دور المنصّرين وأهدافهم في محو الآثار العربية عن اللغة السواحلية

  • 3 -7 - 2015
  • مبورالي كامي

 

د. مبورالي  كامي 

مقدمة:

أثرت اللغة العربية في كثيرٍ من اللغات الإفريقية والآسيوية، ومن بين اللغات الإفريقية التي تأثرت باللغة العربية اللغة السواحلية، حيث قدّر الباحثون أنّ اللغة السواحلية تحمل ما يقارب 25% من مفردات اللغة العربية، حسب ما يرى مصطفي الحلوجي في قاموسه (عربي سواحلي، سواحلي عربي)[1]، ولكن هذا الرأي يختلف عمّا ذهب إليه فضيلة أحمد شيخ نبهان المستشار والعالم في معهد البحوث للغة السواحلية في شرق إفريقيا Research Institute of Swahili Studies of East Africa، حيث يرى أنّ تأثير اللغة العربية في السواحلية قد يفوق 45% في مفرداتها[2].

بعض المنصّرين رأى أنّ اللغة السواحلية ممتلئة بمصطلحات عربية إسلامية، وأنّ هذا أكبر عائقٍ لنشر الدين المسيحي في شرق إفريقيا

ولم نعرف تأثّر اللغة السواحلية باللغة العربية إلا من خلال الرحلات العربية التي توافدت على شرق إفريقيا، كرحلة المسعودي، فقد هاجر إلى هذا المكان في القرن العاشر (902م)، والإدريسي في القرن الثاني عشر الميلادي (1100 - 1166م)، وابن بطوطة في القرن الرابع عشر (1229م)، ولم يكن سبب مجيء العرب لتلك المنطقة هو احتلال المدن كما يزعم الغربيون، بل وصلوا إلى هذه الأماكن من خلال الهجرة أو للبحث عن التجارة، وبسبب سلوكهم الحميد اقترب إليهم السكان الأصليون وبدؤوا يعتنقون الإسلام، وبدأ العرب يتعلمون السواحلية ويكتبونها بالحرف العربي.

ولم ينتشر استخدام الحروف العربية في تدوين اللغة السواحلية إلا بعد قرون من هجرة العرب والفرس التي تمّت في عهد هارون الرشيد، وكان أقدم أثر معماري بالحرف العربي تمّ العثور عليه في القرن الثاني عشر الميلادي، وهو عبارة عن محراب ومسجد في جزيرة زنجبار.

وقد ذكر كثيرٌ من الكتّاب أنّ مدينة زنجبار كانت العاصمة السياسية للإسلام والثقافة العربية، فأصبحت اللغة العربية تُستخدم في شؤون الإدارة والتعليم، وأصبحت اللغة الرسمية للدولة، وكانت اللغة السواحلية تمثّل اللغة العربية في كثيرٍ من الأوقات، وذلك في مدة 30 عاماً من تولّي العمانيين لمدينة تنجاييقا Tanganyika ، ولكن بعد الحرب العالمية الأولى، وحصول بريطانيا عليها من الألمان، جعلت الإنجليزية لغة أولى على حساب اللغة العربية واللغة السواحلية المكتوبة بالخط العربي[3].

بداية التأسيس لحركة  التنصير الكنسي:

يمكن القول بأنّ حركة التنصير[4] الكنسي وليدة أطماع استعمارية صليبية، وقد وضع أُسسها الملك لويس التاسع حينما كان في سجن المنصورة، فكتب داعياً إلى تحويل الحملات العسكرية الصليبية إلى حملات صليبية سلمية تستهدف الغرض نفسه، لا فرق بين النوعين إلا من حيث نوع السلاح المستخدم في المعركة... تجنيد المنصّرين الغربيين في هذه المعركة السلمية لمحاربة تعاليم الإسلام ووقف انتشاره، ثم القضاء عليه معنويّاً، واعتبار هؤلاء المنصّرين في تلك المعارك جنوداً للغرب.

وقد استجاب المنصِّرون لهذه الحرب الصليبية الجديدة، يقول القس مييز: «إنّ الحرب الصليبية الهادئة التي بدأها المنصِّرون في القرن السابع عشر لا تزال مستمرة إلى أيامنا هذه»[5].

ومن المعروف تاريخيّاً أنّ المكان الذي تمسّه يد التنصير والاستعمار تبقى منه الآثار السيئة مدى الحياة، فعندما نمعن النظر في التاريخ نرى مكائد هؤلاء الطغاة الخبيثة من أجل محو أي أثر إسلامي في المدن العربية، وغيرها من المدن التي دخلها الدين الإسلامي، ومنها اللغة العربية.

العلاقة بين التنصير والاستعمار:

لا شك أنّ التنصير والاستعمار وجهان لعملة واحدة، فالمنصِّرون هم الواجهة الدينية للمستعمر، والاستعمار هو الحقيقة الاقتصادية والسياسية للمنصِّرين، وهذا الأمر يتضح عند دراسة العلاقة الحميمة بين الحركتين اللتين تزامنتا طوال التاريخ المسيحي، بل إنّ الحروب الصليبية التي شُنّت على العالم الإسلامي عبر قرون طويلة هي حلقة من سلسلة الترابط والوحدة بين التنصير والاستعمار، فلقد قام ملوك أوروبا بتلك الحروب بمباركة الكنيسة، ولبّى الأوروبيون نداء الملوك لهذه الحروب طمعاً في الملكوت الذي وعدهم به باباوات الكنيسة.

كان المنصِّرون الذين يفدون إلى البلاد الإسلامية يأتون أول الأمر متسترين بأسماء مختلفة، فإذا استقروا في البلاد قاموا بالتنصير بقدر وسعهم، فإذا وجدوا من الدول الإسلامية ملاحقة لجؤوا إلى قناصلهم لحمايتهم، وكلما ضعفت الدول الإسلامية زادت الدول الأوروبية في دعم المنصِّرين داخل البلاد الإسلامية وحمايتهم وتأييدهم.

ومما يدل على أنّ التنصير كان تمهيداً للاستعمار ومقدمةً له ما جاء في خطاب القسيس (زويمر)، الذي ألقاه في مؤتمر القدس التنصيري، إذ قال فيه للمؤتمرين: «وبذلك تكونون أنتم بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية»، ويقول المنصّر (لورنس بدوان) أحد أقطاب المنصّرين في العالم: «ولكن الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام، وفي قوته على التوسع والإخفاء، إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوروبي»، وتقول مجلة العالم الإسلامي الإنجليزية: (إنّ شيئاً من الخوف يجب أن يسيطر على العالم الغربي، ولهذا الخوف أسبابه: منها أنّ العالم الإسلامي منذ أن ظهر في مكّة لم يضعف عدديّاً، بل كان في ازدياد واتساع دوماً، ثم إنّ الإسلام ليس ديناً فحسب، بل من أركانه الجهاد، ولم يحدث قط أنّ شعباً دخل في الإسلام ثم عاد نصرانيّاً)، وفي المؤتمر الذي أقامه المنصِّرون، على ظهر الباخرة (جالف) في البحر الأحمر، صاح حاكم إفريقيا الشرقية بأنه: «يجب على الحكومات أن يشتركوا في العمل ضدّ الإسلام»[6].

وصول المنصّرين إلى شرق إفريقيا:

على ضوء دور بريطانيا في تنشيط التنصير الكنسي كانت إرساليات جماعة أو جمعية منصّري الكنيسة، المعروفة باسم (C.M.C Church Mission Society)، والتابعة لكنيسة إنجلترا، ومقرّها الرئيس في لندن، هي أول إرسالية توجد في المنطقة عام 1844م، حيث صرّحت الكنيسة للقسّ جون كرابف John Krapf، وهو ألماني الجنسية، بالتوجه إلى ممباسا، وبخاصة منطقة راباى Rabai)) التي تقع جنوب غرب ممباسا، فاتخذها قاعدة للقيام بالتنصير بين قبائل الوانييكا (Wanyika)[7]، وكان كرابف حاذقاً، فبدأ يتعلم السواحلية من السواحليين الذين كانوا جميعاً لا يستخدمون إلا الحرف العربيّ في كتابتهم، ولهذا تلقى القسّ المذكور من السواحليين أصوات كلّ حرف في كلّ كلمة، وكتبها بالحروف اللاتينية، حتى أتقن اللغة السواحلية، وأتقن كتابتها بالحروف اللاتينية إلى حدٍّ ما.

وبعد سنة واحدة ترجم الإنجيل إلى السواحلية، ولذلك أرسل في عام 1845م إلى سكرتير إرساليةCMC  قائمة كبيرة بمفردات اللغة السواحلية في شكل قاموس أوّلي، ومختصر لقواعد اللغة السواحلية، وترجمة لإنجيل لوقا وإنجيل يوحنا بمساعدة قساوسة آخرين، وكان من بين أولئك القساوسة الذين أُرسلوا في عام 1846م القسّ ربمان (J.Rebman)، فلحق بكرابف، وبعد عام أُرسل إيرهارت (Earhart) ليلحق بسابقيه، وبعد فترة عاد كرابف إلى أوروبا ليضع قاموساً سواحليّاً إنجليزيّاً بعنوان: (قاموس اللغة السواحليةA Dictionary of Swahili Language ) في لندن[8].

وحضر إلى كينيا يوحنا ربمان عام 1846م، وأنشأ هو وكرابف مركزاً في راباي (Rabai) على بعد 18 ميلاً من ممباسا إلى الداخل، وكان المنهج المتبع لديهما يشمل: التنصير، والمسح اللغوي، والتوسّع في المعرفة الجغرافية[9]، فقاما برحلات استكشافية، حتى اكتشف ربمان جبل كليمنجارو (أعلى جبل في إفريقيا) عام 1848م.

وبعد عامٍ حضرت الإرسالية النظامية الاتحادية (الميثودست) إلى كينيا، وأنشأت مركزاً في ريبي ((Ribe[10]، كما أنشأت جمعية التنصير الكنسي معسكراً للعبيد المحررين عام 1875م في (كساؤني) واسمه (فرير تاون)، وقد ضمّ المعسكر نحو 150 عبداً محرراً، تمّ نقلهم إلى (بومباي)، بالإضافة إلى الرقيق الذين اصطادتهم السفن الملكية البريطانية ودفعتهم إلى محاضن الإرسالية، وفي عام 1875م جرى التنصير في وسط الأرقاء المحررين، وفي العام نفسه تنصّر رجل من قبيلة جيرياما[11]. 

بداية المكائد ضدّ اللغة السواحلية:

كانت اللغة السواحلية بحروفها العربية هي اللغة الأمّ لمسلمي شرق إفريقيا، حتى جاء الأوروبيون، وعلى رأسهم الإنجليز، وأعلنوا حمايتهم على شرق إفريقيا ليحتلوها ويستعمروها، فبدأت المكائد، حيث كان لهم مع اللغة السواحلية وأدبها موقفان متباينان في كلّ أنحاء شرق إفريقيا:

كانت اللغة السواحلية بحروفها العربية هي اللغة الأمّ لمسلمي شرق إفريقيا، حتى جاء الأوروبيون، وعلى رأسهم الإنجليز، وأعلنوا حمايتهم على شرق إفريقيا ليحتلوها، فبدأت المكائد

الموقف الأول: أنهم استخدموا السواحلية أول ما قدموا ودخلوا بمؤسساتهم المختلفة، واعتبروا أنفسهم محظوظين أنهم وجدوها منتشرة هذا الانتشار الواسع، لأنّ ذلك يسهّل لهم مهامهم في المنطقة، خصوصاً أنّ بعضهم جاء متعلّماً لها ومتحدّثاً بها، لكن سرعان ما توارى هذا الموقف في حدود عام 1900م أو بعده بقليل، ليحلّ محلّه الموقف الثاني.

الموقف الثاني: وهو على النقيض من الأول تماماً، حيث أصدروا الأوامر بمقاومة رسم السواحلية بالحرف العربي، واستعمال الحرف اللاتيني بدلاً منه، فقام ستيرSteer  ومَن سبقوه من رفقائه منذ اليوم الأول من وصولهم لشرق القارة في التخطيط لذلك.

ولم يصرّحوا بالسبب الحقيقي، ولم يذكروه علانية إلا في عام 1911م، في دورية العالم الإسلاميThe Muslim World  عندما كتبوا تحت عنوان: (الأبجدية العربية أم اللاتينية) ما ترجمته بالحرف الواحد أنه: (من أجل مواجهة تقدّم الإسلام في شرق إفريقيا، ويقال لنا إنّ هذه تحقق لطمة قاسية للإسلام، وذلك ليس في شرق إفريقيا وإنما في ألبانيا، حيث كانت مسألة الأبجدية العربية مثارة)، ولعل الهدف الحقيقي وراء ذلك هو إبعاد المسلمين عن الرسم العربي؛ لأنه رسم القرآن الذي هو دستور المسلمين[12].

منذ البداية؛ أنكر بعض المنصّرين تفسير الكتاب المقدس باللغة السواحلية؛ لخوفهم من أن تمتلئ اللغة السواحلية بالكلمات العربية، مما قد يُحدث تأثيراً سلبيّاً في الرسالة النصرانية، ولكن بعض المنصِّرين، وبخاصة الذين كانوا في صف ديفيد ليفنجستون David Livingstone، كانوا يعتقدون بأنّ الرجل الإفريقي لا يمكن التأثير فيه اعتقاديّاً إلا باستعمال لغاته الأولى، يعني لغاته الأصلية، وكان الكثير يؤمنون بأنّ الإسلام الموجود في اللغة السواحلية سيساعد في نشر النصرانية، والسبب في ذلك أنّ هذه الديانات جاءت من منبع واحد، وهو إبراهيم عليه السلام.

من جهة أخرى؛ لوحظ أنّ اللغات الإفريقية للذين يتبعون الديانات التقليدية ممتلئة بكلمات بعيدة عن العالم النصراني، وكثيرٌ من هؤلاء المنصّرين كانوا على خوف من استخدام لغات محلية في تفسير الكتاب المقدس، حيث كانوا يعتقدون أنّ استخدامها سيضلّل الرسالة الحقيقية، وخيرٌ مثال لذلك بارلوA.R Barlo  المنصّر من الكنيسة الاسكتلاندية، فقد أوضح أنه عندما كان يحاول تفسير الكتاب المقدس بلغة الكيكويو، إحدى لغات القبائل الكينيية، كان يجد صعوبات في تفسير بعض المصطلحات المسيحية، بسبب عدم وجود معانٍ موحّدة بين المصطلح المسيحي وهذه اللغة، وضرب هذا المنصّر المثال على كلمةSIN) ) باللغة الإنجليزية، حيث ادّعى أنه من الخطأ تفسير هذه الكلمة بلغة الكيكويو: (thahu)؛ لأنّ كلمةthahu  في لغة الكيكويو تعني: (الرجل الذي تجاوز الحدّ في أفعاله), ولكن هذا المعنى لا يعني أنه تجاوز الحدّ في حدود الله، ولكن هذه الكلمة SIN في اللغة السواحلية لها المفهوم نفسه الذي عليه الدين المسيحي، ويفسّر هذه الكلمة بأسهل أسلوب، وهي: (الذنب)[13].

لقد رأى كثيرٌ من هؤلاء المنصّرين أنّ أسهل لغة لتفسير الكتاب المقدس هي اللغة السواحلية، حيث كانوا يرون أنّها الجسر الذي يربط  بين المنصّر المسيحي الإنجليزي والإفريقي الذي لا ينتمي إلى أي دين.

من جهة ثالثة؛ كان المنصّرون الذين يؤمنون بوجود علاقة بين النصرانية والإسلام حريصين، في تفسيرهم للكتاب المقدس، على ألا يظهر أثرٌ إسلامي داخل ترجمتهم، وهذا يعني أنهم كانوا يفسرون الكتاب المقدس بالتنقيح الشديد في بعض المصطلحات المتعلقة بالإسلام.

وخيرٌ مثال على ذلك: الإنجيل المقدس Biblia Maandiko Matakatifu المعروف باسم: (Unionversion)[14]، فهذا الكتاب تُستخدم فيه عدة كلمات من اللغة السواحلية لها أصل إسلامي، فيما يتعلق بأسماء الأنبياء، وكذلك الأولياء من الكتاب المقدس القديم Agano la Kale ، مثل: سليمان، وموسى، ويوسف، وداود، وهارون، وتوراة، وإنجيل، وزبور، وهذه الكلمات السواحلية لها أصلٌ عربيٌّ إسلامي، ولكن المنصِّرين عرفوا بأنّ هناك اختلافاً في الاعتقاد بين النصرانية والإسلام في المسألة المتعلقة بعيسى- عليه السلام-، فالذين فسّروا مثل هذا الكتاب ابتعدوا عن استخدام مصطلح عيسى Issa لأنه مصطلح إسلامي، واستعملوا مصطلح يسوع Yessu Kristo))، وبهذا وضعوا حدّاً فاصلاً بين المسيح بالمعنى الذي يعتقده المسلم، وبين المسيح بالمعنى الذي يعتقده المسيحى، وبهذا الأسلوب استطاعوا أن يضعوا حدوداً في تمزيق وحدة اللغة السواحلية، فانشقت إلى نصفين: النصف الأول، تابع للديانة النصرانية، والنصف الثاني تابع للدين الإسلامي[15].

  وكان بعض المنصّرين المسيحيين المتشددين يرون أنّ اللغة السواحلية ممتلئة بمصطلحات عربية إسلامية، وأنّ هذا أكبر عائقٍ لنشر الدين المسيحي في شرق إفريقيا، وكان هناك آخرون يؤمنون بأنّ اللغة السواحلية يمكن تنقيحها من الكلمات العربية الإسلامية، حتى وجدنا أنهم يحاولون إثبات أنّ اللغة السواحلية ليس فيها أثرٌ إسلاميٌّ يُذكر، حيث اتبع هؤلاء المنصّرون طريقتين في تنفيذ خططهم:

الطريقة الأولي:

أنهم حاولوا تغيير الترجمة السواحلية لإنجيلهم الذي كان قد تمّت ترجمته، ليستبدلوا الكلمات ذات الأصل العربي فيها بأخرى غير عربية[16]، وساعدتهم في هذا الحكومة الألمانية، ومن هذا المنطلق أكد مينهوف MENHOF، أحد هؤلاء المنصِّرين، أنّ هذه الخطوات إذا تم تنفيذها لن تكون عائقة للمنصِّرين في تنفيذ أعمالهم التنصيرية، وإدخال الناس في المسيحية.

الطريقة الثانية:

تنقيح اللغة السواحلية من الكلمات العربية الإسلامية، والتي اقترحتها الكنيسة الألمانية اللوثرية، حيث وافق روهيل Roehl رأي مَن سبقوه، وقال بحقيقة الكلمات العربية الموجودة في اللغة السواحلية، وأنّ لها فكرة إسلامية، وأنّ هذه الأفكار تختلف عن الأفكار المسيحية، وركز في تغيير اللغة السواحلية على النحو الآتي:

- أن تكون اللغة السواحلية خالية من الكلمات العربية.

- أن تكون لهذه اللغة حظّاً في المجتمع.

- أن تكون كلمات هذه اللغة بانتوية؛ أي من لغة البانتو Bantu.

 وذكر روهيل: «هذا هو هدفنا؛ حتى نبعد اللغة العربية التي هي في أصلها لغة أجنبية في شرق إفريقيا، وأن نجعل مكانها اللغة السواحلية البانتوية»، وفي كلامه هناك شيءٌ يختفي وراء الستار، فلم تكن حقيقة حديثه أنّ اللغة العربية لغة أجنبية، وإنما الهدف الحقيقي هو كيفية إبعاد الإسلام عن هذه اللغة.

 وأصبحت تلك الأفكار تدقّ مسامع المنصِّرين؛ مما أدى إلى عقد اجتماع في ألمانيا لمناقشة القضية، ولقد اجتمعت أربع كنائس في سنة 1914م، وأقروا وجود التفسير الجديد للكتاب المقدس الذي يمكن استخدامه في جميع مدن شرق إفريقيا، وكان الهدف الحقيقي لهذا التفسير، حسب ما أشار روهيل، هو الوصول إلى اللغة السواحلية الخالية من الكلمات العربية الإسلامية، لتبقى هذه اللغة بانتوية بحتة، حيث زعموا أنّ الكلمات العربية لا يفهمها كثيرٌ من الناس الذين يعيشون في الساحل، ولا الذين يسكنون في المناطق البرية لشرق إفريقيا[17].

بهذه المؤامرة الخبيثة؛ ظهرت في النهاية اللغة السواحلية المنقحة، أي التي ليس فيها كلمات من اللغة العربية، والطريقة التي استُخدمت للوصول إلى هدفهم من تنقيحها هي طريقة الترجمة، وفي هذا الإطار تُرجمت كثيرٌ من الكتب من اللغة الإنجليزية إلى اللغة السواحلية، مثل كتاب:(Kisiwa chenye Hazina)  جزيرة الخزائن (Treasure island) للكاتب ستيفنسون R.L STEVENSON، وأدت مثل هذه الكتب إلى تقوية اللغة السواحلية من الكلمات البانتوية وتخفيف الكلمات العربية، حيث بدأ هؤلاء المنصِّرون في نشر مثل هذه الكتب في المدارس الاستعمارية، ونشّط هؤلاء الأعداء حركات الترجمة بهدف إبعاد أي كلمة عربية من هذه اللغة.  

جهود علماء الساحل في نصرة بقاء اللغة السواحلية بمفرداتها العربية:

قوبل موقف هؤلاء المنصِّرين والمستعمرين من اللغة العربية الموجودة في اللغة السواحلية باستنكارٍ عنيفٍ من العلماء السواحليين، من أمثلة هؤلاء:

1 - الشيخ الأمين بن علي المزروعي: كان أكبر معارض لفكرة تنقيح السواحلية من الكلمات العربية، وكتب عن ذلك في سنة 1932م في جريدته المعروفة باسم: (الإصلاح)، وهي جريدة أصدرها باللغتين السواحلية والعربية، حيث قال: «من الخطأ استخدام هذه اللغة التي خربها المنصِّرون المستعمرون»، وكان يؤكد أن ّ«اللغة السواحلية»، لغة أهل الساحل، لا تكون صافية، أي منقحة، إلا باختلاطها باللغة العربية.

وكان اهتمام الشيخ ينصبّ على فتح مدارس إسلامية خاصة، وأنّ المسلمين أينما كانوا إنما هم جزء من الأمّة الإسلامية، والمسلمون في كينيا إحدى جماعات هذه الأمّة، وأنّ الفهم الصحيح للمصدرين التشريعيين للإسلام، وهما القرآن والسنّة، لا يتأتى الوعي الصحيح به إلا بتعلّم اللغة العربية، الأمر الذي جعله يفتي بوجوب تعلّم اللغة العربية على كلّ مسلم ومسلمة[18]، وفتواه هذه جاءت في إحدى مقالاته تحت عنوان: (اللغة العربية والإسلام Lugha ya Kiarabu na Uislamu).

ولقد حققت الجريدة، إبان ظهورها على يد الشيخ، نجاحاً في دعوتها، وأظهرت مدى استعداد السواحليين الكبير لقبول دعوة الإصلاح الديني والاجتماعي والثقافي التي تقوم بها، ولمّا تأكدت سلطات الاحتلال الإنجليزي أنّ الجريدة تحقّق أهدافها في إيقاظ الوعي الديني والسياسي لدى السواحليين؛ قامت بإبعاد الشيخ الأمين عن مجال الكتابة والصحافة إلى مجال القضاء، فعيّنته في منصب  قاضي ممباسا، وضغطت عليه عن طريق شخصيات يحترمها بأن يقبل المنصب.

هناك جهدٌ مشكور تبذله المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم ISESCO  في إرجاع الخط العربي للغة السواحلية؛ عن طريق الدورات التدريبية

وفي عام 1937م تقلّد الشيخ الأمين منصب رئيس القضاء الشرعي في كينيا، وسرعان ما تدهورت الجريدة بعد أن تركها الشيخ، وتوقفت عن الصدور، وكان هذا هو ما خطّطت له الإدارة الإنجليزية للجريدة.

بعد ذلك تبنّى طلاب الشيخ الأمين بن علي المزروعي أفكاره المعارضة لمخططات الاستعمار، وبخاصة الطالب محمد قاسم المزروعي، فقد كان ينشر بين الناس أنّ اللغة التي خربها المستعمرون والمنصِّرون لا يمكن أن تتماشي مع الثقافة الإسلامية[19].

2 - الشيخ علي محسن برواني: كان وزير التعليم في حكومة زنجبار Zanzibar قبل الاستقلال، قال في مقدمة تفسيره: «لم أستخدم اللغة السواحلية المنقحة من الكلمات العربية، ولكن استخدمت اللغة التي ورثتها من أجدادي، السواحلية الجيدة التي لم تفسدها المدارس التنصيرية»[20].

3 - الشيخ الأستاذ الفاضل محمد شريف سعيد البيض: وهو من العلماء المعاصرين الذين يقومون بالدفاع عن كرامة هذه اللغة، وقد أجريت مقابلة معه، فقال: «هذه اللغة يعني السواحلية لقيت حرباً من المنصّرين والمستعمرين بسبب قطع علاقة الرجل الساحلي مع العرب»، وأضاف الشيخ: «أنّ كتابة اللغة السواحلية بالخطّ العربي لا يقتصر على ساحل كينيا وتنزانيا، بل تمتد هذه الكتابة إلى الصومال، خاصة مدينة كسمايو Kismayu والقرى المجاورة لها»، ولما سُئل الشيخ عن الجهود التي يبذلونها في إنقاذ هذه اللغة من ضياع مفرداتها العربية؛ قال إنهم يسعون لهذا الغرض، ولكن هناك نقصٌ في وسائل طباعة مثل هذه الكتب المكتوبة بالخط العربي، وأضاف أنّ المطابع الموجودة تطبع هذه الكتب ولكن توزعها بثمنٍ غال، حيث يصعب على الناس شراءها؛ مما يضطرون بسببه في كثيرٍ من الأحيان إلى الكتابة بخطّ اليد، وهذا من أصعب الأمور في هذا الزمن الذي تكثر فيه الآلات الكاتبة[21].

مستقبل اللغة العربية في شرق إفريقيا:

لا يخفى على أي عالم بأنّ اللغة العربية أصبحت لغة الدين والحضارة منذ زمن بعيد، ومضت هذه اللغة مع الإسلام منذ أن بعث الله- تعالى- سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم، وصارت لغة الدولة ووعاء الثقافة في كلّ العالم الإسلامي وغيره، واستقرت إلى الأبد في معظم الأقاليم التي بلغها الإسلام، وحين استردت بعض اللغات قوتها، كالفارسية مثلاً، ظلت العربية إلى جوارها لغة الدين والمباحث الإسلامية، ولهذه اللغة قيمتها الاجتماعية، ليس لأنها لغة الدين فحسب، ولكن لأنها أيضاً لقيت اعترافاً وقبولاً في معظم بقاع العالم.

 وقد ساعدت الدعوة الإسلامية على انتشار اللغة العربية في بلاد السودان الوسطى والغربية، كما في غيرها من المناطق، وسار الإسلام واللغة العربية جنباً إلى جنب مع الجهاد في سبيل نشر الدين وتوسيع رقعة البلاد الإسلامية، فضلاً عن تنشيط الحركة التجارية، وقد قدّر المسلمون، في مدن شرق إفريقيا وغربها، اللغة العربية تقديراً يقرب إلى التقديس، لأنها لغة القرآن، وبها يؤدون صلاتهم ويتلون قرآنهم، وبها يقرؤون علوم الدين منذ قرون طويلة، والقلم العربي هو القلم المعروف في إفريقيا دون غيره[22].

لقد ارتبط دخول اللغة العربية في شرق إفريقيا بمجيء العرب الذين وفدوا من عمان واليمن، وغيرها من المدن العربية الكبرى، وكان مجيء العرب فرصة لأن تلتقي هاتان اللغتان، وقويت هذه العلاقة لمّا نشطت الحركات التجارية بين المجموعتين العربية والسواحلية، حيث يمكن القول بأنّ الرجل الساحلي أحب أن يعيش مع العرب بسبب تشابه الخُلُق، فساعد هذا التشابه الخُلُقي في إيجاد علاقة قوية؛ جعلت اللغة السواحلية تأخذ مفرداتها الأكثر من اللغة العربية.

أولاً: اللغة العربية في دولة كينيا:

اعترفت الحكومة الكينية باللغة العربية وأدخلتها في مناهجها التعليمة منذ سنة 1982م، ليس في المؤسسات الأهلية الإسلامية فحسب، بل أيضاً في المؤسسات الحكومية، وكذلك سعت الحكومة إلى توظيف المدرسين لهذه اللغة، ووفقت كثيرٌ من المدارس التي تدرس هذه اللغة أوضاع أساتذتها الذين تخرجوا من الجامعات العربية، وبخاصة جامعة إفريقيا العالمية.

كذلك أسست الحكومة الكينية المعهد الكيني للتربية Kenya Institute of Education (KIE)، وذلك بهدف الإشراف على مناهج التعليم وتجهيزها، ثم نشرها في المدارس الثانوية التابعة لها.

ولمّا تم الاعتراف باللغة العربية؛ جعلت الحكومة الكينية مادة اللغة العربية ضمن المواد التي تدخل في هذا المعهد من أجل إيجاد المناهج التي تناسب الطلاب الكينيين، وبتوفيق من الله وظّفت الحكومة الكينية في هذا المعهد مسؤولاً عن هذه اللغة من أحد خريجي معهد الخرطوم الدولي.

وسعت هذه المؤسسة إلى إتاحة الفرص للخبراء في اللغة العربية لوضع مناهج التعليم المناسبة للمرحلة الثانوية، وتمّ الآن إخراج الكتب الأربعة لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها من الفصل الأول إلى الفصل الرابع الثانوي.

وتُدرس مادة اللغة العربية الآن في كثيرٍ من المدارس الحكومية من الساحل التي يتمركز فيه المسلمون حتى المناطق الداخلية التي يتمركز فيها غير المسلمين، وغالب الأساتذة من المسلمين، كما دخلت هذه المادة في مواد الامتحان العام الذي يمتحنه الطلاب بعد إكمالهم المرحلة الثانوية.

وفيما يتعلق بالجامعات الكينية؛ يمكن القول بأنّ اللغة العربية لقيت إقبالاً شديداً من الطلاب، فبعد الاعتراف الحكوميّ اعترفت الجامعات الكينية بتدريس هذه المادة، ووضعتها في مناهجها، ففي جامعة نيروبيNairobi University  تدرس هذه المادة في مستوى البكالوريوس ومستوى الماجستير، حيث يتخصّص الطلاب في اللغة العربية من المرحلة الأولى من التحاقهم بالجامعة، وحتى درجة الماجستير، ويمنح القسم شهادة تعليم اللغة العربية للمدرسين، ويقوم بالتدريس في هذه المراحل أساتذة من كينيا، وكذلك أساتذة من مصر.

أما باقي الجامعات، مثل جامعة موي التي تتمركز خارج نيروبي في مدينة إلدوريت، فتدرس مادة اللغة العربية في مستوى البكالوريوس، حيث وضعت مناهجها التعليمية بواسطة مجموعة من الخبراء الذين تخرجوا من معهد الخرطوم الدولي، وفي الحقيقة تم إجازة منهج البكالوريوس من المجلس العلمي بالجامعة، إلا أنّ الأكثرية من  الطلاب يأخذون هذه المادة كمادة اختيارية، وفي جامعة الساحلPwani University  يتوقّع قريباً أن يبدأ تدريس هذه اللغة من مستوى الدبلوم إلى مستوى البكالوريوس، حيث رُفع هذا المنهج إلى المسؤولين من مجلس الجامعة.

وكثرت في الوقت الراهن المدارس الأهلية والكليات الإسلامية التي تدرّس باللغة العربية، حيث يوجد في معظم مدن كينيا مدارس مرحلة الأساس والمرحلة المتوسطة، أما المرحلة الثانوية فيوجد نحو عشرين مدرسة, كما يوجد الآن ثلاث جامعات، منها جامعة الأمّة التي تعمل بالمنهج نفسه المعمول به في جامعة إفريقيا العالمية وجامعة الأندلس وجامعة المستقبل، وأُنشئت كلية الدراسات الإسلامية نتيجة للتطوير الذي تمّ عمله للمرحلة الثانوية بمعهد كيساؤني الإسلامي.

والدراسة في هذه الكلية، وفي هذه الجامعات، باللغة العربية، وبرغم أنّ التخصّص الذى يتخصّص فيه الطلاب هو الشريعة والدراسات الإسلامية، فإنّ هذه الجامعات وضعت قسماً تمهيديّاً لتعليم اللغة العربية لمن أراد الالتحاق بالجامعة وهو لا يعرف اللغة العربية، ومدة الدراسة به سنة.

ثانياً: اللغة العربية في تنزانيا:

هناك نشاطٌ ملموسٌ لتدريس اللغة العربية في المدارس الأهلية، وغيرها من المدارس التي تمّ الاعتراف بها من قِبل الحكومة، فمثلاً في جامعة زنجبار الإسلامية يدرس الطلاب مواد الشريعة الإسلامية باللغة العربية، حيث لا يلتحق الطالب بهذه الجامعة إلا ولديه خلفية باللغة العربية، وتتبع هذه الجامعة منهج جامعة إفريقيا العالمية.

وهناك مدارس أهلية تقوم بتدريس الطلبة هذه اللغة منذ التحاقهم بالمدرسة، حيث أصبح شرطاً أساسيّاً أنه عندما يلتحق الطالب بمدرسة ابتدائية في الفصل الثالث يبدأ بتعلّم اللغة العربية، وقد أُدخل هذا المنهج كذلك في المدارس الثانوية؛ برغم أنّ الأمر في البداية اعترضته مشكلة عدم وجود مدرسين للعربية في المرحلة الثانوية.

كما أنّ هناك معهداً للغة السواحلية واللغات الإفريقية الأخرىInstitute of Kiswahili and Foreign Languages (IKFL) ، هذا المعهد يعطي الفرصة في تدريب معلّمي اللغة العربية في جامعة زنجبار (SUZA)، وهذه المادة إجبارية في جامعة زنجبار، بينما هي اختيارية في معهد اللغة السواحلية واللغات الإفريقية الأخرى[23].   

ثالثاً: اللغة العربية في أوغندا:

في يوغندا تمّ بعون الله تأسيس جامعة إسلامية تابعة لمؤتمر العالم الإسلامي، وقد خصّصت قسماً خاصّاً لمستوى البكالوريوس ومستوى الماجستير في تعليم المواد الشرعية، واللغة المستخدمة في التدريس هي اللغة العربية، وهناك مدارس أهلية كثيرة تقوم بتدريس الطلبة باللغة العربية، وغالبية الأساتذة الذين يقومون بالتدريس من خريجي الجامعات العربية.

مستقبل اللغة السواحلية في شرق إفريقيا:

الذي يطّلع على الأخبار المحلية هنا في شرق إفريقيا؛ يلاحظ أنّ اللغة السواحلية تسير نحو العودة إلى أصلها العربي في مستقبل الأيام، ومن أسباب ذلك- مثلاً- استخدام كثيرٍ من المذيعين الساحليين مصطلحات عربية في نشرات الأخبار، ومن ذلك- على سبيل المثال- كلمة SMS التي تقابلها بالعربية: الرسالة النصية، لم يجد الساحليون كلمة مماثلة لها إلا في العربية، وهي: (رسالة)، وكذلك نشاهد صباحاً ومساءً كلما طرأ مصطلحٌ جديد في العالم، واحتاج هذا المصطلح إلى تسميته باللغة السواحلية، يرجع أصحاب هذه الاصطلاحات في كثيرٍ من الأحيان إلى اللغة العربية لتكوين بنية الكلمة باللغة السواحلية.

وكذلك نجد اللغة السواحلية المكتوبة بالخط العربي ما زالت مستخدمة في بعض الأمور الخاصة، حيث يُكتب بهذا الخط الشعر السواحلي، وكذلك تستخدم بعض المدارس هذا الخط في تدريس المواد الإسلامية، ويمكن القول بأنه لا توجد مجلة أو جريدة تُنشر دون استعمال هذا الخط منذ عام 1963م.

وفي عام 1969م إلى 1970م قام المجمع الكنسي للكتاب المقدس في شرق إفريقياThe Bible Society in East Africa  في نيروبيNairobi ، العاصمة الأولى لكينيا، بطباعة الكتاب المقدس باللغة السواحلية المكتوبة بالحرف العربي ونشره، وقد وزّع مجاناً على الذين لا يعرفون غير قراءة الحرف العربي في أوساط المسلمين والمسيحيين في كلّ أنحاء شرق إفريقيا[24].

وفي المقابل؛ هناك جهدٌ مشكور تبذله المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلومISESCO  في إرجاع الخط العربي للغة السواحلية، حيث أقامت هذه المنظمة عدة دورات في كينيا عام2010 م، وقد شارك في هذه الدورات التدريبية علماء من كلّ دول شرق إفريقيا، حيث استفاد المشاركون فيه كيفية كتابة اللغة السواحلية باستخدام الآلة الحاسبة والكمبيوتر Computer، وقد أثمرت هذه الدورة بمجيء الأستاذ الدكتور يوسف الخليفة أبوبكر المسؤول عن كتابة اللغات الإفريقية بالخط العربي في المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم.

وكذلك عقدت دورة تدريبية أخرى في عام 2011م، استغرقت مدة شهرين، وشارك فيها مجموعة من علماء شرق إفريقيا.

وقد كان هدف المنظمة من إقامة هذه الدورات تثقيف المشاركين في كيفية استخدام الكمبيوتر في كتابة اللغة السواحلية بالخط العربي، حتى يرجعوا إلى أوطانهم قادرين على تعليم هذه اللغة بالخط العربي باستخدام الكمبيوتر.

وقد لاحظ الباحث أنّ الرجل الساحلي منذ القديم اختلط بالعرب وأحب سلوكهم، ولم يعجبه سلوك المستعمر الأوروبي، وبقي رجال الساحل، والأبناء تلو الأبناء، يتوارثون لبس الزى العربي، والمبادئ الحميدة والأخلاق الفاضلة التي تركها العرب لأحفادهم وبقيت آثارها، وإلى الآن عندما يأتي الامتحان النهائي لطلاب المرحلة الثانوية يجد الطالب الساحلي صعوبة في النجاح بمادة اللغة السواحلية، والسبب في ذلك كثرة المصطلحات البانتوية التي لا يعرف الساحلي معناها الحقيقي؛ لأنه لم يسمعها من آبائه وأجداده بألفاظها العربية.

وختاماً:

من فضل الله- تعالى- أن بقيت اللغة العربية من اللغات المهمة في شرق إفريقيا، وغيرها من المناطق، على الرغم مما بذله الاستعمار من جهودٍ كثيرةٍ للحدّ من انتشارها وعزلها عن اللغات المحلية في أوساط المجتمعات الإفريقية، ومع أنّ الإرساليات والطوائف التنصيرية تعمل بكثافةٍ على نشر الدين النصراني والثقافة الغربية؛ فإنّ مستقبل اللغة العربية في نفوس هذه الشعوب يبشّر بالخير، والحرف العربي الذي كُتبت به اللغة السواحلية من قبل يُرجى رجوعه في القريب العاجل.

* محاضر في جامعة موي كلية الآداب قسم اللغة السواحلية واللغات الإفريقية الأخرى ألدوريت (كينيا).

[1]  محمد إبراهيم أبو عجل: الأدب السواحلي الإسلامي، جامعة الإمام بن سعود، مكتبة الملك فهد بن عبد العزيز، ط الأولى، 1422هـ / 2002م، ص 50.

[2]  مقابلة مع أحمد شيخ نبهان، في مكتب معهد البحوث للغة السواحلية في شرق إفريقيا، يوم الثلاثاء، عام 1434هـ /  2013م.

[3]  Abdul Aziz  Y.Lodhi, (2006), Encyclopedia of Arabic Language and Linguistics,

    Volume 1 Brill Leiden- Boston, Page 660.

[4] التنصير: مصطلحٌ مسيحي، يُقصد به نشر الإنجيل بين مجموعة من البشر في محاولة لتنصيرهم، وتعرّف الكنيسة الكاثوليكية التنصير بأنه: «عملٌ رعويٌّ موجّه إلى الذين لا يعرفون رسالة السيد المسيح».

وهناك فرقٌ بين مصطلحَي التنصير والتبشير، فالتنصير: يعنى أنّ جهد الارساليات المسيحية منصبٌّ على جماعات تدين بالإسلام، أما التبشير: فيُقصد به نشر المسيحية بين الجماعات الوثنية التي تدين بأرواح السلف والطواطم والآلهة المحلية.

انظر الرابط/    http://ar.wikipedia.org/wiki Google search

[5]  أحمد عبد الوهاب: حقيقة التنصير بين الماضي والحاضر، القاهرة: مكتبة وهبة، 1401هـ / 1981م، ص 154.  مصطفى خالدي وعمر فروخ: التنصير والاستعمار في البلاد العربية، بيروت: المكتبة العصرية، 1986م، ص 127.

[6]  عبد الرحمن حسن حبنكة: أجنحة المكر الثلاثة وقوافيها،  ط 5، بيروت:  دار القلم 1986م، ص 110.

[7]  يونس عبدلي موسى: التنصير في شرق إفريقيا.. أهدافة، وأساليبه، ومقاومته (كينيا نموذجاً)، مجلة قراءات إفريقية، العدد السادس عشر/  ربيع الآخر - جمادى الآخرة، 1434 أبريل - يونيه 2013م.

[8] J.Lewis Krapf, Travel, Researchers and Missionary Labours (Eighteen years Residence

   in Eastern Africa. Trubner & Co. Patenoster, London, 1860, pp107-126.

[9] Rabai to Mumias ( A short History of the Church Province of Kenya 1844-1994)

     Province Unit of Research. Uzima Press Nairobi p.5.

[10] Zablon John Nthaburi, A History of Methodist Church in Kenya, Uzima Press, Nairobi 1982, P.17.

[11]  Rabai to Mumias, Ibid. P. 11.

[12]  إبراهيم معلم: تاريخ شرق إفريقيا، كينيا: بدون دار الطبع، تاريخ التأليف 1995م، ص 33.

[13] Alamin Mazrui, "Language and Literature Translations "Paper  presented at annual

     (CHAKITA) conference , Pwani University 13/3/2010.

[14] Biblia maandiko matakatifu. Bible Society of Tanzania & Bible Society of Kenya

     1997.

[15] Alamin Ibid. p. 5.

[16] Shihabuddin Chiranguddin and Mathias Mnyapala, Historia ya Kiswahili, Oxford

     University Press Eastern Africa 1978 .p 6.

[17] Alamin, Ibid. P.8.

[18]  محمد إبراهيم أبو عجل، مرجع سابق، ص (217 - 218).

[19] Alamin, Ibid, 8.

[20]  علي محسن أل بروان: ترجمة المنتخب في تفسير القرآن الكريم، أبو ظبي: معهد زيد بن سلطان آل نهيان، 1995م، ص 224.

[21]  مقابلة مع الشيخ محمد شريف سعيد البيض، يوم الاثنين، الساعة العاشرة صباحاً، في مدرسة النور الإسلامي، عام 1432هـ / 2011م.

[22]  أبوبكر عبد الله شعيب: اللغة العربية في إفريقيا، مجلة قراءات إفريقية، العدد الخامس، جمادى الثاني، 1431هـ / يونيو 2010م، ص 96.

[23] Abdul Y. Lodhi, Ibid, p.66.

[24] Abdul Y. Lodhi , Ibid, 663.