رصد تأثير الإسلام في الثقافة الإفريقية عند الباحثين الـمستفرقين والمستشرقين دراسة لأهدافه وأبرز مخرجاته

  • 4 -1 - 2019
  • ادم بمبا


 

آدَمَ بَمْبا (Adama Bamba)

يمثّل النظر في تأثير الإسلام في كلّ مجتمعٍ ضرَب فيه بِجِرانه موضوعاً قديماً في التاريخ الإسلامي، ولعلَّه ليس من المبالغة القول إنَّ هذا النظر قد بدأ منذ المرحلة الجنينية للإسلام في المجتمع المكي، وذلك على لسان سيّدنا جعفر بن أبي طالب- رضي الله عنه- «الناطق الرّسمي» باسم الفئة القليلة المهاجرة إلى أرض الحبشة، حين مثل بحضرة النجاشي؛ معدّداً له التأثير الجذريَّ الذي أحدثه الإسلام في المسلمين الأُول معنويّاً وماديّاً.

تجاوزاً لرصد جذور هذا الموضوع، إلى العصر الحديث، نجد أنَّ الدراسات في رصد تأثير الإسلام في الثقافات الأخرى قد أخذ نفَساً عميقاً في ظلّ بروز القوى الغربية، وحدَّة نزعة «المركزية الأوروبية» Euro-Centrism التي رافقت خروج أوروبا إلى غزو العالَم فيما يُعرف بالحملة الاستعمارية بمختلف مراحلها. وإذا كان من الصعب رصد الدراسات الصادرة في هذا المجال؛ فإنَّ دراساتٍ لمفكّرين غربيّين رُوَّاد، لَتُعَدُّ معالم مميَّزة في تأكيد التأثير الإسلامي في ثقافات الغرب، من أولئك: «زيغريد هونكه» Sigrid Hunke, d.(1999)، و«مونْتغمري وات» (Montemogry, d.(2006)، و«آدم متز» Adam Mitz، وغيرهم كثير.

أمَّا حركة البحث والرَّصد للتأثير الإسلامي في الثقافة الإفريقية فقد اتَّخذت نبرةً جادَّة؛ لارتباط هذه الحركة بالمشروع الإمبرياليّ ارتباطاً مباشراً، وتعلُّق نجاح هذا المشروع أو إخفاقه بمدى نجاحه في التعامل مع هذا المجال البحثيّ الخاصّ برصد التأثير الإسلاميّ في الشعوب الإفريقية.

عليه؛ فإنّ هذه الورقة محاولةٌ لاستجلاء بعض محاور هذا المجال البحثي، من رصدٍ لبداياته، وتتبُّع لتطوُّره، والمنطلقات الحقيقية لخوض المستشرقين فيه، وروَّاده، وبعض النتائج المعلَنة فيه، وآثارها في المشروع الإمبرياليّ عامَّة... هذا، وتحظى فرنسا بنصيب الأسد في الورقة الحالية؛ لأسبابٍ منهجية وتاريخية عدَّة، منها: كثرة الباحثين الفرنسيّين ووفرة البحوث التي خلَّفوها في دراسة المجتمعات المسلمة بإفريقيا.

أولاً: بدايات البحوث في مجال التأثير الإسلامي بإفريقيا وتطوُّرها:

يمكن إرجاع الاهتمام الغربيّ، بدراسة التأثير الإسلاميّ في الثقافات الإفريقية، إلى عصر الكشوفات الجغرافية الأولى منذ أواسط القرن الخامس عشر الميلادي، ومنذئذٍ حتى الآن؛ فإنّ البحوث الاستشراقية في مجال التأثير الإسلاميّ قد مرَّت بثلاث مراحل أساسية، هي: عصر الرحّالة المستكشفين، والباحثين الأنثروبولوجيّين، والمستشرقين المتخصّصين.

أ- الرحّالة المستكشفون:

في تلك الفترة؛ خاضت زمرةٌ من الرحّالة الأوروبيّين– معظمهم ممَّن جنّدتهم القوى الإمبريالية؛ عسكريّين وإداريّين- مجال البحث في التأثيرات الإسلامية في الشعوب الإفريقية.

من أولئك الرحّالة:

قال الحاكم الفرنسيّ العامّ بالسنغال «ويليام بونْتي»: «إنَّ من واجبنا دراسة المجتمع المسلم في مستعمراتنا بکلّ تفاصيله...، سوف نجد في هذه الدراسة الأسس الثابتة والتوجُّهات الأکثر ملاءمةً لخططنا وقراراتنا تجاه المسلمين»

- «مونغو باركْ» (1771-1806م)، الذي زار غرب إفريقيا، وأبحر على نهر النيجر.

- المستكشف «ألكسندر» (Alexander Laing, (1797-1826: قيل إنَّه أوَّل أوروبيٍّ وصل إلى «تمبكتو» وأقام بها[1].

- الرحّالة الإنجليزي «كلابرتون» Hugh Claperton, d.(1827): الذي سكن مدينة «صكوتو» عاصمة الخلافة الإسلامية.

- الفرنسي «بنْجيرْ» (Louis G. Binger, (1856-1936: وهو الذي أخضع منطقة ساحل العاج الحالية لفرنسا.

- «رنيهْ كاييهْ» (Rene Caille, (1799-1838: الذي زار «تمبكتو»، ومجرى نهر النِّيجر، وكتب عن المسلمين بها.

- الألماني «هنريث بارث» (Heinrich Barth, (1821-1865: الذي جاب شمال إفريقيا ووسطها، وقطع أكثر من عشرة آلاف ميلٍ في الصحراء (16.093كم)، وزار «تمبكتو» والحواضر الإسلامية، ووضع سِفْراً ضخماً عن مشاهداته في المجتمعات المسلمة ببلاد السودان الغربيّ آنذاك[2].

وغيرهم كثير، ممَّن وضعوا اللَّبنات الأولى لرصد التأثير الإسلاميّ في المجتمعات الإفريقية.

ب- الباحثون الأنثروبولوجيُّون:

بعد عصر «المستكشفين»، في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، واصل المهمَّةَ الباحثون الأنثروبولوجيُّون الذين کان معظمهم من رجالات الإدارة الاستعمارية؛ لذلك يُشار إليهم عادةً بالأنثروبولوجيِّين الحكّام Anthropologist Administrators، أو بتعبير الباحث بَكَري سامْبي: «باحثون رسميُّون» chercheurs officiels، مؤكّداً أنَّ نزاهتهم والاعتماد على بحوثهم بوصفها علميةً صعب[3].

أمَّا تسميتهم بـ Ethnologists؛ ففيها نظرةٌ عنصريةٌ واضحةٌ ضدَّ الثقافة الإفريقية، فهم يرون أنَّ الثقافة الشّفاهية أقلُّ قدراً من المكتوبة؛ لذلك أطلقوا هذا اللَّقب على الباحثين المعنيّين بإفريقيا؛ تفريقاً بينهم وبين الباحثين المعنيّين بالشرق وبالثقافات المكتوبة.

عمل هذا الجيل من الباحثين الأنثروبولوجيّين مستندين إلى الجهاز الاستعماريّ تحت تصرُّفهم المطلق، وإلى مراكز البحث التي هرعت قوى الاستعمار إلى إنشائها، وكانت فرنسا صاحبةَ السّبق في مجال دراسة المجتمعات المسلمة؛ لعلاقتها المباشرة بتلك المجتمعات.

ومن المعاهد الشهيرة: مدرسة الأنثروبولوجيا Ecole d’Anthropologie بباريس (1876م)، ومتحف تروكاديرو للسُّلالات (Musee Ethnographique de Trocadero, (1878، ومعهد السلالات العالميّ بباريس (1901م)، أسَّسه «موريس دولافوس» (1870-1926م).

ففي هذه المدارس قام كثيرٌ من رجالات الاستعمار الفرنسيّ الإداريّين والعسكريّين بدراساتٍ مستفيضةٍ عن المسلمين بإفريقيا، منها:

- دراسات «لويس رين» عن الإسلام بالجزائر[4].

- ودراسات الحاكم العامّ «فيديرب» (Louise Faidherbe, (1889، وهو صاحب أبحاثٍ أنثروبولوجية أولية عن المسلمين بمنطقة سنيغامبيا.

- والباحثان «كوبولاني» (Xavier Coppolani, (1866-1905، و «دوبونْ» Octave Dupont, (1862-19 ??)، اللَّذان نشرَا سِفْراً ضخماً عن الطُّرق الصُّوفية بالجزائر (1897م)، أوصيَا فيه بضرورة التعاون مع تلك الطُّرق، ومحاولة احتوائها عبر زعمائها لصالح فرنسا[5].

- و «جوزيف فرانْسُوَا كلوزيلْ» الحاكم العام بإفريقيا الغربية الفرنسية (1915م)، وزميله «موريس».

- ودراسات «كرير» عن مسلمي سنيغامْبيا (De la Senegambie Francaise, (1905.

- والحاكم العسكري «لو شاتِيليهْ» (Alfred le Chatelier, (1855-1929، ولعلَّه أكثر الحكّام العسكريّين ثقافةً، وضَع دراساتٍ معمَّقةً عن الحركات الصُّوفية في الحجاز، وعن المهدية بالسودان، والصوفية بغرب إفريقيا[6]. كما قام بإنشاء المجلة الكولونيالية الشهيرة «دراسة العالم الإسلامي»Revue du Monde Musulman؛ لتتبُّع ثقافات الشعوب المسلمة الواقعة تحت الاستعمار الفرنسي.

ومن المشاهير: «بريفيير» (J. Brévié, d.(1964، و«بولْ مارْتي»، وهذا الأخير يكاد يكون أشهرهم، وكما يقول الباحث «بانْغورا»؛ فإنّ كتاباته.. «قد ساهمت كثيراً في تشكيل الرُّؤية الفرنسية عن الإسلام بإفريقيا»[7].

هذا، ويبدو أنَّ ألمانيا كانت أقلَّ القوى الإمبريالية اهتماماً وإنتاجاً لبحوث الإسلام بإفريقيا، والسبب المباشر في ذلك قلَّة المستعمرات الألمانية، وقلَّة المسلمين بها.

ومن أوائل البحوث الألمانية:

- دراسات البروفيسور «كارلْ هنريث» Carl Heinrich Becker, (1876-1933) عام (1908م).

- ودراسة البروفيسور «مارتنْ هـ.» (Martin Hartmann, (1851-1918، عام (1911م).

- ودراسات البروفيسور «ويسترمانْ د.» (Diedrich Westermann, (1875-1956، عام (1913م)، وانحصرت تلك الدراسات بالمجموعات المسلمة جنوبي كاميرون، وشمالي توغو.

- والباحثان: «جوزيف ش». Joseph Schacht، وكان أستاذاً بجامعة أكسفورد، و «أندرسون ج.» J.N.D. Anderson، وكان أستاذاً بمدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية بلندن (SOAS).

وما عدا تلك الدراسات المعدودة؛ فإنّ الدراسات الألمانية قد اعتمدت على تقارير الرحّالة والآباء المنصِّرين[8]، وهي في جلِّها مشوبةٌ بمواقف معاديةٍ مسبقة غير علمية.

بالمثل؛ فإنّ الأنثروبولوجيّين الأمريکيّين: کانوا آخر من لَحِق برَکْب دراسات الإسلام بإفريقيا؛ ذلك لعدم وجود مستعمرةٍ لأمريکا بالقارة.

- وقد کان الباحث «بواسْ» (Franz Boas, (1858-1942، الرَّائد في هذا المجال.

- تلاه تلميذُ تلميذِه «غرينْبرغ» (Joseph Greenberg, (1915-2001، بکتابه (تأثير الإسلام في ديانة سودانية) (The Influence of Islam on a Sudanese Religion, (1946.

ج– الأكاديميون والمستفرقون Africanists:

بعد الحربَيْن العالميتَيْن، واستقلال المستعمرات الإفريقية، فإنّ الدراسات الاستشراقية– يبدو أنَّها- قد هدأت حيناً حتى أواسط الستينيات من القرن الماضي، وشهدت الدراسات الاستشراقية الإسلامية بإفريقيا آنذاك إنعاشاً مطَّرداً، وتميّزت بكثرة الباحثين الأكاديميّين، وباهتمامهم بمراجعة مخلّفات عصر الكولونيالية مراجعةً جادّة، تتّصف بالكثير من الموضوعية والحياد، ونبذ الأوهام التي نسجها الباحثون الأنثروبولوجيّون الأوائل.

وفي رأي الباحث «لوني»؛ فإنَّ بداية البحث الاستشراقي بإفريقيا کانت على يد «غريتْز»Clifford Greetz, (1926-2006) في کتابه Islam Observed, (1968)، يقول: «ومن هنا؛ أخلى الأنثروبولوجيّون دراسة الإسلام، بوصفه ديناً، للمستشرقين»[9].

هذا، وغلبت الدراسات التاريخية في تلك الفترة؛ ولكنّ قضية التأثير الإسلاميّ في المجتمعات الإفريقية ظلّت محورية، خاصّةً في المستوى السياسي.

من الرُّواد في هذا المجال:

- المؤرخ «هيسكتْ»، صاحب الدراسات الرّائدة عن الإسلام بنيجيريا، ومنها: (سيف الحق)[10].

- «مورايْ لاسْت» عن الخلافة الصُّكتية[11].

- و «ج. هونْويك»، وهو رائد التاريخ الإسلامي بإمبراطورية صونغايْ ومالي، وصاحب الموسوعة الضَّخمة (4 أجزاء) (المؤلَّفات العربية بإفريقيا) (ALA)، في رصد الموروث الفكري الذي أنتجه مسلمو بلاد السودان الغربي في مختلف أفرُع العلم والمعرفة.

- ومنهم: «نحيميا ليفتصيون»، وله الرّيادة في الكشف عن التأثير الإسلامي في الزعماء غير المسلمين[12].

- أمَّا المؤرخ «ترمنغهام» (J. Spencer Trimingham, (1904-1987، الذي يُعدُّ أباً للكُتّاب المستَفْرقين Africanist Writers[13]، فقد تميَّز بجعل رصْد التأثير الإسلاميّ بإفريقيا موضوعاً محوريّاً لأبحاثه، ويُعَدُّ كتابه (تأثير الإسلام بإفريقيا) قمَّة مؤلَّفاته[14]. قسَّم «ترمنغهام» القارة الإفريقية من حيث علاقتها بالإسلام إلى سبعة مناطق ثقافية مميَّزة، رصَد فيها تأثير الإسلام في مظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية، من علاقاتٍ عشيرية، وطقوسٍ اجتماعية، وزواجٍ، وحياةِ حضر، وتجارةٍ، وتنظيماتٍ سياسية وغيرها؛ مؤكّداً أنّ الإسلام لم يدَعْ جانباً من تلك المظاهر إلّا أثَّر فيه بعُمق.

ويمكن تلخيص ما وصل إليه «ترمنغهام» في قوله: «ليس الإسلام بالسودان "ديناً" بالمفهوم السطحيّ للدين، وإنَّما هو طريقة حياة. لا يمكن لأحدٍ معرفة السودانيّين في المناطق الشمالية والوسطى حتى يُدرك مدى العُمق الإسلاميّ في تركيبة المجتمع السوداني»[15].

عاد البحث في التأثير الإسلاميّ في إفريقيا بقوّة، في دراسات طائفةٍ معاصرة من الشباب الباحثين الاجتماعيّين، أمثال:

- «سواريسْ» Benjamin Soares، ولعلّه يُعَدُّ رائد الباحثين الشباب المعاصرين عن الإسلام بين مجموعات مادينغ.

-  «هولغر» Holger Weiss عن النظام الاقتصاديّ والتكافلي بإفريقيا.

- ومنهم: «روبنسونْ د.» David Robinson, b.(1954)، في كتابه عن المجتمعات المسلمة بإفريقيا، وقد حاول فيه أن ينحو منحًى جديداً في علاقة المجتمعات الإفريقية بالإسلام، فرصدها منذ بدايات الإسلام إلى الوقت الحاضر: كيف كان التأثير، وماذا بقي من آثارٍ منطبعة؟ عليه؛ اختار روبنسونْ عدداً من المجتمعات في الدول القُطرية الحديثة: يوغندا، والسودان، والسنغال ونيجيريا، وغانا، والمغرب، وإثيوبيا[16].

- ومنهم: «برافمان»، في الإسلام والفنون الإفريقية والأقنعة[17].

- والباحث «إنْصول»، في التأثير الإسلاميّ في الفنّ المعماريّ الإفريقي[18].

وينزع الباحثون الجدد إلى الترکيز على مجموعةٍ مسلمةٍ محدَّدةٍ ببلدة أو مدينة ذات مرکزية إسلامية تاريخية، مثل:

- نُيورو Nioro: مجال بحث «سواريسْ».

- وکروغو شمالي ساحل العاج: لـ«روبرتْ لوني» R. Launay[19].

- وبواکي.. وسطها: مجال الباحثة «ماري ميرانْ» M. Miran.

- ومدينة کانکانْ في غينيا: للباحثة «أسْبورْنْ» Emily L. Osborn.

- والباحث «هَنْريتا» في دراساته حول التأثير الإسلاميّ في المجتمعات الغابية جنوبي ساحل العاج، وبالأخصّ أثر الشيخ المتصوّف يعقوب سيلا، زعيم الطَّريقة الحمالية. وُصِف كتاب هَنْريتا بأنّه: «قد قدّم رؤيةً طريةً حول: العلاقة بين الفكر الإسلاميّ وبين التحوُّل الاجتماعيّ السياسيّ في القرن العشرين بغرب إفريقيا»[20].

كان علم الأنثروبولوجيا– في بداياته- أداةً استعماريةً صِرفة، وبتصريح الجمعية الأمريکية الأنثروبولوجية (1969م): «إنَّ ما قام به الأنثروبولوجيّون من دراساتٍ قد خدموا بها الأهداف الإمبريالية»

نستخلص هنا: أنّ الدراسات في رصد التأثير الإسلامي في المجتمعات الإفريقية قد تطوّرتْ كمّاً ونوعاً، بين الأنثروبولوجيّين والأكاديميّين، فبينما كانت مشوبةً في بداياتها باستحواذ الباحثين «الاستعماريّين» عليها؛ خرجت عن هذا النّطاق على أيدي الأكاديميّين والمختصّين في دراساتٍ مركّزة في موضوع التأثير، ومحدّدة في مجموعةٍ أو مجموعاتٍ مسلمة بإفريقيا.

هذا، ومن الإنصاف الاعتراف بفضل بعض المستشرقين الذين أسْدَوا خدماتٍ علميةً جليلةً للدراسات الإسلامية بإفريقيا، منهم على سبيل المثال: «هوداس» (Octave Houdas, d.(1840-1916، محقِّق كتابَيْ (تاريخ الفتاش)، و(تاريخ السودان) العمادَيْن في تاريخ بلاد السودان.

ثانياً: الدوافع والأهداف الاستشراقية في دراسة التأثير الإسلامي بإفريقيا:

يندرج البحث في دراسة أهداف المستشرقين حول التأثير الإسلاميّ بإفريقيا، في الهدف العامّ الذي قام من أجله الجهاز الاستشراقي، وهو– بجلاءٍ- خدمة الأهداف الاستعمارية، وهذا أمرٌ مقرّر في الدراسات المعنية بالاستشراق، أمثال دراسة إدوارد سعيد (الثقافة والإمبريالية). وهذا الأمر جليٌّ في الدراسات الأنثروبولوجية الأولى التي کانت اللَّبنة الأولى لدراسات الاستشراق؛ إذْ إنّ هناك شبه إجماعٍ بين الباحثين في أنّ علم الأنثروبولوجيا– في بداياته- كان أداةً استعماريةً صِرفة، وبتصريح الجمعية الأمريکية الأنثروبولوجية (1969م): فإنّ الأنثروبولوجيا «منذ نشأتها، علمٌ قد تطوَّر جنباً إلى جنب، وبداخل، الاستعمار، وتطوُّر القوى الإمبريالية. إنَّ ما قام به الأنثروبولوجيّون من دراساتٍ قد خدموا بها الأهداف الإمبريالية»[21].

وقبل ذلك؛ فإنّ الإمبرياليّين أنفسهم لم يترکوا مجالاً لتکهُّناتٍ حول أهدافهم من إنشاء المعاهد ومراکز البحث الأنثروبولوجية والاستشراقية، ففي مذکرة تأسيس مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية SOAS, 1917، ورد التنصيص على أنّ الهدف الأساس هو خدمة هدف التوسُّع البريطاني.. «إنَّ کون بريطانيا أهمَّ الدول ذات العلاقة بالشرق؛ فإنَّ غياب أيّ مدرسةٍ شرقية بعاصمتها ليس مشرّفاً للشّعب»[22].

أمَّا عن الهدف في دراسة الإسلام وتأثيراته تحديداً؛ فإنّ الحكّام الفرنسيّين العسکريّين کانوا أکثر وضوحاً في الإفصاح عن النيات الإمبريالية في دراسات الإسلام، من ذلك مقولة الحاكم الفرنسيّ العامّ بالسنغال «ويليام بونْتي» في التأکيد على ضرورة تکثيف الدراسات الإسلامية بمستعمرات فرنسا: «إنَّ من واجبنا دراسة المجتمع المسلم في مستعمراتنا بکلّ تفاصيله (...)، ولا شكّ أنّ هذه الدراسة سوف تستهوي الکثيرين؛ لطابعها العلمي؛ ولکن الأهمّ أنّها ضرورية، سياسيّاً وإداريّاً (...)، سوف نجد في هذه الدراسة الأسس الثابتة والتوجُّهات الأکثر ملاءمةً لخططنا وقراراتنا تجاه المسلمين»[23].

ومثل ما صرَّح به «بونْتي» نجده بوضوحٍ عند زميله الحاکم «لو شاتيليهْ» عن هدف فرنسا في اهتمامها بالدراسات الإسلامية، في قوله: «إنَّ كون فرنسا قوّةً إسلاميةً عن طريق (استيلائها على) الجزائر، ومجاورتها للمغرب، وعن طريق السنغال والسودان، والمناطق الجديدة حول نهر تشاد، فإنَّ فرنسا مهتمَّة، بشكلٍ خاصٍّ، بتطوُّر الدراسات الإسلامية، بالطريقة العملية التي تجعل من تلك الدراسات صالحةً للاستعمال بوصفها أداةً للفعل السياسي»[24].

فالهدف الإمبريالي في دراسة الإسلام بمجتمعات إفريقيا واضحٌ في هذه المقولات الرسمية، وهو–باختصارٍ- النجاح في تطويق الإسلام وفي استيعابه، وتحويله من قوَّةٍ معوِّقة للأطماع الإمبريالية في الشعوب، إلى أداةٍ خادمةٍ للإمبرياليّين. وهو إجراءٌ– وافقناهم عليها أم خالفْناهم- صائبٌ وحكيم في التعامُل مع القوَّة المعادية؛ لذلك فإنّ الفقرات الآتية تتناول مواقف المستشرقين من ظاهرة تأثير الإسلام في إفريقيا؛ انطلاقاً من الأهداف والمواقف المسبقة الموجِّهة لدراساتهم.

ثالثاً: مواقف المستشرقين من التأثير الإسلامي بإفريقيا:

ممّا تقدّم من استعراضٍ لبعض الدراسات الاستشراقية حول التأثير الإسلاميّ في الثقافة الإفريقية، يتبيّن أنّ تلك الدراسات قد أكدت التأثير الإسلاميَّ العميق في المجتمعات الإفريقية، ولكنْ– على الرّغم من ذلك- اتخذت مواقف محددةً من التأثير، ويمكن تلخيص بعض معالمها في الآتي:

أ- إنكار وجود تأثير إسلامي:

وُجد كُتّابٌ أوائل ممّن حاولوا– عبثاً- إنكار وجود تأثيرٍ إسلاميٍّ في الثقافة الإفريقية، أمثال:[25] R. Renan, Noble, M. H. Blerzey, Church, J. Freeman Klarke، وقد تصدَّى لهم كُتّابٌ آخرون؛ لإثبات التأثير، أمثال: Eduard Blyden, Joseph Thompson, Smith Borsworth, Elisie Reclus, Felix Dubois، ويتضح أنّ النافين لم يكونوا بمستوى الفريق الآخر من المنهجية العلمية؛ إذْ إنّهم– كما يقول إليسْ- قد كوّنوا آراءهم بناءً على شهادات غيرهم؛ فهُمْ لم يرحلوا إلى إفريقيا لدراسة المجتمعات في مواطنها كما فعل معظم أفراد الفريق المؤيّد مثل: تومبسون، ودُو بُوا، وبليدنْ.

ب – تجاهل التأثير الإسلامي أو تقزيمه:

حاول باحثون أنثروبولوجيّون التعتيم على المظاهر الإسلامية الواضحة في الثقافة الإفريقية كمّاً ونوعاً، على سبيل المثال: نجد «ترمنغهام» يُصرِّح بأنّ وصول الإسلام إلى إفريقيا- في حدود القرن التاسع الميلادي- قد أحدث تحوُّلاً اجتماعيّاً عميقاً بالقارة deep cultural change؛ لكنَّه يُبادر بالقول: إنّ سكّان القارة لم يتقبّلوا الثقافة الإسلامية بأكملها، إنّ ما تأثّروا به بعمقٍ هو «الثقافة الشرعية»، أمّا القيم الفلسفية والأدبية والفنية فإنّها قد ظلّت هامشيةً في ثقافتهم[26].

بالإضافة إلى التأثير «الجزئي الهامشي»- كما ذهب إليه «ترمنغهام» وغيره- فإنّ الأدبيات الاستشراقية الأولى قد عمدت إلى تصوير الإسلام وثقافته بإفريقيا بالسذاجة والسطحية في رؤياه للعالَم، وأنّه: «أقلُّ نقاوةً»، و«أقلُّ علميةً»، و«أكثرُ شعْوَذةً»، و«أكثر طواعيةً» للاندماج في مشروع «السياسة الفرنسية للمسلمين»[27].

أيضاً، من محاولات التعتيم، تركيز الباحثين دراساتهم حول المظاهر الاجتماعية والاقتصادية للمجموعات المسلمة، وإغفال الجانب الرُّوحي فيها، وقد ذکَر روبرتْ لوني منها نموذج دراسة «کوبانْسْ»Jean Copans, (1980[28] عن زراعة الفول السودانيّ عند الطّريقة المريدية بالسنغال. ومنها أنّ الباحثين البريطانيّين- في دراساتهم لأنظمة الحکم الإفريقية- يتخيّرون المجتمعات الغابية الأقلّ احتکاکاً بالمسلمين، مثل مجموعات تسوانا، وسوازي، وبيمْبا بجنوب إفريقيا، ومثل ذلك فعلوا بغرب إفريقيا، وحتى حين اضطرّ بعضهم، أمثال «سميث» M. G. Smith, (1993)، لدراسة نظام الحکم بمجتمع هَوْسا بإمارة زاريا المسلمة Government in Zazzau, (1960)، فإنَّه لم يذکر الإسلام إلا عرضاً، مضيفاً «الحشف إلى سوء الکيلة» بتسمية الإسلام بـ«الدين المحمدي»Muhammadan Religion.

وبتصوير الباحث «صولْ»؛ فإنّ المساحة المخصَّصة للدراسات الإسلامية الأنثروبولوجية بإفريقيا أشبه بمقصورةٍ زجاجيةٍ صغيرةٍ في زاويةٍ داخل صالة مَعْرضٍ للثقافة الإثنوغرافية مترامية الأطراف[29]، فالسياسة هنا هي تضخيم المظاهر «الوثنية» على حساب الإسلام، والسبب المباشر لمحاولة التجاهل والتعتيم– كما بيَّنه صولْ- راجعٌ للظّرف الكولونيالي؛ حيث حرصت القوى الكولونيالية على أن تُبرز الشعوب المراد استغلالها، وكأنّها بُدائية صِرْفة، لا علاقةٌ سابقةً لها بالحضارات، حتى يبرِّر ذلك قيامهم بـ«المهمَّة التمدُّنية» المزعومة. إنّ الاعتراف بالوجود الإسلاميّ في الثقافة الإفريقية جنوبي الصحراء، كان يجعل الإمبرياليّين في موقفٍ حرج[30].

ج– إثبات التأثير العميق:

بعيداً عن محاولات الإنكار، أو التجاهل، أو الانتقاص، أثبت باحثون بالنماذج الحية، التأثير الإسلاميَّ الإيجابيَّ العميق في الثقافة الإفريقية، إنَّه- بتعبير الباحث المعماريّ الأثريّ «إنْصولْ»-: «تأثيرٌ جوهريٌّ في معظم مناطق القارة، وهو واقعٌ في نواحٍ عديدة، ليس في الناحية الأيديولوجية فحسب، وإنَّما في الاقتصاد، والاجتماع (...)، ينبغي النظر إلى الإسلام بصورةٍ أوسع من كونه ديناً فحسب، إنَّه منهج حياة»[31]. ومثل ذلك أكّده الباحث «بويلْس» Randall Pouwels رائد الباحثين في مجال التأثير الإسلاميّ بشرق إفريقيا، كما أكّده «آلانْ ج.» J. de V. Allen، بقوله: «لا سبيل لإنكار تأثير الثقافة الإسلامية العميق في السواحل، وأنّ هذا التأثير قد تمظْهَر بجلاءٍ في الانصهار الاجتماعيّ العرقيّ بين العرب والشّيرازيّين من جانب، وبين الأعراق البانْتُوِية من جانبٍ آخر، وظهور لغة السواحيلي، وهو إلى ذلك تأثيرٌ سبق ظهور الإسلام نفسه، ولم يكن ظهور الإسلام إلا بمثابة دفعةٍ قوية له»[32]، ومثلهما الباحث «غارليكْ» (P. Garlake, (1934-2011، الذي عُني في دراساته بالمعمارية الإسلامية على السواحل الشرقية، وعلاقتها بحاضرة زيمبابوي الكبرى القديمة، وفيها كشف عن عمق التأثير الإسلاميّ وقِدَمه بمناطق الساحل، وبالممالك الداخلية في الجنوب الإفريقيّ التي دخلت في علاقاتٍ تجاريةٍ وسياسيةٍ مع دول الطِّراز الإسلامية على السواحل الشرقية لإفريقيا[33].

وقبل تلك الشهادات القائمة على أعمالٍ ميدانية؛ فإنّ الإمبرياليّين أنفسهم، عشية الحضور الفرنسيّ بالمناطق الغابية جنوبي ساحل العاج الحالية، قد فُوجئوا بالإسلام وقد اقتحم حدود الغابة الاستوائية، واستقرَّ في عُقر دار المجموعات القاطنة في الغابات، وقد كان « المستعمرون» يحسبون الغابة بمثابة جدار عازلٍ بين أولئك وبين المدِّ الإسلامي comme un mur pour la progression de l’Islam[34]. ومثل هذا الحدَث وقَعَ أيضاً في الفترة نفسها، أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، بمنطقة إفريقيا الوسطى (كاميرون الحالية)، بدخول الإسلام في مناطق مجموعات بامونْ، وإسلام مَلِكها الذي تَسَمَّى إبراهيما نْجويا I.Njoya, d.(1933)، وهي حالةٌ سمَّاها الباحث جيلْبرتْ: «اختراق في الصميم» percee importante[35] في اقتحام الإسلام وثقافته المناطق الموغلة في الغابة الاستوائية.

الخلاصة: أنّ التأثير الإسلاميَّ بإفريقيا شاملٌ: في المجال الفلسفي الديني، والأنظمة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، في القيم والمُثل الإنسانية، وفي العادات والتقاليد، وموجودٌ أيضاً بجلاءٍ في اللغة وفنون الأدب من شعرٍ وأغانٍ وحِكَم وأمثال، وفي فنون الأزياء والملابس، والعمارة والبناء، وفي الطّب الشعبي، وسائر الفنون الشعبية، وهو تأثيرٌ كما أوضَحَه ترمنغهام، يشمل الماضي والحاضر، ففي المبحث الأخير من كتابه المشار إليه، ذهب إلى أنّ التأثير مطّرد، وأنّه سوف يتحدّى إفريقيا العلمانية الحديثة؛ لأنّه بدأ يغدو (منذ نشر كتابه 1968م) ديناً شخصيّاً Personal Religion، يتبنّاه الأفراد والمجموعات بقناعةٍ واعتزازٍ وتعبيراً عن هُويّتهم في ظلّ التراخي السياسيّ في تبنّيه كما كان في الممالك السابقة[36].

على الرّغم من كلّ ذلك؛ حاولت بعض الدراسات الأنثروبولوجية والاستشراقية إنكار هذا التأثير، أو تجاهله، أو تلويثه؛ ولكن باحثين آخرين– من المتأخّرين- قد كشفوا الحقيقة عبر دراساتٍ ميدانية.

رابعاً: أبرز مخرجات الدراسات الاستشراقية:

بالتأمل في المخرجات التي تمخّضت عنها الدراسات الاستشراقية حول التأثير الإسلاميّ في إفريقيا، نجدها قد جاءت على منوال الأهداف الاستعمارية المرسومة لها، وتميَّزت بالتخبط والتناقض بين مواقف «المستعْمِر» وبين ما يلوِّح به الباحثون من «حقائق» حول الإسلام، وهنا نذهب إلى احتمال وجود نتائج معلنة، وأخرى سرية، توظَّف كلٌّ منهما في محلّها المناسب.

لقد سبق في فقرة (ثالثاً- ب) أنَّ بعض المستشرقين قد وصفوا الثقافة الإسلامية بالسذاجة، والاختلاط بالوثنية بإفريقيا؛ لكنَّ هذه الصورة المعلنة عن «سذاجة» هذا الدين وأهله بإفريقيا لا تنسجم والحساسية الاستعمارية المفرطة تجاه الإسلام والمسلمين.. فما الداعي لإنشاء جهازٍ استخباراتيٍّ لمراقبة المشايخ، ورصد تحرُّكاتهم، وحصر تنقُّل بعضهم في مناطق محدَّدة، وفرض مراقبةٍ شديدةٍ على بعض الحجّاج، وغيرها من الإجراءات الاستيعابية التطويقية؟!

على كلٍّ؛ فإنَّ من الصعب التحكُّم في مخرجات الدراسات الاستشراقية حول الإسلام بإفريقيا، فهم (المستشرقون) تارةً يزعمون أنّ الإسلام دينٌ ثوريٌّ، وأخرى قدَريٌّ، وأنّه معادٍ للمرأة misogynist، وأنّه دين مساواة، وأحياناً أنَّه دين طبقة «مرابوط» (فقهاء) يعيشون على حساب الأكثرية الساذجة، وغيرها من المزاعم.

يقول الباحث «بانْغورا»- الذي وصف الدراسات الاستشراقية بـ«قمَّة التناقض والتخبُّط»-: إنَّ هذه الرُّؤى لها ارتباط.. «بالحالات الفردية التي تمَّ تعميمها، وبالظُّروف السياسية المتقلّبة للمجتمعات المستَعْمَرة، التي أُريد سحبها على الحقائق الإسلامية العالمية غير المتبدِّلة»[37]، على الرّغم من هذه الصُّعوبة في التحكُّم في مخرجات الدراسات الاستشراقية؛ تحاول هذه الورقة تحديد ثلاث نتائج تراها مهمَّةً في هذا المقام، وهي: القول بمحدودية الإسلام وتأثيره، وأنَّه إسلامٌ متعدِّد، وأنَّه شديد التأثُّر بالديانة الإفريقية.

أ- إسلامٌ محدود الانتشار والتأثير:

دراسات التأثير الإسلاميّ بإفريقيا، لا تزال تجري على قَدمٍ وساق، منها علنية، وأخرى متخفِّية... في وجه هذا العمل الدؤوب؛ لا نكاد نجد اهتماماً موازياً من لدُن الباحثين المسلمين

ذهب بعض المستشرقين إلى القول بأنّ الحضور الإسلاميَّ بالقارة إنّما كان حضوراً محدوداً منذ دخوله القارة (في حدود القرن التاسع الميلادي حتى القرن السادس عشر الميلادي)؛ حيث ظلَّ ديناً للتُّجار و«للأمراء أو البلاط» Court Religion/ of the Princes، وأنَّه لم يبدأ بالتغلغل في المجتمع ليكون ديناً للعامّة religion of the majority إلا بعد الفترة المذكورة[38]، وتزعَّم «ترمنغهام» هذا المنحى حين استبعد في دراساته مناطق غينيا السفلى بحجَّة أنَّها كانت بمعزلٍ عن مناطق التأثير الإسلامي، لكنَّ دراساتٍ أخرى كثيرة، مثل دراسات: ويلكسْ[39]، وليفتصيون[40]؛ أكّدت الحضورَ القويَّ للمسلمين في المناطق الجنوبية الغربية من بلاد السودان: في غانا، وساحل العاج، وغينيا الحالية، ونشوء زعاماتٍ مشْيَخية و«إماميَّات» almamates في تلك المناطق في بيغو Bighu، وغونجا Gonja، ومَامْبروسي Mamprousi، حتى في أقصى الجنوب الموغل في الغابة الاستوائية بمملكة آبْرونْ في أبِنْغورو Abengourou جنوبي ساحل العاج الحالية، وبمملكة أشانْتي (غانا). كما جاء اكتشاف الكثير من المخطوطات الإسلامية في المناطق المذكورة لينسف هذا الزَّعم في انحصار الإسلام وثقافته في المناطق الساحلية[41]. كذلك جاءت دراسات إنصولْ الأثرية لتُثبت قِدَم الإسلام في مناطق كثيرة بإفريقيا، كان يُظنُّ أنّ الإسلام لم يبلغها.

ب- إسلام متعدّد بتعدُّد «القبائل»:

من المخرجات المهمَّة التي كادت تحوز إجماع الباحثين في الفترة الاستعمارية: زعمهم أنّ الإسلام بإفريقيا ليس إسلاماً واحداً، وإنّما هو ذو أَوْجُهٍ متعدّدة.. إنّه «إسلامات»، على غرار تقسيمهم للديانة الإفريقية إلى «ديانات».

ومؤدَّى ذلك أنَّ لكلِّ مجموعةٍ إثنية، من الإثنيّات الكبرى التي اعتنقت الإسلام بإفريقيا، صبغةً خاصَّةً من الإسلام مختلفةً عمّا عند مثيلاتها. وقد جاء هذا الطّرحُ نتيجةً طبيعيةً منبثقةً عن مفهوم «الإسلام الأسْوَد»، وله–أيضاً- ارتباطٌ مباشرٌ بسياسةٍ إمبرياليةٍ كبرى، تبنّتها فرنسا في مستعمراتها، وعُرِفت بـ«سياسة الأعراق» Politique des races، واستهدفت وضْع فروقٍ مميَّزة بين المجموعات الإفريقية على قاعدة «فرِّقْ تَسُد»d?vide et ?mpera. والإسلام نفسه– طبقاً لهذه السياسة- ذو أوجُه: إسلام «بربري»، و«مغربي» Maghrebine، و«موري»، و«عربي»، و«جاوي»!

هذا، وممَّن خدَمَ فكرة الإسلام المتعدِّد بقوَّةٍ، الحاكم «فيديربْ» الذي خرج في دراساته اللسانية بنتيجة أنّ المجموعات اللغوية بمنطقة السافانا بغرب إفريقيا (مالي، بوركينا، ساحل العاج، غينيا)، هي مختلفةٌ ومتمايزةٌ عن المجموعات الواقعة شمالي نهر السنغال. ومن هنا زعم زميله «دولافوسْ» أنّ الفولاني من أصول يهود سورية، وأنّها أرقى عِرْقاً من الزنوج، وزعم المؤرخ «ديركْ لانْج» الزّعم نفسه في أصول مجموعة يوريا (جنوبي نيجيريا)، وأنّها من أصلٍ كنعاني[42]. من ثمَّ؛ قاموا بإسقاط هذا التمايُز اللغوي والعِرْقي المزعوم على الإسلام عند الشعوب الإفريقية.

وحتى في فترةٍ متأخّرةٍ جدّاً، وبعد انقشاع الطّرح الإثني/ العِرْقي، فقد راقَ لبعض الباحثين أن يزعم أنّ.. «من المستحيل فصل الإسلام عن القبَلية» بإفريقيا، عليه؛ قسَّم الإسلام بغرب إفريقيا إلى ثلاث مناطق مميَّزة: الإسلام الهوساوي L’Islam Hausa، والصُّوننكي L’Islam Soninke، والوُلفي L’Islami Wolof. ولتأكيد هذا الزّعم؛ ذهب الباحث إلى أنّ تحويل الإسلام إلى «إسلامٍ قبَلي» Ethnisation de l’Islam، وإن لم يكن تحويلاً كاملاً، فإنَّه ذو تأثيرٍ مهمٍّ؛ إذ قد اضطلع بمعارضة التأثير العالمي للثقافة الإسلامية؛ ليحافظ على خصائص المجموعة الإثنية، كما أنَّه قد اضطلع بكونه عقبةً في وجه محاولة «تعريب» Arabisation المجتمعات[43]. ولا شكَّ أنّ هذا التحليل الأخير يفضح عند الباحث المذكور وأمثاله نياتهم في هذا التقسيم.

أمَّا عن العلاقة المباشرة بين الطّرح التعدُّدي للإسلام بإفريقيا، وبين محاولة المستعمر لاحتواء الإسلام، ما احتجَّ به الحاكم الفرنسيُّ «ويليامْ بونْتي» في دعمه لسياسة الأعراق- المشار إليها-، حين أوضح أنّ هذه السياسة إنّما هي وسيلةٌ للحدِّ من نفوذ المسلمين داخل المجموعات الوثنية، وللحدّ من استعمال اللغة العربية في الإدارة والأعمال الرَّسمية. قال: «لا ينبغي لنا أن نتَّخذ موقفاً علنيّاً ضدَّ الإسلام أو لصالحه، بوصفه ديناً أو نظاماً قانونيّاً، إنَّ هذا التصرُّف قد يجلب علينا سخط بعض أتباعنا، ولكنَّ سياسة الأعراق سوف تُشجِّع المجموعات الإثنية غير المسلمة على "الانفصال التام"، وبالتالي عرقلة المدّ الإسلامي، ذلك الدين الذي يغرس طابع المقاومة ضدَّ أيّ تحديثٍ أوروبي»[44].

ج- إسلامٌ متأثّر ممسوخ:

ذهب جلُّ الأنثروبولوجيّين، ومِنْ بعدِهِم المستشرقون، إلى أنّ التأثير متبادَلٌ بين الإسلام وبين الثقافة الإفريقية، وأنَّ كليهما قد مُسِخَ وفَقَد نقاوته وأصالته.

وتولَّى كِبْر هذا الزّعم الفرنسيُّون، صرَّح بذلك «كلوزيل» حين قال: «من حظِّنا أنّ الإسلام بإفريقيانا (بنسبة إفريقيا إلى فرنسا) الغربية، أنّه يحتفظ بخصائص يجمُل بنا الإبقاء عليها وتشجيعها. إنَّ مسلمينا لم يتبنَّوا القرآن كاملاً، مهما كانت درجة تديُّنهم فإنّهم يحرصون على الاحتفاظ بتقاليد أسلافهم (...). إنّ الإسلام السوداني دينٌ مختلطٌ، مزيجٌ من معتقَدَيْن بدائيّين، وهما- منذ التقائهما- قد توقَّفا عن التطوُّر الطبيعي بحسب شكلهما الأصلي»[45].

أيضاً؛ نجد «ترمنغهام» يُفصح عن هذا المنحى في افتراض التأثير المتبادَل بين الإسلام وبين الديانة التقليدية بإفريقيا، في كتابه الثاني (الإسلام بإثيوبيا) ضمن سلسلة كُتُبه في هذا المجال، قال: «يواصل هذا الكتابُ عمَلَنا في استكشاف الإسلام بإفريقيا، وقد بدأناه بـ(الإسلام في السودان).. إنَّه يؤرّخ للتأثير الإسلاميّ في الشعوب الرُّحَّل والمستقرَّة (الحضَر) بالمنطقة. وهنا محاولةٌ لرصد تأثير الإسلام في حياة تلك الشعوب قديماً وحديثاً: كيف شكَّل الإسلام حياتهم، وكيف شكَّلوا هم بالمقابل الإسلام الذي تَبنَّوْه»[46]. وطبقاً لذلك؛ قسَّم ترمنغهام تاريخ الحضور الإسلاميِّ بإفريقيا إلى ثلاث مراحل: مرحلة بذر Germination، وأزمة Crisis، وإعادة توجيه متدرِّجة Gradual re-orientation[47]. وتابعَهُ فيها فيشرْ Fisher H.: مرحلة عزلة Quarantine، وخلط Mixing، وتصحيح Reform.

وفي ظلِّ فكرة التأثير والتأثر انتهى الباحثون إلى وجود عمليّتَيْن: أسلمة إفريقيا Islamization of Africa، وأفْرَقَة الإسلام Africanization of Islam، وهو نفيٌ مبطّنٌ للتأثير؛ بزعم أنّ الإسلام لم يصمد في وجه الثقافة الإفريقية.

خامساً: المواقف والإجراءات نحو التأثير الإسلامي:

على الرّغم من المخرجات والنتائج الثلاث المذكورة أعلاه؛ فإنّ «المستعمِر» الفرنسي خاصَّةً، قد اتَّخذ مواقف وإجراءات كثيرة نحو التأثير الإسلامي بإفريقيا، منها: مسخ التعليم الإسلامي، والعبث– أحياناً- بالممتلكات الثقافية الإسلامية بإفريقيا، والتلاعب بالعقول، وتقمُّص الإسلام حيناً، وضرب الإسلام والمسلمين- حيناً آخر- بيدٍ من حديد.

أ- مسخ التعليم الإسلامي:

من الاكتشافات التي ذُهِلت منها الإدارة الاستعمارية، في دراساتها عن التأثير الإسلاميّ بإفريقيا، عراقة التعليم الإسلاميّ بها، ففي منطقة فوتا بغينيا- مثلاً-؛ صرّح الرحّالة «غاسْباردْ تيودور» Gaspard T. Mollien, d.(1872) وزميله «مونغو باركْ» بأنّ بكلّ قريةٍ– على الأقلّ- مدرسة، وأنّ التعليم بها لم يكن موقوفاً على تعليم القرآن فحسب. وأكد المفتّش الفرنسيّ العامّ للتعليم في المستعمرات السيد «مارياني» Jules Mariani هذه الحقيقة بوجود علماء في مناطق غينيا السفلى، يكتبون العربية، ويتحدّثونها بطلاقة، وأنّ حاضرة N’dama بمنطقة «لابي» تتصدَّر المناطق بغينيا السفلى، وكانت رباطاً جهاديّاً قويّاً ضدّ المستعمر الفرنسي[48].

في وجه هذا الاكتشاف؛ عمدت الإدارة الاستعمارية الفرنسية إلى سياسة الاستيعاب Assimilation، والتقويض من الداخل؛ فنشطت في إنشاء مدارس «إسلامية» للمسلمين، أو دعم المقارئ المحلّية، ولكنْ بخلطها بالدروس في اللغة الفرنسية، وأُطلِق على تلك المدارس Franco-Arabes، على غرار النموذج الجزائريّ. ففي مدينة «سانت لويسْ» تمَّ تحويل مدرسة أبناء الزعماء، التي كانت تُدعى: «مدرسة المحتجزين» Ecole des Otages، إلى هذا النموذج الجديد من المدارس، وفي عام (1906م)، أُنشئت مدارس بتمبكتو وجيني وبوتلميت بموريتانيا. وبتعبير الباحث «أوبريانْ»؛ فإنّ الهدف الأساس لتلك المدارس كان «لتدريب الموظّفين الإداريّين (الصّغار)، وترسيخ قيم الحضارة الفرنسية»[49]، وبتعبيرٍ أكثر وضوحاً من لدُن المفتّش العامّ للتعليم في تقريرٍ إلى الحكومة الفرنسية قال: «ومع عجزنا عن القضاء على الإسلام؛ فإنّه ينبغي لنا تطويقُهُ، ووقتنا هذا أسنَحُ الفرَص للقيام بذلك وتأسيس مدرسة»[50].

أيضاً، من وسائل التشويش على التعليم الإسلاميّ في المدارس المذكورة، اعتماد الحرف اللاتيني في كتابة العربية، وتقليص تعليم العربية إلى نصف الوقت المخصّص للفرنسية (14-7 ساعة)[51]، وفي هذا السياق؛ تمّ الترويج لأفكارٍ كثيرة، مثل صعوبة تعلُّم اللغة العربية للأفارقة بمقابل سهولة الفرنسية، وتمجيد العادات الفرنسية[52].

هذا، وقد أُغلقت هذه المدارس في ظروف الحرب العالمية الأولى التي شُغِلت فيها فرنسا بنفسها، غير أنَّ تأثير هذه الخطوة كان طويل المدى في التفريق بين المسلمين، وحتى إلى وقتٍ قريب، عندما ظهرت «المدرسة الإسلامية العصرية» على أيدي الطلبة الخريجين من الدول العربية، فإنّ كثيراً من كبار السنّ والمشايخ لم يفرّقوا بينها وبين النموذج الفرنسيّ؛ فعزفوا عن إرسال أبنائهم إليها، ووصموها بالصّفات التي وصموا بها النموذج الاستعماريَّ من المدارس.

ب- تغييب الآثار الإسلامية المادية:

من القضايا التي لا تزال تحظى باهتمام الباحثين: لجوء القوى الإمبريالية إلى تغييب الكثير من الآثار الإسلامية المخطوطة في بلاد السودان الغربيّ، إمّا بإتلافها وحرقها علناً، وإمّا بمصادرتها، كما فعلت فرنسا بمكتبة الشيخ الحاج محمد الأمين صوننْكي بعد مقتله (1305هـ/1887م).

ثمّ إنّ هذه العملية قد شارك فيها الباحثون الأنثروبولوجيّون والمؤرّخون أنفسُهُم بطريقةٍ أخرى؛ إذْ قد ينشر بعضهم نصوصاً مبتورةً مجتزأة، أو يحقّق كتباً، دون أن يجود على القراء بالنُّسخ الأصلية الكاملة لتلك النصوص. فالمؤرخ «بالْـمِرْ»- مثلاً- نشر ترجماتٍ عدَّة لنصوص كانيمية بورْنُوِية، مثل نصوص «مَـحْرَم» الديوانية التي أُنتِجَتْ في عهد سلاطين سَيْفاوا بدءاً بالسلطان أومي جِلْمي (ح.1085-1097م)، دون أن يجود بالنصوص الأصلية، لذلك ذهب المؤرخ «هونْوِيك» إلى القول: إنّ من الحصافة العلمية ألا يتخذ الباحث موقفاً محدَّداً حيالَ هذه النصوص المترجمة؛ لغياب النصّ الأصل، وإحجام «بالْمرْ» عن الإدلاء بظروف حصوله عليها، ومآلها[53]. ومن الواضح أنَّ تغييب أمثال تلك النصوص يجعل الباحثين المسؤولين عن هذا الفعل محلَّ شكٍّ كبير.

أيضاً، من صُوَر التغييب أو العبث بالمصادر الإسلامية: ترجمتها من أجل إضعاف قيمة الأصل، على سبيل المثال: نجد «بولْ مارتي» يتبرَّم من الزعماء المحليّين ومن الإداريّين الذين عيَّنتهم الإدارة الفرنسية بمناطق السنغال، استعمالَهُم ترجمة كتاب سيدي خليل بن إسحاق المالكي في الأقضية، حتى في المجتمعات الأقلّ تأثُّراً بالإسلام؛ لسهولة استعمال هذا الكتاب، ورضا الأطراف المتنازعة بالأقضية الشرعية بدَلَ نزوعهم إلى الأحكام العُرْفية لكلّ مجموعةٍ إثنية[54]. لذا، نجد فرنسا، في سياستها الاستيعابية للمسلمين، حين قَبِلَ الحاكم العامُّ «فيديربْ» بإنشاء محاكم شرعية للمسلمين بمدينة سانتْ لويس السنغالية (1857م)، فإنّها عمدت إلى ترجمة هذا الكتاب بالفرنسية؛ لصرف الناس عن الأصل العربي[55]، ولا يُستَبْعَدُ أن تكون تلك الترجمة قد مُسِخَتْ بعض فقراتها عن عمْدٍ وإصرارٍ.

هذا، ولعلّ الباحث «الأمين سانيهْ» خير مَنْ لخَّص معالم السياسة الإمبريالية في استيعاب الإسلام وثقافته بمجتمعات إفريقيا؛ إذْ حدّدها في ستَّة مظاهر مميَّزة، واصفاً السياسة الفرنسية الاستعمارية تجاه الإسلام بإفريقيا بقمَّة «التناقض والتخبُّط».

أمَّا تلك المعالم، فهي:

1- عرْض فرنسا (أنثروبولوجيّين ورحّالة وعسكريّين) الإسلامَ بوصفه– حيناً- ديناً مناقضاً لرؤية العالَم الإفريقي، ثم عرْضه- حيناً آخر- بوصفه خليطاً من المعتقدات الشرقية والإفريقية «الإسلام الأسْوَد».

2- الاحتجاج بالإسلام من أجل إثبات حقّ فرنسا في كونها «قوَّة إسلامية» Islamic Power، ومن ثَمّ حقّها في استعمار بلاد المسلمين.

3- توظيف الإسلام في إبرام علاقات صداقة مع المسلمين المحلّيين؛ من أجل إضعاف الحماس لفكرة «الإسلامية العالمية» Pan-Islamic.

4- إبرام علاقات صداقة مع الزعماء المسلمين؛ من أجل احتواء نزعات التمرُّد الشعبية المحتملة.

5- مواجهة بعض الزعماء المسلمين مواجهةً عسكرية دامية، مثل الشيخ عمر بن سعيد تال (ت1864م)، والشيخ الحاج صوننْكي، والإمام ساموري توري (ت1901م)، وسجن بعضهم، وتهجير آخرين كالشريف حماه الله (ت1943م).

6- منْع النُّزوح من مناطق النُّفوذ الفرنسي؛ خوفاً من بروز مبدأ «الهجرة» (من دار الكفر)، وفي الوقت نفسه إجبار بعض المسلمين على النُّزوح من مناطق معيَّنة؛ للحدِّ من تأثيرهم على جيرانهم من غير المسلمين.

أمّا عن السبب المباشر في التخبُّط الاستعماريِّ في التعامل مع الإسلام؛ فقد ذهب سانيهْ إلى أنّ سبب ذلك كون فرنسا نذرتْ نفسها لمهمَّةٍ مستحيلة Impossible Task، وهي محو الإسلام من قلوب المسلمين، وبما أنّ المستعمرين قد عجزوا عن ذلك؛ فإنَّهم قد ظلُّوا مأسورين بشبح «عمق التديُّن الشعبي» عند المسلمين[56].

سادساً: مآلات التأثير الإسلامي بإفريقيا:

لا يخفى أنّ «المستعمرين» والباحثين المستشرقين كانوا على وعيٍ تامٍّ بمآلات التأثير الإسلاميّ في الثقافة الإفريقية، في المدى القريب والبعيد؛ لذلك لجأ الحكّام إلى استيعاب المسلمين، وتطويق الإسلام.

ومن أوائل التكهُّنات حول مآلات التأثير الإسلاميّ بإفريقيا: ما جاء عند الباحث «لويسْ»؛ حيث خلُصَ، في الفقرة الختامية لكتابه الشهير عن الإسلام بإفريقيا الاستوائية (المنشور في الستينيات)، إلى أنّ الإسلام، على الرّغم من تأثيره العميق في الماضي، سوف يضمحلُّ تأثيره– على الأقلّ في المضمار السياسي- في وجه العلمانية، وذلك لإيمان الدول الإسلامية الحديثة.. «أنّ الأهداف العلمانية هي أكثر أهميةً في العالم الحديث من المصالح الدينية... وأنّ الحضارة الإسلامية قد غدت أكثر انفصالاً عن أصولها الدينية. كذلك؛ فإنّ مسافة الـخُلف بين الدين والدنيا في توسُّعٍ مطَّردٍ (...). أمّا المفارقة الكبرى؛ فتتمثّل في أنّ الإسلام يغدو أكثر توسُّعاً في إفريقيا الاستوائية في زمنٍ بدأ فيه تأثيره العالميُّ يتضاءل شيئاً فشيئاً»[57].

بالعكس؛ نجد رأياً مناقضاً لرأي «لويس» عند «ترمنغهام»، أكد فيه تراجُع العلمانية في وجه الإسلام؛ لأنَّه بدأ يغدو (منذ نشر كتابه 1968م) ديناً شخصيّاً يتبنّاه الأفراد والمجموعات بقناعةٍ واعتزازٍ وتعبيراً عن هُويّتهم في ظلّ التراخي السياسيِّ في تبنِّيه كما كان في الممالك السابقة[58]. ومن الواضح أنّ الواقع الرَّاهن قد دلَّ على خطأ ما ذهب إليه «لويسْ»؛ حيث إنَّ مؤشّر التديُّن– ليس في الإسلام فحسب- في ارتفاعٍ مطَّرد، في حين أنّ العلمانية تفقد بريقها يوماً بعد يوم.

على كلٍّ؛ فإنَّ صمود الإسلام في وجه محاولات الحدِّ من تأثيره بإفريقيا أو في أيِّ مكان، يكمن– في الأصل- في المناعة الذاتية لهذا الدين. وقد عبَّر الجنرال الفرنسيُّ «بورغو» Thomas R. Burgeaud, (1849) عن ذلك بأسلوبٍ تصويريٍّ طريف بقوله: «إنْ شئت فاطْبخْ جمجمة مسيحي، وجمجمة مسلم، (في قِدْرٍ واحدة)، لمدَّة أسبوع، فإنّ الخليطَيْن لن يمتزجَا أبداً»[59].

تجدر الإشارة إلى أنّ دراسات التأثير الإسلاميّ بإفريقيا، لا تزال تجري على قَدمٍ وساق، منها علنية، وأخرى متخفِّية، ويُستفاد من نتائجها في التعامُل مع المسلمين بإفريقيا وبغيرها من البلاد. في وجه هذا العمل الدؤوب؛ لا نكاد نجد اهتماماً موازياً من لدُن الباحثين المسلمين، يسبُرُ الثقافة الإسلامية في المجتمعات الإفريقية، ولعلَّ الدراسات القليلة في هذا المجال لم تَعْدُ الدائرة اللغوية الأدبية السطحية في اقتراض اللغات الإفريقية المفردات العربية، وبعض الفنيَّات النظمية للشعر العربيّ. كما أنّ بعض الدراسات (حتى من لدُن الباحثين الأفارقة أنفسهم) لا تزال تتقمّص عباءات القضاة والمفتين في إصدار أحكامٍ استفزازية حول الثقافة الإفريقية، وإعادة أشرطة «القرون الأوسطية» المشبّعة برؤى ومواقف مسبقة عنصرية!

أخيراً:

من أجل الخروج عن هذه الحالة من الغفلة والتغيُّب في مضمار الدراسات الاستشراقية حول التأثير الإسلاميّ بإفريقيا، لابدَّ أولاً: من مراجعةٍ دقيقةٍ طويلة النفَس للأدبيّات الاستشراقية في هذا المجال، وثانياً: الاستفادة من نتائج بعض تلك الدراسات؛ للبناء عليها، ففي بعضها نتائج مهمَّة صادقة، على سبيل المثال: نبَّه «لويسْ» (منذ الستينيات) إلى أنّ من المحاور المهملة في دراسات التأثير الإسلاميّ بإفريقيا: تأثيره في تطوير إفريقيا الحديثة في ظلّ الدول القُطرية، ويبدو أنّ هذا الدرب الذي عدَّه «لويسْ» مُهملاً، وأنَّه «موضوعٌ واعدٌ للباحثين حول الإسلام بإفريقيا جنوب الصحراء»، قد ظلَّ غير مطروقٍ حتى الآن[60]. كذلك نبَّه الباحث «هاوْثورنْ» إلى ضرورة الاعتداد بهذا البُعد في دراسات التأثير الإسلاميّ بقارة إفريقيا، حيث أشار إلى قِدَم الإسلام بالقارة، وتغلغله في المظاهر الاجتماعية والسياسية والفنية.. «إنَّ هذه المحفِّزات قد كانت لها آثارٌ عميقة على القارة، ومن الضَّروريّ النظر الدقيق في دراستها لمن يرغب في استكشاف مستقبل القارة»[61].

بناءً على ما سبق؛ أرى أنّ من الإمكان التكهُّن بمستقبل القارة الإفريقية، بل رسمه وتشكيله، من خلال دراسة التأثير الإسلاميّ في الثقافة الإفريقية، وذلك هو التحدّي القائم.

[1] Dane, Kennedy. The Last Blank Spaces, Harvard University Press, 218.

[2] Barth, Heinrich.1857. Travels and Discoveries in North and Central Africa, Drallop, publishing Company, Vol.4, 404-405.

[3] Sambe, Bakary. “Islam Noir: Construction Identitaire ou realite socio-historique”? http://www.persocite.com/orient/sambe.htm

[4] Louis Rinn. 1884. Marabouts et Khwan: Etudes sur l’Islam en Algerie,

[5] Xavier Coppolani et O. Depont. 1897. Les confreries religieuses musulmanes.

[6] Robinson, David. 1999. "France as a Muslim Power In West Africa". Africa Today 46 (3): 105-127, 106.

[7] Bangura, Ahmed S. 2000. Islam and the West African Novel: The Politics of Representation, Lynne Rienner Publishers, 11.

[8] Weiss, Holger. 2000. “German Image of Islam in West Africa”, SUDANIC AFRICA, Vol.11, 53-93.

[9] Launay, R. 2006. “An Invisible Religion? Anthropology’s Avoidance of Islam in Africa”. In M. Ntarangwi (Ed.), African Anthropologies: History, Critique, and Practice (pp. 188-203). New York: Zed Books, Ltd, 198.

[10] Hiskett, M. 1973. The sword of truth. New York: Oxford Unv. Press, 6.

[11] Last, Murray. 1970. “Aspects of Administration and Dissent in Hausaland”. IAI. Vol. 40 (4), 345-357.

[12] Levtzion, Nehemia. 1968. Muslims And Chiefs In West Africa. London: Clarendon Press.

[13] Scott S. Reesee. The Transmission of Learning in Islam Africa, 2.

[14] Trimingham, J. S., 1968. The Influeence of Islam upon Africa, Longman, 159 pp.

[15] M. L. Fitzgerald. 1949. “J. Spencer Trimingham, Islam in the Sudan” (Book Review), London: Oxford Univ. Press, African Affairs Journal, 74.

[16] Robinson, David. 2004. Muslim Societies in African History, UK: Cambridge.

[17] Bravman, R. A. 1974. Islam and tribal Arts in West Africa.

[18] Insoll, T. 1996. “The Archeology of Islam in Sub-Saharan Africa: A Review”, Journal of World Prehistory, Vol.10, No.4.

[19] Launay, Robert. 2004. Beyond The Stream. Long Grove, IL: Waveland Press.

Ghazal, Amal. 2010. "Sean Hanretta, Islam and Social Change in French West Africa: History of An Emancipatory Community, NY: Cambridge University Press, 2009. 328, 349.

[21] Levy, Anita. 2016. Other Women. [Place of publication not identified]: Princeton University Press, 54.

[22] Macfie, A. Lyon. 2016. Orientalism, Routledge, 212.

[23] Harrison, 107, in: The Gale Group, Inc. New Dictionary of the History of Idea, 2005.

[24] Robinson, “France as a Muslim Power”, Op. Cit., 105.

[25] Ellis, G. W. 1911. “Islam as a Factor in West African Culture”, J. of Race Dev. Vol.2 (2), 107.

[26] Trimingham, Op. Cit., 2.

[27] Diouf, Mamadou. (ed). New Perspectives on Islam in Senegal, 1.

[28] Copans, Jean. 1980. Les Marabouts de l'arachide, Paris: L'Harmattan.

[29] Saul, Mahir. 2006. "Islam And West African Anthropology". Africa Today 53 (1): 3-33.

[30] Ibid. 6.

[31] Insoll, T. “The Archeology of Islam…”, Op. Cit., 439.

[32] UNESCO, Africa from the Sixteenth to the Eighteenth Century, 754.

[33] Garlake, Peter S. 1991. The Kingdoms of Africa. New York: Peter Bedrick.

[34] CJAS. “Les foyers de la savane septentrionale”, Canandian Journal of African Studies, Vol. 41, 120.

[35] Gilvert, Tonguem F. 2003. “Processus Politique, mutation sociale et renouveau Islamique au Cameroune” dans : L’Afrique des droits de l’homme, Paris: Karthala, 215.

[36] African Affairs Magazine, 74.

[37] Bangura, S. 2006. “African and Black Orientalism”, In: New Dictionary of the History of Ideas, 1678.

[38] Wilhelm Gr?b, Lars Charbonnier. 2014. The Impact of Religion on Social Cohesion, LIT Verlag Münster, 132.

[39] Wilks, Ivor. 1961. The Northern Factor in Ashanti History, University of Ghana.

[40] Levtzion, Muslims and Chiefs, Op. Cit.

[41] المراد بالمناطق الساحلية: المناطق المتاخمة للصَّحراء الكبرى في تمبكتو وجيني، وسائر المناطق التي مثّلت منطقة المدّ الإسلاميّ الأول ببلاد السودان الغربي.

[42] Dierk Lange. 2004. Ancient Kingdoms of West Africa, J.H.R?ll Verlag.

[43] Guy, Nicolas. 1978. “L’Enracinement ethnique de l’Islam au Sud du Sahara”, Cahiers d’Etudes Af., No.71, 347-377, (347).

[44] O’Brien, D. Cruise. 1967. “Towards an 'Islamic Policy' in French West Africa, The Journal of African History, Vol. 8, No. 2, 303-316 (314).

[45] Clozel, F. 1908. "Note sur l'etat social des indigenes et sur la situation presente de l'Islam au Soudan francais.

[46] Trimingham, J. Spencer. n.d. Islam In Ethiopia. New Haven, (Preface).

[47] Lewis, Joan Myrddin. 1980. Islam In Tropical Africa, (Introduction).

[48] Levtzion, N. & Fisher Humpphrey J. (ed). 1988. Rural and Urban Islam in West Africa, Boston: Lynne Rienner, 8.

[49] O. Brien, D. C., Op. Cit., 312.

[50] Harrison, Christopher. 1988. France and Islam in West Africa 1860-1960, Cambridge Unv. Press, 79.

[51] Marty Paul & Jules Salenc. 1941. Les Ecoles Maraboutiques du Senegal, Paris : Leroux, 5.

[52] Norman R. Bennett & Daniel McCall. 1971. Aspects of West African Islam, Boston: University of Boston, Vol.5, 188.

[53] Hunwick, J. O. 1964. “The Influence of Arabic in West Africa: A Preliminary Historical Survey”, Historical Society of Ghana, Vol. 7, 24-41, (26).

[54] Marty, P. 1917. Etudes sur l’Islam au Senegal II, Paris: Leroux, 287-288.

[55] Robinson, David, Op. Cit., 115.

[56] Sanneh, Lamin. “France and Islam in West Africa”, Op. Cit., 180.

[57] Lewis, Islam in Tropical Africa, Op. Cit.

[58] African Affairs Magazine, 74.

[59] Sanneh, Lamine. 1991. “Harrison C. “France and Islam in West Africa” Book Review, J. of Religion in Africa, XXI,2, 180.

[60] Islam in Tropical Africa, Op. Cit., (Introduction).

[61] Hawthorn E. Smith, 1988. “The Historical Impact of Islam and its Prospects in Africa: A Case Study Sudan and Nigeria”, Journal of Muslim Minority Affairs, Vol.9, (2), 311-330.