صفحات من تاريخ ولاتة

  • 3 -10 - 2017
  • أحمد الشكري

أ.د. أحمد الشكري

معهد الدراسات الإفريقية

جامعة محمد الخامس/الرباط

ما من شك أن الخصائص المناخية للفضاء الصحراوي، كان لها الدور الأساس في حمل القبائل المنتشرة بالمجال المعني على اعتماد نظام التّرحال في سبيل كسب لقمة العيش.[1] من ثمة، نتفهم ضعف النسيج الحضري على امتداد الصحراء الإفريقية الكبرى أفقيا وعموديا. وعلى الرغم من تطور الحضارة البشرية وما شهدته تقنيات العمارة والتواصل من ازدهار ونمو هائل، فإن الخريطة الحضرية إلى الوقت الراهن لم تعرف تغيرا محسوسا وملموسا على امتداد المساحة الممتدة من المحيط الأطلنتي إلى النيل المصري.

في إطار هذا التصور، يحق لنا أن نعتبر نشوء مراكز حضرية أو مدن القوافل كما يحب أن يسميها الباحثون المختصون حدثا تاريخيا بارزا، بالنظر لما ينجم عن ذلك من استقرار واستبحار العمران وتطور أساليب وفنون العيش، وما يرافق ذلك عادة من انتقال الأهالي من تقاليد الثقافة الشفاهية إلى تقاليد التدوين.

وفي هذا السياق، لا نعدم الشهادات المصدرية الدالة على العناصر الأساسية المساعدة في نشأة وتطور مدن القوافل، إذ إن توفر الماء عبر الزخات المطرية أو الفرشاة الجوفية (الآبار)[2]، ناهيك عن توفر عنصر الأمن المساعد على التواصل فيما بين المركز الحضري ومحيطه القريب أو البعيد عبر خطوط التجارة، يمثلان عاملين حاسمين فيما نحن بصدده.

ولاتة في خطوط التجارة الصحراوية

يجمع المختصون على أنه منذ منتصف القرن العاشر للميلاد، أخذت التجارة الصحراوية تعرف نموا مضطردا، حتى إن البعض منهم أصبح يرجع سبب تحركات وتكتلات القبائل الصنهاجية (خاصة منها لمتونة ومسوفة وجدالة) منذئذ وإلى غاية منتصف القرن الموالي، إنما هو محاولة منهم للسيطرة على المجال بغرض الاستفادة من الأرباح المعتبرة التي باتت تدرها تلك التجارة، وأيضا بهدف الانتصار للمذهب المالكي، الذي اكتسح جل مناطق الغرب الإسلامي خلال القرن 5هـ/ 11م.[3]

إن تطور التجارة الصحراوية خلال القرن 10م، مهّد لتبعات متعددة الأبعاد، إن على ضفتي الصحراء أو على امتداد المحاور التجارية؛ مما اقتضى ظهور مجموعة من المراكز الحضرية (مدن القوافل) برسم خدمة تلك التجارة المتنامية.[4] في ظل هذه الطفرة، نشأت بيرو، التي ستعرف لاحقا بـ: ولاتة أو إيوالاتن كما رسمها الرحالة ابن بطوطة بُعيد منتصف القرن 14م.[5]

وإذا ما ألقينا نظرة على موقع ولاتة بالنسبة لخطوط التجارة الصحراوية، نلاحظ أنه منشدّ للشرق قريبا من الحوض الأوسط لنهر النيجر، وبذلك نجده مبتعدا عن الخط المستقيم الذي ترسمه الطريق الرابطة بين سجلماسة ونياني عاصمة امبراطورية مالي خلال القرنين 13 و14م، الأمر الذي يجعل من المدينة محطة عبور، شأنها في ذلك شأن أودغشت غربا وتادمكة أو تكدا[6] شرقا (انظر خريطة المحاور التجارية). وعلى هذا الأساس، فإن نشأة ولاتة خلال القرن 6هـ/12م، جاءت لتستجيب لحاجيات التجارة الصحراوية المتنامية، خاصة بعد انهيار كل من أودغشت عند منتصف القرن 11م، ثم غانة العاصمة خلال القرن الموالي.[7]

وغني عن البيان أن ابتعاد موقع المدينة عن الخط المستقيم المومأ إليه قبل قليل، وانشداده نحو الشرق، إنما هو تعبير عن رغبة القبائل الصنهاجية في الاستفادة من مياه نهر النيجر. وليس من محض الصدفة أن يتطور بشكل لافت محور ولاتة - تنبكت ثم محور تنبكت - جني[8] على امتداد عدة قرون، سواء على المستوى التجاري أو الاجتماعي أو السياسي. ومما ينبغي لفت النظر إليه هنا، أن استمرار ولاتة في الحياة ـ وإن بشكل متقطع في فترات مختلفة من تاريخها ـ إنما يعود بالأساس إلى استفادتها من قربها من مياه نهر النيجر وأيضا من الحيوية التجارية لتنبكت باعتبارها نهاية للخط التجاري المنطلق من سجلماسة[9]، ولولا ذلك لانهارت ولاتة شأن غيرها من محطات المرور مثل أودغشت وغانة.

وقد استفادت ولاتة من عنصر آخر، ساهم بشكل حاسم في تطورها خلال مدة قصيرة، ويتمثل هذا العنصر في كون العديد من سكانها المسوفيين (نسبة لقبيلة مسوفة الصنهاجية)، إنما جاؤوا أو بالأحرى هاجروا إليها من أودغشت وغانة قبيل انهيارهما، وبالتالي حملوا معهم تجربتهم الهامة في التجارة الصحراوية، مما يسر وزاد في وتيرة سرعة تطور ولاتة.

استراتيجية الانتشار المجالي: مسوفة أرباب تجارة

على الرغم من ضعف وفقر المواد المصدرية، التي يمكن أن تسعفنا في تبيّن ملامح نشأة ولاتة، أو اسم القبيل الذي اهتدى لبنائها، فإن ما تحت أيدينا يسمح لنا بالقول إن مسوفة كان لها دور بالغ الأهمية في نشأة وتطور المدينة، وقد امتدت هذه الحيوية لتشمل باقي المراكز الصحراوية، وأيضا مراكز الحوض الأوسط لنهر النيجر (كاغ[10] وتنبكت) وما يوجد جنوبها مثل جِنّي في إقليم ماسن.

ويمكننا انطلاقا من رواية الرحالة ابن بطوطة، الذي زار مدينة ولاتة وأقام بها مدة تزيد عن شهر ونصف، تلمّس الكثير من الأبعاد الدالة على حيوية ونشاط مسوفة بالمدينة وجوارها الإقليمي. وفي هذا الإطار، يذكر رحالتنا أنه بمجرد ما وصل إلى سجلماسة قادما إليها من فاس، أخذ في الاستعداد لمدة أربعة أشهر في سبيل اجتياز الصحراء؛ وفي غرة محرم من العام 753هـ/ [18  فبراير 1352م]، خرج منها ضمن قافلة مُقدمها أبو محمد يندكان المسوفي قاصدا عاصمة إمبراطورية مالي، وبعد خمسة وعشرين يوما وصل إلى " تغازى، وهي قرية لا خير فيها ومن عجائبها أن بناء بيوتها ومسجدها من حجارة الملح، وسقفها من جلود الجمال [...] ولا يسكنها إلا عبيد مسوفة الذين يحفرون على الملح، ويتعيشون بما يجلب إليهم من تمر درعة وسجلماسة [...]. وقرية تغازى على حقارتها يتعامل فيها بالقناطير المقنطرة من التبر. وأقمنا بها عشرة أيام [ مارس 1352م] في جهد، لأن ماءها زعاق، وهي أكثر المواضع ذبابا".

وبعد المعاناة التي صادفها رحالتنا في تغازى، واصل مشواره، إلى أن وصل مدينة ايوالاتن في غرة شهر ربيع الأول بعد شهرين كاملين من خروجه من سجلماسة، ثم أضاف قائلا: "وهي [ايوالاتن] أول عمالة السودان [ يقصد أول إقليم مملكة مالي من جهة الشمال] ونائب السلطان بها فَرْبَا حسين، ومعناه النائب[= نائب السلطان]، ولما وصلنا جعل التجار أمتعتهم في رحبة وتكفّل السودان بحفظها، وتوجهوا إلى الفربا وهو جالس على بساط من سقيف وأعوانه بين يديه [...] وقصدت دار ابن بُداء وهو رجل فاضل من أهل سلا كنت كتبت له أن يكتري لي دارا ففعل ذلك [...]، وكانت إقامتي بايوالاتن خمسين يوما أكرمني أهلها وأضافوني ومنهم قاضيها محمد بن عبد الله بن بنومر وأخوه المدرس يحيى [...]. وبلدة ايوالاتن شديدة الحر وفيها يسير نخلات يزرعون في ظلالها البطيخ، ولحم الضأن كثير بها، وثياب أهلها حسان مصرية [...] وأكثر السكان بها مسوفة، ولنسائها الجمال الفائق، وهن أعظم شأنا من الرجال [...] وشأن هؤلاء القوم عجيب وأمرهم غريب، فأما الرجال فلا غيرة لديهم، ولا ينتسب أحدهم إلى أبيه بل ينتسب لخاله، ولا يرث الرجل إلا أبناء أخته دون بنيه، وذلك شيء ما رأيته إلا عند كفار بلاد المليبار من الهنود، أما هؤلاء فهم مسلمون محافظون على الصلوات وتعلم الفقه وحفظ القرآن [...] وأما نساؤهم فلا يحتشمن من الرجال ولا يتحجبن مع مواظبتهن على الصلوات [...] والنساء هنالك يكون لهن الأصدقاء والأصحاب من الرجال الأجانب، وكذلك الرجال لهن صواحب من النساء الأجنبيات، ويدخل أحدهم داره فيجد امرأته ومعها صاحبها فلا ينكر ذلك [...] ولما عزمت على السفر إلى مالي [ يقصد نياني عاصمة المملكة]، وبينها وبين إيوالاتن مسيرة أربعة وعشرين يوما للمجد، اكتريت دليلا من مسوفة، إذ لا حاجة إلى السفر في رفقة لأمن تلك الطريق [...]".[11]

وباستعراض المعطيات التي تطرحها رواية رحالتنا، يتبين لنا أن ولاتة أصبحت تابعة سياسيا لإمبراطورية مالي،[12] بيد أن جل قاطنيها من مسوفة. وبالموازاة مع ذلك، نسجل تفاعل التقاليد الصنهاجية مع التقاليد السودانية، ومن ذلك أن " لا ينتسب أحدهم [ من أهل ولاتة] إلى أبيه بل ينتسب لخاله، ولا يرث الرجل إلا أبناء أخته دون بنيه".[13]

والمقام لا يسمح بتتبع مختلف الأبعاد لرواية ابن بطوطة، على أن ما توقفنا عنده يكشف بوضوح المكانة المعتبرة التي تتنزلها روايته ضمن لائحة مصادرنا عن المنطقة خلال العصر الوسيط. وغني عن البيان، أن جل الشهادات المصدرية التاريخية حينئذ، كان مركز اهتمامها منجذبا للحدث السياسي، وقلما أسعفتنا بمعلومات ذات صبغة اقتصادية أو اجتماعية. وتبعا لهذا النهج الانتقائي، وقع التركيز على لمتونة باعتبارها مؤسسة لدولة المرابطين خلال القرن 5هـ/11م، بينما تم إهمال الأعمال الهامة التي قامت بها مسوفة في تيسير ظروف التجارة الصحراوية وبناء المراكز التجارية وغير ذلك مما يخدم الوساطة التجارية ما بين بلاد المغرب وبلاد السودان (= السودان الغربي)؛ وأما جدالة، فقد كان حظها أكثر سوءا، حيث اختفت الإشارات التاريخية عنها مباشرة بعد نجاح أمر الدولة المرابطية.

ولئن كان أصحاب مصادرنا، يصرون على العناية بالجوانب السياسية وإهمال ما دونها، فإن الفلتات الصادرة عنهم عفوا، تدعونا للتوقف عند أمر غاية في الأهمية، يتمثل في الانتشار الواسع لمسوفة بمناطق مختلفة من الغرب الإسلامي. ذلك أن خريطة توزيعهم الجغرافي، تنتقل بنا من مواقعهم الصحراوية المعهودة، ثم تأخذنا إلى مجمل مناطق المغرب المرابطي بما فيه الأندلس. وخلال القرون التالية خاصة فيما بين القرنين 13 و17م، يمكننا تعقب آثارهم في أعماق بلاد السودان سواء بجِني أو نياني عاصمة مالي، أو في الحواضر السودانية المتصلة من الحوض الأوسط لنهر النيجر إلى المحيط الأطلنتي ونهر السنغال.[14]

ويبدو أن استراتيجية الانتشار في المجال التي اعتمدتها مسوفة، كانت تروم تيسير أمور التجارة، دون محاولة السيطرة السياسية أو العسكرية أو المنافسة عليهما، بل ركزت جل طموحاتها على الجانب الاقتصادي، وأولته عناية بالغة، ولم تشغل نفسها بالأمور السياسية مثلما فعلت لمتونة.[15]

ونعتقد أن هذا التوجه، شكل أحد الأسباب الأساسية في نجاح وتوفيق مسوفة في التجارة الصحراوية؛ وفي إطار هذه المعطى نستطيع تفهم ازدهار التجارة الصحراوية في مراحل مختلفة من العصر الوسيط، وكيف أمكن لشركة المقري، على الرغم من عدوانية الفضاء الصحراوي، أن تحقق تطورا ملحوظا في أساليب التجارة ما بين ضفتي الصحراء، خاصة خلال النصف الأول من القرن 14م، علما أن ولاتة إلى جانب سجلماسة وتلمسان، شكلت مثلث الارتكاز لنشاط الشركة، ووقتها كانت تنبكت ما تزال تعيش في ظل ولاتة (إيوالاتن)، ولم تبرز كحاضرة تجارية وثقافية إلا بعد منتصف القرن 15م.[16]

على أن دور مسوفة لم يقتصر على خفارة القوافل التجارية بين ضفتي الصحراء، وحمايتها أو ضمان أمنها، وتوفير كل ما من شأنه أن يعين التجار في سفرهم لبلاد السودان على امتداد رحلة قد تدوم أكثر من ستة أشهر ما بين رحلتي الذهاب والإياب، وإنما شمل عملهم أيضا الوساطة اللغوية فيما بين تجار بلاد المغرب وتجار بلاد السودان.[17]

منعطف القرن 17م والمآل الاستعماري

مباشرة بعد وفاه السلطان أسكيا دوود سنة 1582م، أخذ الضعف يدب في جسم إمبراطورية سنغاي[18] نتيجة الهجومات المتوالية على أطرافها من جانب قبائل البنبار والموشي من الجنوب والتوارق من الشمال، ثم جاءت الحملة السعدية، التي قادها جودر باشا سنة 1591م، لتهدم ما تبقى من أركان الدولة السنغية؛ وبعد أقل من عقد ونيف، دخل أبناء السلطان أحمد المنصور الذهبي في صراع حاد حول السلطة، مما جعل المغرب بدوره يدخل في فوضى عارمة دامت عدة عقود، وانتهت بانفراط عقد الدولة السعدية مما مهد لقيام الدولة العلوية خلال الثلث الأخير من القرن 17م.[19]

وبينما كان المغرب السعدي غارقا في مشاكل الانقسام، كانت القبائل العربية المعقلية قد استكملت زحفها واكتساحها للمجال الشنقيطي، وواكب ذلك مجوعة من الصدامات العسكرية، أهمها حرب شرببة في (1671-1678م). وانجر عن ذلك أوضاع مستجدة بالمنطقة على جميع الأصعدة: سياسيا (ظهور نظام الإمارات)، واجتماعيا (التمايز الفئوي الذي استمر قائما إلى حين دخول الاستعمار الفرنسي: حسان، زوايا، اللّحمة)، وثقافيا (انتشار اللهجة الحسانية).[20]

وأمام هذه الفوضى السياسية التي عمت المنطقة، أخذت التجارة الصحراوية تعرف نكوصا شديدا بسبب انعدام الأمن، ولكن أيضا بسبب تفوق الكرافيل على الجمل سفينة الصحراء. ويكفي أن نعلم في هذا الباب، أنه إذا كان اجتياز الصحراء، يكلف التاجر مدة تناهز الشهرين في الذهاب ومثلها في الإياب، فإن السفن الإيبيرية اختصرت هذه المدة في شهر واحد ذهابا وإيابا، وفوق ذلك كانت تحمل أثقالا تفوق بكثير ما كانت تحمله القوافل الصحراوية.[21]

ومما زاد الطين بلة، أن منطقة الحوض الأوسط لنهر النيجر حيث توجد تنبكت وكاغ، وهي الموانئ الطبيعية لولاتة، وجدت نفسها في منافسة قوية منذ مطلع القرن 15م، نتيجة صعود قوة الإمارات الحوسية شرقا ومملكة جولف غربا.[22] زد على ذلك، أن مناجم ذهب إفريقيا الغربية (غالم بامبوك وغوري)، التي كانت الهدف الأساسي للمستكشفين الإيبيريين، ومن جاء بعدهم من الدول الأوروبية الأخرى خلال القرن 17م وما تلاه (الهولنديون والإنجليز والفرنسيون)، لم تعد لها نفس الأهمية حينما أخذت السفن الأوروبية بعد منتصف القرن 16م، تعود من شواطئ أمريكا محملة بكميات معتبرة من هذا المعدن النفيس، وبات الاهتمام بجلب عبيد إفريقيا إلى مزارع القطن والسكر بأمريكا الشاغل الأساسي لربابنة السفن[23]، مما أثر على البنية الديمغرافية  بالقارة، فانضاف عامل سلبي آخر إلى لائحة معيقات التطور بمنطقتنا، وذلك في انتظار الضربة القاضية المتمثلة في حدث الاستعمار الفرنسي عند ملتقى القرنين 19 و20 للميلاد.[24]

وههنا، لا بد من استحضار دور العثمانيين كقوة عالمية إسلامية منذ القرن 15م في خريطة العالم القديم والجديد بعد اكتشاف أمريكا، والتساؤل عن كيفية تفاعلهم مع هذه المستجدات ؟

نحن نعلم أنه بعد فتح القسطنطينية سنة 1453م، اهتزت عروش الممالك الأوروبية المسيحية[25]، ثم سرعان ما غيّر الباب العالي وجهته، فانتقل بقواته إلى الشام ثم مصر التي دخلها العثمانيون سنة 1517م، واستمر زحفهم غربا برسم إخضاع جل أجزاء الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط إلى أن توقفت قواتهم عند نهر ملوية على حدود الدولة السعدية سنة 1554م. وبذلك وجد المغرب السعدي نفسه بين فكي أكبر قوتين في العالم حينئذ: مملكة إسبانيا والدولة العثمانية.[26]

وانطلاقا من الصراع الديني الحاد الذي عرفه البحر الأبيض المتوسط، والذي امتد لعدة قرون (15-19م) فيما بين الإمبراطورية العثمانية المسلمة والدول المسيحية الأوروبية، نسجل أن التجربة التاريخية للعثمانيين في ولاياتهم الواقعة على الضفة الجنوبية للمتوسط خاصة خلال القرنين 17 و18 للميلاد، ركزت على فرض هيمنتهم السياسية (الضرائب)، ثم عرقلة ملاحة سفن الدول الأوروبية بالبحر الأبيض المتوسط من خلال ما عرف بالجهاد البحري. ونتيجة لهذه السياسة، يتضح لنا أن الباب العالي لم يشغل نفسه بأمر التجارة الصحراوية وأوضاعها المقلقة، كما أننا لا نسجل أية مبادرة جدية من جانبه تروم العمل على إنعاشها وتنشيطها بغرض استرجاع ديناميتها السابقة.  

مجموع هذه العوامل السلبية والمتشابكة محليا وجهويا ودوليا، كان لها بالغ الأثر في تراجع ولاتة وغيرها من مراكز التجارة الصحراوية المعهودة؛ وهو تراجع بدأت مؤشراته الأولى منذ انهيار سجلماسة منتصف القرن 15م، علما أن المدينة شكلت على امتداد قرون العصر الوسيط قاعدة أساسية للتجارة الصحراوية. وقد نلمس بعض جوانب هذا التراجع لولاتة في كلام عبد الرحمن السعدي عنها، ومما جاء عنده:" أسست تنبكتُ على يد توارق مقشرن في أواخر القرن الخامس الهجري [...] ثم أخذ الناس يسكنون فيها ويعمرونها حتى صارت سوقا للتجارة وكان التسوق قبل في بيرُ[= ولاتة]  وإليه ترد الرفاق من أهل مصر وورجلان وفزان وغدامس وتوات ودرعة وتافلالت وفاس وسوس ثم انتقل الجميع إلى تنبكتُ قليلا قليلا حتى استكملوا فيه وزيادة مع جميع القبائل الصنهاجية بأجناسها فكانت عمارة تنبكتُ خراب بيرُ".[27]

وعلى الرغم من المبادرات المتعددة التي قام بها بعض سلاطين الدولة العلوية منذ الثلث الأخير من القرن 17م، والتي استمرت طيلة القرنين 18-19م لإعادة إحياء التجارة الصحراوية، ومن ذلك إنشاء ميناء الصويرة 1767م بغرض ربط التجارة الصحراوية مع الملاحة الأوروبية، فإن الضغط الأوروبي المتزايد، لم يسمح بأي انفراج بهذا الشأن، حتى إن بول باسكون في دراسته لكناشات زاوية تازروالت جنوب المغرب فيما بين 1853 و1868م، يؤكد أن أسواق المدينة لم تستقبل سوى 19 عبدا وأمة.[28]

وتخلص فاطمة الزهراء طموح في أطروحتها إلى نفس النتيجة، حينما أكدت على أن ميناء الصويرة خلال القرن 19م، كان يستقبل أقل من 50 كلغ من الذهب سنويا،[29] وهي كمية زهيدة جدا مقارنة مع ما كانت تستقبله المراكز التجارية على الضفة الشمالية للصحراء خلال العصر الوسيط مثل تاهرت وسجلماسة وغيرهما. وحسبنا هنا استحضار رواية ابن بطوطة التي أثبتناها سابقا، حيث نلاحظ أنه أثناء كلامه عن تغازة (تغازى) قال في حقها إنها قرية على " حقارتها يتعامل فيها بالقناطير المقنطرة من التبر [ الذهب في حالته الخامة]".

وإذا جاز لنا متابعة رصد عناصر التراجع، يمكننا التوقف عند ملاحظة تفصح عنها بشكل عارض جل المصادر العربية الوسيطية وأيضا الإيبيرية المتعلقة بالفضاء السنغامبي إلى مطلع القرن 17م، وتتمثل في كون الكثير من المراكز الحضرية تتشكل من مدينتين (غانة العاصمة، كوكو، بريسي، سلى، صنغانة، الخ)، وولاتة لم تخالف القاعدة، حيث هي الأخرى كما نعلم كانت تتألف من ثلاثة أجزاء: بيرو، وإيوالاتن (ولاتة)، وتازخت التي دمرها أولاد يونس في القرن 17م.[30]

ومثل هذه الظاهرة توحي لنا بأن صيرورة التراكم المؤدي إلى التطور الاقتصادي المتصاعد، لم تكن متاحة أمام مدن القوافل الصحراوية وغيرها من المراكز الحضرية السودانية لأسباب مختلفة. ولعل هذا ما دفع ولد السعد إلى القول: "إن نسق قيّم القوم يتعارض مع اقتناء الثروة وادخارها وتنميتها، لأن اقتصادهم اقتصاد توزيع لا اقتصاد تراكم. ولذا يُكتفى من تلك الثروات بسد الحاجات الآنية واستثمار الجزء الأوفر في إنتاج القيم الرمزية عبر دورة توزيعية واسعة نسبيا".[31]

جدلية الاقتصادي والثقافي

عادة ما تفيدنا التجارب التاريخية للأمم والشعوب أنه ما إن يتحقق فائض أو بالأحرى تطور اقتصادي حتى يأخذ المجتمع المعني في تحقيق تطور على المستوى الاجتماعي والثقافي. بيد أن هذه الصيرورة التاريخية لولاتة ومحيطها الجهوي (بلاد شنقيط)، لم تعرف نفس المسار، حيث أفرزت ظاهرة متميزة، نكاد لا نجد لها مثيلا في التجارب التاريخية لجل الأمم والشعوب.

إن المؤشرات والمعطيات الاقتصادية مما وقفنا عليه قبل قليل، كلها تسير بنا نحو تأكيد التراجع التدريجي للتجارة الصحراوية من منتصف القرن 15م إلى غاية دخول الاستعمار الفرنسي للمنطقة عند نهاية القرن 19م، الأمر الذي كان له تأثير سلبي على عدة نواح من حياة الناس ببلاد شنقيط؛ بيد أنه بالموازاة مع ذلك، نسجل أن ذات الفترة (16-19م) شهدت نموا ثقافيا تدريجيا، بلغ أعلى مستوياته خلال القرن 19م.

وبناء على معطيات هذه الظاهرة الفريدة، طالب البحاثة أحمد ولد الحسن (المتوفي عام 2001) بضرورة إعادة تقييم وضع الثقافة العربية الإسلامية بناء على ما أبانت عنه الثقافة الشنقيطية من علو كعب لافت خلال القرنين 18 و19م؛ ومما يدفع به الباحث في دعم وإسناد رأيه، أنه حينما كانت الثقافة العربية في جل البلاد العربية الإسلامية تعاني من تدهور وتراجع بيّـنين، كانت بلاد شنقيط تعرف نهضة ثقافية ثـرّة ومتميزة خلال القرنين المذكورين، وبذلك لا يمكن بأي حال أن تندرج ضمن التحقيبات الكلاسيكية المتداولة لدى المختصين في النقد الأدبي العربي.[32]

ولئن تفردت المنطقة بهذه الميزة، فلا بد لنا من استحضار جانبين كان لهما أثر بالغ في تأطيرها ومواكبتها خاصة بعد نهاية القرن 17م، ونقصد أساسا انتشار التصوف الطرقي بين القبائل (القادرية والتجانية)، ثم تهافت القبائل الصنهاجية على طلب النسب العربي.

إن العبرة المستخلصة من هذا الرصد التاريخي، تدلنا بما لا يدع مجالا للشك، أن الموقع القصي لولاته في أعماق الصحراء، لا يمكنه بأي حال أن يشكل عائقا أمام تنمية وتطور المدينة ما دام هناك حرص صادق من جانب أهلها وكل الغيورين على تراث المنطقة لإعادة إحياء دورها التاريخي المجيد. وفي هذا الجانب، لا يسعنا إلا أن نشد بحرارة على أيدي القيمين على مركز البحوث والدراسات الولاتية، وخاصة رئيسه الأستاذ الفاضل حسني الفقيه، لما يبذلونه من مجهودات جادة بهذا الشأن.

ولئن اعتمدت مسوفة استراتيجية الانتشار المجالي بغرض تنمية مدن القوافل الصحراوية، ومنها ولاتة، فإن أوجب ما ينبغي أن نحرص عليه اليوم، يتمثل في استكمال مشروع الطريق الذي يربط ولاتة بنواكشوط وغيرها من مدن موريتانيا في سبيل ربطها بمحيطها الجهوي والوطني والدولي. وحينئذ، يمكننا التفكير في مشاريع اقتصادية واجتماعية، تأتي في مقدمتها تلك المتعلقة بالتنمية السياحة الثقافية والبيئية على غرار ما تفعل عدد من المؤسسات غير الحكومية بتنبكت.

إن فكرة استكمال الطريق، التي ما فتئ الأستاذ البحاثة محمدو بن محمذن يؤكد عليها ويدافع عنها، تمثل في نظري مبادرة نيرة، إذ يمكنها أن تؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ المنطقة؛ وكأني بزميلنا محمذن يستلهم تجربة المؤرخ الأمريكي روبرت فوغل (R. Fogel) الحاصل على جائزة نوبل عام 1993، ويعتمدها في نظرة استباقية لما يمكن أن تؤول إليه أمور المنطقة حين وصلها بالشبكة الطرقية.[33]

[1] - إذا انطلقنا من المحيط الأطلنتي في اتجاه بحيرة التشاد، نجد أن أهم المجموعات القبلية المنتشرة بالصحراء وحوافها الشمالية خلال العصر الوسيط: صنهاجة، ومصمودة، وزناتة، وهوارة. وإذا غضضنا الطرف عن العناصر العربية الوافدة على بلاد المغرب في إطار عملية الفتوح الإسلامية (وأعدادها قليلة مقارنة مع أعداد السكان المحليين)، فإن زحف القبائل العربية من بني هلال وبني سليم انطلاقا من مصر خلال القرن 11م، جعل الطلائع الأولى لهذه القبائل تصل إلى المحيط الأطلنتي (منطقة سوس جنوب المغرب) في نهاية القرن 14م، ثم تابعت زحفها نحو الجنوب لتكتسح وتسيطر على المجال الشنقيطي مع نهاية القرن 17م. وبذلك استقر الوضع الديمغرافي  بالمجال الصحراوي الموازي لبلاد المغرب من الشمال وبلاد السودان من الجنوب، وتهيأت المنطقة لمرحلة جديدة من تاريخها. وسنعود لتوضيح مدلول المفاهيم الجغرافية التي وظفناها هنا.

[2]- انظر:

عبد اللطيف رمان وإبراهيم واحمان، الخصائص الطبيعية: الجيولوجية – البنيوية والمناخ، ضمن عمل جماعي: الصحراء الأطلنتية المجال والإنسان، منشورات وكالة الجنوب بتعاون مع جامعة ابن زهر بأكادير، 2007. ص 24.

Mauny (R.),Tableau géographique de l’ouest Africain au moyen Age, d’après les sources écrites, la tradition et l’archéologie, Amsterdam, 2ème éd. Mémoires de l’IFAN, n° 61, 1967. pp 197-210.

[3] - يناهز عدد القبائل الصنهاجية السبعين، وهي منتشرة في جل أرجاء الغرب الإسلامي، من نهر السنغال جنوبا إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط شمالا؛ على أن تمركز القبائل الأساسية منها كان بالفضاء الصحراوي. ومن قلب الصحراء انطلقت لمتونة التي أسست دولة المرابطين خلال القرن 11م؛ في حين اهتمت مسوفة بالجانب التجاري ولم تشغل نفسها بالأمور السياسية. وأما جدالة المتمركزة عند مصب نهر السنغال، فقد كانت لها علاقات تجارية حيوية مع السودان جنوب النهر إلى غاية القرن 12م، ثم سرعان ما اختفى اسمها من المصادر خلال الفترات اللاحقة لأسباب ما تزال غامضة. وقد حاول المؤرخ الموسوعي عبد الرحمن بن خلدون تجميع كل ما انتهى إليه من أخبار صنهاجة إلى غاية نهاية القرن 14م في مؤلفه العبر. وللاستزادة عن أحوال القبائل الصنهاجية خلال العصر الوسيط، نحيل القارئ على دراسة الزميل الأستاذ الناني ولد الحسين، صحراء الملثمين، طرابلس، دار المدار الإسلامي، 2007.

[4] Devisse (J.), «L’Afrique dans les relations intercontinentales», in Histoire Générale de l’Afrique., T. IV. Unesco/Nea  1985, ch. 26, p. 693-730.

[5] - أحمد مولود، مدن موريتانيا العتيقة (قصور ولاتة ووادان وتيشيت وشنقيط)، الرباط: منشورات مركز الدراسات الصحراوية، 2014. ص 80-156. وتقع ولاتة حاليا ضمن حدود جمهورية موريتانيا الإسلامية في أقصى الجنوب الشرقي.

[6] - أودغشت: تقع على الطريق المنطلق من سجلماسة ووادي درعة في اتجاه آدرار، والذي ينتهي عند أودغشت الواقعة حاليا في تـگداوست الموريتانية. وانطلاقا من أودغشت في اتجاه الجنوب الشرقي، نجد الطريق الذي يصلها بعاصمة غانة القديمة على بعد ستة أيام. ونجد عند المؤرخ اليعقوبي وصفا لها يوحي بأن المدينة كانت مزدهرة منذ نهاية القرن 9م، ولعل في هذا ما جعلها محط صراع قوي ما بين المرابطين ومملكة غانة، خاصة خلال النصف الأول من القرن11م. سيطر عليها قبيل زناتة وفرض المذهب الأباضي بها، على أنه بعد قيام أمر الدولة المرابطية السنية المالكية، استطاعت السيطرة عليها لتنهار المدينة خلال النصف الثاني من القرن 11م. 

تادْمكّة: شأن أوذغشت، أخذ أهل المدينة بالمذهب الأباضي، وقامت بها مملكة قوية يرأسها بنو تانماك الأباضيون فيما بين القرن 8 و10م؛ وخلال القرون اللاحقة بدا حضورها خافتا في المصادر العربية، مما يعني أنها افتقدت تلك الحيوية التجارية التي كانت لها قبل القرن 10م. وتفيدنا المصنفات الجغرافية، أن منطقة الحوض الأوسط لنهر النيجر(حيث توجد كوكو)، كانت ترتبط بإفريقية ( تونس) عبر الجادة أو الطريق الصحراوي الواصل ما بين كوكيا والقيروان مرورا بتادمكة. من ثمة، كان لتادمكة الدور الأساس في انتقال التأثيرات الإسلامية إلى هذا الجزء من بلاد السودان منذ منتصف القرن 10م. وموقعها حاليا ضمن حدود جمهورية مالي.

تكدا (تكدة): اشتهرت بمناجم النحاس، وحسب ابن بطوطة فقد كان هذا المعدن يجد رواجا كبيرا في أسواق مصر، والأمر سيان بالنسبة للسلع المصرية لدى أهل تكدا، خاصة الملابس. ويظهر أن أهل تكدا من التجار المتمرّسين، إذ كانت لهم علاقات تجارية وثيقة مع جل القوى الإسلامية بشمال إفريقيا. انظر:

أحمد الشكري، العلاقات الفكرية بين المغرب وإفريقيا جنوبي الصحراء عبر العصور، الرباط: منشورات معهد الدراسات الإفريقية بالرباط 2015. ترجمة عن الأصل الفرنسي لمحاضرة البحاثة الأمريكي الأستاذ جان هانويك: جامعة نورث ويستيرن، شيكاغو – الولايات المتحدة الأمريكية. ص 13 -16.

حماه الله ولد السالم، حركة المُرابطين بين العصبيّة والدعوة، الرباط: منشورات مركز الدراسات الصحراوية 2015. ص 28 هامش رقم 1.

اليعقوبي، كتاب البلدان. ليدن 1892. تحقيق دي خوي. ص 360.

[7] ـ لا نعرف على وجه التحديد تاريخ نشأة مملكة غانة في منطقة أوكار الواقعة فيما بين نهر النيجر ونهر السنغال. وتعود أولى الإشارات المصدرية إليها إلى القرن 8م، وكانت عاصمة المملكة تحمل نفس الاسم، أي غانة. ويظهر أن هذه الوحدة السياسية السودانية قد عرفت تطورات بالغة الأهمية خلال القرنين 10-11م، وذلك بفضل احتكاكها مع التجار المسلمين الوافدين من الصحراء وبلاد المغرب. وتشهد المصادر على أن العلاقات التجارية ما بين غانة الوثنية وأهل أودغشت الأباضيين كانت متطورة خلال القرن 11م. وحينما قامت دولة المرابطين السنية المالكية، هاجمت أوذغشت وسيطرت عليها عام 1055م، بيد أن انشغالهم بالشمال جعلهم يهملونها، فانهارت المدينة بعد ذلك، خاصة بعد تحول المحاور التجارية نحو الشرق. وفي ذات السياق، تطرح على الباحثين إشكالية تاريخية عن طبيعة علاقات مملكة غانة الوثنية مع الدولة المرابطية الصاعدة. ولمن رام الإحاطة بحيثيات القضية، ينظر: أحمد الشكري، مملكة غانة وعلاقتها بالحركة المرابطية: هل حقا قام المرابطـون بـغـزو غـانـة ؟ الرباط: منشورات معهد الدراسـات الإفريقـية، 1997.  

[8] ـ نشأت تنبكت خلال القرن 11م، وموقعها قريب من نهر النيجر (حوالي 6 كلم)، كانت المدينة إلى غاية منتصف القرن 14م، عبارة عن قرية صغيرة، مما يعني أن تطورها كان بطيئا، ثم سرعان ما أخذت تتوسع طيلة القرن 15م. وخلال القرن الموالي، اكتسبت شهرة واسعة في بلاد السودان أو إفريقيا الغربية بحسب الاصطلاح المعاصر، وأضحت من أهم المراكز التجارية والعواصم الحاضنة للثقافة العربية الإسلامية بالمنطقة إلى يوم الناس هذا. وإلى الجنوب منها في اتجاه قلب إقليم ماسنة تقع مدينة جني، وهي قديمة في الإسلام، لذلك توثقت علاقاتها بمدينة تنبكت. وبالنظر لموقعها على أحد روافد نهر النيجر، فإن فيضانه في فصل الصيف يجعل جنى محاطة بالمياه مما حمل البحاثة الفرنسي ريموند موني (R. Mauny) على تشبيهها بمدينة البندقية الإيطالية. ولم تكن مدينة جنّي أقل شأنا من تنبكت إن على المستوى الثقافي أو التجاري؛ وهذا ما نلمسه بوضوح من خلال كلام مؤرخ تنبكت عبد الرحمن السعدي عنها:" [وجني] مدينة عظيمة ميمونة مباركة ذات سعة وبركة [...] وهي سوق عظيم من أسواق المسلمين وفيها يلتقي أرباب الملح من معدن تغازة وأرباب الذهب من معدن بيط [...] ومن أجل هذه المدينة المباركة تأتي الرفاق من جميع الآفاق إلى تنبكت [...] وقد ساق الله تعالى لهذه المدينة المباركة سكانا من العلماء والصالحين من غير أهلها من قبائل شتى وبلاد شتى". وموقعها حاليا ضمن حدود جمهورية مالي. انظر: عبد الرحمن السعدي، تاريخ السودان، باريس، ميزونوف 1981؛ وهي النشرة الثانية عن الطبعة الأصل الصادرة عام 8981-1900، وقف على طبعه من غير تغيير نصه مع ترجمته للفرنسية أوكتاف هوداس بمشاركة تلميذه السيد بنوة. ص 11-12.

[9] ـ تعد سجلماسة ـ التي توجد جنوب المغرب ـ قاعدة التجارة الصحراوية فيما بين القرن 10 و14م، وقد أقام بها ابن بطوطة عدة اشهر برسم الاستعداد للسفر إلى عاصمة مملكة مالي عام 1352م. ونعتقد أن انهيار الوحدات السياسية على ضفتي الصحراء (السلطة المرينية بالشمال والسلطة المالية بالجنوب)، وهو الحدث الذي تزامن مع وصول بعض فروع قبائل بني هلال (حسان) إلى المحيط الأطلنتي، ناهيك عن تحول المحاور التجارية نحو الشرق في اتجاه مصر، كل هذه العوامل المتشابكة،  كان لها دور أساسي في تراجع الدور التجاري للمدينة مما أدى إلى انهيارها منتصف القرن 15م. انظر: حسن حافظي علوي، سجلماسة وإقليمها في القرن 8 الهجري / 14 الميلادي، الرباط: منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب سنة 1418 هـ - 1997 م.

[10] - مثل تنبكت توجد كاغ ضمن الحدود السياسية الحالية لجمهورية مالي. تُعرف  في المصادر السودانية برسم ثان: گـاو= Gao، بينما  تشير إليها المصادر العربية باسم ثالث: كوكو؛ وما تزال آثارها قائمة لحد الآن. وكثيرا ما يختلط الأمر على الدارسين فيعتقدون أنهم بإزاء 3 مواقع أو مدن. توجد كاغ في الحوض الأوسط لنهر النيجر، وموقعها غير بعيد عن تنبكت؛ اتخذها السنغيون عاصمة مملكتهم منذ عهد سني علي (1468- 1492م)، الذي يعتبر المؤسس الحقيقي لدولة سنغاي. وغير خاف، أن دولة سنغاي جاءت على انقاض دولة مالي عند منتصف القرن 15م، ونفوذها ـ كما الشأن بالنسبة لمملكة مالي ـ كان يغطي جل أرجاء الفضاء السوداني أو ما يعرف حاليا بإفريقيا الغربية. انظر:

Cuoq  (J.), Histoire de l’islamisation de l’Afrique de l’ouest des origines à la fin du 16ème siècle, Paris, Genthner, 1984. pp. 133-146.

[11] - ابن بطوطة، تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، بيروت: مؤسسة الرسالة. تحقيق علي المنتصر الكتاني، 1985. ج 2، ص 776-777. وتجب الإشارة هنا، ان ابن بطوطة أثناء زيارته لمملكة مالي والتي دامت زهاء سنتين (1352-1354م)، حدثنا عن الكثير من الأشخاص المغاربة المقيمين بالمملكة، وغالبا ما كان يذكر الاسم مع وظيفته ( فلان القاضي أو معلم الصبيان أو التاجر الخ) ، ثم يضيف مجال انتمائه لأقاليم أو مدن المغرب ( إقليم دكالة، مدينة فاس، سلا، مراكش، وجدة الخ). وللاستزادة عن الموضوع، ينظر مقالنا:" رحلة ابن بطوطة إلى بلاد السودان"، مـجلـة المناهل عـدد خاص عن ابن بطوطة، رقم 59، 1999.

[12] - أحمد الشكري، الإسلام والمجتمع السوداني امبراطورية مالي (1230-1430م)، الرباط: منشورات مركز الدراسات الصحراوية، الطبعة 2، 2015. ص 222-227.

[13] - للوقوف على العديد من التقاليد السودانية، والتي استمرت شائعة بين فئات المجتمع السوداني حتى بعد إسلامه، ينظر المرجع السابق، ص 115 و219.

[14] فضلا عن الروايات المشهورة مما تناقله أصحاب مصادرنا عن مسوفة، مثل التي جاءت عند البكري والإدريسي وابن سعيد وابن أبي زرع وابن بطوطة وابن خلدون، ينظر:

عبد الرحمن السعدي، تاريخ السودان، باريس، ميزونوف 1981؛ م. س، الباب الثامن، ص 25.

أحمد بن فُرْطو، كتاب غزوات السلطان إدريس ألوما في بَرْنُ (1564-1576)، شتوتغارت: فرانز شتينر 1987، حققه وعلق عليه وترجمه إلى الإنجليزية ديرك لانجي، ص. 31، 36.

الشيخ محمد اليدالي، نصوص من التاريخ الموريتاني: شيم الزوايا، أمر الولي ناصر الدين، رسالة النصيحة. تونس، بيت الحكمة 1990، تقديم وتحقيق: محمذن ولد باباه، ص. 139.

محمد بلو، إنفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور، الرباط: منشورات معهد الدراسات الإفريقية 1996. ص. 196-199، 223، 292.

باب ولد الشيخ سيديا، إمارتا إيدوعيش ومشظوف: دراسة في التاريخ السياسي الموريتاني، دراسة وتحقيق إزيد بيه بن محمد محمود، نواكشوط، المعهد التربوي الوطني، شركة الكتب الإسلامية/موريتانيا، ط. 2. ص. 160-161.

Lhote (H.), Les Touaregs du Hoggar, Paris, Armand Colin 1984, pp. 11-31.

[15] - معلوم أن لمتونة خلال القرنين 10 و11 للميلاد، بادرت بإنشاء بعض المراكز الحضرية، ومنها أودغست وآزوكَي؛ بيد أنه بعد نجاح أمرها وقيام الدولة المرابطية، صعدت للشمال وشيدت مدينة مراكش عام 1070م. ويصنّف أحمد مولود الحواضر اللمتونية بالصحراء ضمن الجيل الأول، بينما يدرج المدن المسوفية (ولاتة ووادان وتيشيت وشنقيط) ضمن الجيل الثاني. انظر: أحمد مولود، مدن موريتانيا العتيقة، مرجع سابق، ص 62.

[16] - إن المتمرس بالمواد المصدرية ذات الصلة بالمجال الصحراوي، يخلص إلى نتيجة مفادها أن أمر اختراق الصحراء وركوب مخاطرها خلال العصر الوسيط ، كان صعبا للغاية، وهذا ما يشهد عليه جل أصحاب مصادرنا الجغرافيين أو غيرهم من الرحالة الذين جابوا أصقاعها مثل ابن بطوطة أو ليون الإفريقي مطلع القرن 15م. انطلاقا من هذا المعطى، تتأكد لنا أهمية دور مسوفة في تسيير أعمال التجارة الصحراوية. صحيح أن المصادر شحيحة بالنسبة لهيكلة القافلة التجارية وأساليب التعاقد فيما بين التجار، بيد أن الشركة التجارية التي أنشأتها أسرة المقري بتلمسان خلال القرن 13م، تدلنا على مبلغ تطور المبادرة التجارية فيما بين ضفتي الصحراء. انظر:

أحمد الشكري، "مقاربة تقييمية لدور الصحراء في علاقات بلاد المغرب ببلاد السودان خلال العصر الوسيط" مـجـلة الـمناهـل، عدد خاص عـن الصحراء، رقم 58، 1998.

Cuoq (J.), Recueil des sources arabes concernant l’Afrique occidentale du 8ème au 16ème siècle (Bilad al Sudan), Paris, CNRS, 2 éd. 1985. pp. 324-326.

[17]- هذا ما تلمح إليه رواية الحسن الوزان الفاسي (المعروف بليون الإفريقي). انظر مؤلفه: وصف إفريقيا، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط. 2. 1983. ترجمة عن الفرنسية: محمد حجي ومحمد الأخضر غزال. ج 2: 160.

[18] - قلنا سابقا إن السلطان سُـنّي علي (1468- 1492م)، يعدّ المؤسس الحقيقي لدولة سنغاي بفضل توسعاته العسكرية. وفي عهد خلفه السلطان الحاج أسكيا محمد (1492-1528م) عرفت المملكة أوج ازدهارها. وإجمالا يمكننا القول إن السنغيين فيما بين منتصف القرن 15 ومنتصف القرن 16م، حاولوا جهد مستطاعهم الاستفادة من عائدات التجارة الصحراوية، حيث توغل نفوذهم في أعماقها حتى شمل مملحة تغازة نهاية القرن 15م، مما جعلهم خلال القرن الموالي يصطدمون بالتطلعات السياسية للسعديين. انظر: زوليخة بنرمضان، المجتمع والدين والسلطة في إفريقيا الغربية ما بين القرنين 11 و16م، الرباط: منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية 2015. ج2: ص 415، 459-465. 

[19] - على إثر الحملة السعدية التي قادها جودر باشا عام 1591م ضد مملكة سنغاي، قام بالمنطقة السودانية من الدولة السعدية، نظام حكم تحت إمرة الباشوات المغاربة، ثم سرعان ما أخذوا يستقلون بنفوذهم تدريجيا عن الحكم المركزي بمراكش، خاصة بعد وفاة السلطان أحمد المنصور الذهبي عام 1603م وانفراط عقد الدولة السعدية. تبعا لهذه الصيرورة، أسسوا لأنفسهم نظاما خاصا عُرف بـ" الرّماة ". انظر:

كعت، القاضي محمود كعت وأحفاده، تاريخ الفتاش في أخبار البلدان والجيوش وأكابر الناس وذكر وقائع التكرور وعظائم الأمور وتفريق أنساب العبيد من الأحرار، وقف على طبعه من غير تغيير مع ترجمته للفرنسية أوكتاف هوداس وموريس دولافوس، باريس، ميزونوف؛ وهي النشرة الثانية عن الطبعة الأصل الصادرة سنة 1913-1914. ص. 143، 153، 164، 169،173-174، 181.

الشيخ سيد محمد الخليفة بن الشيخ سيد المختار الكنتي الوافي، 2003، الرسالة الغلاوية، الرباط، منشورات معهد الدراسات الإفريقية، تحقيق حماه الله ولد السالم، ص. 206.

Abitbol (M.), Tombouctou et les Arma, Paris, Maisonneuve et Larose 1979, p. 84 -104 et 250.

[20] - اصطلح على تسمية العهد الجديد بالعصر الحساني، نسبة للهجة الحسانية التي باتت منتشرة بالفضاء الشنقيطي خلال القرن 18م. واللهجة الحسانية في جملتها عربية فصيحة ممزوجة ببعض الكلمات أو التعابير الزناگـية (= كلام صنهاجة). ونلفت عناية القارئ هنا، أنه شأن مفهوم بلاد السودان، الذي نجد له العديد من المرادفات (= بلاد التكرور، إفريقيا الغربية، السودان الغربي، الفضاء السينغامبي، السودان النيجيري)، فإن مفهوم بلاد شنقيط أيضا يتداول للدلالة على:  بلاد صنهاجة الصحراء، المجال البيضاني، المنكب البرزخي، المجال الحساني. وقد استعملت المصادر العربية القرسطوية مصطلح " البيضان" للدلالة على مجموع القبائل الصحراوية المنتشرة فيما بين المحيط الأطلسي إلى حواف بحيرة التشاد؛ والتوظيف لديها يقوم على أساس تمييزهم عن السودان المجاورين لهم من جهة الجنوب؛ بيد أن الاصطلاح منذ مطلع القرن 18م عرف تطورا في شحنته الدلالية، فأصبح دالا على بعد ثقافي أكثر منه عرقي. انظر: أحمد الشكري، الذاكرة الإفريقية في أفق التدوين إلى غاية القرن 18م ( نموذج بلاد السودان)، الرباط: منشورات معهد الدراسات الإفريقية 2010. ص 23-30.

[21] - تعدّ الكارافيل إلى جانب السلاح الناري والمطبعة من الأدوات الأساسية في نجاح الكشوفات الجغرافية الأوروبية، كما أنها كانت من أبرز العناصر المساهمة في بلورة عصر النهضة الأوروبي. لقد عانت الكشوفات الملاحية البرتغالية الشيء الكثير خلال العقدين الثاني والثالث من القرن 15م، بيد أنه بعد اختراع الكارافيل، تمكنوا من تجاوز جل الصعاب الملاحية. وبحسب موسوعة ويكيبيديا، فإن الكارافيل (بالبرتغالية: Caravel‏) سفينة شراعية صغيرة ذات أشرعة مثلثة، طورت في القرن 15م من قبل البرتغاليين، تصنع سفن الكارافيل من شراعين إلى ثلاث أشرعة وتزود بعض الأنواع منها بـ 4 أشرعة، إلا أن الأنواع الأولية لم يكن فيها غير شراعين. وتبلغ سعة السفينة لحوالي 50 طن من السلع، ويتراوح طولها ما بين 20 إلى 30 مترا؛ تتميز الكارافيل بسرعتها وبقدرتها العالية على المناورة، خاصة إذا كانت حمولتها الاستيعابية منخفضة. يراجع: الذاكرة الإفريقية، م. س، ص 61 وما بعدها.

[22]- Voir :

Palmer (H.R.), Sudanese Memoirs, London, 3 Vol. 1967.

Boulègue (J.), Le Grand Jolof (XIII–XVIe siècle), Paris, éd. Façades, diffusion Karthala 1987.

[23]- Voir :

Delaunay (K.), Voyages à la Côte de l’Or (1500-1750). Etude historiographique des relations de voyage sur le littoral ivoirien et ghanéen, Paris, éd. Afera, Karthala  1994. p.13.

De Moraes (N. I.), A la découverte de la petite côte au 18è siècle (Sénégal et Gambie), T.1-2, Dakar, I. E. A., Université Ch. A. Diop.- IFAN 1993-1995. T I, p 115, 197 et 265- 267.

[24] - إن النجاحات الباهرة التي حققتها عملية الكشوفات الجغرافية على يد البرتغال وإسبانيا خلال القرنين 15 و16م (اكتشاف أمريكا والدوران حول إفريقيا)، والتي تدعمت خلال القرنين المواليين 17-18م بمجهودات كل من هولندا وإنجلترا والدنمارك وفرنسا، أدت إلى تراجع تدريجي للملاحة التجارية بالبحر الأبيض المتوسط لحساب الملاحة التجارية فيما بين ضفتي المحيط الأطلنتي. وباعتبار الموانئ الواقعة على الضفة الجنوبية للبحر المتوسط (وجلها خاضعة لحكم المسلمين)، كانت تمثل محطات أساسية لتصريف السلع السائرة فيما بين ضفتي الصحراء، فقد تأثرت بشكل كبير بهذا التحول من البحر المتوسط إلى المحيط الأطلنتي، وانعكس ذلك سلبا على واقع التجارة الصحراوية، حيث تراجعت أهميتها بشكل تدريجي منذ منتصف القرن 16م، ثم زادت حدة التراجع خلال القرنين 17 و18م. ويلخص المؤرخ البرتغالي گودينهو (Vitorino Magalhaes Godinho) كل هذه التحولات في مقولته الشهيرة:" لقد انتصرت الكارافيل على الجمل سفينة الصحراء". وتعد الدراسات التي أنجزها العلامة والبحاثة الفرنسي فيرناند بروديل (Fernand BRAUDEL) من أهم وأخصب الأعمال حول الموضوع. انظر:  

La Méditerranée et le monde méditerranéen à l'époque de Philippe II, Paris, Armand Colin, 1949 ; deuxième édition révisée, 1966.

Civilisation matérielle, économie et capitalisme, XVe-XVIIIe siècle 1. Les Structures du quotidien - 2. Les Jeux de l'échange - 3. Le Temps du monde, Paris, Armand Colin, 1979.

    

[25] - بالنظر لقوة الصدمة التي أحدثتها فتوحات الدولة العثمانية وبأس جيوشها في محاربة الأوروبيين، فقد بات الإسلام التركي في كتابات الملاحين الأوروبيين هو النموذج المعياري في منطقة السنغامبيا، علما أن الأتراك لم تكن لهم أي مساهمة تذكر بهذا الخصوص. انظر: 

De Moraes (N. I.), A la découverte de la petite côte au 18è siècle, T I, p 72.

[26]- في سياق هذه الضغوطات من جانب العثمانيين شرقا والإسبان شمالا، وجد أحمد المنصور السعدي نفسه مندفعا نحو الجنوب، فقام بحملته المشهورة على مملكة سنغاي، التي قادها جودر باشا سنة 1591م.

[27]  - عبد الرحمن السعدي (ت. 1656م)، تاريخ السودان، م. س،. ص 20-21.

[28] - محمد منصور، الوجه الآخر للتجارة: التبادل التجاري كوسيط ثقافي، ضمن مؤلف جماعي: الذاكرة والهوية، الدار البيضاء: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك 2013. ص 56.

[29]- Tamouh (Z.), Le Maroc et le Soudan au XIXe siècle. Contribution à une histoire régionale, Thèse de 3e cycle, Université de Panthéon- Sorbonne (Paris I)  1982, p 167.

[30]  - رحال بوبريك، المدينة في مجتمع البداوة: التاريخ الاجتماعي لولاتة خلال القرنين 18-19م مع تقديم ونشر تاريخ ولاتة، الرباط: منشورات معهد الدراسات الإفريقية 2002. ص 22.

[31] - محمد المختار ولد السعد، إمارة الترارزة وعلاقتها التجارية والسياسية مع الفرنسيين من 1703 إلى 1860، الرباط، منشورات معهد الدراسات الإفريقية 2002. ج 2 : ص 702.

[32] - ما تزال بلاد شنقيط ( موريتانيا)  لحد الآن مشهورة بتسمية: بلد المليون شاعر، وقد حقق شعراء المنطقة تميزا لافتا في خريطة الشعر العربي خلال القرن 19م، وذات الأمر ينطبق على الإنتاج الفقهي. انظر: أحمد ولد الحسن، الشعر الشنقيطي في القرن الثالث عشر الهجري: مساهمة في وصف الأساليب، طرابلس، منشورات جمعية الدعوة الإسلامية العالمية 1995، ص 107، 410 وما بعدها. وللاستبحار في الموضوع من جانب تاريخ الثقافة، يمدنا البحاثة عبد الودود ولد عبد الله بمؤشرات بالغة الدلالة في مؤلفه "الحركة الفكرية في بلاد شنقيط حتى نهاية القرن 18م"، الرباط: منشورات مركز الدراسات الصحراوية 2015.

[33] - للاستئناس  بنظرية فوغل، نحيل القارئ على مقالنا " المغرب هبة الاطلس"، صدر ضمن مؤلف جماعي:

Ahmed CHOKRI et autres, Le Maroc don de l’Atlas, In Sur les pistes du présahara. DTGSN-RABAT 2011, pp 165-178.