سياسات التدخّل الخارجي في قضية جنوب السودان

  • 25 -4 - 2011
  • حمدي عبدالرحمن حسن

د. حمدي عبد الرحمن 

 يمكن القول بأن حالة جنوب السودان, وما تطرحه من تدخّلات دولية وخارجية واضحة, تمثل صورة مصغّرة للمشهد الإفريقي العام في عصر الهيمنة الأمريكية؛ بيد أنها تضيف مع ذلك ملامح ودلالات أخر؛ نظراً لارتباطها المباشر بمنظومة الأمن القومي العربي والإسلامي، وكونها نقطة التقاء وتمازج بين عوالم حضارية متعددة: العروبة والأفريقانية والإسلام والمسيحية.

وقد دأبت أطراف الصراع الأساسية في جنوب السودان على كسب دعم الأطراف والقوى الخارجية وتأييدها بغية تحقيق مصالحها وأهدافها النهائية.

وعليه فإننا نحاول في هذا المقال توضيح العمليات والسياسات التي أفضت إلى تدويل الحرب الأهلية في الجنوب؛ من خلال إبراز الأدوار والسياسات الخارجية الفاعلة في مسار الصراع ومآلاته.

أولاً: حقيقة الصراع في جنوب السودان:

 لفهم حقيقة الصراع في جنوب السودان, سواء في مرحلته الأولى أو الثانية, نشير إلى عدد من الاعتبارات المهمة:

أولها: أن معظم الأدبيات التي تناولت الحرب في جنوب السودان - ولا تزال - تضفي عليه بعداً إيديولوجياً وسياسياً، فكثيراً ما يتم تصويره في إطار ثنائيات جامدة، كالانقسام بين العروبة والإفريقية، أو بين الإسلام والمسيحية، أو بين الشمال والجنوب وهكذا، وفي هذا السياق يقول أحد الباحثين: «إن حرب السودان عادة ما توصف بأنها صدام بين الشمال العربي المسلم والجنوب الإفريقي الأسود ذو الاعتقاد المسيحي والوثني»(3).

أما المفكر الجنوبي السوداني «فرنسيس دنق» فإنه يؤكّد في كتابه عن حروب الرؤى على أهمية العوامل الدينية والإثنية في تشكيل الصراعات المختلفة التي شهدها المجتمع السوداني(4).

وثانياً: ثمة مجموعة من العوامل التاريخية تشكّل مدخلاً مهماً لفهم الصراع وتطوره ومآله في الجنوب، ولعل أبرزها المكونات الثقافية والحضارية التي شكّلت المجتمع السوداني قبل الاحتلال البريطاني, بالإضافة إلى السياسة البريطانية تجاه الجنوب تحديداً, والتي جعلت منه منطقة معزولة يحظر على الشماليين الوصول إليها إلا بإذن مسبق, ويمنع الجنوبيين كذلك من الوصول إلى الشمال إلا بإذن من السلطات.

أي أن السياسة البريطانية التي كانت تقوم عموماً على الحكم غير المباشر كانت تهدف إلى تطوير هوية جنوبية منفصلة عن الشمال, وربما كانت تفكر في ضم هذا الكيان الجنوبي الهش إلى أوغندا أو الحبشة (إثيوبيا).

أما الاعتبار الثالث: فإنه يشير إلى إخفاق مشروع الدولة الوطنية  في السودان بعد الاستقلال، وعدم قدرته على تحقيق الاندماج القومي بين مختلف مكونات الجسد الاجتماعي، وذلك من خلال تأكيد تقاليد المواطنة والهوية الوطنية الجامعة، وعدم انتهاج سياسات التهميش أو الإقصاء لأي طرف من الأطراف.

وهكذا؛ فإن حالة عدم الاستقرار السياسي, وخضوع السودان لحكم العسكريين لفترات طويلة, وانتشار الفساد وغياب المساءلة والمحاسبة, كلها عوامل مهمة في تفسير الحرب الأهلية في الجنوب.

ومن جهة رابعة: فإنه لا تخفى أهمية العوامل الاقتصادية وتقسيم الثروة والموارد, يتضح ذلك بجلاء من تطوّر أجواء «مشروع قناة جونجلي», حيث يرى الجنوبيون أنهم سوف يُحرمون من مواردهم الطبيعية لمصلحة الشمال، كما أن اكتشاف النفط في الجنوب أضاف بعداً مهماً لفهم الصراع.

وأخيراً يبقى المتغير الخارجي في دعم أطراف الصراع والتدخّل في تفاعلاته المختلفة, وكذلك التحكم في آليات تسويته ليشكّل المتغير الأهم في دراسة حالة الحرب الأهلية في الجنوب السوداني.

ثانياً: مواقف وتدخلات الأطراف الدولية:

يلاحظ أن الموقف العربي ممثلاً في الجامعة العربية, والإسلامي ممثلاً في منظمة المؤتمر الإسلامي، لم يكن فاعلاً في تطورات حرب الجنوب السوداني، فالدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية لم تشجّع «المبادرة المصرية - الليبية» لتسوية الصراع في السودان, وفي المقابل ساندت جهود «منظمة الإيجاد»، أي أنها فضّلت الحل الإفريقي على الحل العربي. كما أن الدول العربية لم تمارس أي دور حقيقي في التوصّل لاتفاق السلام الشامل عام 2005م والذي أنهى الحرب الأهلية في الجنوب.

1 - موقف دول الجوار الإفريقي:

لا يمكن إغفال الدور الذي قامت به دول الجوار الجغرافي في الحرب الأهلية في السودان على مدى سنوات طويلة، فتشاد وإثيوبيا وكينيا وأوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية سمحت لإسرائيل بإقامة مراكز عسكرية في أراضيها لتدريب مقاتلي حركة أنيانيا الانفصالية في السودان. وقد عانت بعض هذه البلدان المجاورة، ولا سيما إثيوبيا وكينيا والكونغو الديموقراطية, الحروب الأهلية الداخلية, ووجود دعوات مطالبة بحق تقرير المصير أو الانفصال.

ولم تمثل مسألة انتشار الصحوة الإسلامية في السودان مصدر خوف لدول الجوار فقط؛ بل مثّلت أيضاً مصدر اهتمام بالنسبة للإسرائيليين الذين قاموا بتدريب بعض اللاجئين السودانيين في دول الجوار الإفريقية.

ويُلاحظ أن مصر وليبيا(5), من دول الجوار العربي في الشمال, هما اللتان قدّمتا المساعدة العسكرية والمالية للسودان، بينما كانت إثيوبيا تدعم حركات تحرير السودان(6).

 وحينما اشتعلت الحرب الأهلية مرة أخرى في السودان بعد عام 1983م بعد إعلان النميري تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية؛ أصبح الحال كما كان عليه في المرحلة الأولى؛ حيث ساندت البلدان المجاورة قوات التمرد في الجنوب السوداني، ومثّلت كل من إريتريا وإثيوبيا وكينيا وأوغندا مصدر الدعم العسكري واللوجستي الرئيس لحركة تحرير السودان وجيشها.

ويبدو أن مصر، وهي حليف استراتيجي للسودان, قد تحوّل موقفها - ولو بحذر شديد - لصالح الجيش الشعبي لتحرير السودان(7)، وربما يُعزى ذلك التحول في الموقف المصري إلى خوف النظام السابق من انتشار الصحوة الإسلامية عبر السودان. فنظام مبارك كان يخوض حرباً داخلية غير معلنة ضد الإسلاميين، كما أن محاولة اغتيال الرئيس السابق حسني مبارك في أديس أبابا في يونيو 1995م قد أدّت إلى تفاقم العلاقات المتوترة بالفعل بين إثيوبيا والسودان من جهة, وبين السودان ومصر من جهة أخرى.

وعلى أية حال؛ فقد كان لدول الجوار الإفريقية دور حاسم في تحريك «حق تقرير مصير» لجنوب السودان، فقد جاء اتفاق السلام الشامل بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان عام 2005م تتويجاً لجهود تفاوضية دؤوبة ومتصلة على مدى نحو عامين متصلين، خلال الفترة من مايو 2002م وحتى ديسمبر 2004م. وقد مارست الحكومة الكينية والهيئة الحكومية المشتركة (إيجاد) دوراً فاعلاً في رعاية تلك العملية السلمية التي شملت اجتماعات مشاكوس ونيروبي وناكورو ونيفاشا في كينيا.

ويمكن تلخيص العلاقات السودانية مع دول الجوار الإفريقي(8) على النحو الآتي:

أولاً: شكلت المخاوف من قيام السودان بزعزعة الاستقرار في هذه الدول عاملاً مهماً في أذهان مخططي سياستها الخارجية, فانتشار الصحوة الإسلامية في المنطقة يعد القوة الدافعة الرئيسة وراء سلوك السياسة الخارجية في المنطقة.

ثانياً: العمل على احتواء السودان, والتحكم في سلوكه الخارجي, أصبح عنصراً مهماً في سياسات جيرانه فرادى أو مجتمعين.

ثالثاً: حظيت مسألة تقرير المصير للجنوب بدعم دول الجوار الإفريقي للسودان.

وهكذا؛ فإن دعم حركات التحرير العاملة في السودان، من ناحية، وفي البلدان المجاورة، من جهة أخرى، أصبح أسلوب العمل السائد في المنطقة، وهو ما أدى إلى استمرار هذه الحركات ودعمها، وعليه فإن الفهم الواضح والشامل لمستوى تدويل الحرب والصراعات في السودان؛ لا يمكن له أن يكتمل بمعزل عن فهم التدخلات الخارجية الأخرى.

2 - المواقف الدولية:

إذا كانت مرحلة التكالب الاستعماري على إفريقيا يؤرّخ لها بانعقاد مؤتمر برلين عام 1884 - 1885م، والذي أعطى القوى الأوروبية الكبرى حق تقسيم إفريقيا فيما بينها؛ فإن التكالب الجديد على استغلال خيرات إفريقيا واستعمارها تحت رداء آخر بدأت تتضح معالمه بعد نهاية الحرب الباردة، وقد اتخذ هذا الصراع من أجل النفوذ والسيطرة أبعاداً جديدة بعد أحداث 11/ سبتمبر/2001م، وارتداء عصر العولمة الأمريكية رداء العسكرة والأمن على صعيد عالمي(9).

وقد برز الدور الأمريكي في إفريقيا عموماً، وفي السودان خصوصاً؛ وهو ما أدى إلى تراجع دور القوى الاستعمارية السابقة مثل فرنسا وبريطانيا. ويبدو أن الولايات المتحدة تسعى إلى إيجاد بديل آخر لنفط الخليج العربي, حيث تشير بعض المصادر الأمريكية أنه بحلول عام 2015م ستحصل أمريكا على ربع وارداتها النفطية من إفريقيا، وهو ما يجعل الولايات المتحدة حريصة على تأمين مصادر الطاقة من خارج منطقة الشرق الأوسط المضطربة.

بالإضافة إلى ذلك؛ تمثل السودان نقطة استهداف فيما يُسمى بالحرب الأمريكية على الإرهاب في منطقة شرق إفريقيا وساحل الصحراء الكبرى, وهو ما يتضح من الوجود العسكري الأمريكي المباشر في جيبوتي (مشروع أفريكوم), أو في إرسال قوات خاصة للتدريب والتأهيل للجيوش الإفريقية, كما هو الحال فيما يُعرف باسم مبادرة دول الساحل الإفريقي.

بيد أن ظهور الصين والهند وبعض القوى الآسيوية الفاعلة على الساحة السودانية؛ قد أضفى على الصراع الدولي في السودان بعداً جديداً, فالصين على سبيل المثال لها مصالح نفطية واقتصادية واسعة في السودان وإفريقيا، وهو ما يسوغ توفيرها للدعم العسكري واللوجستي لكثير من النظم الإفريقية، بل واتخاذها موقفاً مناهضاً للغرب في كثير من القضايا الإفريقية التي تُعرض على المحافل الدولية.

الموقف الأمريكي تجاه السودان:

منذ وصول نظام الإنقاذ إلى السلطة عام 1989م وفق خطة الجبهة القومية الإسلامية بزعامة حسن الترابي؛ والسودان يمثّل دولة عاصية وفقاً للرؤية الأمريكية، وقد عمد الخطاب السياسي الأمريكي على تقديم صورة نمطية عن نظام الإنقاذ في السودان تستند على ثلاثة مزاعم أساسية(10):

 انتهاك حقوق الإنسان: حيث تطرح قضايا الرق والإكراه القسري على اعتناق دين معين، أي غياب الحرية الدينية.

 اعتبار السودان دولة راعية للإرهاب: بحسبانها توّفر مأوى لكثير من الجماعات والمنظمات الإرهابية الدولية.

 حرمان أبناء الجنوب والمناطق المهمشة من حقهم في تقرير المصير.

وما فتئت الإدارة الأمريكية تصوّر السودان على أنه دولة عاصية، وهو ما استلزم تبني سياسة العزل والاحتواء ضدها، ففي عام 1993م تم تصنيف السودان بوصفه «دولة راعية للإرهاب»، وقامت الولايات المتحدة باستخدام نفوذها لدى الدول الغربية والمنظمات الدولية لفتح ملف حقوق الإنسان في السودان، وفي أكتوبر1997م فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية وتجارية ومالية على السودان.

وقد ازدادت العلاقات بين البلدين تعقيداً في أعقاب الهجوم على السفارتين الأمريكيتين في كل من نيروبي ودار السلام، حيث قامت واشنطن بشن هجوم صاروخي على مصنع الشفاء للأدوية البيطرية في الخرطوم.

ومع ذلك يمكن تفهّم التحرك الأمريكي في مواجهة السودان؛ من خلال اعتبارات ثلاثة على النحو الآتي:

الاعتبار الأول: يشير إلى متغيرات السياسة الأمريكية الداخلية، ولا سيما تأثير النشطين الأمريكيين من أصول إفريقية داخل الكونجرس الأمريكي، بالإضافة إلى دور المنظمات المسيحية الأنجليكانية التي تحاول إضفاء الطابع الديني على الصراعات الدائرة في كل أنحاء السودان، ولعل مناقشات الكونجرس بشأن الرق وعمليات الخطف والاغتصاب والقتل الجماعي في مناطق الجنوب وتلال الانجسنا وجبال النوبة تعبّر في جوهرها عن الانحياز الأمريكي الواضح لتقارير المنظمات غير الحكومية والبعثات التبشيرية، وبالفعل أصدر الكونجرس في الأول من يوليو عام 1999م قراراً يدين فيه الحكومة السودانية بتجارة العبيد أو التستر عليها واختطاف المواطنين لهذا الغرض.

الاعتبار الثاني: ويشير إلى موقع السودان فيما يُسمى «الحرب الأمريكية على الإرهاب»، والخوف من مدٍّ إسلامي يؤثّر في الدول المجاورة؛ إذ ركّزت الولايات المتحدة في منطقة القرن الإفريقي، حيث توجد أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في جيبوتي، وتستطيع هذه القوات الانتشار في الدول المجاورة، بيد أن التفكير الاستراتيجي الأمريكي قد وسّع مؤخراً من الاعتبارات الأمنية؛ لتشمل منطقة الساحل الإفريقي الكبرى وغرب إفريقيا، حيث توجد تهديدات من جانب بعض الجماعات الإسلامية المتشددة في دول هذه المنطقة.

وطبقاً لهذا التصوّر الجديد؛ تقوم أمريكا بتوفير الدعم والتدريب لقوات إفريقية محلية، حيث بدأت بأربع دول هي مالي وموريتانيا وتشاد والنيجر، وقد تم تخصيص ميزانية مقدارها (125) مليون دولار أمريكي لهذا الغرض.

الاعتبار الثالث: وهو يشير إلى المصالح الاستراتيجية الأمريكية في السودان؛ إذ يشكّل حوض النيل بما يحويه من ثروات وموارد طبيعية ركيزة أساسية للوجود الأمريكي.

وفي عالم التكنولوجيا و «السوفت وير» تصبح الثروة المعدنية الضخمة التي يتربّع عليها غرب السودان (إقليم دارفور الملتهب)، والغرب الإفريقي عموماً، مطمعاً لأي إدارة أمريكية مهما كانت توجهاتها السياسية.

وقد انحازت الولايات المتحدة لموقف الحركة الشعبية لتحرير السودان، حتى من خلال دورها في عملية مفاوضات مشاكوس، يذكر المبعوث الأمريكي الخاص للسودان دانفورث، في تقرير له حول حق تقرير المصير في الجنوب السوداني صدر عام 2002م، أن السودانيين الجنوبيين قد عانوا باستمرار سوء المعاملة على أيدي الحكومات المتعاقبة في الشمال، بما في ذلك عدم التسامح الديني والعرقي والثقافي، بالإضافة إلى حرمانهم من المشاركة في عوائد الثروة القومية.

وعليه؛ فإن أي اتفاق سلام يتعّين عليه أن يطرح تلك الأوضاع غير العادلة التي يعانيها الشعب الجنوبي، ويطالب السودانيون الجنوبيون بحق تقرير المصير بوصفه وسيلة لحماية أنفسهم من الاضطهاد(11)، وقد بات واضحاً أن السياسة الأمريكية الجديدة في السودان في ظل إدارة أوباما تفضّل دولة مستقلة في الجنوب السوداني.

ب - الموقف الأوروبي والدولي:

   يلاحظ أن السودان شكّل دوماً أهمية استراتيجية واقتصادية للدول الأوروبية، وهو ما اتضح في شكل وحجم العلاقات خلال مرحلة ما قبل الإنقاذ عام 1989م, فقد مارست أوروبا دوراً بارزاً في التوصّل إلى اتفاق أديس أبابا عام 1972م، وذلك عن طريق المنظمات الكنسية التابعة لـ (السويد والدانمارك والنرويج وبريطانيا وسويسرا).

كما أن أوروبا شكّلت الشريك التجاري الأول للسودان, حيث كانت صادراته ووارداته تتجه نحو أوروبا وتأتي منها، تليها الدول العربية، ثم الآسيوية. وكانت أوروبا حريصة على اكتشاف الموارد الطبيعية في السودان وعلى رأسها النفط.

وقد استطاعت الدول الأوروبية أن تضغط على نظام النميري ليتحول عن قناعته الاشتراكية ويتوجه غرباً، وهو ما أسفر عن موافقته على تهجير يهود الفلاشا، بيد أن العلاقات الأوروبية السودانية أصابها الوهن والتوتر بعد قيام نظام الإنقاذ عام 1989م، حيث توقف الحوار الأوروبي السوداني في العام الثاني مباشرة؛ بسبب مزاعم خاصة بانتهاك السودان لحقوق الإنسان، وغياب الديموقراطية واستمرار الحرب في الجنوب، بيد أن الحوار السياسي بين أوروبا والسودان قد استؤنف مرة أخرى عام 1999م، حيث طُرحت قضايا التسوية السلمية والديموقراطية التعددية، بالإضافة إلى مسألة فصل الدين عن الدولة.

  ويمكن أن نشير إلى عدد من المتغيرات، دفعت باتجاه إعادة النظر في الموقف الأوروبي من السودان، ومن ذلك:

دخول الولايات المتحدة طرفاً فاعلاً في الشأن السوداني.

توجه السودان شرقاً نحو آسيا، وإقامة شراكة اقتصادية مع بعض الدول الآسيوية، مثل الهند والصين، وذلك عوضاً عن الشراكة الغربية.

اكتشاف النفط، وما يعنيه من تحوّلات مهمة في المشهد السوداني.

وجود ضغوط من قبل الشركات الغربية للعودة مرة أخرى للسودان؛ من أجل الاستفادة من قطاعاته النفطية وموارده الطبيعية.

وبعيداً عن السياسة الأوروبية المشتركة؛ فقد تبنّت بعض الدول سياسات ذات تأثير مباشر في الوضع السوداني، فبريطانيا مثلاً اتخذت موقفاً موالياً للإدارة الأمريكية في سعيها لعزل السودان بوصفه دولة راعية للإرهاب، كما أيّد رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الاعتداء الأمريكي على مصنع الشفاء للأدوية في الخرطوم. بيد أن دولاً أخرى، مثل الدول الاسكندنافية وإيطاليا، استطاعت من خلال منتدى أصدقاء الإيجاد أن تمارس دوراً فاعلاً في الضغط على السودان للتوصّل إلى تسوية سلمية مع حركات التمرد الأساسية في البلاد(12).

ج - الموقف الإسرائيلي:

إن الموقف الإسرائيلي من أزمة جنوب السودان والمسألة السودانية عموماً ينطلق من أبعاد استراتيجية، وقد أوضح ذلك بجلاء العميد «موشي فرجي» في كتاب له صدر بالعبرية، بعنوان «إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان»، عن مركز ديان لدراسات الشرق الأوسط وإفريقيا.

ولم يلق هذا الكتاب - الذي يعد وثيقة بحدّ ذاته نظراً لعمل مؤلفه في جهاز الموساد الإسرائيلي - الاهتمام الكافي في العالم العربي؛ على الرغم من أنه ترجم إلى العربية ونشر في القاهرة، يعني ذلك أن الأمر بالنسبة إلينا يعتمد على أدبيات التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، وليس من قبيل التفكير التآمري كما يحلو لبعضهم أن يسميه.

وطبقاً للكتاب المذكور؛ فإن الموقف الإسرائيلي من العالم العربي عموماً، والسودان خصوصاً، يقوم على فرضية أساسية ذكرها (بن جوريون) بقوله: «نحن شعب صغير العدد، وإمكانيتنا ومواردنا محدودة، ولا بد من اختزان هذه المحدودية في مواجهة أعدائنا من الدول العربية، من خلال معرفة وتشخيص نقاط الضعف لديها، وخاصة العلاقات القائمة بين الجماعات والأقليات الإثنية والطائفية، حتى تضخم وتعظم هذه النقاط إلى درجة التحوّل إلى معضلة يصعب حلّها أو احتواؤها»(13).

ولتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي اعتمدت إسرائيل على سياسة «شد الأطراف»، وقطع الصلة فيما بينها، وهو ما يعني إقامة روابط وعلاقات وثيقة مع مختلف جماعات الأقليات في الوطن العربي؛ بما يتضمنه ذلك من جذب هذه الجماعات عن محيطها الوطني، وإبراز هويتها المستقلة بما يشجّعها على الانفصال.

وتأمل «تل أبيب» من وراء انتهاج هذه السياسة إضعاف الدول العربية المستهدفة؛ من خلال تفكيك أوصالها والنيل من مصالحها الوطنية، وقد قام عملاء الموساد بالعمل لفترات طويلة على فتح قنوات اتصال مع ممثلي حركات التمرد في جنوب السودان.

ولضمان تنفيذ هذه الاستراتيجية؛ أنشأت إسرائيل قاعدة لها في إثيوبيا، وذلك بهدف توفير الأسلحة والذخائر للحركات المسلحة في جنوب السودان، وقد أسهم هذا الدعم في قيام المتمردين بالاستيلاء على المدن الرئيسية في جنوب السودان، ففي الثمانينيات وفّرت إسرائيل لزعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان جون قرنق الذخيرة والأسلحة والمعلومات الاستخبارية والتدريب العسكري، ويبدو من المؤكد أن الهدف المبتغى لإسرائيل هو إقامة قاعدة عسكرية في جنوب السودان بعد إعلان استقلاله.

ثالثاً: تداعيات التدخّل الدولي في جنوب السودان:

يلاحظ المتابع للخطاب السائد في دول الجوار المتاخمة لجنوب السودان وجودَ حالةٍ تقترب من اليقين؛ مفادُها أن استفتاءَ تقرير المصير للجنوبيِّين سوف يُفضي لا محالةَ إلى إعلان دولتهم المستقلة؛ لتحملَ رقم (54) في قائمة الدول الإفريقية المستقلَّة، وعلى سبيل المثال؛ فإنَّ الإعلام الكيني ما فتئ يتحدَّث عن الانعكاسات الإقليميَّة لاستقلال جنوب السودان، وإمكانات ذلك في تعزيز الدور الإقليمي المتصاعد لكينيا في شرق إفريقيا، ويبدو أنَّ دولاً أخرى مثل أوغندا وإثيوبيا تُحاول جاهدةً ألاَّ تخرج خاليةَ الوفاض من حملة التدافع الإقليمي على احتضان جنوب السودان، والاستفادة من ثرواته الطبيعية الكبيرة.

 ومن المعلوم أنَّ إقليمَ جنوب السودان يُشكِّل من الناحية الجغرافية منطقة حبيسة ليس لها منافذ بحرية، ومِنْ ثَمَّ فإنَّه يعتمد في الولوج إلى العالم الخارجي على ميناء بورت سودان، وعليه لا يصبح أمام الجنوبيِّين من خيار في حالة العداء أو القطيعة مع إخوانهم في الشمال سوى التوجُّه جنوباً نحو ميناء مومباسا في كينيا، وهنا تكمُن أهمية الحديث عن شراكة استراتيجية بين كينيا وجنوب السودان «المستقل».

 ويبدو أن هوى النخبة السياسية والعسكرية في جنوب السودان يرتَبِطُ بمنطقة شرق إفريقيا، وتحديداً كينيا التي احتضنت معظمَ قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان، ولا يزال هؤلاء يحتفظون بمنازل لهم هناك، كما يُرسلون أبناءَهم للتعلُّم في المدارس والمعاهد الكينية، وتكتمل معالِمُ تلك الصورة إذا ما علمنا أنَّ نَحو مائة ألف أو يزيد من اللاَّجئين السودانيِّين الذين شرّدتهم الحربُ الأهلية في الجنوب قد وجدوا لدى جارتهم كينيا الملجأَ والملاذَ الآمن.

وعلى أيَّةِ حال؛ فإنَّ استقلال جنوب السودان محفوف بالمخاطر على ضوء الانقسامات والصراعات العرقيَّة التي يَموج بها المشهد السياسي في الجنوب، وانتشار الميليشيات المسلحة وعصابات سرقة الماشية، إضافةً إلى نقاط التَّمَاس القلقة بين الشمال والجنوب السوداني، والتي لن تحسم أبداً مثل منطقة أبيي، أضف إلى ذلك قضايا المواطنة والجنسية الخاصَّة بأوضاع الجنوبيِّين في الشمال، وكذلك تقسيم ديون الدولة السودانية وأصولها، كلُّ ذلك يدفع إلى القول بإمكانية تفجُّر المنطقة كلها في حال انفصال الجنوب، وإعلان دولته المستقلة، وما لم يكن هناك دعم أمريكي وغربي صريح لدولة الجنوب فإنَّها لن تكون قابلة للاستمرار.

الخاتمة:

من الواضح أن السياسة الأمريكية والغربية عموماً في السودان ومنطقة القرن الإفريقي؛ إنما هي استمرار للجهود الغربية الرامية لإعادة صوغ العالم غير الغربي فكاً وتركيباً بما يخدم مصالحهم وأهدافهم العليا، والتي تعبّر عن محورية التمركز الغربي حول الذات والنظر إلى الآخر غير الغربي، فقد برزت أهمية السودان ومنطقة شرق إفريقيا عموماً بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، حيث أضحت تحتل مكانة بارزة في الاستراتيجية الأمريكية الكبرى، وفي إطار الرؤية الأمريكية للحرب على الإرهاب.

فالقرن الإفريقي الجديد المراد إعادة صياغته يشمل نظماً ذات توجهات علمانية غير عروبية وموالية للغرب، وفي هذه الحالة قد يصبح جنوب السودان المستقل جزءاً من هذا المشروع، حيث توجد معظم آبار النفطِ السودانيةَ في الجنوب، وقد يتم التفكير في إقامة تحالف كونفيدرالي يضم جنوب السودان وأوغندا وإثيوبيا، وهو ما يشكّل تهديداً خطيراً لأمن مصر المائي، وفي الوقت نفسه يؤدي إلى تدعيم تحالفات هذه الدول الاستراتيجية بإسرائيل، كما أن دول الأطراف الجنوبية في النظام الإقليمي العربي، وهي جيبوتي والصومال، تدخل في إطار هذا التعريف، على أن القيادة تظل غير عربية وغير إسلامية؛ حيث تعطى لإثيوبيا التي ينظر إليها دوماً بوصفها جزيرة مسيحية وسط بحر إسلامي في المنطقة، وإذا أخذنا في الحسبان أن الدول العربية في الشمال الإفريقي هي جزء من مشروع الشرق الأوسط الكبير وفقاً للرؤية الأمريكية؛ لاتضحت لنا أبعاد عملية إعادة صياغة المنطقة أمريكياً.

(*) أستاذ العلوم السياسية، معهد دراسات العالم الإسلامي، جامعة زايد.

(3) Abdel Ghafar .M. Ahmed,” Multiple Complexity & Prospects for Reconciliation & Unity. The Sudan Conundrum” in Nhema, Alfred and Paul Zeleza  (eds.), Roots of Africa conflicts; the Causes and Costs, Athens, OH, Ohio University Press, 2008,p78.

(4) Francis M. Deng, War of Visions: Conflict of Identities in the Sudan,  Brookings Institution Press, 1995.

(5) سياسة ليبيا تجاه السودان يحكمها رغبة النظام الليبي في إضعاف النظام الحاكم في الخرطوم؛ ليتمكن من خلق نفوذ إقليمي له, بما في ذلك دعم ليبيا للتمرد في الثمانينيات. والمراقب لسياسات ليبيا يجد أنها تتخذ مواقف متضاربة تجاه السودان، فبالرغم من التسريبات بأنها ستدعم الجنوب إذا اختار الانفصال فهي تحذر الجنوبيين بعدم الاندفاع نحو الانفصال، يؤكد هذا التناقض في الموقف الليبي تصريحات للقذافي الذي أعلن فيها علناً دعمه لانفصال الجنوب، ولكنه في التصريح نفسه أعلن تفضيله لوحدة السودان، كما أن قرار ليبيا بشأن استقلال جنوب السودان لا تتخذه الأجهزة, وإنما يشرف عليه القذافي شخصياً. (مجلة قراءات إفريقية).

(6) Korwa G. Adar, Sudan: The Internal and External Contexts of Conflict and Conflict Resolution, UNHCR Centre for Documentation and Research, WRITENET Paper No. 06/2000, p.4.

(7) يعزز ذلك ما قامت به مؤخراً من إنشاء قنصلية في جوبا, وزيارة للرئيس المصري السابق لجوبا في 2008م، وبعض الخدمات والمنح الدراسية التي قدمتها مصر للجنوب، بالإضافة لتنظيمها لمؤتمر عربي للاستثمار في الجنوب في 2010م، وزيارة الأمين العام للجامعة العربية لجوبا مصحوباً بعدد من المستثمرين. (مجلة قراءات إفريقية).

(8) هنالك عوامل أثّرت بقوة في علاقات معظم هذه الدول وسياساتها بالسودان وبحركات التمرد، أهم تلك العوامل كونها تدور في فلك السياسة الأمريكية، إضافة إلى مصالحها الاقتصادية، وهنالك عامل عدم الاستقرار السياسي.  (مجلة قراءات إفريقية).

(9) أحمد ثابت: العولمة ومخاطر المعايير المفروضة: التوجهات الأمريكية إزاء السودان، في: حمدي عبد الرحمن (محرر)، إفريقيا والعولمة، القاهرة: برنامج الدراسات المصرية الإفريقية بجامعة القاهرة، 2004م.

(10) حمدي عبد الرحمن: السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا من العزلة إلى الشراكة، السياسة الدولية، أبريل 2000م.

 (11) See John C. Danforth, Special Envoy for peace, Report to the president of the United States on the outlook for peace in Sudan, 26 April 2002, pp25-26. Available at.

www.state.gov/documents/organization/10258.pdf

(12) Ahmed, Khiddir H 2004. Sudan at the crossroads. The triumph of African-led negotiations? Brokering peace in Sudan. Presentation at the Fletcher School on 11March 2004, Available at:  <http://fletcher.tufts.edu/sudanconference2004/outcomes.shtml.

(13) حمدي عبد الرحمن: إسرائيل تحاصر العرب عبر بوابة إفريقيا، موقع إسلام أون لاين:

http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1237705840059&pagename=Zone-Arabic-News%2FNWALayout