علماء جزر القمر ودورهم في نشر التعليم العربي الإسلامي وتطويره في الجزر

  • 25 -7 - 2013
  • عبدالرؤوف عبده عمر


د. عبدالروؤف عبده عمر 

المقدّمة:

 دخل الإسلام جزر القمر منذ القرون الأولى للهجرة, وقد ذكرت المصادر أن هذه الجزر عربية في الأصل؛ لأن اليمنيين (معين، وحمير، وسبأ) هم الذين اكتشفوها, واستقروا بها, وأطلقوا عليها اسم «القمر» لظهورها للناظر إليها من بُعْد كأنها جزر معلّقة بالسماء، وذلك لارتفاعها عن سطح الماء[1].

وهذه الهجرات العربية القديمة، والتي استمرت بعد ظهور الإسلام، اشتركت مع الهجرات الإفريقية البانتوية والملايوية في تكوين المجتمع القمري, ولكن حضارة الشعب القمري الإسلامية العربية وثقافته في جزره الأربع كانت أكبر عون لحماية البلاد من مخاطر الثقافة الاستعمارية الفرنسية.

وقد كانت اللغة العربية قبل الاستعمار هي اللغة الرسمية في السلطنات القمرية, إلى جانب اللهجة المحليّة القمرية التي تولّدت من الثقافات المختلفة للشعوب والأمم التي تكوّن منها الشعب القمري[2].

وإن من أبرز الآثار الثقافية التي ترتّبت على توطين الإسلام في جزر القمر, وما صاحبه من انتشار اللغة العربية فيها, ظهور العلماء والشعراء القمريين الذين أصبحوا من أهم العوامل ذات التأثير الإيجابي والتفاعل الحي في مسار الدعوة الإسلامية، وانتشار الثقافة العربية ولغة القرآن في الجزر.

 فهؤلاء العلماء والشعراء، بعدما درسوا العلوم الشرعية وفنون الأدب واللغة العربية على أيدي العرب المهاجرين من الدعاة والعلماء، استلموا الراية من أيديهم, وكانوا هم في الطليعة دائماً في حفظ هذا الدين, والقائمين على إشاعته وتعميمه بين الناس, وتحمّلوا تجاه ذلك كلّ المسؤوليات[3] والتبعات كاملة, وقادوا مسيرة التوعية والصمود في وجه التيارات الجارفة المتدفقة من جميع الجهات الداخلية والخارجية, واستطاعوا بتوفيق الله تمكين الإسلام في الجزر، وتحبيبه إلى السكان، وزرع قيمه الحضارية وثقافته الإنسانية ولغته العربية في وجدانهم وحياتهم الروحية والاجتماعية، ليس في جزر القمر فحسب, بل في البلدان المجاورة.

ونلمس ذلك من خلال جهود بعض أولئك العلماء في التعليم والتدريس والتوعية والتثقيف, وعن طريق بعض كتبهم ومؤلفاتهم وإسهاماتهم الأدبية والفكرية، والتي تعكس الموروث الثقافي والحضاري والسلوك الاجتماعي للشعب القمري المسلم, كما أنها في الوقت نفسه تشكّل لبنة قوية في البناء الثقافي والحضاري والاجتماعي للأمة الإسلامية والعربية.

هذا، وقد أنجبت جزر القمر المئات من كبار العلماء والشعراء الذين كانت لهم بصمات واضحة وإسهامات رائعة, وجهود إبداعية وفنية رائدة, بقيت قابعة في أضابير المكتبات الخاصة تعاني الإهمال والنكران.

وسوف نسلط الضوء على بعض أولئك العلماء الأجلاء الذين نحسب أنهم قد أسهموا بفاعلية في انتشار اللغة العربية والثقافية الإسلامية، وخدمة الإسلام في جميع الجزر، وتشكيل سلوكه الاجتماعي، وإيراد نماذج من إنتاجهم الشعري.

1 - الشيخ أحمد بن سميط (1277ه – 1343ه / 1861م - 1925م)

أصله ونسبه:

هو أحمد بن أبي بكر بن عبدالله بن عبدالرحمن بن محمد بن زين بن سميط، من أصل حضرمي, كان أبوه العلامة أبوبكر بن عبدالله (ت 1290ه / 1873م) أول من هاجر إلى جزر القمر من آل سميط من شبام حضرموت, عام (1267ه / 1850م) تقريباً للدعوة ونشر العلم والاتجار, وأقام مدة طويلة ببلدة «اتساندرا» في جزيرة القمر الكبرى, وأقام بها الدروس العلمية, وألّف كتابه المشهور (الترياق النافع شرح إرشاد المسلمين) المنتشر في شرق إفريقيا, ويدرس في الكتاتيب والحلقات العلميّة.

مولده:

ولد الشيخ أحمد بن أبي بكر ببلدة «اتساندرا» بجزيرة القمر الكبرى في 5 رجب سنة 1277هـ الموافق 16 يناير 1861م، وتوفي أبوه وعمره 17 سنة.

تعليمه:

بدأ الحبيب أحمد بن أبي بكر تعليمه على يد والده، وعلى من كان من العلماء بجزر القمر، أمثال العلامة أبي الحسن الأول جمل الليل وغيره, ثم سافر سنة (1298ه / 1881م) إلى حضرموت, وأقام ببلدة «شبام» بين أعمامه وأقاربه وتزوّج بها, وتردّد إلى الحوطة وسيون والغرفة وتريم وغيرها، ودرس على أيدي علماء معروفين، أمثال أحمد بن حسن بن عبدالله العطاس، وعبدالله بن محسن السقاف مفتي حضرموت، وعبدالرحمن بن محمد[4]، ثم عاد إلى جزر القمر وتزوّج بها, وأخذ يدرس العلوم الإسلامية والعربية, حتى ذاع صيته, وهذا ما جعل سلطان زنجبار «برغش بن سعيد» يطلبه إلى زنجبار لتولّي القضاء، وذلك سنة 1300ه / 1882م حيث استقر بها, وعاش فيها حياة حافلة بالنشاط والعطاء, فازدادت مكانته العلميّة، وتخطّت شهرته حدود شرق إفريقيا إلى أرجاء العالم الإسلامي، حتى إن الخليفة العثماني منحه وساماً عثمانياً رفيع المستوى تقديراً لجهوده العلميّة المتميزة.

من آثاره:

ألّف الحبيب أحمد بن أبي بكر بن سميط عدّة كتب نافعة، طبع ونشر أكثرها، منها: (الابتهاج في بيان اصطلاح المنهاج)، يشرح فيه المؤلف المصطلحات الفقهية الواردة في منهاج الطالبين للإمام النووي، و (تحفة اللبيب)، و (منهج الفضائل)، و (منهل الوارد)، و (حاشية على فتح الجواد)، بلغ فيها إلى صلاة الجمعة, و (حاشية على النصائح الدينية) تُسمّى (المطالب السنية).

وفاته:

انتقل الحبيب أحمد بن أبي بكر بن سميط إلى الرفيق الأعلى في 13 من شوال عام 1343ه بزنجبار، بعد حياة حافلة بالعطاء العلمي والتأثير الثقافي - رحمه الله تعالى -.

2 -  الشيخ محمد المعروف (1269ه – 1322ه / 1852م - 1904م).

أصله:

هو محمد بن أحمد بن أبي بكر الشاذلي اليشرطي, ينحدر نسبه إلى الشيخ أبي بكر بن سالم، وينتهي إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأمّا أمّه فهي «موان مكو» بنت السلطان السيد أحمد من آل أبي بكر بن سالم أيضاً.

ولادته وتعليمه:

كانت ولادته في موروني (عاصمة جزر القمر) عام 1852م, فنشأ في حجر والده, وقرأ القرآن الكريم والتجويد، ثم أرسله أبوه إلى زنجبار، حيث تعلّم فيها علوم الحديث والتفسير والفقه والنحو، وغيرها من العلوم الإسلامية والعربية.

ثم سافر إلى مكّة المكرّمة، وأخذ الطريقة الشاذليّة عن الشيخ عبدالله درويش، وعمل على نشرها في شرق إفريقيا من جزر القمر ومدغشقر وموزمبيق.

أعماله:

ترك الشيخ المعروف أثراً واضحاً في المجتمع القمري، وجهوده وأعماله ظلّت بارزة المعالم في سيرة المجتمع القمري، ومن مواقفه الإصلاحية محاربته للعادات المصاحبة لـ «الزواج الأكبر»، ودعوته إلى الامتثال بأوامر الشريعة الإسلامية، كما عمل على نشر قيم العمل والاجتهاد في الكسب درءاً للكسل والتواكل، فاشتغل هو بالخياطة والزراعة، ولم يترك الشيخ محمد المعروف على ما يبدو آثاراً مكتوبة.

وفاته:

توفي الشيخ محمد المعروف بموروني عام 1904م, وبلغ احترام القمريين وتقديرهم له - رحمه الله - أن أكبر مستشفى في الدولة يحمل اسمه، إذ يُسمّى «مستشفى المعروف».

3 - الشيخ أحمد قمر الدين (1882م -  1974م):

نسبه وولادته:

هو أحمد بن عليّ بن مسوما، ولد في بلدة «بوني» بمنطقة «همهامي» شمال شرق جزيرة القمر الكبرى عام 1882م، وكان أبوه «عليّ مسوما» الذي هو من أصل بلدة «بنغوا» بجزيرة القمر الكبرى عالماً جليلاً, درس وأخذ العلوم الإسلامية والعربية في زنجبار.

نشأته وتعليمه:

انتقل قمر الدين إلى بلدة «مبيني»، وبدأ رحلته العلميّة في «كتَّاب القرآن الكريم» لوالدته، حيث تعلّم القرآن الكريم قراءة وحفظاً، ودرس على والده الأربعين حديثاً، وكتاباً آخر في التوحيد، وكتاب الكفراوي في النحو, ثم أخذه أبوه معه إلى بلدة «بنغوا» ليواصل مسيرته التعليمية عند الشيخ قاسم أحمد، وهو أول معلّم له بعد والديه، ومكث عنده عدّة سنوات، تعلّم فيها الفقه والحديث والتفسير، ثم انتقل بعد ذلك إلى موروني حوالي 1910م، وهناك دخل المدرسة الفرنسيّة النظامية، وأقبل على دراسة اللغة الفرنسيّة، إلى جانب مواصلة الدراسة العربية والإسلامية في المساجد على يد علماء «موروني»، من أمثال الشيخ ثابت, وحفظ لديه بعض الشعر العربي والمدائح النبوية, كما تعرّف إلى الحبيب عمر بن أحمد بن سميط (1886م - 1974م)، وأخذ عنه ألفية ابن مالك ومنهاج الطالبين للنووي, كما نال منه عدّة «إجازات» في العلوم الإسلامية[5].

أسفاره:

قام برحلات كثيرة إلى جزر المحيط الهندي، كجزيرة مدغشقر ورينيون وموريشيوس التي درس فيها على يد عالمين جليلين، قيل إنهما على التوالي من المدينة المنوّرة ومكّة المكرّمة، وهما عليّ بن عبدالرحمن الصديقي المدني وعبدالله الراشد النواب، وأخذ علوم البلاغة والعروض من الأول، كما سافر أيضاً إلى بعض الدول العربية كمصر والسعودية, فجاء تكوينه جامعاً بين علوم الدين والأدب واللغة.

ولقد كان لهذه الجولات أثر كبير في تعميق الإحساس بالإصلاح والتغيير عنده، حيث استفاد من الحركات التحريرية والإصلاحيّة، وتجلّت آثار ذلك في حياته العلميّة والدعويّة والعمليّة.

أعماله الإدارية:

تدرّج في السلّم الوظيفي، وتقلّد خلاله المناصب الآتية:

- كاتب عدل بالمحكمة الشرعية في بلدة «تسوجين»، وكان القاضي بها الشيخ عبداللطيف موسى فوم.

- مترجم بمكتب الصحافة في «تناناريف» عاصمة مدغشقر.

- مذيع باللغة العربية في الإذاعة المدغشقريّة.

- نائب محافظ في مكتب المحافظ بتناناريف.

- محافظ أساس (عام).

- محافظ بالدرجة الممتازة.

- مستشار خاص لرئيس مجلس الحكومة في جزر القمر.

نشاطه الدعوي:

اشتغل الشيخ قمر الدين، إلى جانب عمله الإداري، بالتدريس والتثقيف والدعوة إلى الله تعالى، ومما ساعده على ذلك إجادته لعدة لغات، هي العربية والفرنسية والإنجليزية والملغاشية (لغة مدغشقر) والسواحيلية[6].

وخلال فترة وجوده في مدغشقر قام الشيخ قمر الدين بجهود دعوية في الوعظ ونشر الإسلام, ومحاربة التنصير، وخصوصاً في منطقته «طليارا»، وألّف في هذا السياق كتابين باللغة الملغاشية، إلا أن الإدارة الاستعمارية (السلطات الفرنسية) سرعان ما صادرت الكتابين.

كما قام الشيخ قمر الدين بدعوة جميع علماء الجزر في 27 شعبان 1345ه / 1 مارس 1927م إلى اجتماع بموروني في بستان «بوندوني» للمرحوم الشيخ موني سيد لغرض وضع آليّة لتنمية الثقافة الإسلامية والعربية في الجزر, وقدّم للعلماء الحضور كتابه المسمّى (القاعدة الأحمديّة) الذي نال إعجابهم واستحسانهم، وأشادوا به، وبمبادرته إلى التئام هذا الاجتماع الذي تمخض عنه قيام جمعية «إخوان الهدى»، والتي اختير رئيساً لها، كما كان رئيساً لـ «جمعية علماء المحيط الهندي» التي أسّسها عام 1354هـ / 1935م حتى نهاية حياته.

آثاره:

من أهم آثاره العلميّة ما يأتي:

أولاً: في التوحيد: نظمه المسمّى «القصد الأسنى في أسماء الله الحسنى»، بدأه بقوله:

بدأت بسم الله والحمد شاكراً   وداعيــاً المولى القريـب وذاكراً

ثانياً: في النحو والصرف: نظمه المسمّى «المتمّمة لملحة الإعراب»[7].

ثالثاً: في الفقه وأصوله: كتاب في أصول الفقه في المذهب الشافعي باللغة القمرية، إلا أن المؤلِّف توفّي قبل إتمامه.

رابعاً: في الشعر: ديوان يتضمّن أكثر من 50 قصيدة في الوعظ والمدح والهجاء والرثاء (غير مطبوع).

خامساً: في اللغة: (القاعدة الأحمديّة لتلاميذ المدارس القمرية), وتتكون من ثلاثة أجزاء، وكتاب (القراءة) باللغة الفرنسية لتلاميذ المدارس المتوسطة (غير مطبوع)، وكتاب (مفتاح اللغة الفرنسية بالقمرية في تسهيل معرفة اللغة العربية) لتلاميذ المدارس القمرية (غير مطبوع).

سادساً: في الصحافة: أنشأ صحيفة دورية نصف سنوية، كانت باللغة العربية والقمرية، سمّاها «مواندو» بمعنى البداية، وكانت تُعنى بالفكر والثقافة والأدب والتربية, وتعكس اهتمامات قمر الدين، وسعة اطلاعه، وتفانيه في خدمة دينه ووطنه.

والمطّلع المتأمّل لمقالات الشيخ قمر الدين وأطروحاته يجد تأثّر الشيخ بما كتبه جمال الدين الأفغاني (1839م - 1897م)، وخصوصاً فيما يتعلّق بدعوة الأخير إلى أهمية وحدة المسلمين في ظلّ مبدأ الشورى والتعاون, ونبذ الخلافات, كما يظهر تأثّره كذلك بدعوة الشيخ محمد عبده (1849م - 1905م), ومن أبرز معالمها التركيز في أهمية الاعتزاز بالوطن الإسلامي الكبير, ومحاربة الأفكار والاتجاهات المذهبية الضيقة، ومعلوم أن محمد عبده تأثّر هو الآخر بدعوة الأفغاني.

وكان قمر الدين يرى أن الفهم الصحيح للقرآن والسنّة المطهّرة المصدرين التشريعيين للإسلام لا يتأتى إلا بتعليم اللغة العربية, الأمر الذي جعله يهتم اهتماماً كبيراً بتبسيط طرق تعليم اللغة العربية بالنسبة لأبناء جزر القمر.

وتأثّر قمر الدين بالإمامين الأفغاني ومحمد عبده جاء على ما يبدو عن طريق أساتذته الذين تتلمذ على أيديهم، كالشيخ قاسم أحمد بن أحمد قاسم الذي تخرّج في مدرسة الشيخ فاضل بزنجبار، والحبيب عمر بن أحمد بن سميط, وكلاهما أخذ العلم النافع والدعوة للإصلاح من والد الحبيب عمر, السيد أحمد بن أبي بكر سميط في أثناء وجودهم بزنجبار، وقد ثبت تأثّر الأخير بالدعوة الإصلاحية للأفغاني ومحمد عبده, وكان له علاقات وثيقة[8] بالعالم الإسلامي ومراكزه العلميّة المختلفة.

لقد نظم قمر الدين العشرات من القصائد في شتّى المناسبات الدينية والإخوانية والحضارية, إلا أن عاطفته تكون أكثر توقّداً في رثائه لمن حملوا معه مشاعل الإصلاح، كالشيخ سالم ودعان المتوفّى في غرة رجب سنة 1341هـ، والذي يقول فيه:

لا حيّ إلا من تفرّد بالبقـاء   فاصبر فكلّ حادثٍ بقضـاء

وواضح جداً استلهامه في هذه المرثية المناخ الحكمي والوعظي الداعي إلى الرضا بالقضاء في شعر الإمام الشافعي القائل:

دع الأيـام تفعــــل ما تشـــاء   وطب نفساً إذا حكم القضاء

ولم يكن الشاعر أسير الأغراض التقليدية، بل استوحى بعض أعماله الشعرية والأدبية من قضايا العصر، كقصيدته التي جادت بها قريحته بمناسبة وصول الإنسان إلى سطح القمر، والتي مطلعها:

تبارك الخالق كلّ عالم   حمداً لمن قد كرّم ابن آدم

فضَّله فنعم ما قد كرّم  إذ علّم الإنسان ما لم يعلم

ويُعَد قمر الدين من رعيل حركة البعث الأدبي في جزر القمر؛ ممن أسهموا في إيقاظ الشعور الوطني والأدبي لدى الجيل القمري الجديد الباحث عن انتمائه الإسلامي السليم.

وفاته:

توفّي الشيخ قمر الدين عام 1974م، ودفن بمدينة مبيني.

4 - الشيخ الحبيب عمر بن سميط (1303ه - 1396ه / 1886 - 1976م).

أصله ومولده:

هو عمر بن أحمد بن أبي بكر بن سميط, وُلد لأسرة متديّنة في بلدة «اتساندرا» بجزيرة القمر الكبرى في 24/9/1886م الموافق 26 ذي الحجّة 1303هـ.

نشأته وتعليمه:

نشأ الحبيب عمر بن أحمد مولعاً بالعلم، وتلقّى تعليمه الأول في الكتّاب ببلدة «اتساندرا»، ثم التحق بوالده في زنجبار ولازمه, وأخذ عن علماء زنجبار، وفي مقدّمتهم والده, والشيخ عبدالله باكثير, ثم أرسله والده في سنّ مبكرة إلى حضرموت، وأقام بشبام, تحت كنف عمّ والده الحبيب طاهر بن عبدالله بن سيمط ورعايته, حيث أخذ عنه وعن غيره من علماء حضرموت العلوم الشرعيّة واللغويّة, ثم عاد إلى زنجبار فواصل فيها تعليمه عند والده.

عمله الدعوي:

بعد عودة الحبيب عمر بن أحمد بن أبي بكر بن سميط إلى جزر القمر؛ شهدت اهتماماته الدعوية والإصلاحية والاجتماعية والتجارية, حتى عام 1355ه، حيث عاد إلى زنجبار بناءً على طلب سلطانها للعمل في مجال القضاء، ولم يغادر زنجبار إلا بعد قيام الثورة عام 1964م، وغادرها إلى الشجر بحضرموت، ومنها عاد إلى مسقط رأسه بجزر القمر عام 1384ه, حيث استأنف نشاطاته الدعوية ومسيرته الإصلاحية وأعماله الاجتماعية، فعيّن أول مفتي لجزر القمر, وشارك في إنشاء «جمعية أبناء الصفا» في «اتساندرا»، و «إخوان الهدى» في موروني, وبنى عدة آبار مياه لقلّة المياه في جزيرة القمر الكبرى, وأفتى بعدم استعمال مائها في غير الشرب.

آثاره:

ومن الآثار التي تركها الحبيب عمر بن سميط كتاب (النفحة الشذية من الديار الحضرمية)، وهو بمثابة سيرته الذاتية، كما ألّف كتاب (هديّة الإخوان لشرح عقيدة الإيمان).

وله عدة أشعار، نظمها في شتّى المناسبات الدينية والاجتماعية[9]، ومن ذلك مرثيته في الشيخ محمد المعروف التي مطلعها:

معروفنـا معروفنـا   مصباحنا في ليلنا

وقصيدته الترحيبية التي مطلعها:

أيا من تشــرف هـــذا المقــام   بهـم وســـما رفــعـة واحترام

عليكم من الله أزكى السلام   ورحمته وما استهل الغمام

وفاته:

وتوفي الحبيب عمر بن أحمد بن سميط في جزر القمر, ودفن في مسقط رأسه عام 1976م.

ويُعَد الحبيب عمر من رواد الحركة السلفيّة في جزر القمر، حيث حمل لواء الإصلاح الديني والاجتماعي والتربوى, ودعا إلى الفهم الصحيح للدين الإسلامي.

5 - الشيخ السيد محمد بن عبدالرحمن (1330ه - 1411ه / 1912م - 1990م).

نسبه:

هو محمد بن عبدالرحمن بن أحمد الملقب بـ «مويني مكو» بن الشيخ سالم بن ناصر بن أحمد محضار بن عيدروس بن أبي بكر بن سالم، ينتهي نسبه إلى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.

مولده:

ولد سنة 1330ه / 1912م في بلدة «هاهيا» بجزر القمر الكبرى, في أسرة متديّنة.

تعليمه:

تلقّى محمد بن عبدالرحمن تعلميه الأول في المبادئ العربية والعلوم الشرعية وحفظ القرآن الكريم في كتَّاب والده، ثم سافر إلى زنجبار ودرس على يد علمائها وشيوخها في شتّى العلوم العربية والإسلامية، ما أهّله ليكون واسع الثقافة والاطّلاع، متعدّد المواهب, متنوّع العطاء, مرهف الحسّ, ذا شاعرية متدفّقة.

أعماله:

عاد سيد محمد بن عبدالرحمن إلى جزر القمر عام 1939م، أي قبل وقوع الانقلاب في زنجبار, فأسّس مدرسته التي سمّاها «المدرسة السلفيّة» بموروني, ثم عمل مدرساً وقاضياً وواعظاً، ثم مفتياً لجمهورية القمر الاتحادية الإسلامية بعد وفاة الحبيب عمر بن سميط, وكان عضواً في مجمع الفقه الإسلامي, وأسهم مع قمر الدين وغيره من علماء جزر القمر في إنشاء «جمعية العلماء في جزر القمر»، و «إخوان الهدى»، كما أسّس عام 1985م «الرابطة الخيريّة الإسلامية»، وكانت له مشاركات سياسية وثقافية واجتماعية، وحلقات إذاعية في الوعظ والإرشاد وتفسير القرآن الكريم.

آثاره:

ترك سيد محمد عبدالرحمن حلقات مسجلة في تفسير القرآن الكريم تُبث يومياً في الإذاعة الوطنية.

كما ألّف عدة كتب، منها (الطريقة المرضية لأداء صلاة الجمعة) (مخطوطة)، وكتاب (تحذير البلاد من المضلات الإلحادية) (مخطوطة)، و (النصوص الشرعية في إثبات الملكية الفردية) (مخطوطة).

هذا إلى جانب مجموع فتاواه في قضايا مختلفة (مخطوطة)، وعدة مقالات، منها: «القول القيّم مما يروي ابن تيمية وابن القيم».

وله مشاركات شعرية في عدة أغراض ومناسبات مختلفة، ومن ذلك مرثيته في الشيخ سالم بن عامر بن بوبح، والتي مطلعها:

مصاب عظيم في معاهدنا تربى   فظلت به تبكي المدائن والقربى

وقصيدة مدح الملك فيصل بن عبدالعزيز، ومطلعها:

سلام على حامي الحمى والمشاعر   وأسمى تحيات أتت من مشاعر

مليــــــك إذا عــــد المـلـــــــــوك مـقـــــدم   عليهـــم جميعـــــاً بالعـلا والمفاخـر

وقصيدته في تهنئة السيد عمر بن عبدالله آل الشيخ أبي بكر بن سالم بمناسبة قدومه إلى جزر القمر:

القطر مبتهج بكم بسام   يهنئكم فيه أكابر وكرام[10]

وفاته:

وافته المنيّة في مستشفى بباريس في نوفمبر 1990م، ونقل جثمانه ليدفن في جزر القمر - رحمه الله رحمة واسعة -.

6 - الشيخ السيد محمد شريف أحمد (1349ه - 1427ه / 1930م - 2006م):

نسبه وولادته:

هو محمد شريف بن أحمد بن شيخ مؤمن بن عبدالله أحمد، وُلد في بلدة «إكوني» عام 1930م، ويتصل بأسرة «موينيبا حسن»، وهي أسرة متديّنة من الأسر المشهورة في جزر القمر.

نشأته وتعلميه:

تربّى السيد محمد شريف أحمد تربية طيبة، فقد كان سيد عبدالله المطلب الذي تزوّج أمّه يحبّه حبّاً شديداً لما رأى أنه قادر على مواصلة الدراسة, وكان يمنعه الخروج من البيت إلى مكان بعيد خشية أن  تتسرب إليه أخلاق سيئة من أقرانه.

وفي السنة الخامسة من عمره أرسلته والدته إلى كتَّاب قرآني، ثم درس وتعلّم، فحفظ على يد الشيخ موسى نازي بعض السور القرآنية، ثم أخذ مبادئ اللغة العربية كالنحو، ودرس الفقه والتفسير والحديث والتوحيد، وكان يشارك في حلقات المساجد بين المغرب والعشاء، ويجالس بعض المشايخ، كالشيخ موني حلوة والشيخ مماد مادي اللذين أخذ عنهما بعض المختصرات الفقهية وتربية الأخلاق الفاضلة.

وفي الرابعة عشرة من عمره سافر السيد محمد شريف أحمد إلى زنجبار لطلب العلم، فالتحق بمدرسة باكثير بشرق إفريقيا، وكانت هذه المدرسة مشهورة آنذاك بمنهجها وعلومها وأساتذتها الأجلاء، وقد فتحت هذه المدرسة أبوابها لجميع طلبة العلم من أنحاء العالم ليلتحقوا بها.

وبعد خمس سنوات التحق الشيخ بمدرسة أخرى، وتعلّم بعض اللغات الأجنبية كالإنجليزية، كما درس فيها اللغة الفرنسية والعربية والسواحلية، حتى حصل على الشهادة المتوسطة عام 1955م[11].

ولم يكتف السيد محمد شريف بهذا القدر من العلم, إدراكاً منه لقول الله تبارك وتعالى: ?وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً? [طه : 114]، واقتداءً بالسلف الصالح الذين جعلوا العلم جهاداً وفضّلوه على سائر الصنائع.

وبعد أن حصل الشيخ محمد شريف على الشهادة المتوسطة التحق بالمعهد الثانوي الإسلامي، وبعد أربع سنوات حصل على الشهادة الثانوية, وبعدها حصل على منحة الدراسة في دولة السودان، حيث التحق بمعهد التربية الذي يُسمّى «بخت الرضا»، ودرس فيه حتى نال شهادة التربية مع مرتبة شرف.

مهمّته بالخارج:

بعد حصول السيد محمد شريف أحمد على شهادة التربية في دولة السودان من معهد «بخت الرضا» عاد إلى زنجبار, ولحسن أخلاقه وعلوّ معارفه أصبح مشهوراً ومحبوباً، وعرف كثيراً من العلماء والحكام, وقد سهّل له ذلك أن ينال منصباً علميّاً مرموقاً، حيث عيّن مفتشاً للغة العربية في المدارس التعليمية كمدرسة «عُلِمُ» بزنجبار.

وفي سنة 1964م حصلت زنجبار على استقلالها من الاستعمار البريطاني، ما جعله يدرك قيمة الاستقلال والحرية الفعليّة، فقرّر الرجوع إلى مسقط رأسه جزر القمر لمشاركة أبنائها في المطالبة بالحرية والاستقلال.

رجوعه إلى جزر القمر:

بعد عودة محمد شريف إلى وطنه جزر القمر؛ عمل بمعهد سيد محمد شيخ الثانوي بموروني عاصمة جزر القمر مدرساً للغة العربية التي كانت مهملة في عهد الاستعمار، فعمل جاهداً على أن يصبح لهذه اللغة أهمية ومكانة لدى الشعب القمري, فكان من الأوائل الذي وضعوا أسس العناية بلغة القرآن الكريم, وعمل على تطوير التعليم الإسلامي، والعربي, والتربية القمرية، بدروسه التعليمية وحلقاته الدينية والتربوية, وخطبه الإرشادية, فذاع صيته، وتتلمذ على يديه عدد كبير من الطلبة الذين أصبحوا اليوم أساتذة ومسؤولين كباراً.

 وقد لازم الحبيب عمر بن سميط[12]، والسيد عمر بن عبدالله المعروف بـ «موني براكة»، والسيد محمد عبدالرحمن، والسيد طاهر بن سيد مولانا[13]، والسيد أبوبكر بن سيد عبدالله، وغيرهم من العلماء والمصلحين الذين أسّسوا حركة الوعي الإسلامي والإصلاح الاجتماعي في جزر القمر حديثاً.

أسفار محمد شريف:

بعد أسفاره لمواصلة الدراسة في زنجبار والسودان رجع إلى وطنه جزر القمر, ولمّا أمضى تقريباً أربع سنوات قام برحلة إلى جزيرة مدغشقر التي يوجد فيها قبر أبيه، وأخذ يتجوّل حول مدن مدغشقر، وزار مدينة «ديغو» ثم «تناناريف»[14].

وأخيراً انتهى بجولته وزيارته إلى مدينة «ماجنغا» التي يعيش فيها أكثر المواطنين القمريين, وقد اشتغل في المدة التي مكث فيها هناك بدعوة الناس إلى الإسلام وإلى العلم والتربية والإرشاد.

وفي عام 1976م قام في عهد الرئيس علي صالح[15] بزيارة رسمية مع وفد رفيع المستوى إلى موريتانيا، وذلك لحضور المؤتمر الإسلامي، والذي كان من أهدافه بحث سبل وطرق نشر الإسلام في القارة الإفريقية.

ومن خلال هذه الزيارة استطاع السفر إلى بعض الدول، كالمغرب ومصر وفرنسا وإيطاليا، وفي جمهورية مصر العربية انتهز هذه الفرصة الذهبية مع الوفد المرافق له بتقديم طلب إلى الحكومة لمساندة جزر القمر في الانضمام لجامعة الدول العربية.

وفي هذا العام نفسه سافر محمد شريف أيضاً إلى جمهورية مصر العربية للمرة الثانية لبحث تطوير العلاقات بين جزر القمر والدول الإسلامية, وأصبحت جزر القمر في هذا المؤتمر عضواً في رابطة العالم الإسلامي, ثم واصل جولته مع الوفد المرافق له المكوّن من عبدالله محمد تاج الدين بن مسعود ومحمد حسن مشنغامي وغيرهم من المسؤولين الآخرين في الدولة إلى شرق إفريقيا, وكان آخر سفره إلى جمهورية مدغشقر ليجدد العلاقات بين الدولتين, وكان من أهداف أسفاره أن يشارك بفعالية تطوير علاقات المجتمع القمري في الخارج، ومع العالم الإسلامي بصفة عامة.

أخلاقه وأدبه:

إن حياة محمد شريف مدرسة تفيض بالعطاء والعلم والأدب، وكان قدوة في الأخلاق والفضيلة؛ فقد كان متأسياً بالرسول صلى الله عليه وسلم, متمسكاً بسيرته, ومهتدياً بهديه، من هنا نجده قد امتاز بالأدب والخلق الرفيع, فمعرفة سلوكه وفهم منهجه ومسلكه الفقهي والعقدي مهم جداً؛ لأنه ما كان داعياً للناس بلسانه فقط بل كان قدوة بمنهجه وسلوكه.

ثقافته وعلمه:

من ذلك معرفته بعقيدة التوحيد، وما يتفرع عنها من أحكام الإسلام وقوانينه وشرائعه المستنبطة من كتاب الله وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم.

ومن هنا كان العلم عنده أساس كلّ شيء، من معرفة الحلال والحرام، والعبادة على الوجه الصحيح، والدعوة إلى الله على بصيرة، وتربية الأمة على طريق الهدى والرشاد، وقد قال الله تعالى: ?... إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ? [فاطر : 28]، والحديث النبوي الشريف يؤكّد لنا أن «العلماء ورثة الأنبياء»[16].

كان الشيخ محمد شريف من كبار علماء جزر القمر في عصره، أفاد أبناءها بعلومه وعلمه الذي لا يقف عند المعلومات الدينية فحسب، بل شمل علوماً كثيرة كالعلوم المنطقية والأدبية وغيرها[17].

العلوم الدينية:

حفظه للقرآن الكريم: بدأ الشيخ محمد شريف بحفظ القرآن الكريم في الكتاتيب القرآنية على يد الشيخ موسى نازي, ولم يزل يحفظ القرآن طوال دراسته، حتى حفظ من القرآن وتفسيره الكثير.

التجويد: اهتم الشيخ محمد شريف أحمد بدراسة التجويد لكي يحسّن قراءته، فدرس التجويد في مدرسة باكثير، وكذلك في المعهد الإسلامي بزنجبار، وكان يقرأ القرآن قراءة تثبُّت امتثالاً لأمره تعالى: ?وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً? [المزّمِّل : 4]، واقتداءً بالرسول صلى الله عليه وسلم.

وكان الشيخ محمد شريف يدرس ويعلّم التجويد لتلاميذه ليدربهم على قراءة القرآن قراءة صحيحة,  برواية حفص عن عاصم.

تفسير القرآن: وكان يطلع على أكثر من تفسير، منها: تفسير جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي، وجامع الأحكام للقرطبي، والصاوي، والزمخشري.

ومنهج تفسيره: كان يشرح الكلمات الصعبة، ثم يشرح إجمالاً، ثم يستنبط بعض الأحكام الفقهية واللغوية.

علم الحديث: كان الشيخ محمد شريف مهتماً بهذا الفن العظيم, وقرأ صحيح البخاري ومسلم وأبي داود والتزمذي والنسائي، كما حفظ أكثر من مائتي حديث.

علم الفقه: لم تعرف جزر القمر إلا مذهباً واحداً في الفقه، هو مذهب الإمام الشافعي، وذلك ما جعل الشيخ محمد شريف وكلّ فقهاء جزر القمر يهتمون بدراسته.

فتعلّم الشيخ محمد شريف (الرسالة) في علم أصول الفقه، و (الأم) في الفقه، ثم اشتغل بمعرفة مؤلفات أئمة مذهبه كالإمام النووي والغزالي, ولم يزل محمد شريف ينشر معارفه، لا سيما معرفته الفقهية لدى تلاميذه، سواء في مدرسة الفتح أو في المساجد, وكان يدرس للأطفال بعض المختصرات الفقهية، كالمقدمة الحضرمية وبداية الهداية وغيرهما.

علم التوحيد: كان من منهج الشيخ محمد شريف أن عقيدة التوحيد لا تكون نقية صادقة إلا إذا آمن المسلم بتوحيد الله في كلّ شيء، وعلى وجه التحديد يجب توحيده في الأمور الآتية:

1 - توحيد الله في ذاته: وهو منطلق التوحيد، وعلى أساسه تقوم أبنية العقيدة.

2 - توحيد الله في صفاته: فهو واحد، يتصف بالغنى والعلم والقدرة والإرادة؛ لذلك اختص بالأسماء الحسنى ووصف نفسه بها: ?وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا? [الأعراف : 180].

3 - توحيد الله في الأفعال: فهو وحده يخلق ويرزق ويحيي ويميت، وهذا الكون والحياة لا يستطيع أن يتصرف فيهما غيره عز وجل، ولا يكون حدث إلا بإذنه سبحانه.

4 - توحيد الله في الألوهية بالعبادة: أي أن كمال توحيد الله الإخلاص له في العبادة.

كلّ هذه الأمور التوحيدية التي ذكرناها قد ضبطها الشيخ محمد شريف، وكان يدرسها لطلابه، ويعمل بها في حياته، ويظهر إخلاصه في شخصيته الحسنة.

العلوم اللغوية:

درس الشيخ محمد شريف اللغة العربية طول دراسته، وما يتعلق بها من العلوم كالنحو والصرف والبلاغة والأدب.

وقد بدأ دراسة النحو في مدرسة باكثير في زنجبار بشرق إفريقيا، كما درس جميع المواد اللغوية في الابتدائية والمتوسطة والثانوية والجامعية، وكان يدرس تلاميذه المواد اللغوية في مدرسة الفتح ومعهد سيد محمد شيخ وغيرهما.

علم التاريخ:

درس الشيخ محمد شريف تاريخ العصرين, الجاهلي والإسلامي عند العرب، وهذا ما أعطاه نظرة ناقدة لمقارنة ذلك العصر بالعصر الإسلامي.

آثاره:

أما آثار الشيخ محمد شريف فيمكننا القول بأنه ترك آثاراً طيبة، وأن المجتمع القمري يجني من ثمار جهوده راضياً مغتبطاً، فتلاميذه الذين رباهم يساهمون اليوم في تقدّم المجتمع القمري ورفعته في المجالات المختلفة.

ومن آثار محمد شريف أحمد تأسيس «مدرسة الفتح»، وهي أول مدرسة نظامية لنشر اللغة العربية, ولمّا رجع محمد شريف إلى «إيكوني» مسقط رأسه وجد أهالي بلدته قد شرعوا في بناء نادٍ للشباب للترفيه وحفظ الآلات الموسيقية والتدريب عليها، وكان المبنى على وشك الانتهاء, فحاور الأهالي برفق، وطلب منهم للمصلحة العامة ولمصلحة دينهم تحويل النادي إلى مدرسة, فرحّبوا بالفكرة، وكانت هذه الخطوة المباركة بحق نقطة تحوّل وانطلاق إلى نشر اللغة العربية ومبادئ الدين الإسلامي الحنيف لأبناء جزر القمر بصفة عامة، وأبناء جزيرة القمر الكبرى بصفة خاصة.

مؤلفاته:

اهتم بالكتابة في بعض مشكلات وطنه من الناحية التقليدية، والناحية التربوية، وتأخّر المرأة القمرية بصفة خاصة، فدفعه ذلك إلى كتابة مؤلفات باللغة المحليّة (مخطوطة), لأنه في ذلك الوقت كان كثير من القمريين لا يحسنون الحديث باللغة العربية، فألف كتاباً بعنوان (التربية الإسلامية) في العام 1973م، وكتاباً آخر بعنوان (مبابكتسُ يلوا) أي (الأب لا يفهم).

وفاته:

أصيب الشيخ محمد بمرض فأرسل إلى فرنسا عدة مرات للعلاج، وفي المرة الأخيرة توفي ليلة الجمعة 24 من جمادى الثاني 1427هـ الموافق 21 تموز / يوليو 2006م في باريس عاصمة فرنسا، ونُقل جثمانه الطاهر إلى جزر القمر, ودفن يوم الخميس غرة رجب 1427هـ الموافق 27 من تموز / يوليو 2006م.

خاتمة:

مهما يكن من أمر؛ فإن الباحث المتتبع لمسيرة التعليم العربي والإسلامي في جزر القمر يلاحظ بوضوح تام مدى الجهد والعمل الذي قدّمه علماء جزر القمر في سبيل نشر العلم والمعرفة في أوساط القمريين.

ويمكن بذلك تحديد أهم الجهود والملاحظات في النقاط الآتية:

أن ما قدّمه العلماء في خدمة اللغة العربية والتربية الإسلامية في جزر القمر أكبر كثيراً مما هو معروف بين الناس.

أن جهود علماء جزر القمر لم تتوقف عند حدود الجزر القمرية الأربع، بل تجاوزتها إلى جزر المحيط الهندي، مثل مدغشقر وموريشيوس وسيشل, كما شمل ذلك الجهد الشواطئ الشرقية للساحل الإفريقي في مناطق دار السلام وممباسا وزنجبار، ووصلت حتى سواحل الصومال، بل توغلت إلى أنحاء كثيرة من شرق إفريقيا ووسطها.

أن ما قدّمه علماء جزر القمر من جهود مخلصة في دعم حركة الدعوة والتعليم؛ شكّل ملاذات أساسية ومصدات قوية ضد حركة الفرنسة والتغريب التي اجتاحت الجزر إبان الحقبة الاستعمارية.

أن هذه الجهود قد ساهمت بشكل كبير في حفظ الدين والهوية الإسلامية لشعب جزر القمر.

وأخيراً:

فإن الباحث يرى أن هذا العمل الذي قدّمه دون المطلوب، وأن الحاجة ماسّة للمزيد من البحوث والدراسات  للوقوف على جهود أولئك العلماء، هذا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

أهم المصادر والمراجع:

1 – د. عبدالعزيز غيم / جزر القمر, الأزهر الشريف, مطبعة المصحف الشريف, القاهرة 1992م.

2 - ياقوت الحموي: معجم البلدان, دار صادر بيروت, 1376ه / 1957م.

3 – د. محمد ذاكر السقاف: جزر القمر عبر العصور, دار القناعة للكتابة والطباعة, موروني 1423هـ / يوليو 2003م.

4 - شكيب أرسلان: حاضر العالم الإسلامي, مكتبة الحلبي, القاهرة، 1353هـ.

5 - كارلتومن ـ إدوارد: السلالات البشرية, ترجمة محمد السيد غلاب.

6 - السيد رجب حرزاز: إفريقيا الشرقية والاستعمار الأوروبي, دار النهضة العربية، 1968م.

* رئيس قسم اللغة العربية بالجامعة الوطنية بجزر القمر.

[1] مخطوطة برهان مكيلي, ص 5.

[2] مخطوطة برهان مكيلي، ص 47. 

[3] د. حامد كرهيلا: أثر الإسلام في تشكيل السلوك الاجتماعي القمري, ص 239.

[4] د. حامد كرهيلا, المرجع السابق, ص 241.

[5] د. حامد كرهيلا, المرجع السابق, ص 248.

[6] د. حامد كرهيلا, المرجع السابق, ص 150.

[7] د. حامد كرهيلا, المرجع السابق, ص 251.

[8] د. حامد كرهيلا, المصدر السابق, ص 253.

[9] عبدالقادر بن عبدالرحمن بن عمر الجيد: نبذه من حياة الإمام العلامة الحبيب عمر بن سميط, ص 5, دار الطابعة الهند - 1415ه / 1994م.

[10] د. حامد كرهيلا, المصدر السابق, ص 260.

[11] انظر: عيسى محمد ومحمد عبدالحميد: الأستاذ محمد شريف حياته وثقافته آثاره، بحث لنيل دبلوم للمدرسة القومية للتعليم العالي (1989م - 1990م).

[12] أول مفتي الأكبر في جزر القمر.

[13] مفتي الأكبر حالياً.

[14] عاصمة مدغشقر, وسكانها 1000000 نسمة تقريباً.

[15] رئيس جزر القمر 1970 - 1978م, قتله «بوب دينايز» ومرتزقة في مايو 1978م.

[16] رواه أحمد من حديث أبي الدرداء، رقم 21714، وغيره.

[17] محمد عبدالحميد عيسى محمد, المصدر السابق, ص 28.