حقائق صادمة: الأطفال المجندون.. وقود الصراعات الداخلية في إفريقيا

  • 12 -4 - 2017
  • مصطفى شفيق علام


مصطفى شفيق علام 

ليس أكثر من خيرات القارة الإفريقية وثرواتها الطبيعية والبشرية إلا صراعاتها المسلّحة، تلك الصراعات التي تتوالد بشكلٍ جعل من إفريقيا البؤرة الأكثر التهاباً على خريطة الصراعات الداخلية (ما دون الدولية) في العالم، وفقاً لتقديرات معهد هيدلبيرج لأبحاث الصراع الدوليThe Heidelberg Institute for International Conflict Research للعام 2015م، حيث احتل إقليم «إفريقيا جنوب الصحراء» المرتبة الأولى دوليّاً؛ متفوقاً على إقليم الشرق الأوسط والمغرب العربي، والذي يضمّ بدَوْره دول الشمال الإفريقي، الأمر الذي يعني أنّ القارة الإفريقية هي أكثر القارات من حيث كثافة الصراعات الداخلية على اتساع رقعتها الجغرافية.

وتُعنى هذه الورقة بتقديم إطلالةٍ مفصّلةٍ على إحدى أبرز الآثار السلبية لتوطّن الصراعات المسلّحة الداخلية وتغلغلها في الدول والمجتمعات الإفريقية، وهي ظاهرة «تجنيد الأطفال»، أو «الأطفال المجنّدون»، والتي تمثّل معضلةً حقيقيةً أمام حاضر التنمية في القارة السمراء ومستقبلها؛ بالنظر إلى تأثيراتها الممتدة على الأفراد والمجتمعات الإفريقية على حدٍّ سواء.

أطفال إفريقيا وقود الصراعات:

وفقاً لتقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)؛ فإنّ نحو 500 مليون طفل، أي ما يناهز واحداً من كلّ أربعة أطفالٍ في العالم، في البلدان المتضررة من النزاعات أو الكوارث، يعيشون دون الحصول على الرعاية الطبية والتعليم الجيد والتغذية والحماية المناسبة لهم.

وتعدّ بلدان إفريقيا جنوب الصحراء موطناً لنحو 75% من العدد الإجمالي للأطفال الذين يعيشون في البلدان التي تعاني من حالات الطوارئ، سواء الناجمة عن الكوارث الطبيعية، أو الناجمة عن الصراعات والحروب، تليها منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث يعيش نحو 12% من هؤلاء الأطفال هناك، ما يعني أنّ غالبية الأطفال المضارين من النزاعات والصراعات الداخلية المسلحة في العالم هم من الأفارقة[1].

بيد أنّ الضرر الأكبر الذي يمكن أن يتعرض له أي طفل، جراء الصراعات والنزاعات المسلحة في بيئته المجتمعية، هو أن ينخرط قسْراً أو طوْعاً في أتون تلك الحروب مودّعاً طفولته مبكّراً، دالفاً إلى حياة الجندية والقتال الخشنة بما تخلّفه من آثارٍ نفسيةٍ وجسديةٍ بالغة الخطورة، ليس في الطفل المجنّد فحسب؛ بل في أسرته ومجتمعه ككل.

يُستغل الأطفال المجندون في الاستطلاع والخدمة، والمعارك، بالإضافة إلى الاستغلال الجنسي للفتيات، واللائي يشكّلن نحو 40% من إجماليّ الأطفال المجنّدين في القارة

 ويرى مراقبون أنّ إفريقيا باتت موئلاً للأطفال المقاتلين، ويضربون لذلك بعض الأمثلة: استغلال نحو 16 ألف طفلٍ في حرب ليبيريا، وفي إحصاءات تعود لنهايات التسعينيات من القرن الماضي وُجد أنّ نحو 36% من أطفال أنجولا قد تمّ تجنيدهم في الصراع الأهليّ آنذاك، وهناك من يعتبر أنّ «جيش الربّ» الأوغندي مشكّلٌ بالأساس من الجنود الأطفال في معظمه[2]، في حين تشير بعض التقديرات البحثية إلى أنّ نحو 40% من الأطفال المجنّدين في العالم يتوطنون في إفريقيا[3].

على الصعيد القانوني: يُعرف «الطفل المجنّد»، وفقاً لمبادئ باريس بشأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة 2007م، بأنه: «أيّ شخص دون سنّ الثامنة عشرة من العمر، ولا يزال- أو كان- مجنّداً أو مستخدَماً بواسطة قوةٍ عسكريةٍ أو جماعةٍ عسكريةٍ في أيّ صفة، بما في ذلك- على سبيل المثال وليس الحصر-: الأطفال والغلمان والفتيات الذين يتم استخدامهم محاربين أو طهاة أو حمّالين أو جواسيس أو لأغراض جنسية».

اتصالاً مع ما سبق؛ فإنّ تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة من العمر، واستخدامهم للعمل بوصفهم جنوداً يعدّ أمراً محظوراً بموجب القانون الدوليّ الإنساني، ويُوصف من جانب المحكمة الجنائية الدولية باعتباره: «جريمة حرب»، وتُضاف أطراف النزاع التي تجنّد وتستخدم الأطفال في النزاعات المسلّحة بواسطة الأمين العام للأمم المتحدة إلى: «قائمة العار» التي يصدرها سنويّاً في تقريرٍ خاصّ[4].

ووفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)؛ فإنّ أغلب الأطفال المجنّدين في العالم، وعددهم يربو على 250 ألفاً، يوجدون بالقارة الإفريقية، في حين أكدت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، في تقريرٍ يعود للعام 2014م، أنّ المهمات التي تُوكل للأطفال المجنّدين في إفريقيا تتعلق غالباً بعمليات الاستطلاع والخدمة، إلى جانب المشاركة في المعارك، بالإضافة إلى الاستغلال الجنسي للفتيات، واللائي يشكّلن نحو 40% من إجماليّ الأطفال المجنّدين في القارة، حيث يسري ذلك على جميع الدول الإفريقية محلّ الصراعات الداخلية[5].

ولا يكون تجنيد الأطفال دائماً عن طريق القسر أو الإجبار، ففي حالاتٍ كثيرةٍ يكون التجنيد طواعيةً واختياراً من أجل الدفاع عن القبيلة أو المنطقة، أو من أجل المال، أو تلبية حاجات الطفل وحاجات أسرته، أو بغرض الانتقام من الأعداء، وفي هذا السياق؛ تكشف العديد من التقارير المتعاضدة أنّ تجنيد الأطفال في إفريقيا لا يقتصر على الميليشيات المقاتلة فحسب، بل إنّ ثمة جيوشاً نظامية أيضاً تستخدم الأطفال على نطاقٍ واسعٍ كعناصر مقاتلة ضمن صفوفها في صراعاتها المسلّحة مع القوى المتمردة[6].

نقاط إفريقية ساخنة:

طبقاً لتقديرات معهد هيدلبيرج لأبحاث الصراع الدوليThe Heidelberg Institute for International Conflict Research للعام 2015م؛ فإنّ القارة الإفريقية تحتضن أكثر من 48% من جملة الصراعات العنيفة في العالم، وقد أحصى المعهد الدوليّ المرموق نحو 21 صراعاً مسلّحاً اندلعت خلال العام 2015/2016م في دولٍ إفريقية، من بين 43 صراعاً مسلّحاً حول العالم اندلعت خلال تلك السنة[7]، كما تحتضن القارة الإفريقية ما جملته 97 صراعاً مسلّحاً ممتداً (ما بين دوليٍّ وتحت دولي)، تمثّل نحو 25% من إجمالي الصراعات المسلّحة العنيفة في دول العالم[8].

خريطة (1): الصراعات المسلّحة على المستوى القوميّ والدوليّ 2015م

* Source: Conflict Barometer 2015, The Heidelberg Institute for International Conflict Research, Germany, 2016, p.10. 

خريطة (2): الصراعات المسلحة على المستوى تحت الدولي 2015م

* Source: Conflict Barometer 2015, The Heidelberg Institute for International Conflict Research, Germany, 2016, p.11. 

وتُظهر خريطة الصراعات الإفريقية المسلّحة عدداً من النقاط والبؤر الأكثر التهاباً، تتمحور- وفقاً لتقارير المنظمات المعنية التابعة للأمم المتحدة- حول عدة دول، أبرزها: جنوب السودان، ونيجيريا، وإفريقيا الوسطى، والصومال، وأوغندا، والكونغو الديمقراطية، ومالي.

جنوب السودان:

 في جنوب السودان حذّر تقريرٌ لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، صدر في العام 2016م، مما وصفه بـ«الزيادة الكبيرة» في تجنيد الأطفال للقتال بالحرب الأهلية الدائرة في جنوب السودان، وأشارت المنظمة الأممية أنّ كلاً من الجماعات والميليشيات المسلّحة، وكذلك الجيش النظامي، متورطان في تجنيد ما يربو على 16 ألف طفلٍ منذ اندلاع الاقتتال الداخليّ بين الفرقاء في الدولة الوليدة في ديسمبر 2013[9]، وفي العام 2014م أودت الحرب بحياة أكثر من 600 طفلٍ مجنّد، في حين تعرّض نحو 200 آخرين من الأطفال المجنّدين للإصابات والتشويه جرّاء الأعمال القتالية.

نيجيريا:

 أما نيجيريا التي دائماً ما كانت بعيدة عن «قائمة العار»؛ فقد أدّت أنشطة جماعة بوكوحرام المصنفة «منظمة إرهابية» إلى تنامي ظاهرة تجنيد الأطفال في الصراع الدائر بين تلك الجماعة والجيش النيجيري، ووفقاً لتقديراتٍ غير حكومية تعود إلى العام 2015م: فقد بلغ عدد الأطفال المجندين في نيجيريا ما يزيد عن 4 آلاف طفل، الأمر الذي حدَا بالرئيس الأمريكيّ السابق باراك أوباما إلى إصدار قرارٍ يقضي بحرمان نيجيريا من المساعدات العسكرية الأمريكية بالنظر إلى ما وصفه بوجود «انتهاك خطير للقانون الدوليّ بحظر تجنيد الأطفال ممّن تقلّ أعمارهم عن 18 عاماً في صفوف الجيش»[10].

إفريقيا الوسطى:

أما في جمهورية إفريقيا الوسطى؛ فقد تأثّر نحو مليونين و 300 ألف طفلٍ نتيجة النزاعات العِرْقية المسلحة في تلك الدولة، وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، كما تسبّبت الحرب المتأجّجة هناك في تجنيد ما بين 6 آلاف إلى 10 آلاف طفلٍ عام 2014م، في حين تعرّض أكثر من 430 طفلاً مجنّداً للقتل والتشويه خلال الأعمال القتالية، بزيادةٍ تُقدّر بنحو ثلاثة أضعاف ما كان عليه الحال خلال العام 2013م، كما أحصت المنظمة الأممية حالات اغتصابٍ وانتهاكاتٍ جنسية جسيمة بحقّ الفتيات المجنّدات دون سنّ الثامنة عشرة، تورطت فيها جميع الأطراف، بما فيها القوات الحكومية[11].

الصومال:

على الرغم من التقدّم الذي أحرزته السلطات الجديدة في الصومال، بمعونةٍ من البعثة الأممية بالصومال (أونسوم)، فإنّ استخدام الأطفال لأغراضٍ عسكريةٍ من قِبَل الجماعات المسلّحة لا يزال أمراً قائماً بشدّة منذ انهيار الدولة في العام 1991م، الأمر الذي يجعل من الصعوبة بمكانٍ إعطاء مؤشرات رقمية لظاهرة تجنيد الأطفال في تلك الدولة التي مزقتها الحرب الأهلية على مدى زمنيٍّ ناهز العقود الثلاثة، وقد أحصت منظمة الأمم المتحدة تجنيد أكثر من 6 آلاف طفل في الأعمال القتالية بالصومال خلال العام 2015م فقط، 40% منهم تمّ تجنيدهم لصالح ميليشيات حركة الشباب المجاهدين الموالية لتنظيم القاعدة[12].

أوغندا:

أما أوغندا التي تشهد أحد أطول النزاعات المسلحة في القارة الإفريقية، بين القوات الحكومية ومنظمة «جيش الربّ»، فتُعدّ من أبرز الدول على «قائمة العار» المتورطة في تجنيد الأطفال، فخلال العقدَيْن الماضيَيْن قام «جيش الربّ» الأوغندي باختطاف ما يزيد على 30 ألف طفلٍ لاستخدامهم مجنّدين، سواء في الأعمال القتالية أو الخدمية أو الجنسية، كما تورطت قوات الدفاع الشعبية الأوغندية- وفقاً للأمم المتحدة- في تجنيد نحو 5 آلاف طفل، واستخدامهم مقاتلين في حربها ضدّ ميليشيات «جيش الربّ» المتمردة[13].

جمهورية الكونغو الديمقراطية:

وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية تورطت أطراف النزاع في تجنيد الآلاف من الأطفال أثناء حقبة الحرب الأهلية التي عصفت بالبلاد، والتي على الرغم من انتهاء القتال فيها رسميّاً، منذ العام 2002م، فإنّ الأعمال القتالية والصراعات المسلّحة لا تزال مستمرة في بعض المناطق، وبخاصة شمالي البلاد وشرقيها، بمناطق إيتوري وكيفو، وقد اعترفت القوات الكونغولية أنها قامت بتجنيد أكثر من 20 ألف طفلٍ في خدمة القوات المسلّحة، ما أدى إلى فرض عقوباتٍ دوليةٍ عليها جرّاء ذلك، تعهّدت الدولة بعدها بإنهاء تلك الجريمة، لكن الخطوات المتخذة في هذا الصدد تبدو بطيئة وغير فعّالة، على الجانب الآخر قامت الميليشيات المتمردة بتجنيد أكثر من 12 ألف طفلٍ في حربها ضدّ القوات الحكومية؛ وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة[14].

مالي:

لا تزال مالي تشكّل بؤرة ضبابية فيما يتعلق بتجنيد الأطفال، منذ اندلاع الاقتتال الداخليّ في العام 2012م، ومع نشاط العديد من التنظيمات الإرهابية المسلّحة، المتحالفة مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلاميّ بمالي، فإنّ ظاهرة تجنيد الأطفال في ذلك البلد لا تزال رائجة، على الرغم من غياب الأرقام والإحصاءات الرسمية الدقيقة بهذا الشأن، الأمر الذي جعل مالي لا تزال مدرجة على قائمة الدول المتورطة في انتهاكاتٍ جسيمةٍ بحقّ الأطفال؛ وفقاً لتقارير الأمين العام للأمم المتحدة للعام 2016[15].

جدول: قائمة العار: أبرز الأطراف الإفريقية المتورطة في تجنيد الأطفال 2016م

الدولة

الجهة/الطرف

الجريمة بحقّ الأطفال

إفريقيا الوسطى

ائتلاف سيليكا السابق

تجنيد/قتل وتشويه/اغتصاب

ميليشيات آنتي بالاكا

تجنيد/قتل وتشويه/اغتصاب

جيش الربّ للمقاومة

تجنيد/قتل وتشويه/اغتصاب/خطف

 

 

 

الكونغو الديمقراطية

تحالف القوى الديمقراطية

تجنيد/قتل وتشويه

القوات المسلحة الكونغولية

تجنيد/اغتصاب

القوات الديمقراطية لتحرير وراندا

تجنيد/اغتصاب

قوات المقاومة الوطنية في إيتوري

تجنيد/اغتصاب

جيش الربّ للمقاومة

تجنيد/قتل وتشويه/اغتصاب

جماعة الماي - ماي

تجنيد

اتحاد الماي – ماي «لافونتين»

تجنيد

جماعة الماي – ماي سيمبا

تجنيد/اغتصاب

جماعة الماي – ماي كاتا كاتانجا

تجنيد

جماعة ندوما

تجنيد/قتل وتشويه

جماعة الماي – ماي نياتورا

تجنيد

جماعة رايا موتومبوكي

تجنيد/اغتصاب

مالي

جماعة تحرير أزاد

تجنيد/اغتصاب

حركة التوحيد والجهاد

تجنيد/اغتصاب

جماعة أنصار الدين

تجنيد/اغتصاب

الصومال

حركة الشباب

تجنيد/قتل وتشويه

أهل السنّة والجماعة

تجنيد

الجيش الوطني الصومالي

تجنيد/قتل وتشويه

جنوب السودان

الجيش الشعبي لتحرير السودان

تجنيد/قتل وتشويه/اغتصاب

الجناح المعارض بالجيش الشعبي

تجنيد/قتل وتشويه

الجيش الأبيض

تجنيد

نيجيريا

بوكوحرام

تجنيد/قتل وتشويه

فرقة العمل المدنية المشتركة

تجنيد

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

* المصدر: من إعداد الباحث؛ بناءً على تقارير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن تجنيد الأطفال.

تجنيد الأطفال: أفرقة جهود المكافحة:

ولمّا كان الاتحاد الإفريقيّ هو المنظمة الإقليمية المعنية بحفظ السّلم والأمن في القارة؛ فقد أولى الاتحاد، بمؤسساته المختلفة، جهوداً كبيرة للحدّ من ظاهرة تجنيد الأطفال في الصراعات الإفريقية، وفي هذا السياق أصدرت الدول الإفريقية «ميثاق حقوق ورفاهية الطفل» عام 1990م، والذي بدأ العمل به في نوفمبر 1999م، ويضمّ 48 مادة، ليكون الإطار الاسترشاديّ للجهود الإفريقية الرامية إلى حماية أطفال القارة وضمان أمنهم وسلامتهم ورعايتهم وتنشئتهم.

أغلب الأطفال المجنّدين في العالم، وعددهم يربو على 250 ألفاً، يوجدون بالقارة الإفريقية

وقد تضمّن الميثاق إنشاء: «اللجنة الخاصّة بحقوق ورفاهية الطفل»، لتكون الجهة المعلوماتية المختصّة بكلّ ما يتعلق بالمشكلات التي يعانيها الطفل الإفريقي، كما نصّ الميثاق كذلك على إنشاء «لجنة خبراء»، تضمّ 11 خبيراً، لتكون معنية بالدراسات الخاصّة بحقوق الطفل الإفريقي، وضمان رفاهيته، والآليات اللازمة لتحقيق أهداف الميثاق بشأن أطفال القارة[16].

ويحرص الاتحاد الإفريقيّ كذلك على تعزيز شراكاته الدولية فيما يتعلق بحقوق الطفل وحمايته، ومن ذلك توقيع الاتحاد اتفاقاً مع الأمم المتحدة، في العام 2013م، على تعزيز حماية الأطفال المتضررين من الصراعات في إفريقيا، بالنظر لما يضطلع به الاتحاد الإفريقيّ من دَوْر كبيرٍ في عمليات الوساطة وحفظ السلام في القارة.

كما أبرمت إدارة السّلم والأمن التابعة لمفوضية الاتحاد الإفريقي، في سبتمبر 2013م، اتفاق شراكةٍ مع صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، لتكثيف التدابير لحماية الأطفال من العنف المسلّح، وقد وافق الاتحاد الإفريقي، بدعمٍ من الأمم المتحدة، على إدراج حماية الأطفال في جميع أنشطته الأمنية التي يضطلع بها في جميع مناطق الصراع بالقارة الإفريقية، والالتزام بتطوير برامج تدريب أكثر اتساقاً وفاعلية في مجال حماية الطفل للبلدان المساهمة بقوات في بعثات السلام للاتحاد الإفريقي[17].

بيد أنّ تلك الجهود والأطر الرسمية تبدو بحاجةٍ إلى مزيدٍ من التفعيل على الأرض، بالتعاون الفعّال مع الشركاء من منظمات المجتمع المدنيّ المحلية المعنية بحقوق الطفل في إفريقيا، وفقاً لما نصّت عليه مبادئ باريس التوجيهية بشأن الأطفال المرتبطين بالقوات المسلحة أو الجماعات المسلحة، والتي نصّت على أهمية الشراكة مع المدافعين المحليّين عن حقوق الإنسان، والأطفال الذين سبق لهم الارتباط بالقوات المسلحة أو الجماعات المسلحة، والمعلمين، والمجتمع المدنيّ المنظّم، والآباء، والعاملين في قطاع الصحّة، والزعماء الدينيين، وزعماء المجتمعات المحلية الآخرين، فيما يتعلق باستراتيجيات إنهاء ارتباط الأطفال بالصراعات المسلّحة في إفريقيا[18].

وختاماً:

إنّ معضلة تجنيد الأطفال في القارة الإفريقية تبقى- في الأخير- عَرَضاً وليست مرضاً؛ إذ يبقى المرض الحقيقيّ للجسد الإفريقيّ الفتيّ والواعد هو: غياب التنمية المستدامة، واستنزاف مواد القارة عبر مسارَيْن رئيسَيْن؛ أولهما: استغلال القوى الدولية الكبرى لثروات إفريقيا بشكلٍ مباشر، وثانيهما: إغراق المجتمعات الإفريقية في مستنقع الحروب والصراعات الأهلية المسلّحة، ومن ثمّ استغلال القوى الكبرى أيضاً، وبشكلٍ غير مباشر هذه المرة، لذلك المناخ الصراعيّ لتعظيم مبيعاتها من السلاح، والتدخّل في صنع القرار الإفريقيّ من بوابة الشراكات الأمنية المشروطة، والتحالفات الاستراتيجية غير المتكافئة، كصورةٍ من صور الاستعمار الجديد للقارة.

ومن ثمّ؛ فإنّ القضاء على ظاهرة تجنيد الأطفال في القارة السمراء يبقى في النهاية رهناً بمدى توافر الرغبة الحقيقية والإرادة السياسية والمجتمعية في الدول الإفريقية لتجاوز مربع العنف والصراع ولغة السلاح؛ والانتقال إلى مربع التنمية والتقدّم ولغة الحوار، ولحلحلة أزمات القارة الإفريقية، والتخلّص من إرث الاستعمار الكولونيالي الذي بذر جرثومة الانقسامات العِرْقية والدينية والجهوية والقبلية؛ لتظلّ خيرات القارة دائماً وأبداً بيده لا بيد أصحابها من الأفارقة.

  

* كاتب ومحلل سياسي - باحث متخصص في العلاقات الدولية.

[1] اليونيسف: ربع أطفال العالم يعيشون في البلدان المتضررة من النزاعات أو الكوارث، مركز أنباء الأمم المتحدة، 8 ديسمبر 2016م، متاح على الرابط الآتي: goo.gl/9fLiS8

 

[2] محمد مشرف خليفة: الجنود الأطفال، مجلة درع الوطن، القيادة العامّة للقوات المسلحة بدولة الإمارات العربية، 1 أغسطس 2012م، متاح على الرابط الآتي: goo.gl/zL3VWf

[3]  Mark A.  Drumbl, Reimagining Child Soldiers, Oxford: Oxford University Press, 2012, p. 6.

[4] تجنيد الأطفال، الأمم المتحدة، مكتب الممثل الخاصّ للأمين العام المعني بالأطفال ونزع السلاح، متاح على الرابط الآتي: goo.gl/Gz2F8s 

[5] "Ten facts about child soldiers that everyone should know", Independent, 23 December 2012, available at: goo.gl/yBCItV

[6] ما مصير "الأطفال الجنود" بعد انتهاء الصراعات المسلّحة؟، بي بي سي، 12 فبراير 2016م، متاح على الرابط الآتي: goo.gl/JERCEY

[7] Conflict Barometer 2015, The Heidelberg Institute for International Conflict Research, Germany, 2016, p.12.   

[8] Ibid, p. 61.

[9] تجنيد الأطفال بجنوب السودان هاجس يؤرّق المجتمع الدولي، سكاي نيوز عربية، 19 أغسطس 2016م، متاح على الرابط الآتي: goo.gl/tYzy1M

[10] أطفال إفريقيا جنود المرحلة للقتال كإرهابيين أو ضمن الميليشيات، ميدل إيست أونلاين، 10 أغسطس 2015م، متاح على الرابط الآتي: goo.gl/z1zL5d

[11] تقرير الأمين العام عن الأطفال والنزاع المسلح في جمهورية إفريقيا الوسطى، الأمم المتحدة، مكتب الأمين العام، 12 فبراير 2016م، ص ص (7-10).

[12] تقرير الأمين العام عن الأطفال والنزاع المسلح في الصومال، الأمم المتحدة، مكتب الأمين العام، 22 ديسمبر 2016م، ص ص (6-7).

[13] أطفال إفريقيا من مأساة العمالة إلى خطر التجنيد، مرصد بوابة إفريقيا الإخبارية، 4 أبريل 2015م، متاح على الرابط الآتي: goo.gl/dbq4JS

[14] الأطفال والنزاع المسلح: تقرير الأمين العام، الأمم المتحدة، مجلس الأمن الدولي، 20 أبريل 2016م، ص ص (13-17).

[15] المرجع السابق، ص ص (25-27).

[16] نصيرة نهاري: الحماية الإفريقية للطفل في أثناء النزاعات المسلحة.. دراسة في النصوص والآليات، قراءات إفريقية، 1 ديسمبر 2016م، متاح على الرابط الآتي: goo.gl/93SMcx

[17] الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي يوقعان على خطة لحماية الأطفال في النزاعات المسلحة، مركز أنباء الأمم المتحدة، 19 سبتمبر 2013م، متاح على الرابط الآتي: goo.gl/fX9SoV

[18] الأمم المتحدة، حقوق الإنسان، مكتب المفوض السامي، مبادئ باريس، قواعد ومبادئ توجيهية بشأن الأطفال المرتبطين بالقوات المسلحة أو الجماعات المسلحة، فبراير 2007م، ص 25.