خاتمة

  • 17 -5 - 2011
  • تحرير المجلة


يمثّل انفصال جنوب السودان عن شماله نقطة تحوّل نحو مسار حرج لأحد الصراعات التي تنتظم القارة الإفريقية، والتي لا يكاد يخبو صراع في ناحية منها إلا ويندلع صراع في ناحية أخرى، ولا يهدأ صراع حتى يثور ثانية, حتى أصبحت القارة قارة صراعات لا تنتهي، تؤججها دوافع شتى وغايات وأهداف، يربطها جميعاً أنها القارة المسلمة الأولى، وأنها أرض كنوز لا تُحصى.

خرج المستعمر من البلدان الإفريقية تباعاً، بعد منتصف القرن الماضي، وقد أوقد نيران الصراعات في كثير من أنحائها: مشكلة جنوب شاد، وإقليم بيافرا المنشق في جنوب نيجيريا، ومشكلات إقليم شابا في الكنغو والشمال الأوغندي، و «الأوغادين» الإقليم الذي احتلته إثيوبيا، وجنوب السودان، وإريتريا، ومشكلة دارفور، والحرب الأهليَّة بين مسلمي الشمال ومسيحيي الجنوب في ساحل العاج، وغيرها مما لم  يشتد أواره بعد, والأيدي التي أوقدتها هي نفسها التي ظلت تؤججها، ?كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً? [المائدة : 64].

وكما ترك الاستعمار الصليبي الصومال كأجزاء شلو ممزق (الصومال الإنجليزي وعاصمته هرجيزه. الصومال الإيطالي وعاصمته مقديشو. الصومال الفرنسي وعاصمته جيبوتي. الصومال الحبشي وعاصمته هرر. الصومال الكيني وعاصمته غارسيا), كيانات صومالية صغيرة، أورثها ما أورثها من عوامل الفرقة والشتات؛ جاء الدور على السودان المسلم، والذي هيأه الاستعمار قبل خروجه لأن يكون كذلك، وأن يُمزقه أشلاء (جنوباً، وشمالاً، وشرقاً، وغرباً، ووسطاً).

ويُخشى أن تكون الأيدي التي ظلّت تدفع بالأحداث في السودان ليؤول إلى ذات المآل؛ قد حققت بانفصال جنوب السودان واحدة من أهم المراحل، وهي حريصة على أن تُلحقها بمراحل أخرى استغلالاً للحالة النفسية (الضعف والانهزام والاستسلام...)، والأوضاع السياسية والاقتصادية, وقد كان إدخال مشكلات بعض الأقاليم والمناطق الأخرى (أعالي النيل, وجنوب دارفور, وجبال النوبة, ومنطقة أبيي) ضمن مفردات «اتفاقية نيفاشا» ملحقة ببروتوكولات خاصة، إدخالاً عن عمد وتخطيط منها.

وجاء - بعد ضمان الانفصال - التشديد من القوى السياسية الدولية الراعية لانفصال الجنوب، وأمريكا خاصة، ومن حكومة الجنوب، على ضرورة تنفيذ كل شروط «اتفاقية نيفاشا» وبروتوكولاتها مقابل ضمان استدامة السلام، ومقابل الالتزام بما وعدت به حكومة السودان من حوافز في حال تنفيذ الاستفتاء والاعتراف بانفصال الجنوب.

إن البذور التي غرسها المستعمر لتفتيت كياناتنا لم نتوقف عن تعهدها ورعايتها حتى استوت سوقها، وآتت أكلها؛ فباعدت بين أسفارنا.. صراعات وانقسامات وحواجز بين حكوماتنا تزداد بمضي الأيام متانة وعلوّاً, وهو ما انعكس حدة في خلافاتها، وتبايناً في مواقفها، وأورث مؤسساتنا القطرية والإقليمية عجزاً عن اتخاذ القرارات المناسبة لحل قضايانا المصيرية، وربما آثر بعض الناس الصمت عما يجري؛ فكانت جريمته أقل سوءاً من تواطؤ غيره مع الأعداء.

إرادتنا ظلت بيد غيرنا عبر نخب حاكمة غيّبت شعوبها، وحالت دون إرادتها، بل أسلمت قيادها للقوى السياسية الخارجية، فهيمنت من خلالها تلك القوى على الأوضاع السياسية والاقتصادية وغيرها في بلادنا.

عَجْزُنا عن إدارة أنفسنا، ومواردنا، وخلافاتنا، قادنا إلى أن نُسْلم زمام أمورنا إلى غيرنا، فوضع لها من الحلول ما يزيد أزمتها استحكاماً وتعقيداً، وما يزيده هيمنة وتمكيناً.

انفصال جنوب السودان يمثّل حالة تصدق عليها الوقائع التي سلفت جميعها، وهي نتاج ضعف الأمَّة، وغفلتها، واستسلامها لغيرها، وتطور عوامل الفرقة والشتات داخلها.

وذلك أن المسؤولية أياً كانت - تاريخية أو سياسية - تتجه أولاً إلى البعد الداخلي، إلى كياننا الذي يحتاج إلى تغيير وإصلاح شامل.

وربما تكون الثورات التي تجتاح مجتمعاتنا في هذه الآونة الأخيرة تعبيراً عن إرادة التغيير، ?إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ? [الرعد : 11]، وهو أعظم تحدٍّ يواجه المسلمين جميعاً، وهم في أمس الحاجة إلى البدء فيه، لأن الأسباب التي أفضت إلى ما آل إليه جنوب السودان وما قبله، قد تُفضي إلى وأشد ما لم يحدث تغيير.

إن انفصال الجنوب حَدَثٌ يدعونا إلى مراجعة جادة, نستبصر فيها سنن التغيير, وعوامل التمكين, وأسباب النصر والهزيمة, حتى لا تتكرر بأمتنا الهزائم.

وهنا ننتقل إلى نقطة أخرى حتى لا نظل نبكي على اللبن المسكوب, وحتى لا نضيّع الفرص من أيدينا, فتعاملنا مع مشاكلنا دائماً في ظل أوضاعنا المتردية, تعامل بمنطق إما الكل أو لا شيء, ولكن من الأولى أن نتعامل في ظل ظروفنا هذه بمبدأ" تجزئة المنفعة " أو ما لا يدرك جله لا يترك كله, فانفصال الجنوب أصبح واقعاً مفروضاً, وها هى الدولة الوليدة تستعد للإعلان عن نفسها وتنظيماتها, وأمامنا فرصة لا يصح أن نضيعها بصرف النظر عن موقف حكومة الجنوب أننا لن نتركهم وسنظل معهم, قدمائنا واحدة, ومصيرنا واحد, ودولتنا كانت واحدة, لذا فستظل العلاقات والتسهيلات للجنوبيين كما هى, وفرص التعاون والتآزر والتكامل مع الجنوبيين ستزيد وتنمو, حتى لا نتركهم لقمة سائغة لمن يريد بنا وبهم شراً, ولنكن أقرب اليهم من غيرنا؛ حتى لا نضيّع هذه الفرصة الثمينة ونعتقد أن هذا الأمر في المتناول, وليس حلماً أو إفراطاً في التفاؤل ,

وذلك مرهون بشرطين:

الصدق والجدية.

الصدق المستلزم لمراجعة النوايا والمقاصد وتصحيحها, والجري مع المصالح الشرعية لا الشخصية ولا الحزبية ولا غيرها.

والجدية في بحث هذه المصالح ودراستها وموازنة الأمور, والمسارعة في مباشرة العمل .

فالنجاح خطوتان: الأولى أن تبدأ بتنفيذ هدفك .

والثاني: أن تواصل العمل حتى تصل .