دور المنظّمات الإسلامية في مكافحة التنصير في إفريقيا

  • 11 -10 - 2012
  • تحرير المجلة


مدخل 

الحديث عن موضوع مكافحة التنصير في إفريقيا تختلط خيوطه بموضوع نشر الإسلام في إفريقيا، فكأن الموضوعين موضوع واحد تعدّدت أسماؤه، بل نرى أنه واحد لأسباب كثيرة.

فلولا تقصير أجيال الأمة في العصر الحديث في واجب الدعوة إلى الله، وفي تنفيذ قوله تعالى: ?كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ? [آل عمران : 110ٍ]؛ لَمَا وجد التنصير أرضاً يضع قدمه عليها في إفريقيا، أو في غيرها من بقاع الأرض، ومن العجيب أن الآية خُتمت بتوجيه أهل الكتاب إلى الإيمان بالله، فكان في هذا إشارة إلى اقتران الدعوة إلى الإيمان بالله بوصف حال أهل الكتاب.

فحديثنا إذن عن مكافحة التنصير هو حديثنا عن نشر الإسلام، وأفضل وسيلة لمكافحة التنصير هي نشر الإسلام، فلم يبق إلا أن نتحدّث عن كيفية هذا العمل بعد أن توصلنا إلى تحديد ماهيته.

وقبل الخوض في بيان دور المنظّمات الإسلامية فلا بد من تحديد الفئة المستهدفة بهذا المجهود وميدان الصراع من أجل مكافحة التنصير، وطبيعي أننا لا نتكلم عن مكافحة التنصير في بلاد إسلامية يحكمها المسلمون، وتسود فيها الثقافة الإسلامية، مهما كان تمسّك المجتمع بها قليلاً، فهذه يُعد التنصير فيها فكراً وافداً لا تتخصّص فيه منظّمات، إنما يقوم بواجب دفعه ومكافحته عامة الدعاة والعلماء.

إذن فنحن نتكلم عن مناطق تسودها عقائد غير سماوية، ولا معنى لحماية هذه المجتمعات من التنصير ثم تركها على ما هي عليه من أديان، فالكفر ملّة واحدة، وهذا يعود بنا إلى ما قرّرناه سابقاً من أن مكافحة التنصير تكون بنشر الإسلام.

أما المناطق التي تسكنها غالبية مسلمة مضطهدة وتحكمها أقليات غير مسلمة؛ فهذه لها وضع خاص، ولا يتم التعامل معها كما يتم التعامل مع الفئة السابقة.

بين الماضي والحاضر وبين الدعوة والتنصير:

لم تقصّر الأمة الإسلامية عبر تاريخها في سدّ ثغرة دعوة غير المسلمين في قارة إفريقيا إلا في القرون الأخيرة، وبخاصة العصر الحديث، بدءاً من فترة الاستعمار فما يليها.

والمتتبّع لتاريخ الدعوة الإسلامية في قارة إفريقيا يجد أن الأسلوب المتّبع والناجح - بشهادة الواقع - يعتمد على تهيئة مجموعات دعوية (كوادر) من أبناء المناطق المستهدفة؛ لتتولّى هذه الكوادر الدعوية مهمّة الدعوة وسط أبناء قومهم، أو عن طريق نزوح العلماء وطلاب العلم والدعاة الوافدين إلى المناطق المستهدفة وإقامتهم فيها، وتداخلهم مع أهلها بما قد يصل إلى درجة الزواج من أبناء تلك المناطق، ولا تزال قبور هؤلاء الدعاة والعلماء الوافدين السابقين شاهدة على ذلك.

وهذه الركيزة التي اعتمد عليها أسلافنا الكرام مستقاة من نصوص القرآن الكريم؛ إذ يقول تعالى: ?وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ? [إبراهيم : 4]، فإن كانت هذه الصفة متوفّرة فيمَن يبعثهم الله من الأنبياء فتوفّرها فيمَن يسيرون على خطاهم هو من باب أولى.

كما أن المتتبّع لواقع الدعوة الإسلامية في قارة إفريقيا؛ يجد أن العمل الخيري له دوره المهم والناجح في مكافحة التنصير، وتثبيت المسلمين على دينهم، ونشر الإسلام في غيرهم، ودعم جهود الدعاة، وقد قامت عدد من المؤسّسات الإسلامية بالمساهمة في القيام بهذا الدور المهم.  

ومن المؤسسات التي تمثّل نموذجاً مشرقاً للعمل الدعوي والخيري في القارة:

1 - مؤسسة الحرمين: التي أسلمت قرى كاملة نتيجة لفضل الله على هذه المؤسّسة ومباركته لجهود العاملين فيها، وشكّلت هذه المؤسّسة خطراً كبيراً على مؤسّسات التنصير، أدى لاتهامها برعاية الإرهاب - بزعمهم -، وتم إيقافها وإخراجها من ميدان الصراع!

2 - منظّمة العون الإفريقي: تحت إشراف الدكتور عبد الرحمن السميط، ولا تزال هذه المنظّمة عاملة في هذا المجال دون كُلول.

غير أن نجاح هذه المنظّمات ملاحظ إذا ما نظرنا في وجود مردود واقعي لما يُبذل من مجهود دون أن نقارنه بمعدّل النّجاح الذي حقّقه دعاة المسلمين في الماضي، أما إذا قارنّاه بها فإن تقييم النّجاح سيكون أقلّ كثيراً من ناحية الكمّ والكيف.

ويكفي تتبّع أسماء العلماء الذين أثروا الفكر الإسلامي بمؤلفاتهم من أبناء القارة الإفريقية، خصوصاً في علماء المذهب المالكي، وفي المقابل لا نكاد نجد عالماً واحداً له وزن في هذه المناطق، كان إسلامه نتيجة لمجهود المؤسّسات والمنظّمات المعاصرة.

فهل تخلّى الدعاة عن المنهج القديم لثبوت إخفاقه! أو لأن مقتضيات العصر ألزمتهم بترك ذلك المنهج؟!

والغريب أن جيوش المنصِّرين التي غزت القارة الإفريقية استخدمت أسلوب دعاة المسلمين القديم نفسه، والذي أثبت نجاحه بعد أن دعموه بالأعمال الخيرية، فأعمال التنصير تعتمد على جهود المنصِّرين الذين يتركون بلادهم وتنقطع صلتهم بها، ثم تكون إقامتهم بإحدى الدول الإفريقية، ومن النماذج الدالة على هذا نموذج «دانيال كمبوني» وغيره من ألوف الرهبان والراهبات المنتشرين في رحاب القارة،  ثم يأتي الجيل الثاني، وهو من أبناء المناطق المستهدفة، مستخدمين الموارد المادية القادمة من خارج بلادهم.

أما العمل الدعوي الإسلامي - كما أسلفنا - فإنه يكاد يخلو من الدعاة المؤهلين من أبناء البلاد المستهدفة، فالدعاة الوافدون هناك يأتون من الخارج لفترات محدودة ثم يرحلون، وغالب الدعاة الموجودين من أبناء المناطق الإفريقية المستهدفة هم دعاة ينتظرون من غيرهم القيام بواجبهم!

خطة دعوة مبدئية مقترحة:

بين أيديكم خطة مقترحة لسدّ هذه الثغرة، تم استمدادها من تاريخ المؤسّسات الدعوية وواقعها، وكذلك التنصيرية في قارة إفريقيا.

 تتكون هذه الخطة المقترحة من خمس مراحل:

المرحلة الأولى: المؤتمر التنسيقي:

يُدعى لهذا المؤتمر جميع الأفراد والمؤسّسات الإسلامية المهتمّة والعاملة في هذا المجال، بغرض تعرّف كلّ مَن يمكن أن يشارك ويفيد بأي صورة ممكنة، حتى في مجال المشورة والدعاء.

المرحلة الثانية: الهيئة العاملة:

ويتم اختيارها من حضور المؤتمر، ومن الأسماء المرشّحة من قبلهم، ومهمّة هذه الهيئة وضع الخطة والإشراف على تنفيذها، ومراقبة هذا التنفيذ، والتعديل في خطة العمل وفقاً لمقتضيات الواقع ومتغيراته.

المرحلة الثالثة: خطة العمل:

ويتم وضعها من قبل الهيئة العاملة مع مراعاة أمرين:

الأول: تجزئة العمل وفقاً للتخصّص: فتتولّى بعض المؤسسات الدعم المادي للخطة، وبعضها الآخر يتولّى مثلاً طباعة الكتب، وبعضها آخر يتولّى العمل عبر شبكة الإنترنت، وهكذا، فتقوم كلّ جهة بالعمل المخصّص لها والمتخصّصة فيه دون أن تتدخّل في التخصصات والجوانب الأخرى.

ويمكن كذلك الاستفادة من جهود الأفراد غير المصنّفين ضمن مؤسّسات معيّنة، فمما يشجّع الكتّاب مثلاً على الإنتاج أن يعلموا أن دورهم ينتهي بكتابة الكتب والمقالات، أما طباعتها فستقوم بها الجهات المتخصّصة في ذلك، وكذلك النشر تتولاه جهات أخرى.

وتقوم الهيئة العاملة بتنسيق هذه الجهود فيما بينها لتتكوّن على أيديها الصورة المكتملة والمتكاملة لهذا العمل.

ومما ينبغي للهيئة مراعاته في هذه الخطة الاستفادة من وسائل الاتصال الحديثة، كمواقع الإنترنت والبريد الإلكتروني، والوسائل الإعلامية كالأفلام الوثائقية والبرامج عبر القنوات الفضائية.

الثاني: إعداد دعاة من أبناء إفريقيا: وكذلك ينبغي للقائمين على هذا العمل الاهتمام باختيار المجموعات الدعوية (الكوادر) الصالحة من أبناء المناطق الإفريقية المستهدفة، وإعدادهم وتربيتهم من ناحية نفسية وعلمية ليتأهلوا للدور الذي سيقومون به، كدراسة علم مقارنة الأديان بصورة متعمّقة، والتدرّب على ردّ الشبهات حول الإسلام، ونقد الفلسفات المعاصرة، وطرح وجهة النظر الإسلامية في القضايا المعاصرة بصورة مقنعة.

المرحلة الرابعة: الإشراف والرقابة:

وتقوم به الهيئة العاملة بعد وضع الخطة التفصيلية، حيث تكون هذه الهيئة هي المسؤولة أمام المعنيين، وهي الجهة التي تدير جهود العاملين في هذا المشروع وتنسّق بينها.

المرحلة الخامسة: المؤتمر التقويمي:

والغرض من هذ المؤتمر تقويم العمل في المرحلة الأولى، ووضع خطة المرحلة الثانية وفقاً لمخرجات المرحلة الأولى، والتعديل في الهيئة العاملة بما يفيد مصلحة العمل.