سد الألفية.. أزمة القرن

  • 1 -7 - 2013
  • تحرير المجلة


«الصراع على مياه النيل» هو الصراع الأحدث الآن على الساحة الإفريقية، وهو ما يُنذر بحدوث نزاع طويل الأمد، خصوصاً بعد إعلان الحكومة الإثيوبية رسميّاً عن عزمها البدء في إنشاء «سدّ الألفية العظيم» بالقرب من الحدود الإثيوبية - السودانية على «النيل الأزرق»، والذي كان صدمة لدولتي المصبّ مصر والسودان، لأن تأثير هذا السدّ عليهما سيكون وخيماً.

تكمن مشكلة هذا السدّ الذي تعتزم إثيوبيا بناءه على النيل الأزرق، كما قال الأستاذ الدكتور مغاوري شحاتة خبير المياه الدولي ورئيس جامعة المنوفية الأسبق، في أن بناءه سيؤدي إلى انخفاض كميات المياه التي يتم تخزينها في بحيرة ناصر من 120 مليار متر مكعّب إلى 75 ملياراً فقط بعد اكتمال إنشائه مباشرة، وانخفاض طاقة توليد الكهرباء من السدّ العالي وقناطر إسنا ونجع حمادي بمعدل 20%، كما سوف يتسبّب في توقف زراعة مليون فدان من الأراضي الزراعية الحالية في الوادي والدلتا، وتشريد خمسة ملايين مواطن يعتمدون على زراعة هذه المساحات[1].

ليست المشكلة - إذا دقّقنا النظر - وليدة اللحظة، بل لها تاريخ لا يصح أن نغفله، ينبع أساساً من تدهور العلاقات بين مصر وجيرانها في حوض النيل، هذه المشكلة فرع عن القضية الأمّ، وهي فتور العلاقة عموماً بين العرب وإفريقيا، بالرغم من أن إفريقيا هي الامتداد الطبيعي للأمة الإسلامية، وهي حاضنة الإسلام الثانية بعد مكة.

ولقد عانت إفريقيا فترة طويلة من إهمال العرب لها، وتركها غنيمة سهلة لقوى الاستعمار الغربي التي عملت على التفريق بين العرب وإفريقيا، ومحاولات الوقيعة، وبثّ الإشاعات والأكاذيب في مناهج الدراسة الإفريقية، والتي منها أن العرب هم تجار الرقيق الذين باعوا الأفارقة لأوروبا وأمريكا!

هذه الأسباب وغيرها هي التي ولّدت حاجزاً نفسياً بين الأفارقة والعرب بصفة عامة، ومصر بصفة خاصة.

كانت مصر تاريخياً تُعَد قبلة بالنسبة إلى إفريقيا، يؤمّها أمراء وسلاطين وعلماء وطلاب علم وتجّار من شتّى أرجاء القارة، لكنها فقدت دورها المهم هذا في العصر الحديث، وعلى مدى عقود من الزمن، نتيجة للممارسات السياسية الخاطئة، والتي صنعت حاجزاً نفسياً داخل الشخصية الإفريقية.

أما في نطاق دول حوض النيل؛ فالمشكلات بين مصر ودول حوض النيل، وبخاصة إثيوبيا، تطورت نتيجة أخطاء تراكمية نابعة من سياسة متعجرفة متغرطسة؛ كان يتعامل بها النظام المصري في عهد الرئيس المخلوع مع الدول الإفريقية بلا استثناء، ولا تغذيها فقط دول خارجية معروفة، بل - ويا للأسف - دخل على الخط بعض الدول العربية أيضاً.

من الأسباب الجوهرية كذلك الواقع المتضارب والمتناقض الذي ورثه المستعمر لإفريقيا كلها داخل كياناتها، وفيما بينها؛ في أوضاعها السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية، وفيما هو مشترك بينها في مصالحها من المنافذ ومصادر الثروة والمياه ومنها نهر النيل.

كذلك تقلص الفواصل والحدود بين المحلي والإقليمي والعالمي؛ بحيث تشابكت العلاقات وتداخلت المصالح، ولم يعد القرار بيد الطرف المباشر وحده.

لذا تم استغلال مياه النيل سلاحاً فيما يدور من صراعات داخلية وخارجية؛ إذ يعد من أخطر المهددات بالنسبة لمصر والسودان.

ومن أسباب المشكلة أيضاً عدم توفر الإرادة السياسية المتوافقة بين دول حوض النيل في تقدير المصالح المشتركة، ووضع الخطط المناسبة، وبخاصة إدارة المياه، والحلول لما هو قائم ولما يمكن أن ينشأ من خلافات فيما بينها.

ولا شك أن معالجة تلك المشكلات، والعمل على حلّها، وتصفية الخلافات بين مصر وجيرانها الأفارقة، لن يتاح، وخصوصاً بعد الشروع في بناء السدّ الإثيوبي، واستغلال القضية من أطراف خارجية متربصة، بمجرد التحرك في اتجاه واحد، بل لا بد من أن تكون المعالجة على مستويات عدة، تبدأ من إصلاح الجانب النفسي، فمصر، والعرب عموماً، مسؤولون عن إزالة الحاجز النفسي بيننا وبين باقي الدول الإفريقية عامة، ودول حوض النيل خاصة.

لا بد أن تتغير لغة الإعلام العربي والمصري وأن يقر بعجزه في خدمة قضايا القارة ومشكلاتها، فإفريقيا ليست أرضاً ينتشر فيها الفقر والمرض والجهل، وليست غابات ولا أدغالاً، وليست سحراً ولا شعوذة، نعم! توجد مظاهر من ذلك، لكن ليست إفريقيا كلّها كذلك، فهي قارة بها من الدول والمدن ما هي أكثر غنى وتقدّماً، أو أقوى ثقافة وتعليماً، من بعض المدن والدول العربية.

والحلّ يكمن أيضاً في تعميق العلاقات العربية والمصرية مع دول القارة سياسياً واقتصادياً وتنموياً وثقافياً وتعليمياً واجتماعياً، وتقديم الدعم لهذه الدول.

وهناك بعض المسارات التي ينبغي التحرك من خلالها لحلّ أزمة سدّ الألفية:

1- مسار سياسي ودبلوماسي:

عن طريق عمل علاقات سياسية ودبلوماسية حقيقية بين مصر ودول حوض النيل عامة، وإثيوبيا بصفة خاصة، ومحاولة جذب هذه الدول إلى الساحة المصرية واحتوائها، بدلاً من تركها فريسة في يد الكيان الصهيوني، خصوصاً أن عدداً من الساسة والمسؤولين الأفارقة يشتكون مرّ الشكوى من سياسة الازدراء التي يعاملهم بها بعض المسؤولين المصريين .

وأيضاً من الضروري أن تتطور مستويات التواصل إلى التواصل الدبلوماسي المستمر مع هذه الدول، والزيارات المتبادلة والمتكررة على مستوى الرئاسة ورئاسة الوزراء ووزير الخارجية.

2- مسار اقتصادي وتنموي:

الاهتمام بعمل مشاريع اقتصادية، ومحطات توليد كهرباء، وربط الشبكات الكهربية بعضها ببعض، بحيث تكون بديلاً عن العلاقات مع دول أخرى لها أهدافها.

كذلك فتح الباب أمام رجال الأعمال المصريين للاستثمار في دول حوض النيل، وتسهيل الاستثمار لرجال الأعمال من هذه الدول في مصر.

وتشجيع التصدير، وفتح أسواق للمنتجات المصرية في هذه الدول، وبخاصة الصناعات الصغيرة، عن طريق عمل مؤسسة قومية لرعاية الصناعات الصغيرة وتطويرها وفتح أسواق جديدة لها في إفريقيا، كما تفعل الصين التي غزت العالم بهذه الصناعات الصغيرة، كذلك فتح السوق المصري أمام منتجات هذه الدول.

3 - مسار ثقافي وتعليمي:

الاهتمام بالطلاب المبتعثين إلى مصر، حيث يوجد في مصر أكثر من 15 ألف طالب إفريقي رسمي، وغير الرسميين أضعاف هذا الرقم، منهم كثير من الطلاب الإثيوبيين ودول حوض النيل، واحتواء هؤلاء الطلاب وربطهم بمصر ثقافياً وعلمياً وفكرياً يسهّل تطوير العلاقات بين مصر ودول حوض النيل وتحسينها فيما بعد، فهم قادة المستقبل في دولهم.

ويمكن إنشاء جامعة حوض النيل في مصر، وتيسير الالتحاق بها لطلاب المنطقة، والاستعانة بمدرسين من هذه الدول، وتنويع التخصصات من سياسية وإعلامية وإدارة أعمال وطب وهندسة وغيرها، حتى يسهل ربط الطلاب والأكاديميين الأفارقة بمصر، ونشر ثقافة المصالح المشتركة بين دول حوض النيل فيما بينهم.

كذلك إنشاء فروع للجامعات المصرية في إثيوبيا والعكس، وفتح المجال للتعاون المشترك والشراكة والتآخي بين الجامعات المصرية والجامعات الإثيوبية وحوض النيل.

4 - مسار اجتماعي وديني:

عن طريق إرسال بعثات علمية دعوية من الأزهر، وانتقاء العناصر المبتعثة بعناية، حتى تكون خير مثال وقدوة وتمثيل للإسلام، وحتى يكون دورها بناءً في تقوية العلاقة بين دول حوض النيل .

كما يمكن التأثير في النسيج الاجتماعي في هذه الدول وإثيوبيا، ومحاولة الربط بين الشعوب الإفريقية وتنمية العلاقات، عن طريق الوفود الشعبية وجمعيات المجتمع المدني.

ومن المهم جداً فتح أبواب التواصل مع المسلمين في إثيوبيا، والذين تصل نسبتهم إلى حوالي (60%)، والذين يعانون أشد المعاناة ويواجهون ممارسات من التضيق، والاهتمام بمعالجة مشكلاتهم وحقوقهم ودعمهم، لما لهم من حقوق على باقي المسلمين عموماً، والمصريين خصوصاً، ولما لهم من دور يمكن أن يساهم في دعم العلاقة  بمصر، والتأثير الإيجابي في النظام الحاكم في إثيوبيا.

[1] انظر: http://albayan.co.uk/article.aspx?id=979