حرب المفاوضات والسودان الجديد

  • 18 -10 - 2004
  • مصعب الطيب بابكر

 

    د . مصعب الطيب بابكر(*)

 Musaab11@hotmail.com

( 15 مبادرة ) للسلام .. ( 9 أعوام ) من جولات

مبادرة الإيقاد .. ( 100 يوم ) من الاجتماعات الساخنة

في منتجعات كينيا .. ( 125 ساعة ) من التفاوض المباشر .. أكثر من

( 700 بند ) في ( 6 اتفاقيات ) تم توقيعها أخيرا ً في ( نيفاشا ) بكينيا بين

وفد الحكومة السودانية ووفد الحركة الشعبية ( المتمردة ) في 26/5/2004م بعد

مفاوضات تضمنت كل معاني الحرب وعناصرها عدا الذخيرة الحية .

حرب المفاوضات التي دخلها الجميع كرها ً تحت لظى العصا الأمريكية الغليظة ،

ورهق سني أطول حرب في أفريقيا ، وبعد تلاشي الآمال بسحق الخصوم والنصر

المحتوم .. إنها النهاية .. نهاية أسلوب أو جولة ، ولكنها أبعد ما تكون عن نهاية الحرب

[ إن إنهاء الحرب هو البداية فقط ، أما الإتفاقية فهي مغامرة مفتوحة خلال لعبة

شديدة الخطورة ] كما جاء في نص تقرير (ضمان السلام : مشروع إعادة البناء بعد

الحرب ) الذي قدمه مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى اللجنة

الاستشارية للشؤون الأفريقية التابعة لوزير الخارجية الأمريكي

في يناير 2004 م والذي سنرمز لنصوصه بالمعكوفين [] .

أجواء المفاوضات :

بكل المقاييس لم تكن المفاوضات تجري في أجواء صحية ترتكز على المعالجة الموضوعية والعادلة لجذور المشكلة وإفرازاتها ، وضمان عدم تكرارها ، بل سارت وتيرة التفاوض على نحو متعجل وملغوم ، يبعث على الظن أن إبرام الإتفاق هدف بحد ذاته ، وليس وسيلة لحل القضية . لقد دخلت الحكومة السودانية " حلبة " المفاوضات الأخيرة وهي تعيش وضعا ً حرجا ً وعصيبا ًأضر كثيرا ً بطريقة تعاطيها مع العملية ، ويمكن أن نجمل هذه المؤثرات على النحو التالي :

مؤثرات خارجية : أهمها :

تغير الاستراتيجية الأنجلو امريكية ضد السودان مطلع القرن الجديد إلى " إحلال السلام ، وليس تغيير النظام " كما صرح المبعوث البريطاني ( آلن قولتي ) في 12نوفمبر 2002م ، وكما جاء في المقترح

الذي تقدم به مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن لوزير الخارجية الأمريكية في 13يونيه 2001‏م برئاسة الدكتور (ستيفن مورلسون) مدير الدراسات الأفريقية بالمركز، والدكتور (فرانسيس دنيق) الخبير في معهد برووكنجز، والمتعاطف مع الحركة الشعبية رئيساً مشاركاً ، وقد أوصى التقرير بعد انتقاده لسياسة إدارة كلنتون في السودان : "‏بالانتقال من العزل والاحتواء إلى الارتباط والبناء ، والتركيز على وقف الحرب في الجنوب"0 ‏.

‏فبعد اتهام مجلس النواب الأمريكي في 15 ‏يونيو 1998 ‏م الحكومة السودانية بالتورط في ممارسة تجارة الرقيق ، ومذابح ، وأعمال تطهير عرقي في جنوب السودان ، ودعا القرار إلى فرض حظر للأسلحة إلى السودان ، ومحاكمة تجار الرقيق . ثم فرضت الحكومة الأمريكية حظر تحليق الطيران السوداني في مناطق ( الجنوب - وجبال النوبة) في 28 ‏يونيو 1998 ‏م ، وأعلنت في 20 ‏/7 ‏/1999 ‏م

‏اتهامها للخرطوم بدعم وإيواء الإرهابيين ، وربطت تحسن العلاقات بتخلي الأخيرة عن سياستها في هذا الصدد ، وهو الأمر الذي تم تجديده أيضاً في 6‏/9 ‏/2000 ‏م ، ومرة أخرى في 2 ‏/11 ‏/2000 ‏م مع تمديد جديد للعقوبات الاقتصادية التي استؤنفت منذ نوفمبر 1997 ‏م .

‏إلا أن الإدارة الأمريكية بدأت من ثم بإرسال مؤشرات للتهدئة ، والتلويح بجزرة تحسين العلاقات الغربية مع الخرطوم ، ففي 26‏/1 ‏/2001 ‏م أرسل الرئيس الأمريكي جورج بوش رسالة خطية للرئيس السوداني البشير هنأه فيها بمناسبة فوزه في الانتخابات الرئاسية ، ورحبت الخرطوم بمقترحات القائم بالأعمال الأمريكي (دايموند بروان) المتعلقة بالسلام في 12 ‏/3 ‏/2001 ‏م ، ووصفتها بالإيجابية ، كما رحبت بشروط وزير الخارجية الأمريكي (كولن باول) لتطبيع العلاقات التي أعلنها في 30 ‏/4 ‏/2001 ‏م ، وفي 28 ‏/10 ‏/2001 ‏م تم رفع

‏العقوبات التي فرضها مجلس الأمن على السودان عام 1996‏م بدعوة من الولايات المتحدة .

‏لقد تواكبت هذه ( الجزرات) مع سلسلة جديدة من الضغوط، ترافقت هي الأخرى مع محادثات السلام والتي شملت عدة إجراءات منها :

‏* إعادة فتح ملف الرق وحقوق الإنسان بالقرار الذي تبناه الكونجرس الأمريكي يوم 15 ‏يونيو 2001 ‏م والذي يدين الحكومة ، ويمنع الشركات العاملة في السودان من طرح أسهمها في البورصة الأمريكية .

‏* دعم ( التجمع الوطني) المعارض الذي يخوض معارك واسعة ضد الحكومة السودانية بمبلغ عشرة ملايين دولار أجازها الكونغرس في 26‏/ 12 ‏/ 2001 ‏م بعد أيام قلائل من تعيين القس (جون دانفورث) مبعوثاً أمريكياً للسلام .

‏* التهديد بتطبيق (قانون سلام السودان) الذي أقره مجلس النواب في 10 ‏/10 ‏/2002 ‏م ، ووقعه الرئيس الأمريكي في 21 ‏/10 ‏/2002 ‏م والذي يقضي بإنزال عقوبات تجارية ، ونفطية ، وحظر تصدير السلاح للحكومة السودانية ، إن هي تسببت في إخفاق الاتفاق ، بينما يهدد التمرد بـ (كارثة) عدم تطبيق العقوبات على الحكومة!

‏* في 3 ‏نوفمبر 2002 ‏م جددت الإدارة الأمريكية العمل بالعقوبات الاقتصادية الصادرة على السودان منذ 3 ‏نوفمبر 1997 ‏م .

‏* تحريك قضية المسؤولية عن حادثة محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك من قبل نواب الكونغرس .

‏* الملاحقة الأمريكية اللصيقة بالتحديد المتكرر والمعلن لمواقيت نهائية للتوقيع .

‏* تهديد الأمم المتحدة ، والاتحاد الأوروبي ، والولايات المتحدة بالتدخل العسكري ، وفرض عقوبات على الحكومة ، ومحاكمة مسؤولين سودانيين نتيجة لأحداث (دارفور) ، وقد أجاز الكونغرس الأمريكي في 24 ‏/ 6‏/ 2004 ‏م مشروع قرار يصف ما يحدث بأنه ( إبادة جماعية) يتم بمساندة الحكومة السودانية ، وأقر مجلس الأمن الدولي في 30 ‏/ 7 ‏/ 2004 ‏م قرارا يحمل الخرطوم المسؤولية ، ويمهلها شهرا لمعالجة الوضع ، وإلا واجهت "تدبيرات" صارمة .

‏وقد اكتسبت قضية (دارفور) زخماً واسعاً غطى على المشكلة الجنوبية برمتها ، وتدخلت فيه - بشكل سافر - بريطانيا وفرنسا وألمانيا وهولندا ، إضافة إلى الولايات المتحدة ، والأمم المتحدة .

‏* الانحياز المكشوف لدول الإيقاد وشركاء الإيقاد ضد الحكومة السودانية فير مجريات التفاوض إلى غير صالح الحكومة :

‏*فدولة (كينيا) التي تقود المفاوضات ما زالت تحتل مثلث ( الليمي) على حدودها مع السودان ، وتستضيف المكاتب السياسية الرئيسية للحركة ، وتمثل الميناء البديل لبورتسودان ، و(مسارات النقل الجديدة مثل : خط الأنابيب إلى كينيا الذي تفضله الحركة) ، وكينيا -على كل حال- كانت تمثل أحد خيارات الإدارة الإنجليزية حول تبعية جنوب السودان .

‏* أما (يوغندا ) فما زالت تحتفظ بعلاقات متوترة مع النظام السوداني نتيجة لنشاطها العسكري المستمر مع (جيش الحركة) طيلة منتصف التسعينيات ، وتتمركز قوات الجيش الشعبي في شمال (يوغندا ) ، والرئيس اليوغندي (يوري موسفيني) زميل دراسة (لجون قرنق) بجامعة دار السلام في منتصف الستينيات ، حينما كان المسلمون يتعرضون للإبادة والتهجير في زنجبار، وفي ( المؤتمر العالمي لمناهضة العنصرية) الذي عقد في (ديربان) بجنوب أفريقيا في

 ‏14/ 9 ‏/ 2001 ‏انتقد الرئيس الأوغندي (موسيفيني) ما وصفه بانتهاكات حقوق الإنسان ، واضطهاد العرب والمسلمين للأفارقة والمسيحيين في السودان ، وقال : "لماذا يصمت المجتمع الدولي عن اضطهاد العرب والمسلمين للأفارقة والمسيحيين في السودان، إن الذين يتحدثون عن الصهيونية يغفلون عما يفعله العرب في السودان"0 ‏ ومما يشكل بؤرة للاحتكاكات مع السودان أن قبائل شمال يوغندا ومنها قبائل ( الباقندا ) يمثلون النخب الحاكمة تاريخياً في يوغندا ، كما يدين عدد كبير منهم بالإسلام ، ويشكلون معارضة فعالة لحكومات قبائل الجنوب والوسط، كما في حالة (موسفيني) الذي يتهم الخرطوم بمساندتها . وثمة خلاف حدودي قديم مع السودان حول الجزء الجنوبي من ( اللادو) ومركزي (غندكرو) و(منيوت) .

‏(إثيوبيا) تعتبر البوابة الخلفية لجنوب النيل الأزرق التي تمكن التمرد عبرها من احتلال مناطق ( الكرمك وقيسان) ، كما لا تزال تبسط يدها على منطقة ( الفشقة) الغنية .

‏*وإثيوبيا هي الدولة التي نشأت ، وترعرعت فيها حركة التمرد، فمعسكر (بلفام) هو المعسكر الرئيسي الأول للحركة ، كما أنها كانت الحليف التاريخي لقيادة (جون قرنق) لحركة التمرد الجنوبية ، وتتنافس مع السودان على النفوذ الإقليمي في المنطقة ، وهو ما تعزز كثيرا بعد دعم السودان لاستقلال إرتريا .

‏أما (إرتريا) فتتبنى موقفا صريحا في معاداة الحكومة السودانية ، وفي المساندة السياسية والعسكرية للتمرد والمعارضة الشمالية .

‏وإجمالاً فكل دول الطوق تعتبر راعياً تاريخياً للحركة ، وتتأثر بأطروحة (قرنق) حول العنصرية الأفريقية ، واحتواء التمدد العربي الإسلامي ، إضافة إلى أنها لم تعش حالة استقرار سياسي في علاقتها مع الخرطوم .

‏وأمر شركاء الإيقاد لا يقل سوءا عن أعضائها ، فالمبعوث الأمريكي القس (جون دانفورث) جاء يحمل رؤى اليمين الديني المسيحي المتشدد أحد أهم حلفاء الجيش الشعبي في واشنطن ، والمبعوث البريطاني (ألن قولتي) هو السفير نفسه الذي طردته الحكومة سابقا لمواقفه المعادية لها ، ووزيرة التنمية الدولية النرويجية (هيلدا جونسون) تحركت بناء على ضغط الكنيسة النرويجية ، ومنظمات الغوث الممولة للحركة مثل : (برنامج المساعدة الشعبي النرويجي) .

‏* إن انحياز الوسطاء تسبب في فقدان الحكومة لميزة مقايضة الملفات كعملية متكاملة ، وليس عبر

‏بروتوكولات متفرقة ( Piece by piece) تكبد معها الوفد المفاوض عناء الضغوط والتنازلات المتكررة ، وتسبب في إدخال ( المناطق الثلاث) لصلب العملية ، وهو ما يناقض نص (تفاهم مشاكوس) في قصر المفاوضات على حدود 1956‏م . وحينما نعلم أن أغلب هذه ‏الاتفاقات إنما هي أوراق ، ومقترحات مقدمة من الوسطاء ندرك مقدار الغبن الذي غرقت فيه الحكومة .

‏* ساهمت حرب الخليج الثانية في زلزلة ترابط الجامعة العربية ، كما أن الخارجية السودانية لم

‏تفعل ما يكفي لتفعيل الدور العربي ،وإشراكه في الهم الجنوبي الذي يصنع ، ويدار عبر آليات أفريقية لا تتناغم مع الخلفية العربية والإسلامية للسودان . بينما كان قائد الجيش الشعبي (جون قرنق) يعامل كما الرؤساء عبر استقبالات رسمية في الدول الأوروبية والأمريكية ، ويخاطب البرلمانات (كما حدث في البرلمان الألماني في فبراير 1988 ‏م) ، ويلتقي بكافة المسؤولين الأجانب ووزراء الخارجية ، بجانب علاقات خاصة مع الرؤساء الأفارقة في كينيا ، ويوغندا وأريتريا ، وزامبيا ، وزمبابوي ، وموزمبيق ، وملاوي وبتسوانا ، وتنزانيا .

‏* لم تهدأ التوترات المصرية السودانية بجانبها السياسي المتعلق بطبيعة الحكم السوداني ، وعلاقاته الإسلامية وإشكال الاستضافة والتنسيق مع المعارضة ، أو جانبها الأمني المتضمن لتسليم المطلوبين ، وتداعيات محاولة اغتيال الرئيس المصري ،

‏أو جانبها الاقتصادي والتعليمي المرتبط بنظم العبور والإقامة ، والتبادل التجاري ، وحقوق الري والمياه ، والمؤسسات التعليمية ، أو ببعدها العسكري الذي تمثله أحداث (مثلث حلائب) ، لم تبدأ هذه التوترات بالهدوء إلا عام 1998 ‏م ، ثم توطدت أكثر بعد ترحيب القاهرة بقرارات ( الرابع من رمضان) التي اتخذها الرئيس السوداني البشير في 12 ‏/ 12 ‏/ 1999 ‏م، وأدت لإقصاء د .الترابي عن الحكم ، وأعلن وزير الخارجية المصري ­آنذاك - (عمرو موسى) في 13 ‏/ 12 ‏/ 1999 ‏م عن "دعم مصر الكامل ومساندتها للرئيس البشير"

‏وفي مطلع سبتمبر 1999 ‏م تم - بالاتفاق مع ليبيا- الإعلان من مدينة مرسى مطروح المصرية عن ( المبادرة المشتركة) حول مشكلة جنوب السودان ، سعى أصحابها لتجنب الإشارة لحق تقرير المصير وعلاقة الدين بالدولة ، مما حدا بالحركة والتجمع المعارض إلى التلكؤ في التعامل مع المبادرة التي لم تلق أيضا استحسانا يذكر من الولايات المتحدة الأمريكية .

‏إن الدور المصري في السودان بدأ يتجاوز عقدة التعامل السياسي لصالح التعامل الإستراتيجي الحيوي ، لكنه لا يواكب أبداً خطورة التداعيات الكبيرة لعملية السلام السودانية ، ولا يتجاوب بحنكة مع تضارب المصالح الأمريكية والمصرية في القضية ، ولا مع جدوى توثيق علاقاتها المنفتحة وغير المؤثرة مع أطراف النزاع السوداني ، رغم أن القاهرة تعلم أنها معنية ومستهدفة بأي ترتيبات تؤثر على التشكيل السياسي والجغرافي والديموغرافي في السودان ، لقد كتبت مجلة (أفريكا كونفدنشيال) اللندنية في 20 ‏/10 ‏/1982 ‏م تقول : "‏اليوم كما في القرن الماضي يظل المثل قائماً : أن من يسيطر على (أعالي النيل) هو سيد القاهرة والسويس"‏.

مؤثرات داخلية منها :

- غليان الأوضاع في (دارفور) تسبب في تشتيت التركيز الحكومي، وذلك لضيق دائرة صنع القرار، وغياب الدور الفاعل للمؤسسات الحكومية والحزبية في التصدي لهذه ‏المشكلات .

‏- تنامي وضغط حلفاء الحكومة والتكوينات الجهوية ، خاصة تلك التي لها دور في ترتيبات الاتفاقية ، مما عقد منظومة توزيع السلطة والثروة التي تتعامل عبرها الحكومة .

‏-الارتباك في صياغة خط التحالفات في المرحلة الجديدة ، وإعادة بناء التشكيل الحكومي والحزبي للمؤتمر الوطني وما يسمى (بالحركة الإسلامية - وريثة الجبهة الإسلامية القومية -) ، وقد عقد مؤتمر بهذا الشأن في 16‏/4 ‏/2004 ‏م . في نفس أيام المفاوضات . أبعدت بمقتضاه أي مطالبة بإعادة إحياء الحركة ومؤسساتها المعطلة خارج إطار الدولة ، وتم فيه انتخاب نائب الرئيس (علي عثمان محمد طه) رئيسا لما سمي بـ ( الحركة الإسلامية) .

‏-غياب آلية واضحة وحكيمة للتفاوض وللتعامل مع طيف المتغيرات الواسعة في الساحة ، والاستثمار الأمثال لجهود المعنيين بالمنطقة . وهذا ما جسدته استقالة مستشار الرئيس السوداني للسلام (د .غازي صلاح الدين) الذي عزا الأمر إلى اعتراضه على منهجية التفاوض .

- إخفاق جهود الاستقطاب الحكومي لشتات المعارضة التي دخلت ضمن كروت الضغط التي تستغلها الحركة لتعزيز موقفها . وضعف تفاعل الجبهة الداخلية مع موقف الحكومة .

‏- انسلاخ عدد من الفصائل الجنوبية الموالية للحكومة، وانضمامها للحركة الشعبية كمجموعتي (رياك مشار) و (د . لام أكول)،وتمرد مجموعة (بيتر قاديت)،بالإضافة إلى تململ بعض جنوبي الداخل من التجاهل الحكومي لهم .

‏في مثل هذه ‏الأجواء العكرة جاءت نازلة البت في أخطر منعطف يمر به السودان بعد الاستقلال .

ضربة البداية :

‏بعد توقيع اتفاق (مشاكوس) توقف التفاوض أثر استيلاء التمرد على مدينة توريت (إحدى أكبر مدن الجنوب) في الأول من سبتمبر 2002 ‏م ، وبعد استرجاع الجيش السوداني لمدينة (توريت) الاستراتيجية استؤنفت المفاوضات مجدداً في 14 ‏أكتوبر2002 ‏م ، تم فيها الاتفاق على وقف العدائيات ، ثم توالت الحلقة التفاوضية عبر مدن كينيا، نيروبي . . كارن . . ناكورو. . نانيوكي ، بيد أنها لم تتمخض عن شيء يذكر سوى (وثيقة ناكورو) التي سعى وسطاء ( الإيقاد) لفرضها على الجانب الحكومي والذي تمسك من جانبه برفضها، بحجة كونها غير منصفة ، وتتعارض مع بنود إعلان (مشاكوس)،ولكن الحقيقة أن الوثيقة كانت تعبر عن قراءة متقدمة لما يمكن أن يصل إليه سير المفاوضات، وقد كان .

‏في الرابع من سبتمبر 2003 ‏م وعلى نحو مفاجئ استؤنفت مفاوضات (نيفاشا) بلقاء نائب الرئيس السوداني (علي عثمان محمد طه) وزعيم الحركة الشعبية ( المتمردة جون قرنق)،واستمرت حتى تم توقيع ( اتفاقية الترتيبات الأمنية)

في 25 ‏/ 9 ‏/ 2003 ‏م، ثم تباطأت بعدها وتيرة المفاوضات إلى حين توقيع اتفاقيات اقتسام ( السلطة، والثروة، والمناطق الثلاث) في  26‏ابريل 2004 ‏م، وبهذا يكون التفاوض قد تجاوز معظم المناطق الوعرة، ولم يتبقى بعدها سوى إتمام اتفاق وقف إطلاق النار الدائم، والاتفاق على التفاصيل الإجرائية لتنفيذ الاتفاقية، والإعداد للمرحلة التمهيدية (ما قبل الانتقالية) . وسنتعرض فيما يلي لقراءة مجملة لما تم التوقيع علمه .

اتفاقية الترتيبات العسكرية :

‏هي النقطة الأكثر حساسية وخطورة، باعتبار أنها تمثل الثقل النوعي لعملية التفاوض، وتحقق ضمانات النجاح أو الإخفاق، وهي النقطة التي يحسبها (جيش الحركة) ضمن أعلى هرم إنجازاته في المفاوضات .

‏أقر ( البروتوكول) بشرعية الجيش الشعبي (جيش التمرد) كجيش وطني مستقل يعامل على قدم المساواة بالقوات المسلحة السودانية . وقد نص الاتفاق على سحب القوات الحكومية ( الجيش

السوداني) من كل أراضي الجنوب حسب حدود 1 ‏/ 1 ‏/ 1956‏م تحت رقابة دولية خلال سنتين ونصف، مقابل سحب قوات ( الجيش الشعبي) من جبال النوبة والنيل الأزرق، على أن يحل مكانهما قوات مشتركة مكونة من الجيشين تعدادها ( 39 ‏ألف فرد) موزعة على جنوب السودان ( 24 ‏ألفا)،وجبال النوبة ( 6‏آلاف)،وجنوب النيل الأزرق ( 6‏آلاف) والعاصمة الخرطوم ( 3 ‏آلاف)،وهذه القوات ستكون لها عقيدة عسكرية مشتركة (جديدة)،وستكون نواة لجيش السودان في حالة الوحدة .

‏الاتفاق يخير الفصائل الأخرى للانضمام فقط للجيش السوداني، أو لجيش الحركة، أو استيعابها في القوات النظامية الأخرى لأي من الطرفين .

‏إن مكمن الخطورة في الاتفاق أنه يقر تفوقا حاسما لـ (قوات الحركة) في الجنوب (وهو أس الصراع) على ( الجيش السوداني) بشكل لا يمكن التراجع عنه إذا ما حاول الجيش الشعبي النكوص عن الاتفاق، وبحيث يتسنى له الانفراد المطلق بالمنطقة، وربما إعلان الاستقلال من جانب واحد، وبحدود مريحة لم تكن متاحة أثناء الحرب، وهو تحديدا ما تباهى به (جون قرنق) رئيس الجيش الشعبي (صحيفة الاتحاد 3 ‏/ 10 ‏/ 2003 ‏م) قائلا : "‏إن أكبر ضمان لالتزام الحكومة السودانية بالاتفاقية الموقعة هو احتفاظ ( الحركة الشعبية) بنحو مائة ألف مقاتل في كامل استعدادهم العسكري للدفاع عن الاتفاقيات إذا حاول الطرف الآخر تجاوزها أو التملص منها "‏إنه طريق ( الاتجاه الواحد) الذي لن يكون بمقدور الحكومة معه إلا تمني أن لا تتصرف الحركة بحماقة . وهو الموقف الذي سيزداد حرجاً حينما يتعين على الحكومة تأهيل ( الجيش الشعبي) ، وتمويله وتسليحه من خزينتها .

‏إن وجود ألف وخمسمائة فرد مسلح من مقاتلي ( الجيش الشعبي) في العاصمة سيكون عامل قلق آخر إذا ما أسيء استخدامهم ، أو حتى قل انضباطهم ، وهو جو عانت منه العاصمة مراراً إثر معارك شرسة بين (حرس) الفصائل المتحالفة مع الحكومة ، مما اضطرها لنزع أسلحتهم في نهاية الأمر. وفي كل الأحوال فإن الحضور العسكري القوي للحركة في العاصمة سيكون له ظلاله السياسية المؤثرة .

‏العقيدة العسكرية المشتركة ، والنواة المكونة لجيش السودان المستقبلي ، ومصير الفصائل العسكرية التي تصر على وضعها المستقل أو شبه المستقل ، والفصائل الرافضة للاتفاق ، ومدى حياد الرقابة الدولية كلها مسائل تزيد من تعقيد موقف الحكومة ، وتقلل من فرص نجاح هذه العملية .

إتفاق تقاسم السلطة :

‏رغم أن تمثيل ( الحركة الشعبية) للجنوب لا يتجاوز 17 % (برأي المراقبين) من مجموع سكان أهل الجنوب الذين يشكلون ربع سكان السودان ، ويقطنون في ربع مساحته . . ورغم الاضطراب في تحديد البعد الذي تفاوض عبره الحكومة نتيجة غياب حكومة الشمال ، وبرلمان الشمال المقابل لحكومة الجنوب وبرلمانها ، ومن ثم غياب التناسق في درجة التمثيل في الحكومة الاتحادية ، والبرلمان الوطني بين الأقاليم و القوميات . . ورغم أن التفاوض أخذ صبغة التنافس على المكاسب الحزبية على حساب المصلحة العامة . . ورغم أن التناقض الأيديولوجي والاستراتيجي، ومرارت سنوات الحرب ونقض العهود لم تبرح مواطنها بعد . . ورغم تقليم أظافر الحكومة المركزية لصالح حكومة الجنوب والولايات، ولصالح (عشر) لجان موكلة بتطبيق بنود الاتفاقية . . رغم كل ذلك فإن الاتفاق قد بالغ في تعزيز سطوة ( الحركة الشعبية) على الشمال بعد تأكيد انفرادها بالسلطة في الجنوب .

‏الاتفاق أعطى الجيش الشعبي ( التمرد ) منصب النائب الأول للرئيس على أن يكون له حق ( الفيتو) في نقض قرارات الرئيس، إذا تناولت شؤون الحرب والطوارئ، وحل واستدعاء البرلمان وكل المناصب المتعلقة بالاتفاقية ( التي بدورها تتعلق بكل المناصب) . وهو الحق الذي لا يملكا الرئيس حتى في أبسط شؤون الجنوب .

‏و ( النائب الأول) الجنوبي يرأس أيضا حكومة الجنوب التي تجعل لها الاتفاقية وضعا دستوريا مستقلا بحكومة، وبرلمان، وسلطة قضائية مستقلة تماما، وينفرد فيها رئيس الجيش الشعبي بتعيين وزرائها، وتسعة حكام للولايات الجنوبية العشر، وتعين 70 % من نواب البرلمانات الجنوبية وحكوماتها .

‏وينص الاتفاق أيضا على أن ينال الجيش الشعبي ( التمرد ) نسبة 28 ‏%من السلطة التنفيذية المركزية، بجانب 52 ‏% للمؤتمر الوطني، و14‏%لباقي قوى الشمال، و 6% لباقي القوى الجنوبية إلى حين

‏إقامة انتخابات عامة في نصف الفترة الانتقالية (في موعد يحدده الطرفان) ، ويقضي الاتفاق بأن يعين رئيس الدولة

( المنتخب) إذا كان شماليا نائبا أول من الجنوب هو رئيس حكومة جنوب السودان المنتخب من قبل الجنوبيين فقط، أما إذا كان الرئيس المنتخب جنوبيا فعليه تعيين نائب أول من الشمال . ويلزم الاتفاق الحكومة المركزية بأن يكون ما بين 20 ‏%إلى 30 ‏% من العاملين في الخدمة المدينة هم من الجنوب ، بغض النظر عن أي اعتبار آخر.

‏أما السلطة التشريعية فتتشكل من مجلسين : مجلس وطني (برلمان نيابي) مكون بنفس النسب أعلاه ، ومجلس ولايات (مماثل لمجلس الشيوخ في النظم الأخرى) ، تمثل فيه كل ولاية بممثلين ، (في السودان 26‏ولاية منها 10 ‏ولايات جنوبية) . وليس لهذه المجالس أي حق في تغيير حرف واحد يمس الاتفاقية، لأنه حق مخصص فقط للطرفين الموقعين كيفما كان وضعهما الانتخابي .

‏تتكون السلطة القضائية من (محكمة دستورية) يرأسها قاضي يتم تعيينه بالاتفاق بين الرئيس ونائبه الأول ، وتتولى

 ( الرئاسة) أيضا تعيين باقي قضاتها بتوصية لجنة الخدمات القضائية ( الممثلة بشكل عادل) ، وإجازة مجلس الولايات ، و(محكمة عليا) تعينهم ( الرئاسة) أيضا بعد توصية لجنة الخدمات القضائية ، على أن يتم تمثيل جنوب السودان في المحكمتين كما يتم تمثيلهم في ( المحاكم الوطنية) في العاصمة .

‏اللغة الرسمية المنصوص عليها في الاتفاق صيغت على نحو غامض ومربك ، يقرأ كالتالي : ( اللغة العربية هي اللغة الرئيسية على المستوى الوطني ، وتصبح الإنجليزية هي لغة الأعمال الرسمية للحكومة ولغة التوجيه في التعليم العالي) .

‏العاصمة ( القومية) في الاتفاق ستخضع لإدارة ممثلة (بنسب عادلة) للطرفين ، وسيتم إعفاء غير المسلمين من تطبيق الشريعة الإسلامية وتطبيق عقوبات مخففة بديلة . والتطبيق ( المهزوز) للشريعة الإسلامية في العاصمة سيلحقه ضرر بليغ جراء مشاكسة ممثلي (قرنق) الجدد في الشرطة والقضاء والنيابة العامة .. وجراء الالتفاف الذي ستمارسه الدوائر القضائية الخاصة بالتعامل مع إشكاليات تطبيق الشريعة كما نص عليها البروتوكول . . وجراء الحساسية التي ستولدها الدورات القضائية المرشدة (للتسامح) ومراعاة غير المسلمين . . وجراء الاحترام الذي يضفيه الاتفاق على السلوك القائم على الممارسة الثقافية وأولوية ( التسامح) و( ميزة الشك) التي يوصي بها عند التطبيق . . وجراء اعتماد كل مواثيق حقوق الإنسان كنصوص دستورية ، وليس مجرد قوانين من التشريع العادي كما هو الحال عند المصادقة المعتادة في هذا الشأن .

‏والنصوص بشأن التشريع في ( العاصمة القومية) في الجملة نصوص مبهمة ومنحازة بما يكفي لاضمحلال زخم إسلامية العاصمة التي كان يقف ضدها ( التمرد ) .

‏الاتفاق تجاهل التفصيلات النوعية للحصص (كأسماء الوزارات) ، وتحديد مفهوم مصطلح ( الرئاسة) ، والوصف الوظيفي لمكوناتها ، وتجاهل معالجة وضع النازحين الجنوبيين في العاصمة الذين يقدر عددهم بحوالي المليونين وفي باقي مدن الشمال ، في الوقت الذي أجاز الاتفاق لكل المواطنين حرية التنقل والإقامة دون التطرق إلى الأثر الانتخابي لهذه العملية .

اقتسام الثروة :

‏عالج الاتفاق قضية الثروة من منطلق المخاصمات الثأرية ، وليس إعمالاً لشعارات التوزيع العادل والمساواة المدبجة في صدر ( البرتوكول) والذي اقتصر في البدء على إعلان أن جنوب السودان يواجه حالة (خطيرة) ، وأن النيل الأزرق وجبال النوبة وأبيي تواجه حاجة (عاجلة) .

‏و( البروتوكول) يجعل النفط السوداني تحت إمرة لجنة البترول القومية التي تحظى بأغلبية مطلقة للحركة الشعبية في مناطق الإنتاج الجنوبية ، وما لا يقل عن 50 ‏% في المناطق الشمالية .

‏ويمنح الاتفاق حكومة الجنوب نسبة 50 ‏‏% من صافي عوائد النفط في الجنوب ( الذي يمثل 77 ‏‏% من مجمل الإنتاج) و 50 ‏‏% من العوائد غير النفطية في الجنوب ، ويمنحها حق جلب الإيرادات عبر أكثر من عشرين بنداً مختلفاً ، إضافة إلى التحويلات المركزية عبر صندوق العائدات القومية ، والتبرعات والمنح الدولية عبر صندوق إعمار الجنوب .

‏والاتفاق لا يتعرض لأي آلية لمراقبة أو محاسبة التصرفات المالية لحكومة الجنوب ، في حين أنه يوصي بتكون لجنة تحديد المخصصات المالية لمراقبة إيرادات وتحويلات الحكومة المركزية ، وهي لجنة ممثلة بالتساوي بين الحكومة المركزية وحكومة الجنوب ، بالإضافة إلى وزراء المالية في الولايات .

‏هذا ( البروتوكول) سيوفر للحركة الشعبية ما يقدر بألف وخمسمائة مليون دولار سنويا - بدون المساعدات الدولية - مما يجعله عنصرا خطيرا في إعادة التكوين السياسي والعسكري للحركة في المرحلة المقبلة .

الاتفاق حول المناطق الثلاث :

‏إن مجرد إدراج أي نص حول المناطق الثلاثة : أبيي ، والنيل الأزرق (جبال الأنقسنا) ، وجنوب كردفان (جبال النوبة) يعتبر نصرا كاملا للتمرد ، بيد أن سخاء الاتفاقية أبهر كل المراقبين ، وبدا متجاوزا لكل التحفظات وسقوف التشاؤم الحكومية نفسها ، في وقت كانت ترفض فيه الحكومة مجرد مناقشة الموضوع .

‏منطقة (أبيي) تفصل بين الولايات الجنوبية والشمالية ، وتقطنها ما تعرف بـ (قبائل التماس) ، حيث يتعايش ذوو الأصول الأفريقية لا (دينكا مجوك) مع ذوي الأصول العربية كقبائل ( المسيرية) .

‏تتبع (أبيي) إداريا لمنطقة جنوب كردفان (بالشمال) منذ 1905 ‏م ، وقد رفض أهلها (خصوصا ناظر دينكا مجوك) الطلب الإنجليزي حول تبعيتها لبحر الغزال مرتين في عام 1934 ‏م و1951 م ، وهو ما تم إقراره بمشاورة سكان المنطقة عام 1982 ‏م كجزء من اتفاقية (أديس أبابا) .

‏النفط المنتج في المنطقة الآن لا يتعدى 4000 آلاف برميل يوميا ، ومساحتها لا تتجاوز بحال 900 ‏كم2  ‏، إلا أن الدراسات تؤكد وجود احتياطي نفطي بكميات تجارية ، وهي منطقة لم تصلها قوات الحركة طوال فترة الصراع ، ولكن الحركة تتمسك بالتفاوض حولها ، لأن مجموعة مؤثرة من قيادات الحركة هم من أبناء المنطقة مثل : دينق ألور، وأروب مياك ، وادوارد لينو.

‏الاتفاق حول المنطقة جاء عبر سيناريو مهين وغير لبق، إذ أعلن القس (دانفورث) عن المقترح الأمريكي علنا في مؤتمر صحفي في 19 ‏مارس 2004 ‏م أمهل فيه الطرفين فترة أسبوع للرد ، وهددهم فيه بعواقب وخيمة إذا ما تم رفضه!

‏المقترح الأمريكي الذي وقعه الطرفان يعطي للمنطقة وضعا إداريا خاصا تحت إشراف رئاسة

‏الجمهورية ، ويمنح أهالي (أبيي) حق الاستفتاء حول الانضمام إلى ولاية بحر الغزال ( الجنوب) ، أو البقاء في وضع إداري خاص بالشمال عن طريق استفتاء ، يتم بالتزامن مع استفتاء جنوب السودان .

‏والمقترح يقسم صافي عوائد النفط المستخرج من المنطقة إلى 52 ‏% لصالح الحكومة 42 ‏%لصالح الحركة الشعبية

 8 ‏%موزعة بالتساوي لصالح محليات دينكا مجوك ، ومحليات المسيرية ، وولاية غرب كردفان ، وولاية بحر الغزال اللتين سيكون لأهل (أبيي) تمثيل نيابي بهما .

‏والمقترح يثير تساؤلات عدة عن مغزى تجاهل وضعية القبائل العربية ، أو النص عليها ضمن السكان المعنيين بالاستفتاء (كما صنع الاتفاق حين أشار إلى مشيخات قبائل دينكا مجوك كسكان للمنطقة) ، مع أن القبائل العربية تمثل أغلبية سكانية كبيرة ومؤثرة ، ولكن ( البروتوكول) لم يشر حتى للمرجعيات المعتمدة لتحديد هوية سكان المنطقة الآخرين ، وترك المسألة برمتها لمناورات ما بعد التوقيع . . ثم ما سبب الإصرار على إجراء الاستفتاء قبل تقرير مصير الجنوب، إذ لا معنى للاستفتاء حول تبعية (أبيي) طالما تحققت الوحدة إذا كانت هدفا مرغوبا ، كما لم يتم التطرق للنسب المعتمدة لنتائج الاستفتاء .

‏إن فحوى الاتفاق الموقع ، وتفاصيل توزيع الثروة ، والسلطة ، ونظم إدارة المنطقة ، والاستفتاء والرقابة الدولية المقترحة تغري بالانفصال نحو الجنوب ، وهو ما سيدق إسفيناً عميقاً في جسم العلاقة بين الشمال والجنوب وبين قبائل ( التماس) ، ويفتح صفحة صراع جديد ونموذج (كشميري) في أفريقيا .

‏أما ما يتعلق بمنطقة جبال النوبة ، أو (جنوب كردفان) - كما يسميها المرسوم الدستوري الرابع عام 1991 ‏م - فتبلغ مساحتها 12.000‏كلم2‏، وتسكنها أكثر من 64‏قبيلة ، أشهرها قبائل ( النوبا) التي تنتشر في الجبال ، وقبائل ( المسيرية) التي تستوطن الوديان ، ويقترب مجموع سكان المنطقة من مليوني نسمة ، يشكل المسلمون فيهم نسبة 75 ‏%، وتحوي المنطقة 6‏ملايين فدان من الأراضي الزراعية المخططة ، و 25 ‏مليون فدان من الغابات و 3 ‏.7 ‏مليون رأس من الثروة الحيوانية ، بالإضافة إلى أنها تجاور حقول (هجليجة) ، وحقول (عدارييل) النفطية .

‏وكرد فعل على ضعف التمثيل السياسي لأبناء الجبال ظهرت ( الكتلة السوداء) كأول تنظيم لقبائل ( النوبا) في 1948 ‏م ، ثم ( اتحاد عام جبال النوبا) الذي أنشئ بعد ثورة أكتوبر 1964‏م ، والذي لم يلبث أن انقسم عام 1967‏م إلى جناح بقيادة (محمود حسيب) الذي تبنى الهوية العربية الأفريقية للسودان ، والذي شارك - من بعد - في أول حكومة لثورة مايو عام 1969‏م وزيراً للمواصلات كأول منصب وزاري للنوبا ، وجناح آخر بقيادة الأب (فيليب غبوش) الذي ينادي بافريقية السودان والذي غادر البلاد بعد انقلاب مايو، وعاد بعد مصالحة عام 1977 ‏م ، ثم اعتقل إثر اتهامه بمحاولة انقلاب (عنصرية) عام 1984 ‏م ، إلا أنه تم العفو عنه في محاكمة مشهورة .

‏وفي عام 1984 ‏م بدأت علاقة الجيش الشعبي لتحرير السودان بالحركات النوبية ممثلة (بحزب العمل) الذي تكون عام 1972 ‏م بقيادة (يوسف كوة) ، والذي يقتصر على عضوية أبناء النوبا (أماً وأباً) بحسب المادة الأولى من دستوره ، وذلك باختيار أعضاء للالتحاق بالحركة على رأسهم (يوسف كوة) نفسا و(دانيال كودي) .

‏بعد تكوين كتيبة (بركان) التي تم إعدادها في معسكر (بلفام) بإثيوبيا من أبناء الإقليم أعلنت الحركة الشعبية أن منطقة الجبال هي منطقة عمليات رقم 2 ‏، وابتدأت أولى العمليات على هذا النطاق بالهجوم على قرى ( القردود) في 17 ‏رمضان 1405 هـ الموافق 5 ‏يونيو 1985 ‏م ، وأسفرت عن مقتل 206‏مواطنين .

لقد شكل أبناء الإقليم قوة ضاربة رئيسية في جيش الحركة ، ونقل أحد أبرز القيادات الإعلامية للتمرد من أبناء النوبا (محمد هارون كافي) عن جون قرنق قوله : "‏إن 80 ‏% من قواته من أبناء النوبا " وفي مرة أخرى قال : "‏إنهم 60 % من النوبا "‏(صحيفة المخبر 10 ‏يوليو 1996‏م) ، إلا أن المفارقة أن ( النوبا) لم يكونوا ممثلين في القيادة العليا للحركة إلا بعضو واحد هو (يوسف كوة) حتى قيام المؤتمر القومي للحركة الشعبية في (شقدوم) عام 1994 ‏م ليصبح عدد الممثلين 3 ‏من أصل 58 ‏عضواً لمجلس التحرير القومي ، وممثل وحيد (لمناطق الانقسنا) هو (مالك عقار) ، وفي ذلك يقول (كافي) في حوار له مع صحيفة الوسط ( 15 ‏يوليو 1996م) : "‏استبعدنا من كل البعثات إلى كوبا ، وزمبابوي ، وحتى من بعثات التدريب الداخلي ، ذلك في الوقت الذي نقاتل فيه باسم الحركة في جبالنا ، ونقاتل مع قرنق في الجنوب ، ونشارك مع أبناء منطقة (جبال الأنقسنا) ، لكننا مهمشون داخل الحركة ".

‏ويقول (دانيال كودي) أحد مؤسسي التمرد بجبال النوبا : "‏إن أبناء النوبا ظلوا في الفترة الأخيرة منذ عام 1990 ‏م وحتى الآن ينقذون 60‏%من عمليات الحركة العسكرية في الجنوب ، ولكنهم ظلوا يشكلون صفراً بالمائة من النشاط السياسي للحركة ، وهذه‏ حقيقة يعلمها الجميع ، وهو أمر غير مقبول على الإطلاق"(الصراع في جبال النوبا - تأليف سراج الدين عبد الغفار - ط 1999 ‏م -ص 288 ‏) .

‏ربما لم تكن الحركة ممتنة لأبناء الجبال ولا لقتالهم في صفها ، وربما كانت تحارب هناك كمناورة تكتيكية لإشغال الخرطوم ، وتبديد جهودها ، وليس هدفا إستراتيجيا أصيلا في فلسفتها ، وربما لم يثق (قرنق) قط في جنود النوبا الذين يؤمر عليهم ضباط من ( الدينكا) ، ولا يسمح لهم بأي نفوذ في دوائر الاستخبارات والقيادة العليا ، أو بوضع استقلالي ، ربما ينقلب عليه يوما ، ولكن الحركة لا تستطيع شطب قضيتهم والوقوف ضد تطلعاتهم ، أو تجاهل تهديداتهم إذا تم بيعهم ، أو حل مشكلة الجنوب على حسابهم .

‏لم تتجاوز سيطرة الحركة الشعبية على الجبال نسبة 10 ‏%تتركز حول رئاستها في ( جبال أجرون ولمون) ، وجيوب قليلة في المنطقة الغربية للولاية . بعد تعيين القس (جون دانفورث) في 9 ‏سبتمبر 2001 ‏م مبعوثاً رئاسياً أمريكياً للسلام في السودان ، ابتدأ مهمته من الجبال ، وقال أثناء زيارته للخرطوم في 14 ‏/ 11 ‏/ 2001 ‏م : " قد اقترحنا جبال النوبة، لأنها أصبحت تحظى باهتمام الرأي العام الأمريكي بسبب الأنباء التي تتحدث عن الرق فيها ، ولأن نجاح الخطة في الجبال يساعد على تطبيقها في المناطق الأخرى"، وبالفعل رعت الولايات المتحدة المفاوضات بين الجانبين ببلدة (بورغنستوك) في سويسرا ، وانتهت بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار، وتسوية مستقبل المنطقة في 19 ‏يناير 2002 ‏م ، وهو ما اعتبر خطوة أولى في طريق التسوية السلمية للحرب .

‏أما منطقة جنوب النيل الأزرق (جبال الانقسنا) فتبلغ مساحتها ( 26‏ألف ميل مربع) لا يسيطر جيش الحركة إلا على أقل من 7 ‏% منها (منطقة الكرمك ، وقيسان ، وقرى قليلة مجاورة) ، وقد انضمت أعداد

‏قليلة من سكان المنطقة للجيش الشعبي مثل (مالك عقار) مسؤول الحركة الشعبية عن المنطقة .

‏وبحسب النصوص الموقعة فستذهب نسبة 45 ‏% من السلطة التنفيذية والتشريعية لصالح التمرد في المنطقتين ، إضافة إلى منصب الحاكم في إحدى الولايتين ، ونائب الحاكم في الولاية الأخرى إلى جانب نصوص أخرى وضعت لتأكيد سلطة المنطقتين على القضايا المالية ، والقضائية ، والأمنية ، والثقافية بعيداً عن تأثير الحكومة الاتحادية .

مصير الوحدة أم مصير السلام :

‏من حيث المبدأ فقد خرج الإقرار بحق (تقرير المصير) من دوائر المناورة والالتفاف، فقد أقرت الساحة السياسية السودانية بما يشبه الإجماع ذلك الحق، إذ وافقت عليه الحكومة في مفاوضات (فرانكفورت) مع ( الفصيل المتحد) في يناير 1992 ‏م ، ومع الحركة الشعبية في (إعلان المبادئ) الصادر في 20 ‏/ 7 ‏/ 1994 ‏م ، ومع الفصائل المنشقة عن الحركة في ( اتفاقية الخرطوم) في  21 ‏أبريل 1997 ‏م ، وتم تضمينه لدستور 1998 ‏م ، ثم مع الحركة في (تفاهم مشاكوس) الموقع في 20 ‏/ 7 ‏/ 2002 ‏م . وهو أيضاً ما وافقت عليه أحزاب المعارضة الشمالية في (مقررات أسمرا ) في يونيو 1995 ‏م .‏إن خطورة تمرير هذا الإقرار تستند إلى حيثية إنشاء (سقف أدنى) جديد للمطالبات الجنوبية ، وإلى استحالة أو عسر تكوين عناصر الوحدة ( الجاذبة) ، رغم أنف كل الخلفيات والخلافات والاختلافات ، والى إثارة باقي الأعراق ، والأقاليم نحو هذا المطلب .

بيد أن المصاعب لا تنتهي هنا ، فهناك عدة معوقات تحول دون اكتمال خطط السلام :

1 ‏- رغم أهمية تضمين حق (تقرير المصير) عبر الاستفتاء للاتفاقية إلا أنها لا تجعله العنصر الحاسم في تحديد مصير الجنوب ، وربما لا يتم استخدام هذا الحق أصلا لتقرير مشروعية أي وضع للجنوب، ذلك لأن الاتفاق يعطي سيادة واستقلالا حقيقيا للإقليم عن السودان ، ويحميه سياسياً ودستورياً وعسكرياً عن أي تأثير شمالي ، كما أنه يهيئ الأسرة الدولية لقبول الوضع الجديد ، وان لم يتم تنفيذ بنود الاتفاق الأخرى .

2 - درجة تغلغل ( الحركة الشعبية) في دوائر الخدمة المدنية ، والمؤسسات الأمنية ، والعسكرية ، والنشاط السياسي ، والاجتماعي - في شمال السودان قبل جنوبه - لا يمكن أن تضبطه نصوص الاتفاقيات مهما توسعت احترازاتها ، لأنه لا ضمانات بأن لا يتم توظيفها لزعزعة شؤون الشمال وقلب موازينه ، وتأجيج ثورات الأقليات الأخرى ، كصنيعها مع حاملي السلاح في (دارفور) ، فقد صمه (قرنق) لوكالة (رويترز) - بعد أسابيع قليلة من توقيع الاتفاقية - في 11 ‏/ 7 ‏/ 2004 ‏م بأنه لن يسمح " للحكومة الانتقالية" بمواصلة ما وصفها بأنها " جريمة بالغة الخطورة تنظمها الدولة" ، وقال بأن " الحكومة تستخدم في (دارفور) الأساليب نفسها التي اتبعتها طيلة 21 ‏عاما مع قواته ".

3 ‏- لم تعالج الاتفاقية وضعية الفصائل الجنوبية المستقلة بشكل مأمون ، بل قد لا يملك الطرفان حلولا فعالة و(رخيصة) حيالها ، رغم كونها مهدداً حقيقياً لنجاح العملية .

‏تزيد أعداد هذه‏ الفصائل عن (  40 ‏ فصيلاً) ، وتضم أكثر من ( 30 ‏ألف مقاتل) ، وتنتشر بشكل رئيسي حول مناطق البترول الاستراتيجية ، وتعمل معظم هذه ‏الفصائل لصالح الحكومة السودانية من خلال (تفاهمات) ثنائية مشروطة ، قد لا تجد الترحيب في ظل الوضع الجديد ، إضافة إلى أنه لا توجد مؤشرات توحي برغبة هذه ‏الفصائل في التخلي عن استقلالها ، والاندماج في جيش أي من الطرفين بلا امتيازات خاصة . فبعد توقيع (بروتوكول) الترتيبات العسكرية شن

 ( المنبر الديمقراطي لجنوب السودان) من مركزه ‏بلندن هجوماً عنيفاً على الاتفاق ، وقال عنه (مارتن الينا) رئيس المنبر : إنه "‏رخصة لإعلان حرب جديدة " ‏بسبب عدم استيعاب الفصائل الجنوبية الأخرى في الاتفاق . وقال : إن "‏الحكومة وحركة قرنق تآمروا على بقية الفصائل الأخرى ، ونحن نرفض أن يكون جيش الحركة الشعبية هو المسيطر في الجنوب"‏.

4 - قوات الحركة الشعبية التي تتراوح بين ( 30-100‏ألف مقاتل) باختلاف التقديرات تمثل مشكلة كبيرة من ناحية أنها (جيش عصابات) لا يلتزم بقوانين عمل الجيوش النظامية من حيث اللياقة والمهارة والتدريب ، والعقيدة ، والانضباط العسكري ، ولا بلوائح موضوعية للتجنيد ، والفصل ، والترقيات .

‏ينقل عضو الحركة السابق (محمد عبد الكريم) الكلمات التي كان يكررها (قرنق) في حفل تخريج كتائب الحركة والتي يقول فيها : "عليكم أن تعيشوا على أفواه بنادقكم ، الغذاء . . الزوجة . . والممتلكات أين ما تجدونها فأنتم أحق الناس بها ، وينبغي عليكم الاستيلاء عليه من خلال قوتكم" (إبراهيم محمد آدم  - ­الأبعاد الفكرية والسياسية والتنظيمية للحركة الشعبية - ص 128 ‏) . وتجنيد الحركة للأطفال مسألة معروفة حتى أن (جان برندرفاست) مبعوث الأمم المتحدة السابق في السودان كتب في عام 1997 ‏م كتابا عن ( الاستجابة للأزمات) قال فيه :" إن هناك عدة أدلة على انتهاكات الحركة الشعبية لحقوق الإنسان تتمثل في قيامها باختطاف وعزل أطفال الجنوب بصورة أبشع مما كان يحدث في ألمانيا النازية التي كانت تستخدم الشبان والأطفال لأهداف سياسية وعسكرية ، وكانت نتيجة ذلك مجموعات الجنود الأطفال في الحركة المعروفة بالجيش الأحمر" . هذا فضلا عن انعدام عوامل الثقة المتبادلة مع الجيش الحكومي في حالة ( القوات المشتركة) ، نتيجة للتربية التعبوية المشحونة بالعنصرية .

‏حينها وقعت ( اتفاقية أديس أبابا) في 3 ‏مارس 1972 ‏م نصت حينها على استيعاب قوات ( الأنيانيا) في الجيش النظامي والتي تقدر بحوالي ( 16‏ألف فرد) وتكوين (قوات مشتركة) للمنطقة الجنوبية قوامها ( 12 ‏ألف فرد) ، تقسم مناصفة بين الجيش الحكومي وقوات ( الأنيانيا) ، ولكن لم تفلح تلك الإجراءات في تكوين تشكيل عسكري مقبول من

الطرفين ، وانتهت الفترة المقدرة للانصهار (خمس سنوات) ، ولم يتم دمج سوى أقل من 30 ‏%من القوة المتفق عليها ( اللواء مساعد النويري - تجربة القوات المسلحة مع الجيش الشعبي - ص 17 ‏) .

‏لهذا شهدت فترة ما بعد الاتفاقية حوادث تمرد متكررة أدت لتكوين أو تشجيع التيار المناهض للاتفاقية الذي تنامى تدريجياً ليكون بدايات ظهور الحركة الشعبية ، مثل : حوادث تمرد ( الكتيبة 116‏) في 9 ‏/ 9 ‏/ 1974 ‏م ، و( الكتيبة 104 ‏) في 2 ‏/ 3 ‏/ 1975 ‏م ، و(سرية النقيب ألفريد أقوين) في فبراير 1997 ‏م ، و(سرية الدفاع الجوي) بجوبا في 5 ‏/ 2 ‏/ 1977 ‏م ، وأحداث سوق (مانكن) عام 1981 ‏م ، ونقطة (كوت كير) في 24 ‏/ 5 ‏/ 1982 ‏م ، ثم تمرد (فصيلة وانكاي) في 15 ‏/ 3 ‏/ 1983 ‏م .

5 ‏- تمثل القبيلة في جنوب السودان وحدة الانتماء الأساسية ، والعنصر الفعال في التكوين السياسي والعسكري لشعب الجنوب ، ومن ثم فصياغة أي رؤية ، أو مشروع لا يرتكز على هذه الحقيقة مصيره الإخفاق .

‏في الفترة الأولى من ( اتفاقية أديس أبابا) كان الصراع الجنوبي يتمحور حول الموقف من الشمال وقضية الانفصال ، وقد كسبته مجموعة (أيبل ألير) ذات التوجه القومي الوحدوي آنذاك ، وتسلمت به رئاسة ( المجلس التنفيذي الانتقالي العالي لجنوب السودان) عام 1972 ‏م ، ولكن سرعان ما تحول الصراع إلى نزاع قبلي شرس ، بدا جلياً في تمرد ضابط قبيلة ( النوير) الملازم (بنسون كواج) في مطلع مارس 1975 ‏م على قائد ( الكتيبة 104 ‏) الذي ينتمي لقبيلة الدينكا يقول (بنسون كواج) معللا سبب التمرد : "‏إن الاتفاقية لم تحقق أهداف النوير بأن يحكموا أرضهم ، ويقوموا بتطويرها ، لقد شددت الاتفاقية قبضة الجانقي (الدينكا) على النوير، وأرض النوير ليمارسوا أحقادهم القديمة ، وهيمنتهم على القبائل الصغرى "‏(سراج الدين عبد الغفار- تجربة الدفاع الشعبي وحرب الجنوب - ص 72 ‏) .

‏وهكذا بدأت تقوى وضعية القبائل الاستوائية حتى تمكنت مجموعة (جوزيف لاقوا - الذي ينتمي لقبيلة

اللادو - من إسقاط رئاسة حكومة (أيبل ألير) والحلول مكانها في 1978 ‏م ، وهو ما دفع (أيبل ألير) للاستنجاد بالدينكا تحت شعار "‏وحدة الدينكا" .

‏الذين يشكلون حوالي نصف سكان الجنوب ، وتمكن من الرجوع لرئاسة المجلس في انتخابات عام 1980 ‏م بدأ بعد ذلك تداول فكرة تقسيم الجنوب لثلاث ولايات ، وهو ما بدا تحديا لسيطرة ( الدينكا) ، لأنه سيعيد تشكيل سيطرة القبائل على الأقاليم (مثل : أقاليم الاستوائية ، وبحر الغزال ذات النفوذ الضعيف للدينكا) .

‏لقد راجت الدعوة للتقسيم بين قبائل ( النوير) و( الاستوائية) والأقليات القبلية الأخرى في مواجهة تمسك ( الدينكا) بوحدة الجنوب حتى أن عضو مجلس الشعب الإقليمي في جوبا ( د . حسن ياج) وقف في المجلس قائلا : "‏لقد ناضل السودانيون خمسين عاما لإنهاء الاستعمار البريطاني ، وناضل الجنوبيون سبعة عشر عاما للتحرر من سيطرة الشماليين ، وسيتعين على القبائل في جنوب السودان أن تناضل مائة عام للتخلص من سيطرة الدينكا "‏(مجلة السياسة الدولية عدد ديسمبر 1988 ‏م) ، ثم صدر قرار التقسيم في 5 ‏/ 6‏/ 1983 ‏م ، واعتبر أحد أسباب قيام ( التمرد) .

‏(إن من أكبر الصراعات الداعية والمميتة التي حدثت في الحرب الأهلية حتى اليوم ، وقعت بين الجنوبيين أنفسهم بين الدينكا والنوير) .

‏وإذا علمنا أن معظم بترول الجنوب يقع في مناطق قبائل ( النوير) المنافسة لقبائل ( الدينكا) التي تسيطر على الحركة الشعبية .

6- سيكون صعباً على الحركة الشعبية أن تتحول من منظمة عسكرية بنيت على حرب العصابات إلى تنظيم سياسي ودود ، وستدخل العملية السلمية والسياسية في مأزق كبير إذا ما حاول العقيد (جون قرنق) تطبيق النموذج الذي كان يمارسه داخل حركته طوال ( 21 ‏سنة) نموذج الدكتاتورية الثورية ، وسياسات ( التهميش) ، والتصفية التي ابتدأت من اغتيال مؤسسي الحركة الشعبية نفسها . . (صموئيل قاي توت) في 13 ‏مارس 1984 ‏م . . و(مارتن ماجير قاي) عام 1993 ‏م . . و(جوزيف أدوهو) في 27 ‏مارس

1993 ‏م . . و(وليم نيون يانغ) في 15 ‏يناير 1996‏م . . و(وليم شول دينق) في 5 ‏يوليو 1996‏م ، ثم أحداث اغتيال (كاربينو كوانين) الغامضة في 10 ‏سبتمبر 1999 ‏م .

‏لقد قاد (جون قرنق) حرباً ضروساً ضد المجموعات العرقية الأخرى في سبيل بسط نفوذه على المنطقة ، واجتثاث جذور الحركات المنافسة التي كان يطلق عليها لقب (nygat) أي قطاع الطرق ، وأشهرها حروبه ضد قبائل ( النوير) 1983 ‏- 1987 ‏م و( المورلي) 1983 ‏م و( التبوسا) 1986‏م و( المنداري) و( المورو)1985 ‏م . هذا فضلا عن غياب أي آليات للمشاركة في القرار، والقبول بالمخالفين ، أو للمحاسبة المالية .

ملامح السودان الجديد :

‏طرحت ورقة قدمها مجلس الكنائس السوداني في اجتماع مجلس عموم كنائس أفريقيا في لومي عام 1987 ‏م مفهوماً جديداً - كان له رواج كبير بعد ذلك - بعنوان ( إنقاذ السودان) جاء في توصياته " المناداة بضرورة إيجاد السودان الجديد الخالي من السيطرة العربية" وهو المفهوم الذي ضمنته حركة التمرد لفلسفتها السياسية ، وظلت تنادي بها حتى بعد توقيع تفاهم (مشاكوس) الإطاري ، كما جاء في المحاضرة التي ألقاها رئيس الجيش الشعبي (جون قرنق) العام الماضي في ولاية فرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية ، حيث ذكر أن : " تطبيق الشريعة في الشمال واستثناء الجنوب سيوقف الحرب ، ولكنه لن يحقق الوحدة الطوعية" ، وقال بأن " الهدف الرئيسي للحركة الشعبية هو إنشاء السودان الجديد ، وهو يعني انتهاء النموذج العربي الإسلامي المتحكم الآن ، وإعادة بناء السودان وفق رؤية الحركة" ، وذكر أن الإخفاق في تحقيق ذلك سيقود تلقائياً إلى إعلان دولة مستقلة في الجنوب .

‏وهو الأمر الذي سارع ( قرنق) إلى تأكيد الالتزام به في كلمته في الحفل المقام على ( شرف) توقيع ( البرتوكولات) الستة قائلاً : " إن حركته انطلقت لخلق سودان جديد ، وأنها لن تتخلى عن هذا الهدف ، بل إن توقيع اتفاق السلام يعتبر البداية في هذا الاتجاه " .

هذه البداية تحمل دلالات عديدة على رسم صورة السودان المستقبلة ، منها :

‏أولا: استمرار الطرق على أطروحة السودان الجديد من خلال عدة أبعاد يسقى التمرد لتوظيفها ، من أجل تمكين مشروعه الذي يقوم على أنقاض التوجه الإسلامي والعربي للسودان :

البعد العرقي ( العنصري ) الذي يقوم على دعاوى تسلط الأعراق ذات الأصول العربية ، واضطهادها للمجموعات الأخرى ، ويغذيها بنظريات الاستعلاء العرقي ، وحكايات الرق الذي تمارسه تلك الكيانات ، وتعمل الحركة بكل السبل لتنمية النزعات الجهوية ، وإثارة الأقليات العرقية الأخرى ، وحشدها إلى صف الحركة في مواجهة كل ما هو عربي . والأداة العرقية عنصر مؤثر في كسب تحالف الجوار الأفريقي والمساندة الأمريكية والتعاطف الأوروبي في مدينة فينيكس بولاية أريزونا الأمريكية ، ألقى (عبد العزيز الحلو) سكرتير الحركة لجبال النوبة محاضرة قال فيها : (معظم المحلات التجارية في المناطق المحررة ملك لأصحابها وتدار بواسطة ناس مثلكم، يعني ما في عرب ، ولا جلابة ، ولا إغريق عندهم دكاكين وبارات في المناطق المحررة) . وكما هو مخطط أن يحدث في (دارفور) .

ومن خلال ( البعد الديني ) بتصوير القضية بشكل يجعل المؤسسات الكنسية في واجهة المعركة بدعمها السياسي ، والمالي ، واللوجستي ، وتطرح نفسها كفزاعة لإعاقة الوجود الإسلامي ، ودحر الثقافة الإسلامية ومظاهرها وحماية حقوق النصارى وباقي الأديان . في 19 ‏يناير 2001 ‏م أصدر ثلاثون قساً من قساوسة (كمبوني) الذين يعملون داخل مناطق سيطرة الحركة بياناً غاضباً عن الحركة قالوا فيه : "‏لقد شوه الدين ، وأسيء استخدامه كوسيلة للمصالح الأخرى . . لقد ضاعت القيم الروحية والثقافية ، وتراكمت الأحقاد الذاتية والقبلية والفساد ، وازدادت الفوضى والانحطاط والتخلف ، لقد ضاعت الإنسانية في السودان"‏، وأعلنوا وقوفهم ضد "‏اللاعدالة التي تؤجج حرب الجنوب "‏.

ومن خلال ( البعد الثقافي ) عبر اجترار فلسفة تعدد الثقافات والتنوع ، والمحافظة على التقاليد والأعراف المحلية ، وخطورة الإقصاء الثقافي ، ومن ثم ضياع حقيقة الهوية الواحدة والثقافة السائدة في 29 ‏/ 4 ‏/ 2004 ‏م ، كتبت صحيفة (خرطوم مونيتر) الموالية لقرنق التي تصدر في الخرطوم أنه قد آن الأوان أن تحل اللغة الإنجليزية محل العربية .

ومن خلال ( البعد الجغرافي ) التي يمكن قراءتها في بناء فلسلة الحرب على قضية اضطهاد المركز ، وتهميش الأطراف وفي الأحقية التاريخية ، وأسبقية الوجود التي يشيعها منظرو الحركة وسياسوها .

ومن خلال ( البعد السياسي ) الذي تسوقه الحركة بأنها الضمان الوحيد لتنفيذ السياسات الأمريكية والإسرائيلية ، وتحقق أطماع دول الجوار في السودان ، العميد الصهيوني (موشي فرجي) أحد ضباط الاتصال الإسرائيلي مع الحركة الشعبية كتب مؤخرا كتابا مفصلا - وقد أثار جدلا واسعا - عن إستراتيجية هذه العلاقة .

ومن خلال ( البعد العسكري ) ‏المتمثل في التربية العسكرية على الطاعة والحرب في صفوف كل المنتسبين للحركة ، وفي تقوية جيش الحركة كجيش تحرير أفريقي ، وكقوة ضاربة لا تضاهى .

‏ويمكن اختصار آلية مشروع ( السودان الجديد ) في أنها محاولة لاستغلال كل التباينات ، وعوامل الشقاق والأوهام ، وتوظيفها لأطماع قيادة الحركة .

‏ثانياً : (إن اتفاقية السلام ستكون شبيهة بترتيب مفروض على طرفين لا يشك في ضعف التزامهما ، وأن التحديات الكبيرة ستظهر في مرحلة إعادة البناء) وحجم هذا ( الفرض) والضغط كان واضحا في طول الجلسات ، وكثرة البنود (واللت ، والعجن) ، ومناورات (بائعي البطيخ) طوال مسيرة المفاوضات ، وكان واضحا في التصريحات القلقة ، ورسائل التحذير المتبادلة بين الجانبين ، وإشارات عدم الرضا ، كما في تصريحات عديدة (لقرنق) و(باقان أموم) ، وتصريحات مقابلة لأمين حسن عمر، وقطبي المهدي . والقضية بهذا الاعتبار تبعث على التساؤل والارتياب حول الصفقات والنوايا والاستمرارية والحرب القادمة ومصير السودان .

‏ثالثاً : الاتفاقية ستفرز واقعا مغايرا قوامه التمييز الجهوي ، والتوزيع العرقي والطائفي للمناصب ، وسيؤدي لتنامي الحركات والاحتكاكات العنصرية ، وتكاثر الثورات المسلحة ذات المطالب

‏الطويلة التي تهتدي بنتائج (نضال الجيش الشعبي) الذي عبد طريق التشرذم لكل سائر، وستكون ثغرة ضخمة تدخل منها كل الأطماع المحلية ، والإقليمية ، والعالمية ، وهو ما سيوظفه الجيش الشعبي (حامي حمى المضطهدين) في ترسيخ أقدامه ، وفرض رؤاه، وتفتيت دولة الشمال إذا ما قامت لها قائمة .

‏رابعاً : ماذا يريد الجيش الشعبي إن لم تتحقق نبوءة السودان الجديدة ؟

‏يمكن فهم ذلك من تاريخ تطور مواقف الحركة الشعبية ، ويحسن أن نشير هنا أن المطالب الجنوبية ابتدأت بالفيدرالية بإيعاز (مخلص) من الإنجليز، كما أورد ذلك الأستاذ (محمد زيادة) في مقال افتتاحي لجريدة صوت السودان ( 15 ‏فبراير 1956‏) ، قال "‏أول المنادين بفكرة الاتحاد الفيدرالي هو ( المستر لوس) نائب مدير الاستوائية الذي دعا لهذه ‏الفكرة في صفوف المتعلمين الجنوبيين ، واتخذ منهم دعاة لها في كل أنحاء المديرية الاستوائية ، ثم قامت (لجنة جوبا السياسية) على أساسها . . ثم نشأ حزب الأحرار الجنوبي أخيرا للدفاع عنها ، ولهذا فإن مطالبة أبناء الجنوب بالاتحاد الفيدرالي إنما نشأت من عوامل سياسية ، استهدفها الاستعمار ليستفيد منها في نهاية المطاف" ‏.

‏حينما أصدرت الحركة بيانها ( المنافستو) في 31 ‏يونيو 1983 ‏م كان يحمل نصاً قاطعاً بتبنيها لوحدة السودان تقول المادة 22 ‏من المنافستو : "‏لا بد من التأكيد بأن هدف الحركة ليس هو فصل الجنوب عن الشمال . . إن الجنوب سيظل أبداً جزءاً لا يتجزأ من السودان . . لقد تم تقطيع أوصال القارة الأفريقية

بواسطة المستعمرين في الماضي. . ولا تخدم الحركات الانفصالية إلا أهداف أعداء القارة "‏.

‏لقد خطت الحركة بهذا النص مساراً عسكرياً وسياسياً ثقيلاً لا يسهل الوفاء به ، حتى كاد أن يكون مقتلا للحركة ، رغم البريق القومي والجاذبية السياسية لهكذا أطروحة .

‏فمنذ بدايات تكوين الحركة اضطر (جون قرنق) للاستعانة بإثيوبيا و (منقستو) شخصياً - الذي كان ضد الحركات الانفصالية، لأنها قد تحرك وضعاً مشابهاً في إريتريا - استعان به في قمع الأصوات الانفصالية التي لم تقتنع بإمبراطورية السودان الجديد داخل الحركة . ثم جاء انشقاق (مجموعة الناصر) في 28 ‏أغسطس1991 ‏م - بعد ثلاثة أشهر من سقوط منقستو- ليضربوا على ذات الوتر، ويعلنوا التمرد على "دكتاتورية قرنق" ‏وعلى " رهن الحركة إلى سياسات الرئيس الإثيوبي منقستو"، يقول عضو قيادة الانشقاق (كوستيلو قرنق) عن دواعي إعلان الناصر (صحيفة ألوان 27 ‏إبريل 2000 ‏م) : " إن الحركات المسلحة لم تسع لتحرير كل السودان حيث لديها مطالب محددة ومعروفة ، وهي أن يحكم الجنوبيون الجنوب ، وألا يكون هناك أي تطبيق لقوانين لا علاقة لها بالجنوب ، وأن يكون لهم تمثيل قومي يناسب الجنوب"، ويقول : " كان شباب الجنوب في قمة حماسهم مع قرنق، ولكنه بدلاً من ذلك أرسل الجيش إلى (الكرمك وقيسان) ، ونقل الحرب إلى الشمال لتحقيق أهداف لا تخدم قضية الجنوب ".

‏ورد (قرنق) على قادة إعلان الناصر بـ(إعلان كبويتا) الذي أصدره عدد من قادة القيادة العليا للحركة في 31 ‏أغسطس1991 ‏م والذي استهجن تصرف الانقلابيين ، وأكد على قيادة قرنق للحركة . وفي 5 سبتمبر 1991 ‏م صدر ( إعلان أدير) باسم مجموعة من السياسيين الجنوبيين من بينهم (بونا ملوال) و (فرانسيس دينق) ناصروا فيه قرنق ، لكنهم أشاروا إلى ضرورة تضمين ( الكونفيدرالية) إلى خيارات مصير الجنوب .

‏ولكن الرد الحقيقي للغليان السياسي الذي سببه ( إعلان الناصر) جاء من خلال ما يعرف في (قرارات توريت) إذ دعت قيادة الحركة لقيام المؤتمر العام الأول لها في الفترة من 6 ‏- 12 ‏سبتمبر 1991 ‏م بمدينة (توريت) في جنوب السودان والذي أجاز ( 18 ‏) قراراً تعرف بـ (قرارات توريت) ينص القرار المتعلق بمفاوضات السلام على " إن نظام حكم مركزي في السودان مرتكز على العروبة والإسلام ، مع منح حكم إقليمي ، أو ولايات اتحادية للجنوب ، أو أية أقاليم أخرى قد تم تجربته وأخفق ، واستبعد ، وعليه تأرجحت البلاد بين الحرب والسلام منذ الاستقلال ، وفي أي مبادرة أو مباحثات سلام مقبلة سيكون موقف الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان من نظام الحكم مستنداً إلى إنهاء الحرب عن طريق سودان (ديمقراطي موحد علماني) أو الكونفدرالية ، وتقرير المصير" ، وأحكم الرد في فقرة ( الأيديولوجية والعمل السياسي) بدعوة صريحة إلى أن هناك " حاجة ماسة لتبديل ذلك المنافستو"‏(خطى السلام - محمد الأمين خليفة - ط 1999 ‏م - ص 106 ‏) .

‏لقد أبعدت (قرارات توريت) الحركة عن نهجها الشيوعي إلى أحضان الرأسمالية وعن ثورتها ضد( الطائفية) وقوى السودان القديم إلى أحد سدنته ، وعن ثوابت الوحدة إلى ضرورات الانفصال . تغيير بهذا الحجم يمثل ثورة كاملة للوقائع على الأوهام .

وهكذا نفهم لماذا أدرجت الحركة ( الكونفيدرالية) كخيار في مفاوضات (أبوجا2‏) في يونيو 993‏ام

‏( التي تم فيها أيضاً طرح حق تقرير المصير) ثم في مفاوضات نيروبي 1998 ‏م .

‏وهو ما أكده قرنق مجددا في العيد التاسع عشر للحركة في 16‏/ 5 ‏/ 2002 ‏م قائلا عن الحل في نظر الحركة : " مقترحنا أن الحل الأكثر نجاحا هو ( الكونفدرالية) خلال فترة انتقالية كشكل من أشكال الوحدة المبدئية ( INTERIM UNITY‏) لحل مشكلة الدين والدولة " . وينبغي أن نشير هنا أن المعنى المقصود بـ ( الكونفيدرالية) في اصطلاح الحركة هو معنى غامض ومفتوح مؤداه التقليص المفرط للسلطة المركزية لحساب الأطراف ، ينقل ( الواثق كمير) عن قرنق حديثه عن غموض المصطلح ، ثم ينقل عنه قوله : " وفق مقررات أسمرا سمينا هذه الترتيبات كيانات ، وتجنبنا الحديث عن الكونفيدرالية أو الفيدرالية ، بينما ناقشنا مستوى السلطات التي يجب أن يحتفظ بها المركز، وتلك التي يجب أن تؤول للكيانات" (جون قرنق رؤيته للسودان الجديد - الواثق كمير - ط 1998 ‏م - ص 69‏) .

‏إن (جون قرنق) مناور متمرس يحسن اللعب على الحبال ، واستثمار التناقضات ، وحيل العرض والطلب بشكل لا يجعل لخطاباته - في كثير من الأحيان - أي قيمة استراتيجية في تقييم موقف الحركة .

‏ولكن هل يلبي الاتفاق الأخير مطالب الحركة ؟ لا ليس بعد ! لأن من يحمل مشروعاً توسعياً حالماً يصعب

‏عليه التواضع لقد هدد قرنق في العيد الحادي والعشرين للحركة في 15 ‏مايو 2004 ‏م قائلاً : " إذا اتجهنا إلى الحرب سنغطي كل الجنوب وجبال النوبة ، والنيل الأزرق ، وشرق السودان ، ودارفور، مع احتمال وجود جهات أخرى يمكن أن تدخل هذه الحرب" ، وقال :"‏يمكن أن تصل الحرب إلى الخرطوم نفسها . . إن مواصلة القتال قد ينتج عنها تفكيك السودان كله" .

‏ويقول الناطق الرسمي باسم الحركة (ياسر عرمان) في ندوة عقدت بواشنطن في 19 ‏/ 6‏/ 2004 ‏:" إن الاتفاق في عمومه لا يشكل قمة طموحات الحركة الشعبية ، بل هو الحد الأدنى الذي بموجبه يمكن إيقاف حالة الحرب المستمرة " . ولا يبدو أن هذا الطموح الجامح والجانح للحركة مرشح للتوقف ، وهو ما سيؤثر كثيراً في طبيعة الصراع ، وتداعياته وفي مستقبل الوحدة والانفصال .

‏يبقى أن نعرف أن للانفصال جماهيرية عارمة في أوساط الجنوبيين بكل قطاعاتهم منذ الآن ، يقول السياسي الجنوبي بونا ملوال (أخبار اليوم 31 ‏ديسمبر 2003 ‏م) : " إن مآلات السلام ستنتهي إلى انفصال وقيام دولة جنوبية مستقلة ، وأن الحركة الشعبية ، والفصائل والشخصيات الجنوبية المستقلة ­ - كلهم - على اقتناع تام ورغبة عارمة في الاستقلال ، وأن السلام - المتفاوض حوله الآن - هو محطة لتأسيس والإعداد لهذه الدولة عبر فترة سنوات الانتقال الست ، باعتبار أنها الفترة الأنسب لتدريب الكوادر الجنوبية على العمل التنفيذي في الوزارات ، وأروقة الدبلوماسية ، ومؤسسات الخدمة المدنية والعسكرية ، وهذا تصريح مهم يحمل دلالات واسعة .

خامساً : يرى بعض المراقبين أن الولايات المتحدة ، والدول الغربية تطمح في (تطويع) النظام الحالي على النحو الذي أشار إليه تقرير ( البنتاغون) الصادر عام 1999 ‏م :" ‏إن النهج الاستقلالي الذي تتجه إليه دول شرق ووسط أفريقيا ، وسعيها إلى إنشاء السوق الأفريقية المشتركة والذي سيؤثر على المصالح الأمريكية في المنطقة ، وأن الحكم الإسلامي في السودان سيتسبب في خلق بلبلة في المنطقة ، وأن الهدف الأمريكي هو إحداث تغيير سياسي سريع في المنطقة ، وعلمنة الحكم في السودان ليرتبط مع (دول البحيرات العظمى) في إطار تحالف قوى يضم كل من يوغندا ، وإثيوبيا ، وإريتريا ، والكنغو ، والسودان الجديد ، ومن ثم التحكم في منطقة حوض النيل وإخضاع الدول الواقعة عليها للسياسات الأمريكية ".

‏ومن ثم فقد لا يساند الغرب انفصال الجنوب في هذه المرحلة، لأنه سيمثل كارثة على الترتيبات الغربية الراهنة لأفريقيا، باعتبار أنه سيغير التكييفات الاستراتيجية على الصعيد الإقليمي وفي الساحة العالمية ، خصوصاً إذا ما تحملت تلك الدول تبعات ومسؤوليات إقامة الدولة الوليدة ، والتي من المرجح أن تولد معلولة من ناحية الشك في مقدرتها على إقامة كيان حقيقي عامل لدولة حديثة، نتيجة لكثافة تباينها العرقي القوي مقارنة بالمشكلات الشبيهة في دولة كرواندا ( التي يقطنها عرقان رئيسيان فقط) أو الصومال ( التي يقطنها عرق واحد) ، مع ملاحظة أن هناك بذوراً قوية لمثل هذه الصراعات في الجنوب .

‏ومن ناحية كونها دولة محبوسة ليس لها منافذ إلى البحر، وستبقى تحت رحمة دولة الشمال من ناحية ، وكينيا من ناحية أخرى في صادراتها ، ووارداتها الرئيسية عبر البحر.

‏وهي ستكون دولة بلا بنيات أساسية نسبة لحالة الجنوب المعلومة، بسبب الحرب المتطاولة ، إضافة إلى ذلك فإن معظم تاريخ الانفصالات تحكي عداوة شديدة بين الغريمين . كما في الهند وباكستان اللتين تهدد المواجهة بينهما العالم كله بحرب نووية ، والكوريتين ، وانفصال باكستان الشرقية - بنقلاديش لاحقا - عن الغربية ، وتجربة اليمنين ، ويوغسلافيا السابقة ، ثم استقلال إريتريا عن إثيوبيا ، وهو ما سيحرم الدول الغربية من الاستفادة من الإمكانيات الاقتصادية والنفطية والتنموية للسودان الموحد ، وسيفقد الغرب ميزة حيوية لطالما سعت إليها تتعلق بجعل ارتباط الجنوب مع الشمال في صيغة موحدة أداة لكبح ما يصفونه بالاتجاهات المتطرفة في الشمال - وقد أشار إلى هذه النقاط (د . غازي صلاح الدين) في مقال مطول نشر بمجلة (وجهة نظر) القاهرية - .

‏بيد أن من المعلوم أن السياسة الأمريكية تحكمها أيضا رؤى لإدارات مختلفة ، وتيارات دينية متعددة (مثل اليمين المسيحي المتطرف) ، ومجموعات عرقية نافذة (كمجموعة البلاك كركس المؤيدة لقرنق في الكونغرس) ، ومؤسسات ذات مصالح خاصة ، ومراكز بحوث مستقلة وغير مستقلة ، وهذا من شأنه أن يخلخل ثبات الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة ، ولهذا نص (مشروع إعادة البناء - المشار إليه آنفا - على (أن هذا التقرير لا يحدد ما إذا كان السودان سيبقى موحدا أم سينقسم إلى دولتين منفصلتين ،

ومهما كانت النتيجة فإن هدف وجود سودان مسالم ومنفتح حيث تحترم فيه روح (بروتوكول مشاكوس) وعناصر اتفاق السلام ينبغي أن لا تتغير) .

سادساً : الاتفاق سيفتح باباً واسعاً للوصاية الدولية ، والتدخل السافر في دقائق شؤون السودان عبر (القيام بنشر قوات دولية للرد السريع ، وحفظ ومراقبة السلام بناءً على الفصل السابع من ميثاق الأمم الأمم المتحدة) ، وهو فصل يقرر فرض السلام بالقوة العسكرية ، وردع العناصر ( المخربة) ، وهو ما لا يقره الفصل السادس ، وعبر اقتراحات بتكوين (قوة شرطة مدنية دولية لتدريب ، وتطوير قدرات شرطة السودان المحلية) على أن تتمتع بـ (صلاحيات تنفيذية لحفظ السلامة العامة ، ومنع حدوث فراغ) . ومن الممكن (استخدام قوات جندرمة ، خصوصاً في المراكز الحضرية الكبيرة في الجنوب، فمثل هذه القوات يمكنها الانتشار بسرعة أكبر من الشرطة المدنية الدولة ، كما أنها ستكون بقدرات أعلى لمقابلة رد الفعل السريع) ، وذلك حتى لا يكون ثمة أي رجعة للسيطرة الشمالية عليها .

‏والوصاية الدولية ستكون أيضاً عبر (تكوين مجموعة استشاريين ومدربين دوليين) التي ستكون أبرز مهامها (تركيز المشورة على تطوير العقيدة العسكرية المشتركة الجديدة ، ومفاهيم التدريب ، وعمليات تطوير العقيدة القتالية وتكاملها ، ومنهاج تحديد مواقع القواعد العسكرية) . . وحتى يتسنى تدارك ضعف الجيش الشعبي فإن (على المانحين البدء في إعطاء الأولوية لتدريب ضباط الحركة لتحسين مجموعة القدرات المطلوبة للترقي ضمن الوحدات المشتركة) .

‏وإمعانا في الضغط السياسي فإنه (ينبغي إنشاء سلطة سياسية قوية قادرة على اتخاذ القرار عن طريق ممثل خاص للأمين العام للأمم المتحدة ، وممثل خاص ذو خبرات عالية للشؤون الأمنية) ، وممثل الشؤون الأمنية هذا سيوضع بحيث (يمكنه منح ، أو إمساك الحوافز الفعالة لاكتساب روح التعاون مع الطرفين) ، . . وستتبنى الدوائر الغربية رؤى محددة للإصلاح ، وسيقوم المانحون من أجلها بـ (إنزال العقوبات على الطرفين المتفاوضين ، إذا لم يتم تنفيذ إصلاحات الحكم) .

‏و تخطط تلك الدوائر لكيفية استيعاب متغيرات المستقبل وتحولاته ، وأن (تدفق الدعم لتحديد وتسهيل بروز الجيل التالي من القيادات السياسية في السودان سيصبح أمرا ذا أهمية قصوى لعملية التحول السياسي) . . ويطمئن تقرير (مركز الدراسات المذكور) السودانيين بأن عليهم أن يضعوا في حسبانهم (أن جميع عوائد النفط ستكون مراقبة ومحسوبة بالكامل) ، ويبدو جلياً أن كل مقررات الضغط، والمراقبة ، والتدخل ، والإصلاح التي صاغها (مركز الدراسات) معنية بحكومة الخرطوم على نحو خاص ، وليس بقيادات التمرد التي توليها كل العناية والرعاية .

‏لا شك أن هذه الاتفاقية ستشكل عبئاً كبيراً على عاتق هذا البلد الجريح ، وهي بمثابة إعادة تكوين شاملة ، لكنها - إن فطن أهلها - ستكون سانحة نادرة للتضامن والتلاحم ، وفرصة لليقظة والعمل .

‏وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

(*)رئيس مجلس ادارة جريدة المحرر – السودان