خاتمة ملف اللُّغة العربيَّة بإفريقيا

  • 2 -10 - 2013
  • تحرير المجلة


ترجو مجلة قراءات أن يكون هذا الملف خطوة نحو الوقوف على أحوال اللغة العربية واللغات الوطنية في القارة الإفريقية، للعمل على معالجة مشكلاتها والنهوض بها، لتسترد مكانها الطبيعي في حياة شعوب القارة الإفريقية الذي سلبته منها اللغات الاستعمارية.

حرصت المجلة على أن يكون الملف شاملاً – قدر الإمكان – لجوانب الموضوع، قريباً من شعوب القارة الإفريقية في واقع لغاتهم ومشكلاتها، واقعياً في تقديم المقترحات والحلول.

سلّط جانب من الملف الضوء على علاقة اللُّغة العربيَّة بإفريقيا، وذكّرنا بتلك العلاقة الوثيقة العريقة بينهما، وكيف أنها علاقة ذات جذورٍ غائرة في زمان القارة الإفريقية ومكانها، شرقها وغربها وجميع أرجائها، تشهد بذلك – مثلاً - مناطق التَّماس والتَّمازج والتَّفاعل النَّشط بين إفريقيا وبين القبائل العربيَّة التي هاجرت من الحجاز واليمن وتوطَّنت بالقرن الإفريقيِّ، وبوسطها أيضاً في تشاد والنِّيجر الحالية تحديداً، وبغرب إفريقيا، حتى الجنوب الأقصى من القارَّة، كما تشهد بذلك العلاقات الوظيفيَّة القائمة بين اللُّغة العربيَّة وبين لغات إفريقيا في الانتماء الأسريِّ، وفي مستوى المفردات، والتَّعبير، والأدب.

هذه العلاقة بين العربيَّة وإفريقيا كان لها – وما تزال - تأثيرات متعدِّدة جليَّة، اجتماعيَّة وثقافيَّة وسياسيَّة وعمرانيَّة، فاللُّغة العربيَّة وثقافتها، والدِّين الإسلاميُّ بشموليته، مكوّن جوهريٌّ في الحضارة الإفريقيَّة، بل هي حجر زاوية لا يمكن زعزعته في البناء الإفريقيِّ.

كما ألقى الملف الضوء على واقع اللُّغات الإفريقيَّة واللُّغة العربيَّة، حيث كشف عن إشكالات جمَّة، ومنها - على سبيل المثال - أن إفريقيا توصف بأنَّها أكثر القارات تعدُّداً في اللُّغات والإثنيات، لكنَّ المفارقة أن تظلّ تلك اللُّغات القوميَّة بإفريقيا مهمَّشة في المستوى الرَّسمي، لا تحظى بتمثيلٍ في المحافل الدُّوليَّة الرَّسميَّة، أو في البرلمانات ووسائل الإعلام المحليَّة ومؤسَّسات التَّعليم داخل إفريقيا نفسها.

أضف إلى ذلك وجود حرب ضدَّ اللُّغات الإفريقيَّة من لدُن المتغربين من الزُّمرة المثقَّفة من أبناء القارَّة، ومن صُوَر هذه الحرب تفانيهم في خدمة المشروع الفرنكوفونيِّ الذي يمثِّل تحدِّياً فكريّاً وإيديولوجيّاً حقيقيّاً للُّغات الإفريقيَّة وثقافاتها، ولسائر مقوِّمات الحياة فيها، ويكمن ذلك في فرض اللُّغة الفرنسيَّة والرُّؤية الفرنسيَّة للعالَم على الشُّعوب الإفريقيَّة، بالوسائل غير العادية، بما في ذلك التَّهديد والإكراه، وبالحرب المعلنة على اللُّغة العربيَّة واللُّغات الإفريقيَّة التي تحاول أن تسترد مكانها في المجتمع الإفريقيِّ، هذا ليخلو الجوُّ للفرنسيَّة لتنتشر وتسود، ويتمَّ تطويق الدُّول المسمَّاة بالفرنكفونيَّة بإفريقيا، وتحقيق ما قصر عنه السَّيف والبارود الاستعماري.

وبالإضافة إلى هذه الهجمة الفرنكوفونيَّة على العربيَّة ولغات إفريقيا القوميَّة؛ فإنَّ السِّياسات الحكوميَّة تزيد الطِّين بلَّة، خصوصاً في الدُّول التي لها علاقة تاريخيَّة عميقة بالعرب، والدُّول ذات العضويَّة في جامعة الدُّول العربيَّة؛ حيث يتمُّ إقصاء اللُّغة العربيَّة وتهميشها عمداً في سياسات بعض هذه الدُّول.

كذلك ألقى الملف الضوء على واقع تعليم اللُّغة العربيَّة بالقارة، وكشف عن مشكلاتٍ مزمنة، مثل غياب السِّياسات اللُّغويَّة الحصيفة، وندرة المؤسَّسات التَّعليميَّة في بعض الأقطار، وضعف الإشراف الفني والإداري، والتَّخبُّط الواضح في طرق التَّعليم، وفي إعداد معلِّمي اللغة العربيَّة، والعجز في الكتاب المدرسي وفي وسائل التَّعليم المعينة، وهذا قصور واضحٌ في جميع أركان البناء التَّعليمي.

وفي ظلِّ ذلك كلِّه فإنَّ مخرجات المدارس العربيَّة بإفريقيا لا تلبِّي حاجات التَّنمية في البلاد الإفريقيَّة، يظهر ذلك في أجلى صُوره في الواقع النِّيجيري – مثلاً -، حيث تقف نيجيريا في طليعة الدُّول الإفريقيَّة في كثرة الكليَّات العربيَّة والإسلاميَّة بجامعاتها الوطنيَّة، إلاَّ أنَّ تلك الكثرة لم تتعد - في مضمونها - الانكفاء على فصحى التُّراث، وتخريج ناظمي الأشعار وحفظة المقامات، ولم تشمل مناهج تلك المؤسسات التعليمية العلوم اللُّغويَّة والعربية الحديثة التي تسهم في ربط نيجيريا بالعالَم العربيِّ والعالَم الدولي، وقلْ مثل ذلك فيما دون نيجيريا من الدُّول الإفريقيَّة جنوب الصَّحراء في تعليم اللُّغة العربيَّة.

وفي جانب آخر قدّم الملف عدداً من الرؤى والحلول لمعالجة تلك المشكلات، حيث رأى بعض الباحثين أنَّ تلك المشكلات لا تخرج عن نطاق السَّيطرة وإيجاد الحلول، فاللُّغة العربيَّة تحظى بدعمٍ شعبيٍّ قويٍّ بإفريقيا، وبقوَّة ذاتية تمكّنها من القيام بمهمَّةٍ ذات شأن، فقد كانت العربيَّة صاحبة السَّبق في إمداد لغاتٍ إفريقيَّة كثيرة بأبجديَّتها قبل الحضور الاستعماريِّ، وحافظت بذلك على الذَّاكرة الجمعيَّة الإفريقيَّة من النسيان والتَّلاشي والاضمحلال، لذلك كان من أوائل مشروعات المستعمر الأوروبيِّ محاربة اللغة العربيَّة؛ لأنَّها تفنِّد مزاعمهم القائلة بأنَّ الأفارقة لا حضارة لهم.

إذن؛ من الحلول الملحَّة في الساحة الإفريقيَّة المبادرة والسَّعي نحو تفعيلٍ حقيقيٍّ للُّغة العربيَّة في الإعلام، والفن، والسِّياسة، وإنشاء معاهد متخصِّصة في تدريب معلِّمي اللُّغة العربيَّة؛ بوصف المعلِّم المحرِّك الحقيقيَّ للعمليَّة التَّحديثيَّة في التَّعليم، ولا بدَّ أن يرافق ذلك تحديث مناهج أقسام اللُّغة العربيَّة والدِّراسات الإسلاميَّة بالقارة حتى تستجيب مخرجاتها لمقتضيات العصر، ولا يكون خرِّيجوها عالَّة على المجتمع.

ولا يكفي بناء المعاهد المتخصِّصة وتحديث مناهجها، وإنَّما ينبغي لذلك أن يتوَّج ويُدعم ببناء شراكة حقَّة بين مؤسَّسات تعليم اللُّغة العربيَّة الرَّائدة في الوطن العربيِّ ومنظَّماتها، كمنظَّمتي إيسيسكو وأليسكو، وبين مؤسَّسات التَّعليم الإفريقيَّة، وذلك من أجل تقديم الدَّعم العلميِّ والفنيِّ والمادي أيضاً لتلك المؤسَّسات، فالرِّعاية المستمرَّة ضروريَّة.

علاجٌ آخر يكمن في التَّوجُّه إلى توفير التَّخصُّصات بجميع أفرعها: شرعيَّة وأدبيَّة وعلميَّة وتطبيقيَّة أمام الشَّباب الإفريقيِّ، سواء في الجامعات العربيَّة والإسلامية في الوطن العربيِّ أو في الجامعات الإسلاميَّة التي بدأت تكثر بإفريقيا، وبذلك فإنَّ الخريج المسلم المثَّقف ثقافة إسلاميَّة عربيَّة يجد فرص التَّوظيف متكافئة بينه وبين غيره من المثقَّفين باللُّغات الاستعماريَّة، بل ستكون فُرَصُه أكبر، ومشاركته في مشروعات الإنماء الإفريقيَّة أكثر فاعليَّة، وكذلك ستزيد فُرصه في تقلُّد المناصب القيادية وصنع القرارات التي تمسُّ مصير اللُّغة العربيَّة وثقافتها بإفريقيا.

كذلك، فإنَّ دعم مشروع محو الأميَّة باللُّغات المحليَّة الإفريقيَّة مع استخدام الحرف العربيِّ يعدُّ مشروعاً ضروريّاً لدعم اللُّغة العربيَّة نفسها بالقارَّة، وقد حقَّقت اللُّغات الإفريقيَّة الكبرى نجاحاً مشهوداً في هذا المجال، كالسَّواحليَّة والهوسا.

بتحقيق هذه السِّياسات والإجراءات المذكورة وغيرها فإنَّنا نتوقع للُّغة العربيَّة مستقبلاً حقيقيّاً بالقارَّة، لا يقف عند مستوى كونها لغةً شائعةً في القارة الإفريقيَّة فحسب، بل يتعدى إلى أن تكون لغة مساهمة في الإنماء اللغوي والحضاري، وفي إمداد اللُّغات الإفريقيَّة بالحلول والتطوير، وضماناً لصمودها أمام ما تواجهه تلك اللُّغات من تهديدٍ بالاندثار والاضمحلال في عصر التغريب والعولمة.