, in: Edith Bruder& Tudor parfitt (eds). (2012). The African Zion: Studies in Black Judaism, Cambridge Scholars Publishing, 138-174.

[16] Margaret, Thompson Drewal, Yoruba Ritual, Op. Cit., 143.

[17] Levtzion,Nehemia.(1968). Muslims and chiefs in West Africa: a study of Islam in the Middle Volta Basin in the pre-colonial period, Clarendon P., 169.

[18] Steiner, Beatrice. (2011). Cybercafés de Bamako: les usages de l'Internet au prisme de la parentéet des classes d'âge, KARTHALA Editions,212.

[19] Dated: 28 Jul 2014, 6:15am.

[20] La Tabaski au Senegal, Op. Cit., 120

[21] Agier, Michel. (1981). Etrangers, logeurset patrons l’improvisationsociale chez les commercantssoudanais de Lome, CAHIERS d’ETUDES AFRICAINES, Vol.21 (81-83), 251-265:257.

[22] ابن بطوطة: رحلة ابن بطوطة: (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار)، مصر: المطبعة الأزهرية، 1346هـ / 1928م، (2 / 198).

[23] G. C. Bruinhorst. Raise your Voices…, Op. Cit., 355.

[24] Ibid.,353.

 [25]ابن بطوطة: تحفة النظار في غرائب الأمصار، مصدر سابق، (2 / 198).

[26] Roger M., Le Baron et Jacques Francois. (1828). Fables Senegalaises,Paris : Nepveu, 77-78.

[27] OusmaneSoce. (1948). Karim: Roman Senegalais, Nouvelles Editions Latines.

[28] Pape PatheDiop. (1984). La Poubelle, Présenceafricaine,91.

[29] BasoriTimite, Grelots d’Or. (1983). CEDA.

[30] Aminata Sow Fall. (1982). l’Appel des Arenes, Les Nouvelles Editions Africaines, 112.

[31] ThernoMonenembo. (1978). Crapauds de brousse, Editions du Seuil, 122.

[32] Ide Oumarou. (1997). Gros Plan, NEA.

[33] Bravmann, René A. 1974. Islam and Tribal Art in West Africa. Cambridge: Cambridge University Press.

[34] Mark, Peter. 1992. The Wild Bull and the Sacred Forest: Form, Meaning and Change in Senegambian Initiation Masks. Cambridge: Cambridge University Press.

[35] Tamari, Tal. 2001. Notes sur la représentationcosmogoniquedogon, bambara et malinké et leursparallèles avec la pensée antique et islamique. Journal des Africanistes 71(1): 93–111.

[36] Soul, Mahir, Islam and West African Anthropology, AFRICA TODAY, 26.