عن مسألة نهر النيل.. مستنقع وفرة المياه، وعجز السياسة وغياب الاقتصاد

  • 26 -7 - 2013
  • السيد على أبو فرحة


أ. السيد علي أبو فرحة 

في مشهد اختلف بعض المراقبين والمتابعين في توصيفه بين إعلامي أو إعلاني / دعائي، تناقلت عدد من وسائل الإعلام المحلية والعالمية احتفال إثيوبيا بعملية تحويل مجرى النيل الأزرق في 28 مايو 2013م، في إطار الإجراءات التمهيدية لبناء سدّ النهضة الإثيوبي.

هذا المشهد الذي قد يكون أظهر أملاً في نفوس الإثيوبيين؛ كشف في الوقت نفسه عن اضطراب وقلق في نفوس المصريين والسودانيين، أو حسرة على انحسار النفوذ المصري والعربي في إفريقيا، وحوض النيل على أقل تقدير.

وبين الأمل والاضطراب والقلق والحسرة نهض هذا المشهد وتداعياته المحتملة (المباشرة منها وغير المباشرة) لتعيد مسألة نهر النيل إلى موقعها المهم في الدوائر الرسمية والشعبية المصرية والسودانية - على مستوى القول في أقل تقدير -، وتطرح تساؤلات واجبة التقدير، تتجاوز محاولة الإجابة عنها مشهدَ تحويل مجرى أحد روافد النهر، لتمتد وتشمل أبعاداً عدّة في مسألة نهر النيل خصوصاً، وإفريقيا عموماً.

إن اختزال مسألة نهر النيل فيما أُثير في السنوات الأخيرة من اتجاه إرادة دول المصبّ إلى إبرام اتفاقية إطارية جديدة لتنظيم نهر النيل، وما صاحب ذلك من جدل على المستويات الرسمية وغير الرسمية، الشعبية منها والنخبوية، عن جدوى بناء سدود جديدة في دول المنبع، وبخاصة إثيوبيا وخطتها المزمعة التي تبدأ بسدّ النهضة، واحتمالات نيل ذلك من حصّة مياه دول المصبّ، لن يوفر بحال مدخلاً مناسباً لتطوير الأداء المصري والسوداني في مسألة النهر، والتعاطي مع دوله في الملفات الأخرى.

وإنما يجب أن يُنظر لهذه المسألة في ضوء متطلبات الأوضاع الداخلية في بلدان نهر النيل وتعقيداتها من ناحية، وتحولات الساحة الإقليمية ونشوء واقع إقليمي مغاير من ناحية ثانية، والالتفات الدولي المتزايد لإقليم شرق إفريقيا ونهر النيل وتنامي أعداد اللاعبين الدوليين به من ناحية ثالثة، وغياب مؤثّر للفاعل المصري والسوداني في حوض النهر على عدد من المستويات الاستراتيجية السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والثقافية لمصلحة أطراف إقليمية إفريقية وغير إفريقية من ناحية رابعة، وهي الأطراف التي نهضت لملء هذا الانسحاب أو الفتور في العلاقات الذي استمر لعقود كانت كفيلة - مع التحولات الجوهرية على أرض النهر – بتعميق الهوّة بين بلدان المنبع والمصبّ، واختزال مسألة نهر النيل والعلاقات بين دوله في الجدل حول بناء سدّ أو مجموعة من السدود عند بعض منابعه.

تسعى الدراسة في الورقات القليلة اللاحقة إلى محاولة ردّ الاعتبار لمسألة نهر النيل، في ضوء المداخل الأربعة السالفة، من منظور محدد يتصل بالعلاقات الدولية بين دوله ومستقبلها في الأساس، من خلال عدد من المحاور:

أولها: الوضع القانوني لنهر النيل بين قواعد القانون واعتبارات السياسة.

وثاني تلك المحاور: الأوضاع الداخلية في بلدان نهر النيل بين تعقيدات الواقع ومتطلبات المستقبل.

وثالث تلك المحاور: تحولات الساحة الإقليمية ونشوء واقع إقليمي مغاير.

ورابع تلك المحاور: طبيعة الالتفات الدولي المتزايد لإقليم شرق إفريقيا ونهر النيل وتنامي أعداد اللاعبين الدوليين به.

وخامس تلك المحاور: تسعى الدراسة للوقوف على أداء الفاعل المصري والسوداني في قضايا بلدان نهر النهر النيل الداخلية والإقليمية.

وسادسها: وهو ما ستختُتم به الدراسة، الحديث عن مسارين رئيسين:

الأول: مسارات الأوضاع ومآلاتها في مسألة نهر النيل.

والثاني: محاولة تقديم خطة عمل للفاعل المصري والسوداني في هذا الخصوص، سواء على مستوى العلاقات البينية بينهما من جهة، أو علاقاتهما ببقية دول الحوض من ناحية أخرى.

المحور الأول: الوضع القانوني لنهر النيل بين قواعد القانون واعتبارات السياسة:

النهر الدولي:

يُعرف النهر الدولي – وفقاً لقواعد القانون الدولي للأنهار – بأنه: ذلك النهر الذي يقع مجراه أو أيٍّ من روافده داخل الإقليم البري لأكثر من دولة واحدة كنهر النيل، أو يعبر حدود دولتين أو أكثر كنهر السنغال الذي يفصل في بعض أجزائه بين إقليمي كلٍّ من موريتانيا والسنغال[1].

وتثور أهمية الأنهار الدولية في الوقت الراهن في الاستخدامات غير الملاحية، خصوصاً مع تقدّم قطاعات النقل البري والجوي والبحري، حيث تتمثل الأهمية المعتبرة لنهر النيل لدى دوله في استخدامات الزراعة والريّ والشرب وتوليد الكهرباء، وعلى وجه العموم نظّمت اتفاقية الأمم المتحدة للأنهار لعام 1997م الوضع القانوني للأنهار الدولية والتعاطي عليها، وهي الاتفاقية التي استندت أساساً لما يُسمّى «قواعد هلسنكي» لعام 1966م، وتدور بشكل أو بآخر حول مبدأ الاعتراف لكلّ دولة واقعة في حوض نهر دولي معيّن بالحق في الإفادة من موارد النهر بنسبة عادلة ومنصفة.

النصيب العادل:

 ويُنظر في تحديد النصيب العادل والمنصف نظرة نسبية، تختلف من حالة لأخرى في ضوء عدد من التقديرات، أهمّها:

- جغرافية الحوض وطبيعته.

- وهيدرولوجية الحوض.

- والمناخ المؤثّر في الحوض.

- والانتفاع السابق والحالي بمياه النهر.

- الحاجات الاقتصادية والاجتماعية لدول الحوض.

- عدد سكان كلّ دولة من الدول المعتمدة على مياه النهر.

- التكاليف النسبية للبدائل المائية لتوفير تلك الاحتياجات في كلّ دولة من دول حوض النهر.

- مدى توافر مصادر مائية أخرى في الدولة.

- إمكانية تعويض الدول المضارة أو الأقلّ استفادة من النهر، وذلك كآلية لتسوية المنازعات حول حصص المياه.

- مدى إمكانية تلبية حاجات الدولة دون إضرار مؤثّر لدولة نهرية أخرى.

- وكيفية التعامل مع الفقد المائي بحوض النهر.

وهي مجمل القواعد التي تُعَد استرشادية عند بحث مسائل استغلال الأنهار الدولية[2].

النظام القانوني لنهر النيل:

أما شأن نهر النيل؛ فتنظّمه اتفاقيات خاصة، تشكّل في مجملها النظام القانوني لنهر النيل[3]، وتبلغ حوالي عشر اتفاقيات، وُقّعت معظمها في أثناء الفترة الاستعمارية، وبدأت بـ «بروتوكول روما» في 15/4/1891م[4]، وصولاً إلى «مبادرة حوض النيل» المقترحة في 1999م، وقبلها مشروع «التيكونيل لتعاون وتنمية نهر النيل» في 1997م[5].

الخلاف البارز ومنطلقاته:

الخلاف البارز بين بعض دول حوض نهر النيل يدور حول اتفاقية 1929م واتفاقية 1959م، اللتين نصّتا على حظر إقامة مشروعات على نهر النيل وروافده وما كان من شأنه أن يؤثّر في حصّة مصر إلا بموافقة الأخيرة، كما حدّدت اتفاقية 1959م حصّة كلٍّ من مصر والسودان من مياه النيل، وذلك ضمن بنود أخرى شملتها الاتفاقية.

 وقد دفعت بعض دول المنبع في معارضة تلك الاتفاقيات بعدد من الحجج، أهمها أنها – أي تلك الاتفاقيات - وُقّعت في أثناء الاستعمار، ووفقاً لمبدأ «الصحيفة البيضاء» في القانون الدولي من غير المقبول أن تلتزم تلك الدول بهذه الاتفاقيات، خصوصاً إن وقفت حائلاً أمام إحداث التنمية في تلك البلدان، وهذا ما حدث عملياً في الموقف الأوغندي، حيث أعلنت أوغندا عشية استقلالها التزامها بما سُمّي «مبدأ نيريري»، والذي يُشير إلى تأكيد عدم اعترافها بأي اتفاقيات أو معاهدات تتعلق بمياه النيل يتم توقيعها دون مشاركتها[6].

كما تجدر الإشارة إلى مبدأين أساسيين بشأن الموقف القانوني من تلك الاتفاقيات، تدفع بهما دول المصبّ في معارضة موقف دول المنبع، أولهما مبدأ «خلافة الدول في المعاهدات: الاستخلاف الدولي»، والثاني مبدأ «الحقوق التاريخية»، حيث يمتد المبدأ الأول إلى نوعين رئيسين من المعاهدات، يتجسدان في معاهدات الحدود والمعاهدات التي تتضمن التزامات وحقوقاً دولية ذات طبيعة اتفاقية كاتفاقيات الأنهار، أما المبدأ الثاني فيتصل بالاستخدامات التاريخية من المياه.

وعليه؛ طرحت بلدان المنبع في السنوات الأخيرة ما عُرف باسم «الاتفاقية الإطارية الجديدة لتنظيم مياه النيل (اتفاقية عنتيبي)» في عام 2010م، لوضع إطار تنظيمي جديد لتوزيع مياه نهر النيل، وهي الاتفاقية التي بدأ التفاوض بشأنها في عام 1999م، وهي وثيقة تتضمن 39 مادة و 66 مادة فرعية.

وقد تم الاتفاق على 65 مادة فرعية منها، والاختلاف الحاصل بين الدول التي شاركت في التفاوض بشأن الاتفاقية يتركز في الأساس حول مادة فرعية واحدة تتصل بالأمن المائي، وهي المادة رقم (14 ب)، فقد اتفقت الدول السبع على الصيغة الآتية: «عدم التسبّب بأضرار معتبرة لأي دولة من دول النيل»، بيد أن الموقف المصري والسوداني تمثّلا في ضرورة صياغتها على النحو الآتي: «ألا يكون هناك تأثير بشكل عكسي على الاستخدامات والحقوق المتعلقة بالأمن المائي لأيٍّ من بلاد حوض النيل»، ورأى المفاوضون أن المطالبة المصرية السودانية بتلك الصيغة يرفض ابتداءً المساس بأي استخدام وأي حقوق[7].

وقد رفضت مصر والسودان الحضور في بداية التفاوض بشأن الاتفاقية، بالإضافة إلى حضور دول أخرى لكنها لم توقّع، وهناك عدد من المنطلقات التي تشكّل الموقف المصري من الاتفاقية، منها الحقوق التاريخية السابقة لمصر في مياه النيل، ومسألة الإعلام المسبق بأي أعمال تتم على مجراه من قِبَل دول المنبع، وكذا التحفّظ المصري على آلية اتخاذ القرار في إطار الاتفاقية الجديدة التي تنزع عن مصر والسودان حق الاعتراض، والاتجاه نحو اتخاذ القرار بالأغلبية غير الموصوفة – أي الأغلبية بصفة عامة وليس الأغلبية التي تضم مصر والسودان -، بالإضافة إلى منطلقات أخرى بعضها نفسية وسياسية[8].

المحور الثاني: الأوضاع الداخلية في بلدان نهر النيل بين تعقيدات الواقع ومتطلبات المستقبل:

تستعرض الدراسة في هذا المقام المؤشرات الرئيسة بين دول حوض النيل؛ لبيان حدود التفاوت في المقوّمات البشرية والمادية لكلّ دولة من دول الحوض، ومن ثم محاولة الوقوف على المزايا النسبية بين تلك الدول من ناحية، وحدود التعقيد على أرض الواقع من ناحية أخرى، وهي المؤشرات التي قد يمكن بناء تصوّر عليها في المستقبل بشأن الحاجات الأكثر إلحاحاً، وطبيعة العلاقات بين دول الحوض، ومتطلبات التنمية المستقبلية بها.

المقارنة بين المؤشرات الرئيسة لدول حوض نهر النيل[9]*

 

بيان

مصر

السودان

 إثيوبيا

 أوغندا

كينيا

تنزانيا

روندا

بوروندي

الكونغو د

 إريتريا

المساحة: مليون كم2

1.0

2.5

1.1

0.23

0.39

0.9

0.03

0.03

2.3

0.12

السكان: بالمليون

77

42

79

32

39

43

10

8

70

5

نسبة نمو السكان %

1.8

2.6

3.21

2.7

2.6

2.1

2.4

3.3

3.2

2.4

الناتج المحلي الإجمالي

469

93

32

39

32

57

5

3

11

3

ترتيب التنمية البشرية

116

146

152

157

144

153

166

172

175

165

نسبة الفقر %

16.7

40

44.2

37.7

52

35.7

60.3

68

71.3

53

نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي

5,495

2,167

807

1,059

1,673

1,256

899

372

312

747

حصّة الفرد من المياه: كم3

86.8

154

110

66

30.2

91

5.2

3.6

1,283

6.3

العمر المتوقع

71

49

49

51

55

50

48

51

46

59

سوء التغذية %

5

20

44

15

30

35

40

63

75

66

القراءة والكتابة

66.4

60.9

35.9

73.6

73.6

72.3

64.9

59.3

67.2

64.2

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر الرئيس: الموقع الإلكتروني لموسوعة المعرفة[10]

يبلغ عدد دول حوض النيل بعد انفصال دولة جنوب السودان إحدى عشرة دولة، هي (مصر -  السودان - جنوب السودان - أوغندا - الكونغو الديمقراطية - بروندي - رواندا - تنزانيا - إثيوبيا -  إريتريا - كينيا).

وبقراءة مؤشرات تلك البلدان لعام 2008م؛ يتضح أن كلاً من (الكونغو الديمقراطية، والسودان، وإثيوبيا، ومصر، وتنزانيا) تتسم بوفرة الامتداد الأرضي على التوالي، و (مصر، وإثيوبيا، والكونغو) تتميز بثقل سكاني، و (بوروندي، والكونغو، وإثيوبيا) بها معدّل نموٍّ مرتفع.

أما الناتج المحلي الإجمالي؛ فهناك تفاوت ضخم تتفوق فيه مصر في مقابل معدلات متواضعة لبقية بلدان حوض النيل، وكذا في بقية المؤشرات، مما يضع مصر بما لديها من مقدّرات في موقع مهم في منطقة حوض النيل، وهو الموقف الذي يعضّده وضعية كلٍّ من (السودان، والكونغو الديمقراطية) لما لهما من مقوّمات مميزة، أهمها المساحة والسكان، وتقارب المواقف بشأن تنظيم نهر النيل في منطقة حوض نهر النيل.

وعليه؛ فإن النظر في تطوير العلاقات بين الدول الثلاثة السالفة يمكن أن يؤثّر بشكل قوي في إدارة حوض نهر النيل، والتأسيس لمدخل تعاوني للإقليم لا يتورط في سياسة محاور متواجهة، وإنما يتجه نحو إدارة الإقليم على المستوى الاقتصادي والسياسي، وليس في مسألة مياه النهر فقط، بالشكل الذي يحقّق مصالح جميع أعضائه بدرجة أو أخرى.

المحور الثالث: حوض نهر النيل.. تحولات إقليمية ونشوء واقع مغاير:

تشهد منطقة حوض النيل توترات متزايدة، سواء على المستوى الداخلي لدولها أو على مستوى العلاقات فيما بينها، الأمر الذي يؤثّر بدرجة أو أخرى في مستقبل المنطقة برمّتها، وخصوصاً مع احتمالات استمرار سياسة المحاور المتواجهة فيما بينها، حيث تتضارب مواقف دول حوض النيل حول الاتفاقية الإطارية لتنظيم مياه نهر النيل، وبخاصة موقف كلٍّ من إثيوبيا وأوغندا من ناحية، وطموح الدولة الوليدة دولة جنوب السودان التي نشأت في أعقاب استفتاء تقرير المصير وانفصالها بشكل رسمي في يوليو 2011م، وعلاقاتها الوطيدة بفاعلين رؤساء في المنطقة - وهم أوغندا وكينيا وإثيوبيا - من ناحية أخرى.

وعليه؛ فإن تطور علاقات دول الجوار الإقليمي بحوض النيل، وخصوصاً فيما يتصل بالعلاقات السياسية والاقتصادية، وفي قلبها ملف مياه النيل، يرشّح المنطقة برمّتها إلى توفيق أوضاع سياسية واقتصادية ذات تحولات كبيرة، بدأت قبل استقلال دولة جنوب السودان، لتؤثر في التوازنات الإقليمية في منطقة حوض النيل كلّه.

العلاقات البينية:

فعلى صعيد العلاقات البينية التي تعبّر عن حالة الانقسام لمحاور متقابلة؛ نجد سعي كينيا لفك الارتباط النفطي بين سُودانيّ النيل – دولة السودان الأمّ ودولة جنوب السودان -،  وذلك لجني منافع اقتصادية عدّة، حيث عرضت في أبريل من العام 2005م على حكومة جنوب السودان المشاركة في مدّ خط أنابيب لنقل البترول من الجنوب إلى «لوكيشوكيو» في شمال غرب كينيا، ثم إلى ميناء «لوما» على المحيط الهندي، ومنها إلى ميناء «مومباسا» بسفن الشحن، وذلك وصولاً لمحطة تكرير البترول به، وهي المسافة التي تقدّر بنحو 1020 كم، في حين تقدّر المسافة من جنوب السودان حتى بورسودان بالسودان الأمّ حوالي 4500 كم.

وكذا الموقف الإثيوبي؛ من الاضطلاع بدور شرطي منطقة القرن الإفريقي، وتداعيات ذلك على منطقة حوض النيل بالكامل، وذلك باعتبارها الدولة الإقليمية ذات الثقل السكاني والوضعية الاقتصادية السياسية المستقرة نسبياً؛ بالمقارنة بدول الجوار، في ظلّ استمرار إخفاق الدولة الصومالية في تلك المنطقة[11].

ويتراوح الأداء الإثيوبي في منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل بين الدور العسكري المباشر، كالحالة الصومالية، أو الدور السياسي الفاعل، كما في حالة جنوب السودان بوصفه حليفاً مؤثراً.

فمن ناحية؛ أمضى قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان في أديس أبابا سنوات عدّة خلال مواجهتها مع حكومة السودان الأمّ، وكذا وفّرت إثيوبيا الدعم العسكري لها، ومن ناحية ثانية؛ تحتضن أديس أبابا بعد الانفصال المفاوضات بين السودان ودولة جنوب السودان لتسوية الخلافات بينهما، وبخاصة الخلافات الحدودية، بالإضافة إلى مشاركتها بقوات عسكرية لحماية الحدود بين السودان وجنوب السودان، حيث بلغت قوامها 860 فرداً بدلاً من 300[12].

التوازنات الإقليمية:

أما على صعيد التوازنات الإقليمية؛ فيُنتظر اضطلاع المنتظم الإقليمي المسمّى «هيئة الإيجاد»، وكذا «تجمّع دول شرق إفريقيا - EAC» الذي يضم كلاً من (كينيا، وأوغندا، وتنزانيا، ورواندا، وبروندي –  دول حوض النيل الاستوائي -) في حال انضمام جنوب السودان له، وذلك في مقابل غياب مضرّ لجامعة الدول العربية عن التفاعل بصورة مؤثّرة في قضايا المنطقة، وهو ما سيؤثّر في المصالح المصرية والسودانية في المنطقة، وفي التوازن الاستراتيجي في منطقة حوض النيل[13].

المحور الرابع: إقليم حوض النهر وشرق إفريقيا (مباراة الفاعلين الدوليين):

إقليم حوض النيل وامتداده (منطقة القرن الإفريقي) هو أحد النطاقات الجغرافية الإفريقية ذات خريطة التشابكات الإقليمية المعقدة، حيث يتعدد الفاعلين الدوليين على المستويين الإقليمي والدولي المعنيّين بإقليم نهر النيل في مواقع عدة منه، منها (السودان، وجنوب السودان، وإثيوبيا، وإريتريا) لعدد من الأجندات الأمنية والسياسية والاقتصادية.

التنافس (الأمريكي البريطاني الفرنسي):

فعلى المستوى الجيوسياسي والنفوذ التقليدي للقوى الكبرى؛ تُعَد منطقة حوض نهر النيل وامتدادها (المتمثل في منطقة القرن الإفريقي، وصولاً لأطراف اليمن بدرجة أو أخرى) موضوعاً للتنافس (الأمريكي البريطاني الفرنسي)، والذي كان آخر مظاهره عقد مؤتمر لبحث المسألة الصومالية بلندن في فبراير من عام 2012م.

فعلى الرغم من أن الصومال ليست من دول حوض النيل؛ فإن الترتيبات الأمنية وتداعياتها على الصومال من التأثير بمكان على مثيلاتها في إقليم حوض النيل ودوله[14]، حيث ينهض هذا الاهتمام في ضوء كون إقليم حوض النيل وامتداده المتمثل في القرن الإفريقي يشرف بالكامل على البحر الأحمر؛ ابتداءً من المدخل الجنوبي عبر مضيق باب المندب، وحتى قناة السويس، لكونه ممراً رئيساً للنفط الخليجي المتجه لأوروبا والولايات المتحدة، وممراً استراتيجياً لأي تحرك عسكري أيضاً لكلٍّ من أوروبا والولايات المتحدة.

لذا شهدت تلك المنطقة تحركات أمريكية استراتيجية لإعادة تمركز القوات الأمريكية فيها، حيث نسقت الولايات المتحدة مع بعض دول الحوض، منها إريتريا وإثيوبيا بالإضافة إلى جيبوتي الواقعة في منطقة القرن الإفريقي، وذلك للموافقة على السماح للطائرات الأمريكية بالتحليق فوق أراضي تلك الدول، وتقديم معلومات عسكرية، والسماح للبحرية الأمريكية بحرية الحركة قبالة شواطئها لضمان أمن البحر الأحمر، والتنسيق مع إثيوبيا لمواجهة تنامي نفوذ التنظيمات الموسومة بالإسلامية في الصومال، وهي القضية – قضية تنامي التنظيمات الموسومة بالإسلامية - التي تُعَد مؤخراً محدّداً رئيساً في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إفريقيا[15].

وآية هذا الاهتمام الأمريكي، واتساقاً مع الرغبة الأمريكية في الوجود العسكري للسيطرة على تلك المنطقة وامتدادها من جهة، وعدم تورطها في تدخل عسكري مباشر من جهة أخرى، اعتمدت الولايات المتحدة على التورط غير المباشر لحماية مصالحها الاستراتيجية، وآخر الشواهد الداعمة لذلك أن تكون أوغندا – الدولة الفاعلة في إقليم حوض النيل - المحطة الثانية في الجولة الإفريقية للوزيرة الأمريكية في أغسطس 2012م، لتوجّه الشكر للرئيس الأوغندي يوري موسيفيني (القابض على مقاليد الحكم منذ سنوات – وهو ما ينال من محدّد ترويج الديمقراطية في إفريقيا -) على المساعدة في استعادة النظام بالصومال، ومحاربة قوات حركة شباب المجاهدين المعارضة، حيث شكّلت القوات الأوغندية وحدات مقدّرة في قوة حفظ السلام التابعة للاتحاد الإفريقي بها[16].

أما على مستوى سُودانيّ النيل؛ فلم يكن مستغرباً أن تكون دولة جنوب السودان الوليدة هي المحطة الثالثة في الجولة الإفريقية لوزيرة الخارجية الأمريكية في أغسطس 2012م، وهي الدولة ذات الإمكانات النفطية الضخمة، لتكون بذلك أكبر مسؤول أمريكي يزور الدولة الوليدة, وهو ما يمكن أن يُفهم - في أحد جوانبه - في ضوء دخول الصين بشكل واسع في مجال استخراج النفط السوداني وإنتاجه، لتصبح أكبر منتج ومستورد للبترول السوداني[17].

الصين ودول مجلس التعاون الخليجي:

في حين تُعَد الصين والمملكة العربية السعودية على المستوى الدولي، والسودان - بدرجة أقل - على المستوى الإقليمي، من الشركاء التجاريين المميزين لإثيوبياً[18]، أما بالنسبة لكينيا فتعد الصين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من الشركاء المميزين على المستوى الدولي، وأوغندا وتنزانيا على المستوى الإقليمي، أما تنزانيا فشركاؤها الأهم هم الصين والهند والإمارات على المستوى الدولي، وعلى المستوى الإقليمي كينيا، بالإضافة لكون الصين تُعَد من الدول المتصدّرة للاستثمار الأجنبي المباشر في معظم دول حوض النيل.

وعليه؛ يمكن أن تساهم كلٌّ من الصين ودول مجلس التعاون الخليجي، وعلى رأسهم السعودية والإمارات والكويت (التي قدّمت دعماً لعدد من المشروعات التنموية في بعض دول حوض النيل، ومنها إثيوبيا) بدور مهم في تنسيق المسألة النيلية وإدارتها مستقبلاً[19].

التورط الإسرائيلي في المسألة النيلية:

وفيما يتصل بالتورط الإسرائيلي في المسألة النيلية؛ فيتمثل في العلاقات المؤثّرة بينها وبين جنوب السودان وأوغندا وكينيا وإثيوبيا، حيث تنهض علاقات (جوبا-  تل أبيب) كمؤثر أصيل في المسألة النيلية، وخصوصاً في العلاقات بين سُودانيّ النيل، لا سيما مع الدور الإسرائيلي في دعم انفصال الجنوب بالتمويل والتسليح ومساندته، وهي علاقات قديمة نسبياً، يعود إرثها لعام 1967م حينما رفض الجنرال «جوزيف أونجا» (مؤسس حركة التمرد الجنوب سودانية تاريخياً) مشاركة جيشه في الحرب ضد إسرائيل، وكان تقدير الكيان الإسرائيلي لموقفه دعوة «جولدا مائير» له لزيارة إسرائيل، وتنظيم تدريب عسكري خاص له في جيش الدفاع الإسرائيلي[20].

وهذه العلاقات توطدت مع الثورة النفطية واكتشاف اليورانيوم في تلك المنطقة، وتزايدت وتيرتها بعد الانفصال في ظلّ ما تسرب من أنباء حول عدد من اللقاءات المتبادلة بين مسؤولي البلدين، لتعضد ما كشفت عنه تقارير إخبارية من أن إسرائيل تدرس احتمال إرسال قوة شرطية لتندمج في نشاطات الأمم المتحدة في جنوب السودان[21].

أما علاقاتها بأوغندا؛ فتعقد إسرائيل عدداً من مشاريع الري بمقاطعة «كاراموجا» بأوغندا، بالإضافة لعلاقات سياسية واقتصادية مميزة، حيث إنه وإبّان زيارة وزير خارجية إسرائيل «أفيجدور ليبرمان» في سبتمبر 2009م لأوغندا دعا الرئيس الأوغندي «موسيفيني» المستثمرين الإسرائيليين لزيارة بلاده[22].

أما علاقات (أديس أبابا -  تل أبيب)؛ فتتجسد مظاهرها في الاستثمارات المائية الإسرائيلية في إثيوبيا، والتي كان آخرها إعلان إسناد توزيع الكهرباء التي تنتجها إثيوبيا، ومنها الطاقة الكهرومائية التي تتصل بسدّ النهضة، لشركة إسرائيلية[23].

إن تعقّد شبكة المتورطين الدوليين والإقليميين في المسألة النيلية يدفع الموقف بصيغته الراهنة لمزيد من التعقيد، وهو تعقّد الخريطة الذي يتطلب إعادة صياغة الأداء المصري والسوداني في إقليم نهر النيل؛ ليتسم بالتعقيد الذي يتناسب وطبيعة الموقف على المستوى الآني والمتوسط والبعيد - كما سيرد لاحقاً -.

المحور الخامس: أداء الفاعل المصري والسوداني بين عجز السياسة وغياب الاقتصاد:

يتمثل أداء الفاعل المصري والسوداني من المسألة النيلية في عدة مظاهر قانونية وسياسية، أهمها:

- استمرار الموقف المصري السوداني التفاوضي الرافض للاتفاقية الإطارية المزمعة وفقاً للعرض السالف، وهو موقف تدفع مصر والسودان بقانونيته[24]، إلا أن هذا الموقف القانوني لم يصاحبه بلورة أداء سياسي مؤثّر يعضّده، في ضوء اختفاء كثير من أدوات الفعل المصري في إفريقيا لاعتبارات سياسية أو لتجاوزها تاريخياً، كتراجع دور شركات القطاع العام المصري، وبخاصة «شركة النصر للتصدير والاستيراد» في تدعيم العلاقات الاقتصادية بالعديد من بلدان إفريقيا لتدهور الوضع الداخلي المصري وقطاعه العام.

- وكذا تدهور الإدراك المصري لإفريقيا في العقدين الأخيرين.

- أو لدخول لاعبين إقليميين ودوليين جدد في تلك المساحة الشاغرة.

نتج عن ذلك ضعف الدور المصري والسوداني، وآية ذلك إدارة ملف انفصال جنوب السودان ومفاوضاته برعاية منظمة الإيجاد بعيداً عن الحضور المصري من ناحية، أو التجاوز التاريخي لأدوات سياسية مصرية أخرى، كدعم حركات التحرر الوطني، وهو ما يمكن الاستعاضة عنه بالتوسع المصري في المشاركة في قوات حفظ السلام في إفريقيا بشكل قوي ومؤثّر[25].

مصر والسودان.. العلاقات الثنائية ودورها:

جاء الأداء المصري السوداني فاتراً على مستوى العلاقات الثنائية في إقليم حوض النيل، وجامداً على المستوى الجماعي في إطار الإقليم، فما زالت العلاقات المصرية السودانية تشهد عثرة على الرغم من الإشارات الإيجابية لتطوير العلاقات المصرية السودانية في أعقاب «ثورة يناير المصرية»، والحديث عن تفعيل «اتفاقية الحريات الأربعة»، و «التعاون الزراعي والاستثماري»، و «التبادل التجاري»، و «المشروعات المشتركة في مجال الطرق»، وأخيراً «تنسيق المواقف بشأن مياه النيل»، إلا أنه لم تحدث نقلة نوعية على مستوى تلك العلاقات ذات الأولوية المهمة، إذ تتطور ببطء، وآية ذلك ما تم الإعلان عنه إبّان تبادل الزيارات رفيعة المستوى بين البلدين؛ من أنه سيتم خلال شهر سبتمبر 2012م افتتاح الطريق البري على الضفة الشرقية لنهر النيل الذي يربط بين مصر والسودان عن طريق معبر تجاري، لكن هذا الافتتاح تأجّل عدة مرات[26].

مصر ودول حوض النيل:

أما على مستوى العلاقات الاقتصادية بين مصر ودول حوض النيل؛ فيتضح أن إجمالي قيمة الصادرات لدول حوض النيل مجتمعة بلغ 6,16 مليارات جنيه عام 2011م، مقابل 6,48 مليارات جنيه عام 2010م، بنسبة انخفاض قدرها 4,9%، بينما بلغ إجمالي قيمة الواردات من دول حوض النيل 2,46 مليار جنيه عام 2011م، مقابل 1,53 مليار جنيه عام 2010م، بنسبة زيادة قدرها 60,4%.

وقد جاءت السودان في المرتبة الأولى للصادرات عامي 2010م و 2011م، حيث بلغت قيمتها 3,20 مليارات جنيه بنسبة 52% عام 2011م، مقابل 3,85 مليارات جنيه بنسبة 59,3% عام 2010م من إجمالي الصادرات، والمرتبة الثانية في الواردات في العامين نفسيهما، حيث بلغت 0,16 مليار جنيه، بنسبة 6,5% عام 2011م، مقابل 0,23 مليار جنيه بنسبة 15,3% عام 2010م من إجمالي الواردات.

في حين حلّت كينيا في المرتبة الثانية في الصادرات، حيث بلغت قيمة الصادرات المصرية لكينيا 1,38 مليار جنيه بنسبة 23,3% عام 2011م، مقابل 1,42 مليار جنيه بنسبة 21,9% عام 2010م من إجمالي الصادرات، في حين حلّت في المرتبة الأولى عن العامين نفسيهما، حيث بلغت قيمتها 2,01% مليار جنيه بنسبة 81,7% عام 2011م، مقابل 1,17 مليار جنيه بنسبة 76,2% عام 2010م من إجمالي الواردات[27].

هذه الأرقام متواضعة في الغاية في مجملها، سواء على مستوى عدد الدول أو مستوى القيمة النقدية، حيث لا تتجاوز أي منها بضعة ملايين من الدولارات إذا ما قورنت بفاتورة التبادل التجاري المصري البالغة 150 مليار جنيه تقريباً للصادرات المصرية، مقابل 358 مليار جنيه للواردات في تلك الفترة[28].

وعليه؛ فإن تواضع الأداء المصري على المستوى السياسي والاقتصادي الثنائي والجماعي يستوجب أن يتجه الفاعل المصري والسوداني إلى بذل مزيد من الجهود لتجاوز عثرات الحوض المتراكمة، وتطوير مدخل شامل مغاير لإدارة التنمية في إقليم حوض نهر النيل.

الخاتمة: المسألة النيلية بين مسارات الواقع وخطة عمل للمستقبل:

أولاً: مسارات الأوضاع ومآلاتها في مسألة نهر النيل:

بالنظر لطبيعة الموقف الراهن المتصل بإنشاءات سدّ النهضة، والتي تصاعدت حدتها في نهاية مايو من العام الحالي 2013م، بعد إعلان إثيوبيا البدء في تحويل مجرى النيل الأزرق في طور الاستعدادات للشروع في بناء سدّ النهضة، وما تلا ذلك من صدور تقرير اللجنة الثلاثية الفنية المشكّلة لدراسة ذلك السدّ وتقييمه[29]، حيث أكدت أن معظم الدراسات والتصميمات المقدّمة من الجانب الإثيوبي بها قصور في منهجية عمل تلك الدراسات، والتي تحتاج إلى تحديث بعض منها لكونها قديمة، بالإضافة إلى أن التقرير قد أوصى بأهمية وجود احتياطات إنشائية تسمح بتوفير الحد الأدنى من احتياجات دولتي المصبّ من المياه تحت الظروف الطارئة، والتي لم يتم توضيحها في الدراسات الإثيوبية والتصميمات المقدّمة للجنة، وإشارته إلى عدم وجود تحليل اقتصادي من واقع الدراسات المقدّمة من الجانب الإثيوبي فيما يخص السدّ وارتفاعه، والقدرة التصميمية لمحطة الكهرباء، وغيرها من النتائج المتضمنة في التقرير من ناحية.

وبالنظر لطبيعة تحولات الموقف على الأرض من ناحية أخرى، في ضوء ما تناولته وسائل الإعلام عن تراجع السودان – وبشكل مفاجئ وسري وفردي - عن قرار تجميد المشاركة في مشروعات مبادرة حوض النيل، وبدء العودة لدفع أقساطها ومساهماتها السنوية، مع احتمال أن توقع على «اتفاقية عنتيبي» الإطارية، وذلك تحت ضغوط إثيوبية لاستقطاب السودان، وتفكيك التكتل المصري السواداني، وإضعاف الموقف المصري المتمسك بقرار تجميد أنشطته، وعدم دفع المساهمات بمشروعات مبادرة حوض النيل من جهة، وتداول وسائل الإعلام أخبار عن اتخاذ دولتي أوغندا وتنزانيا قراراً ببناء سدود مائية جديدة لإنتاج الكهرباء[30].

بالنظر إلى تلك التطورات في ملف مياه النيل يمكن الوقوف على عدد من الحقائق:

1 - أن الشريك الإثيوبي في حوض النيل أضحى يتصدر قائمة الفعل في ضوء تشابكاته الإقليمية والدولية المؤثّرة، في مقابل فاعل مصري مضطرب، وما زال عاجزاُ عن تطوير أدائه وتفعيل قدراته في تلك المنطقة.

2 - تعدد الفاعلين الإقليمين والدوليين في تلك المنطقة، منها الولايات المتحدة والصين وفرنسا وإسرائيل، ودول الخليج العربي وبخاصة السعودية والإمارات.

3 - أن ضعف التشبيك الاقتصادي والسياسي بين دول حوض النيل يفتح العديد من الخيارات الخارجية للتشبيك، والتي تنال من مصالح طرف أو آخر من أطرافه.

4 - تعدد مداخل التشبيك المصري بحوض النيل على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي والتعليمي، بيد أنها المداخل التي تتطلب إعادة صياغة لبعض منها، وتفعيل بعض آخر، وتوسعة الباقي.

ثانياً: خطة عمل للفاعل المصري والسوداني:

على ضوء ما سبق عرضه بشأن المسألة النيلية؛ نرى أن تتجه خطة العمل المصرية والسودانية إلى إعادة النظر لإقليم نهر النيل في ضوء نظرة كلية تتجاوز ملف المياه، سواء على مستوى العلاقات البينية بينهما من جهة، أو علاقاتهما ببقية دول الحوض من ناحية أخرى، وتتعداه إلى الاعتبارات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والتشبيك الإقليمي، وخريطة الفاعلين الدوليين المتورطين في المنطقة.

وتستند في بعدها الجماعي الخارجي على إمكانية الاستفادة من التنسيق العربي بشأن أي من ملفات حوض نهر النيل الاقتصادية والسياسية عوضاً عن علاقات ثنائية لكلّ طرف عربي على حدة، وذلك لتقييد أداء الفاعل الإسرائيلي في تلك المنطقة على المستوى الاقتصادي التنموي في الأساس وكذا السياسي.

أما في بعدها الدولي؛ فتستند على ضرورة تنسيق المواقف مع الصين بوصفها المتورط الاقتصادي الأكبر في إقليم حوض نهر النيل مؤخراً[31].

أما فيما يتصل بالبعد الجماعي الداخلي لإقليم حوض نهر النيل والقرن الإفريقي والبحيرات العظمي؛ فيتمثل في ضرورة تفكيك سياسة المحاور المتقابلة الراهنة بين دوله، وهي الفرصة التي قد تكون متاحة من خلال الانضمام للاتفاقية الإطارية، والمشاركة بصورة واسعة مباشرة أو غير مباشرة في مختلف الأنشطة التنموية في الإقليم، وكذا التوسع في مسألة قوات حفظ السلام المصرية في دول الحوض التي تعاني اضطرابات، وذلك عبر مظلة الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي.

أما على المستوى الثنائي؛ فمن المهم تطوير العلاقات، وبخاصة الثقافية والاقتصادية، مع بلدان الحوض، عبر التوسع في نشاط الاستثمار الأجنبي المباشر في تلك البلدان، وكذا التبادل العلمي بين دول الحوض، وإنشاء فروع للجامعات المصرية بها.

وأخيراً:

إن التعاطي مع ملف سدّ النهضة دون النظر لإرث سنوات من الانعزال المصري عن إفريقيا، وهو الإرث الذي أوجد واقعاً مغايراً على الأرض، وترتب عليه ظهور فاعلين إقليميين ودوليين متورطين بشكل قوي ومؤثّر في حوض نهر النيل، لا يُعَد بحال المدخل الملائم للتعاطي مع المسألة النيلية، وخصوصاً أن هذا الإرث المصطنع لن يتلاشى باختزال مسألة نهر النيل في ملف المياه، وإنما ببناء منظور جديد للعلاقات مع دول الحوض، يعتمد على الدخول المباشر والرئيس في علاقات قوية متنوعة مع تلك الدول، والبحث عن مساحات جديدة للحركة في حوض النيل.

* باحث سياسي متخصص في الشؤون الإفريقية.

[1] أحمد الرشيدي: مذكرات في القانون الدولي العام، القاهرة - جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، (د ت)، ص 212.

[2] أحمد الرشيدي، المرجع السابق، ص 216.

[3] يعد نهر النيل أحد أهم الأنهار الدولية وأطولها على مستوى العالم، حيث يبلغ طول النهر وروافده الأساسية نحو 6700 كم، ما بين أبعد أطراف روافده عند بحيرة فكتوريا جنوباً، وصولاً إلى مدينة رشيد بجمهورية مصر العربية على ساحل البحر المتوسط شمالاً، ويجري حوالي 1536 كم داخل الأراضي المصرية، وتصل مساحة حوض النهر حوالي 2,9 كم2، ويمتد حوالي 35 درجة من دوائر العرض بين 4 درجة جنوباً وحتى 31,5 درجة شمالاً، ويتكون نهر النيل من التقاء نهرين هما النيل الأبيض الذي ينبع من بحيرة فكتوريا التي تقع في أوغندا وكينيا وتنزانيا، والنيل الأزرق الذي ينبع من بحيرة تانا في إثيوبيا، ويلتقي النهران في العاصمة السودانية الخرطوم، وصولاً لدلتا النهر بشمال مصر وحتى مصبّه في فرعي رشيد ودمياط على البحر المتوسط، وتبلغ كميات مياه النهر السنوية 84 مليار متر مكعب، تحصل مصر على حصة قدرها 55,5 مليار متر مكعب، والسودان 18,5 مليار متر مكعب، فحصتهما تمثلان 84% من مياه النهر.

[4] أول تلك الاتفاقيات المنظّمة لنهر النيل في التاريخ المعاصر «بروتوكول روما» في 15/4/1891م بين بريطانيا ممثلة لمصر والسودان، وإيطاليا ممثلة لإثيوبيا وإريتريا، وذلك بشأن تعيين الحدود ومناطق النفوذ فيما بين إريتريا والسودان، وما نصّت عليه من تعهد الحكومة الإيطالية بالامتناع عن إقامة أية أعمال أو منشآت على الروافد الرئيسة المارة بالأراضي الواقعة تحت احتلالها، ثم «اتفاقية أديس أبابا» في 15/5/1902م بين بريطانيا وإيطاليا، وذلك بشأن الحدود المشتركة بين السودان المصري - البريطاني وكلٍّ من إثيوبيا وإريتريا، وقد تعهد ملك إثيوبيا بعدم إقامة أية مشروعات على النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو نهر السوباط من شأنها التأثير في تدفق مياه النيل إلا بعد الرجوع إلى بريطانيا، و «معاهدة لندن» 9/5/1906م بين بريطانيا وبلجيكا المعدّلة لاتفاقية بروكسل في 12/5/1894م، واتفاقية 13/12/1906م بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وأخرى في التاريخ نفسه بين مصر والسودان، وأخرى عبارة عن تبادل مذكرات في 20/12/1925م بين بريطانيا وإيطاليا، واتفاقية 7/5/1929م و 1932م بين مصر وبريطانيا، واتفاقية 23/11/1943م بين بريطانيا وبلجيكا، ثم اتفاقية 1949م بين مصر وأوغندا، واتفاقية القاهرة في 1959م بين مصر والسودان، والتي حدّدت حصّة كلٍّ من مصر والسودان من مياه النيل ضمن بنود أخرى.

[5] محمد عاشور مهدي، أحمد علي سالم، (محرران): دليل المنظمات الإفريقية الدولية، القاهرة - معهد البحوث والدراسات الإفريقية، مشروع دعم التكامل الإفريقي، الطبعة الأولى، 2006م، ص 201.

[6] أميرة محمد عبد الحليم: المياه ومتطلبات التنمية في دول منابع النيل، السياسة الدولية، عدد يوليو 2010م، انظر:

http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=289003&eid=122

[7] أحمد الرشيدي، مرجع سابق، ص 189.

[8] حلقة مع «أسفاو دينغامو» وزير الموارد المائية الإثيوبي، ببرنامج «لقاء اليوم»، بعنوان «أزمة نهر النيل» على قناة الجزيرة الفضائية، بتاريخ 29/6/2010م، ونصّ الحلقة متاح على الموقع الإلكتروني لشبكة قناة الجزيرة في الرابط الآتي:

http://www.aljazeera.net/programs/pages/da380639-b676-44d4-86b6-c22564c8e8d4

[9] لم يتضمن الجدول السابق بيانات منفصلة لدولة جنوب السودان، لأن المؤشرات المتاحة لدولة السودان هي مؤشرات ما قبل الانفصال، معظم المؤشرات من كتاب الحقائق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وتدور أغلبها حول العام 2008م، ومتاحه على الرابط الآتي:

   https://www.cia.gov/library/publications/the-world-factbook/index.html

[10] انظر الرابط الآتي:

http:::www.marefa.org:index.php:%D8%AD%D9%88%D8%B6_%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%8A%D9%84

[11] السيد علي أبو فرحة: الفاعل الخارجي في الصومال.. طبيعته ودوافعه وحدوده، القاهرة - التقرير الاستراتيجي السنوي لمجلة البيان، الإصدار السابع،1431هـ، ص 367.

[12] وكالة أنباء التضامن:  http://www.presssolidarity.net

[13] السيد علي أبو فرحة: صراع سودانيّ النيل بين ترتيب الأوضاع الإقليمية واعتبار المصالح المصرية، القاهرة: مركز المصري للدراسات والمعلومات، باب تحليلات، مايو 2012م، ص 4، والدراسة كاملة متاحة على الرابط الإلكتروني الآتي للمركز بباب تحليلات: asicenter.org

[14] عاصم فتح الرحمن أحمد الحاج: الوجود العسكري الأمريكي في إفريقيا، مقال منشور بجريدة سودانيل الإلكترونية، ومتاح عبر الرابط الإلكتروني الآتي:

http://www.sudanile.com/2008-05-19-17-39-36/977-2011-05-24-08-47-10/38503-2012-02-26-10-20-05.html (30/9/2012م).

[15] ندوة بعنوان «الوجود الأمريكي في القرن الإفريقي»، ضمن فعاليات المنتدى الدوري لمركز الراصد للبحوث والعلوم، بتاريخ الأحد الموافق 31 مايو 2009م، ومتاحة عبر الرابط الإلكتروني الآتي:

 http://www.arrasid.com/index.php/main/index/4/21/contents(30/9/2012)

[16] – (20/9/2012) www.edigear.com/detail/index.php?id=1139621

[17] السيد علي أبو فرحة: التوجه الأمريكي نحو إفريقيا - محددات ثابتة ومراجعات مستمرة وقضايا مستجدة، في التقرير الاستراتيجي الإفريقي، صبحي قنصوه ونادية عبد الفتاح (محرران)، القاهرة - معهد البحوث والدراسات الإفريقية، الإصدار الثامن، ديسمبر 2012م، ص 349.

[18] وفقاً لبيانات عام 2008م تعد ألمانيا المستورد الأكبر لصادرات إثيوبيا (11,8%)، السعودية (8,7%)، هولندا (8,6%)، الولايات المتحدة (8,1%)، سويسرا (7,7%)، إيطاليا (6,1%)، الصين (6%)، السودان (5,5)، اليابان (4,4%)، أما الواردات الإثيوبية فتأتي من الصين (16,2%)، السعودية (12%)، الهند (8,7%)، إيطاليا (6%)، اليابان (4,9%)، الولايات المتحدة (4,5%).

[19] أميرة محمد عبد الحليم، مرجع سابق.

[20] مجدي داود: من مخاطر انفصال جنوب السودان، موقع شبكة الألوكة الثقافية، 27/11/2011م.

http://www.alukah.net/Culture/0/36288/ - (24/4/2012م).

[21] جريدة البيان الإماراتية، 20/4/2012م.

[22] تحركات إسرائيلية للضغط على عمق مصر الاستراتيجي، جريدة الحياة اللندنية، 31 أكتوبر 2009م.

[23] كمال الهلباوي: من القضايا العالقة، جريدة القدس العربي اليومية، 31 مايو 2013م.

http://www.alquds.co.uk/?p=49684  (5/6/2013م).  

[24] محمد شوقي عبد العال: مشروع سدّ النهضة في ضوء الوضع القانوني لنهر النيل، دورية السياسة الدولية، 5 يونيو 2013م،  http://www.qiraatafrican.com/view/?q=1270

[25] إبراهيم أحمد نصر الدين: أزمة مياه النيل!!، مجلة الشئون الإفريقية، القاهرة: معهد البحوث والدراسات الإفريقية، المجلد الأول، العدد الأول، يناير 2013م، ص 181.

[26] السيد علي أبو فرحة: التعاون المصري السوداني.. قراءة في ضوء خبرة مضطربة ومستقبل منظور، القاهرة: مركز المصري للدراسات والمعلومات، باب تحليلات، سبتمبر 2012م، ص 2، والدراسة كاملة متاحة على الرابط الإلكتروني الآتي للمركز، بباب تحليلات:  asicenter.org

[27] النشرة السنوية «التبادل التجاري بين مصر ودول حوض النيل عام 2011م» الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، جمهورية مصر العربية، والصادر يوم الثلاثاء الموافق 4/12/2012م، المنشور على موقع وزارة الخارجية المصرية عبر الرابط الآتي:

 http://www.mfa.gov.eg/MFANews/NewsEnglish/Documents

[28] انظر:  http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=619750&eid=106 (5/6/2013م).

[29] اللجنة الثلاثية: هي لجنة فنية تشكّلت بمشاركة إثيوبيا ومصر والسودان، بالإضافة إلى أربعة خبراء عالميين متخصصين في مجال عملها، وبدأت أعمالها في عام 2012م، وانتهت من عملها بإعداد تقرير نهائي بعد 6 اجتماعات و 4 زيارات لموقع السدّ، وأعلنت مؤخراً تقريرها النهائي، ورفعت التقرير للحكومات الثلاث المعنية، لتحديد ما سيتم عمله مستقبلاً وكيفية التعاطي مع نتائج التقرير.

[30] إسلام فرحات: تقرير اللجنة الثلاثية النهائي لسدّ النهضة: التصميمات الإثيوبية للسدّ قاصرة، والسودان يتراجع عن تجميع مشاركته في اتفاقية حوض النيل، جريدة الأهرام، العدد 46202، 5 يونيو 2013م.

[31] أيمن السيد عبد الوهاب: تقرير عن أعمال المائدة المستديرة (مصر وقضية مياه النيل.. ما العمل؟)، والتي نظمتها مجلة السياسة الدولية، وشارك فيها عدد من المسؤولين والخبراء، وهم د. نصر علام - وزير الري والموارد المائية الأسبق، د. السيد فليفل- العميد الأسبق لمعهد البحوث والدراسات الإفريقية، أ. هاني رسلان- رئيس وحدة دراسات السودان وحوض النيل بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أ. حلمي شعراوي - المدير السابق لمركز البحوث العربية والإفريقية، وآخرون، ومتاح تقرير عنها على الرابط الآتي:

http://www.qiraatafrican.com/view/?q=1271