جيلٌ جديدٌ من القادة في إفريقيا.. ما هي التحديات؟*

  • 12 -1 - 2018
  • جون إيغو


البروفيسور "جون إيغو"  

ترجمة: محمد بشير جوب

شهدت البلدان التي حظيت بالقيادة الرشيدة تطوّراً ملحوظاً، بينما الدول التي حُرمت منها وقعت ضحيّةً لسوء الإدارة، وكانت النتائج بائسة في حقّ تلك الدول، ووفق هذه النظرة: فإنّ «الحالة الإفريقية» تُنذر بالحرج.

ولعلّ هذا هو السبب الرئيس لإثارة مسألة «القيادة» بعد مرور خمسين عاماً من الاستقلال، وعلى  مدى الفهم الصحيح لهذه المسألة يتوقف مستقبل القارة السمراء.

ومع ذلك؛ ما زال الغموض يكتنف مسألة «القيادة» لدى الأفارقة، بسبب قرب العهد الاستعماري، ووجود بعض التقاليد العمياء التي غطّت المسألة، كما أصبحت مرتبطةً بظرفَيْن يؤثران في المجتمعات الإفريقية المعاصرة، هما:

1- مستقبل دولة ما بعد الاستعمار: بسبب الأزمات الاجتماعية والسياسية المتكررة التي تؤثّر عليها، وصعوبات التركيبة السكانية وملاءمتها.

2- الحاجة إلى ابتكار أسلوبٍ جديدٍ للحكم: وبدونه يمكن أن تتعرّض العملية الديمقراطية التي بدأت منذ عام 1990م للخطر، ويمكننا ملاحظة ذلك بالفعل من خلال التزوير المتكرر للانتخابات، والعودة التدريجية للجيوش إلى السلطة.

وهاتان الحالتان تفرضان على إفريقيا السوداء ضرورة إرساء جيلٍ جديدٍ من القادة، يَقْدرُ على البدء في إعادة تأسيس دولة ما بعد الاستعمار المتأزّمة، ويَقْدرُ- أيضاً- على الدفاع بشكلٍ أفضل عن مصالح الشعب؛ من خلال احترام مؤسّسات الدولة الذي لا يزال بعيد المنال؛ بسبب التأثيرات المتناقضة للسياسيين الأفارقة.

أولاً: الفئات المختلفة للقادة الأفارقة: نهجٌ تاريخيٌّ:

تنطوي قضية القيادة في إفريقيا على ثلاث فئاتٍ من الفاعلين، ولا يزال دور كلٍّ من هذه الجهات الفاعلة حاسماً في إدارة الدولة والمجتمع؛ منذ بداية الاستقلال عام 1960م.

الفئة الأولى: القادة السياسيون، خمسون عاماً بعد الاستقلال:

يمكن تقسيم القادة السياسيين إلى عدة مجموعاتٍ؛ وفقاً لأصولهم، ومستوى تعليمهم، والتزامهم السياسي، وفترات ظهورهم.

ففي الفترة (1960 إلى 1970م): كانت السلطة السياسية تدار أساساً من قبل المعلمين وبعض الأطباء وقادة النقابات العمالية الإفريقية، وعلى الرغم من مستوى تدريبهم غير المتجانس إلى حدٍّ ما، فإنّ هؤلاء القادة الأفارقة الأوائل استرشدوا في سياساتهم بمقتضيات القومية التي اعتُبرتْ ضرورية للتخلّص بشكلٍ أفضل من نير الاستعمار، وإقامة أسس الأمّة الحقيقية.

يمكن تفسير التخلُّف الإفريقي في التصنيفات الاقتصادية العالمية؛ بإفلاس القادة الأوائل، إذ لم يتمكن أيٌّ منهم من تعزيز الموارد البشرية الجيدة

 وتُعدّ القومية قاسماً مشتركاً بين كلٍّ من الناطقين بالإنجليزية والفرانكوفونية والبرتغالية، واستندت على «الطاعة» أكثر منها على «المسؤولية»، واعتقد جمهور القوميين أنّ الأيديولوجية اليسارية التي سادت في الشرق هي وحدها التي يمكن أن تساعدهم على التخلُّص من وصاية الغرب الجامحة.

وهكذا؛ فإنّ أغلب الأحزاب السياسية التي قادت إفريقيا إلى الاستقلال كانت ملتزمة بالماركسية اللينينية: (حزب الاستقلال الإفريقي) في السنغال، (التجمع الديمقراطي الإفريقي) في باماكو، بما في ذلك العناصر البارزة: "فيليكس هوفويت بويغني" (ساحل العاج)، و"أحمد سيكو توري" (غينيا)، و"موديبو كيتا" (مالي)، والفريق العامل بقيادة "أوبافيمي أولوو" في نيجيريا، و (جبهة حزب الشعب) للدكتور "كوامي نكروما" في غانا، وحركة "ماو مود جومو كينياتا" في كينيا، وما إلى ذلك.

وفيما يتعلّق بالقضايا الرئيسة لمستقبل إفريقيا؛ فإنّ هؤلاء القادة كانوا في انقسامٍ شديد، فمن جهة: تشكّلت مجموعة الدار البيضاء حول الملك محمد الخامس، وخليفته الحسن الثاني، وجمعت المؤيدين للغرب، مثل "فيليكس هوفويت بونيي"، و"ليوبولد سيدار سنغور" (السنغال)، و"عمر بونغو" (غابون)، و"أمادو أهيدجو" (الكاميرون).

ومن جهة أخرى: شكّلت حشود التيار الشرقي مجموعة "منروفيا"، وتجمّعوا حول الدكتور "كوامي نكروما" و"سيكو توري" و"موديبو كيتا" و"ويليام ريتشارد تولبيرت" (ليبيريا).

وفي خضم العداء الشديد بين هاتَيْن المجموعتين؛ كانت تطفو في السطح أيضاً مجموعة اللامبالاة مثل "سورو ميجان أبيثي" (داهومي السابق)، و"بنيامين نامدي أزيكيوي" (نيجيريا)، و"أبوباكار سانجولي لاميزانا" (فولتا العليا السابقة)، و"نغارتا تومبالباي" (تشاد).

وعلى خلفية هذه الاختلافات الأيديولوجية القوية؛ نشأت (منظمة الوحدة الإفريقية) في أديس أبابا عام 1963م.

وقد أثرت هذه الاتجاهات المختلفة أيضاً في النُّخب الفكرية، وتكوين القادة، حتى ظهور الجيوش من عام 1970م.

وفي الفترة (1970م إلى عام 1990م) وقعت جميع الدول الإفريقية تقريباً، باستثناء عددٍ قليل من الحالات النادرة*، في أيدي الجيوش، وشكّلت هذه المرحلة بداية الأنظمة الاستبدادية، حتى في الدول القليلة التي لم يكن قادتها عسكريّين، حيث اعتمدت على نظام الحزب الواحد، وكان نتيجة ذلك نهاية الآمال التي وُلدت مع الاستقلال.

وكانت الفترة (1980-1990م) صعبةً بالنسبة للدول الإفريقية، بسبب الكساد الاقتصادي الواسع النطاق والديون الثقيلة، وقد دفع البحث عن الحلول لهذه الفترة الاقتصادية المتأزمة بالجيل الحاكم- آنذاك- إلى تعميم برامج التكيّف الهيكلي، التي تعود أولى اتفاقياتها إلى 1981م، غير أنّ التطبيق السليم لهذه البرامج لا يمكن أن يحدث إلا في مناخٍ سياسيٍّ يتسم بالحرية والاقتصاد الحرّ.

إنّ ظهور الديمقراطية في إفريقيا لم يُحدث تحوُّلاً جذريّاً في الطبقة السياسية، والخلط الذي حصل في هذه الفترة (الديمقراطية) بين القادة المدنيّين والعسكريّين؛ لم يسمح للديمقراطية بتحقيق النّجاح الكامل، أو بالأحرى أن تكون عامل تقدُّمٍ، وهناك أربع دولٍ فقط قدّمت أمثلةً يمكن ذكرها في احترامها لمتطلبات الديمقراطية، هي: (بنين، وبوتسوانا، والرأس الأخضر، وغانا).

وبشكلٍ عام؛ أخفق القادة السياسيون الأفارقة في مهمّتهم منذ عام 1960م، سواء كانوا من القوميين الأوائل أو الجنود الاستبداديين أو من القيادات، في تحقيق الإصلاحات الهيكلية، إلا بعض استثناءات قليلة، ما جعل إفريقيا القارة الأقلّ تقدُّماً على هذا الكوكب، ومنذ عام 1960م- إلى يومنا هذا- لم تكن الدولة الإفريقية في انسجام مع الأفارقة، بل تُعدّ الدولة الإفريقية صناعة القوى الأجنبية، ارتبطت بالأيديولوجية الاستعمارية، ونتيجةً لذلك؛ فإنّ القادة السياسيين الذين عرفتهم إفريقيا حتى الآن يُنظر إليهم- في الغالب- على أنهم مجرد دُمىً تحت وصاية القوى المهيمنة[1].

الفئة الثانية: رجال الأعمال:

إنّ التحدي الذي تواجهه التنمية الاقتصادية والاجتماعية من جهة القادة السياسيين؛ هو التحدي نفسه من جهة قادة القطاع العام، وقادة القطاع الخاص، فالجهات الفاعلة الحقيقية للتنمية الاقتصادية هم مديرو الشركات، ويمكن تصنيفهم إلى عدة فئات:

الشركات القديمة ذات الأصول الاستعمارية:

وكثيرٌ منها ما يزال يسيطر على البنية التحتية والمعدات الرئيسية، ولا ننسى أيضاً مزارع التعدين والتصدير.

وتحوّلت هذه الشركات فيما بعد إلى مشروعات تجارية جديدة، أهمّها: (شركة غرب إفريقيا للتجارة) (SCOA) و (الشركة الفرنسية الإفريقية الغربية) (CFAO)، فضلاً عن مجموعة من الشركات التي انبثقت منها، مثل: توتال (TOTAL).

أو التي تولّدت حسب الاحتياجات الاستعمارية الجديدة، هذا هو الحال بالنسبة للشركات التي تقوم بتشييد البنية التحتية الأساسية، مثل: كولاس (Colas)، أو فوجيرولس (Fougerolles) (على الجانب الفرنسي)، وجوليوس بيرغر (Julius Berger) (على الجانب الألماني).

أو مشغلي الموانئ مثل: مجموعة بولوري (groupes Bolloré) (الفرنسية)، أو ميرسك لاين (Maersk Line) (الدانماركية).

ويضاف إلى ذلك: مجموعة من شركات التعدين والنفط، مثل: إلف (Elf)، وتوتالفينا (Totalfina)، و شل (chell)، وبيريتيش بيتروليوم (British Petroleum).. على سبيل المثال لا الحصر[2].

الأجانب في إفريقيا، خاصّة من: لبنان والهند والباكستان، وآخرهم الصين:

- عمل اللبنانيون دائماً كوسطاء للشركات التجارة القديمة، وقد اشترى معظمهم الشركات التي اعتبرت غير مربحة في نظر الشركات العملاقة، مثل قطاع التوزيع، وبذلك أصبحوا في السنوات الأخيرة الركائز الرئيسية للاقتصاد الإفريقي[3].

- وقد مارست «الهندو الباكستانية» دَوْراً رئيساً، وخاصّةً في البلدان الناطقة بالإنجليزية، مثل كينيا وأوغندا وتنزانيا وغانا، ولا تزال تحتفظ بقطاعاتٍ اقتصادية مهّة في هذه الدول، بما في ذلك المنسوجات والسكر والشاي والتوزيع.

- وفي الآونة الأخيرة؛ استثمر الصينيون في عدة قطاعاتٍ اقتصادية، مثل تجارة التجزئة والتعدين والأشغال العامّة[4].

- وتسعى الهند إلى استغلال علاقاتها القديمة مع إفريقيا، التي تمثّلت بالهجرة وبالعلاقات المهمّة فى المحيط الهندي، كما هو الحال في موريشيوس مثلاً، حيث يشكل السكان ذوو الأصول الهندية 70% من السكان، بينما في تنزانيا وكينيا وأوغندا وغانا تشكل الأصول الهندية فيها ما بين 5% و 10% من سكانها.

ومن خلال هذين النوعَيْن من التعاون "الأكثر إنصافاً"؛ تسعى إفريقيا إلى التخلُّص من السيطرة الغربية؛ عن طريق تنويع أسواقها ومواردها في مجال الاستثمار الأجنبي المباشر.

أما الفئة الأخيرة من الفاعلين الاقتصاديين فهي: الأفارقة:

الأفارقة لا يزال حضورهم قويّاً في قطاعات المصارف والتأمين والتجارة، وأصحاب المشاريع الإفريقية من هؤلاء ينقسمون إلى عدة فئات:

في القاعدة توجد مجموعة من التجّار تعود أصول معظمهم إلى فترة تجارة الرقيق، بما في ذلك البرازيليون الأفارقة.

وكان هؤلاء التجار، الذين أصبحوا فيما بعد "الطبقة البرجوازية الحضرية"، مدعومين من قِبَل مزارعي الكاكاو في كوت ديفوار وغانا ونيجيريا، وشكّل هؤلاء "طبقة المزارعين البرجوازية" التي ينحدر منها كلٌّ من الزعماء التقليديين والعامّة.

وتحوّلت النواة الأولى لهؤلاء المزارعين فيما بعد إلى «نقابات المزارعين»، كما هو الحال- مثلاً- في ساحل العاج مع الاتحاد الزراعي، أو في نيجيريا مع أغبي كويا (Agbè Koya)، وظل الاتحاد الأخير نشطاً حتى حرب بيافرا (Biafra) الأهلية بين عامَي (1960 و 1970م)، وفي حالة كوت ديفوار؛ كان هؤلاء المزارعون وراء إنشاء (الحزب الديمقراطي) في ساحل العاج (PDCI) مع "هوفويت بويغني" الرئيس الأول له.

والمجموعة الأخيرة من منظمي المشاريع الأفارقة هم النّساء، ولا سيما في غانا وتوغو وبنين ونيجيريا ومالي، وركزت هذه الأخيرة أساساً في قطاعَي النسيج والتوزيع، وتوسعت هذه المشاريع النسائية إلى أن شملت نساء الساحل، وخاصّةً في مالي حيث نشطن في صباغة الأقمشة.

تم تلقّى أطفال هذه الفئات المختلفة، من رجال الأعمال الأفارقة، التعليم في أفضل الجامعات وكليات الأعمال المرموقة في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وعادوا إلى إفريقيا في الآونة الأخيرة للسيطرة على قطاعات البنوك، والتأمين، والتمويل الأصغر، والتجارة.

ومن المهم ذكر كلّ هذه الفئات الفاعلة في مناقشة «ظهور قادة جدد»؛ لاعتبارين، هما:

أولاً: علاقات المحسوبية التي ربطتهم بالقادة السياسيين.

وثانياً: بسبب مواردهم المالية، التي تُمكّن العديد منهم من أن يكونوا «صنّاع الملوك.»

إنّ العملية الديمقراطية الجارية في إفريقيا مكلفةٌ للغاية من حيث تنظيم الانتخابات المختلفة، ويوفر قادة الأعمال معظم تلك التكاليف المالية اللازمة لتنظيم الانتخابات.

على سبيل المثال في عام 2006م، في بنين، كان المشغلٌ الخاصٌ الناشطٌ في قطاع القطن هو المُموِّل الرئيسي لحملة الرئيس الحالي، وذكرت الشائعات أنّ مجموعة بولورى (groupe Bolloré)، التي فازت مؤخراً بالعقد الخاص بتشغيل ميناء كوتونو؛ ساهمت أيضاً في دعم هذه الحملة.

في عهد الرئيس ماثيو كيريكو؛ كان دور "سيفو فاجبوهون" حاسماً في تمويل الحملات الانتخابية لهذا الرئيس، وكمكافأة تلقّى من الدولة إدارة (الجمعية الوطنية لتسويق المنتجات النفطية- سوناكوب) (Sonacop).

وبصرف النظر عن بنين؛ فإنّ شركة (إلف) (Elf)، التي أصبحت فيما بعد (توتالفينا) (Totalfina)، مارست دَوْراً غامضاً بشأن المصير السياسي لإفريقيا من خلال السيطرة على القادة السياسيّين في: غابون، والكونغو، وأنغولا، ونيجيريا*.

الفئة الثالثة: النُّخب الفكرية الإفريقية:

يمكن تحليل مشاركة المثقفين في إدارة السلطة في إفريقيا وفق مراحل متعددة:

في الفترة من (1960 إلى 1970م): كان المثقفون الأوائل ثوريّين وباناأفرقانيّين في الوقت نفسه، وعمل العديد منهم- تحت عباءة القادة الأوائل- مستشارين، ولكن لقلّتهم، بل أكثر من ذلك: عدم معرفتهم بالواقع الإفريقي؛ بسبب غيابهم الطويل أثناء دراستهم في الخارج، لم يسمح لهم ذلك بالقيام بالدَوْر المنوط بهم في الساحة السياسية خلال الفترة الأولى من الاستقلال، وكان من الضروري انتظارهم حتى الفترة الثانية التي تمتد من عام (1970 إلى عام 1990م)، حيث مارست فيها هذه النُّخب الفكرية دَوْراً أساسيّاً إلى جانب الجيش، وأثرت تأثيراً قويّاً في اختيار الفكر الماركسي اللينيني، وهذا هو الحال بوجهٍ خاصٍ في: الكونغو- برازافيل، وبنين، وفي فولتا العليا السابقة.

ومنذ عام 1990م؛ ظهرت النُّخبة الفكرية كقوةٍ سياسيةٍ، ولكن في هذه المرة حضروا بوصفهم ليبراليّين، تخرّج معظمهم في المؤسّسات الدولية والمدارس الثانوية الفرنسية والأمريكية، وقد شغلوا مناصب سياسية مهمة: رؤساء للجمهورية أو رؤساء للوزراء.

وبالنسبة للرؤساء؛ يمكن ذكر الأمثلة الآتية: عبدو ضيوف (السنغال)، بول بيا (الكاميرون)، ألبرت زاف (مدغشقر)، ألفا عمر كوناري (مالي) تيجان كابا (سيراليون)، جون كوفور (غانا)، هيلين جونسون سيرليف ( ليبيريا) أو نيفيفون سوغلو (بنين)، ومن ضمن هذه الفئة يمكن ذكر القادة الذين تمخضوا من حروب التحرير التي حصلت في: (غينيا بيساو والرأس الأخضر وأنغولا وزيمبابوي وموزمبيق وناميبيا وجنوب إفريقيا)، ومن بين هذه النُّخب المنبثقة من النضال التحرري؛ امتلكت إفريقيا أفضل أنواع القادة، مثل: نيلسون مانديلا (جنوب إفريقيا)، ويواكيم شيسانو (موزمبيق).

ومما يؤسف له أنّ الانقسامات الأيديولوجية العميقة للنُّخب الفكرية؛ تقف وراء فشل الخطاب بشأن التنمية في إفريقيا، والافتقار إلى حلولٍ بديلةٍ للنماذج المستمدة من الخارج.

ومع ظهور العملية الديمقراطية التي بدأت في 1990م، ونهاية الشيوعية في الشرق، ظهر توافق في الآراء لصالح الأيديولوجية الرأسمالية، وقد وجدت صدًى لها خاصّةً في ظاهرة العولمة، وما زال عددٌ قليل من المثقفين يدافعون عن نهج جديد للتنمية يبدأ بالنهضة الإفريقية[5].

وهذا التذكير التاريخي ضروريٌّ لفَهْم التحديات التي تواجه الجيل الجديد من القادة الأفارقة بشكلٍ أفضل.

ويمكن تفسير التخلُّف الإفريقي في التصنيفات الاقتصادية العالمية بإفلاس القادة الأوائل، إذ لم يتمكن أيٌّ منهم من تعزيز الموارد البشرية الجيدة، الذي هو عامل النّجاح في البلدان المتقدّمة، كما لم يتمكّنوا من «تبني سياسات الحرية التي تسمح بالاستغلال الذكي للموارد [الطبيعية]، وخلق وتحفيز للقيم والمعايير الثابتة للمجتمعات المفتوحة»[6].

ثانياً: الجيل الجديد من القادة الأفارقة ومطالب التنمية:

ومع بداية القرن الحادي والعشرين، ستستند المسؤولية السياسية للأجيال الجديدة من القادة على العلاقة بين (السلطة والحرية)، ولا سيما حرية المواطن الإفريقي، وسيواجه الجيل الجديد الأسئلة الآتية:

- ما تكوين وطبيعة القوى السياسية والدينية والاقتصادية والفكرية المختلفة؛ على المستويات المحلية والوطنية والإقليمية والقارية والعالمية؟

- ما إمكانية سيطرة المواطنين الأفارقة على هذه القوى، لضمان توازنها، وللدفاع عن الحقوق الأساسية للشعوب الإفريقية في الحياة، والتعليم، والصحة، أو بالأحرى ضمان السعادة الروحية والمادية بكرامة؟

- ما مكانة إفريقيا في عالم اليوم المترابط[7]؟

الإجابة عن هذه الأسئلة تشير إلى ثلاثة تحديات رئيسة تواجه إفريقيا:

التحدي الأول: تحديات تفتيت المساحات السياسية:

إنّ التحدي المتمثل في تفتيت المساحات السياسية يتمثل في عدة جوانب: أولاً: تجزئة الفضاء الإفريقي الناجم عن تقسيم إفريقيا بين العديد من القوى الاستعمارية (فرنسا، بريطانيا العظمى، ألمانيا، البرتغال، إسبانيا، وإيطاليا)، ثم التفاوتات الإقليمية بسبب هذا التقسيم.

وفي منطقة غرب إفريقيا، يمكن تمييز ثلاث فئات من البلدان وفقاً لمناطقها وسكانها*:

- الدول الأصغر: التي من الصعب لها التكيف، نظراً لكثيرٍ من القيود في المساحة وفي السكان، مع فرضية فرص التنمية الذاتية:

الدولة

المساحة/ كم2

السكان/ نسمة

الرأس الأخضر

3929

496000

غامبيا

295 11

000 563 1

غينيا - بيساو

125 36

000 389 1

سيراليون

71740

000 295 6

توغو

600 56

000 465 5

ليبيريا

369 111

000 170 3

بنين

600 112

000 059 8

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

- الدول المتوسطة: بعضها في مستوى جيّدٍ من حيث الموارد الطبيعية، ولكنها تعاني بشدة من ضعف سوق الاستهلاك فيها:

الدولة

المساحة/ كم2

السكان/ نسمة

السنغال

196722

000 342 11

غينيا

857 245

000 612 9

غانا

000 238

000 982 22

بوركينا فاسو

000 274

000 441 13

كوت ديفوار

463 322

000 389 20

 

 

 

 

 

 

 

 

- مساحات كبيرة تهيمن عليها الصحراء الكبرى: وهي غير منتجة في معظم الأحيان، باستثناء نيجيريا. ومن جانب آخر: يكون الجزء المنتج منها أصغر من مساحة الدول المتوسطة:

الدولة

المساحة/ كم2

السكان/ نسمة

نيجيريا

913074

000 496 146

موريتانيا

1.032.000

2.000.000

مالي

000 204 1

000 379 12

النيجر

000 267 1

000 477 13

 

 

 

 

 

 

 

هذا التجزؤ الجغرافي هو الأزمة الأكبر:

- لأنّ الدول الصغرى هي الأكثر عدداً بمعدّل (7 من أصل 16).

- وفي الوقت ذاته: قليلٌ من هذه الدول هي التي تحظى بتوافقٍ وتجانسٍ حقيقيٍّ مع كياناتها التاريخية، وبصرف النظر عن «الرأس الأخضر»؛ فإنّ جميع الدول الباقية الأخرى تتكون من جماعات اجتماعيّة وثقافيةٍ عديدةٍ، تتقاسم معظمها عدة حدود، مثل الفولانية والهوسا واليوروبا وأكان وماندينغو.

- وهذا التجزؤ الذي اعتبرته (منظمة الوحدة الإفريقية- السابقة) «خصوصية إفريقية»، يؤدي إلى ثلاثة أنواع من المشكلات التي تعرقل السيطرة الجيدة على شروط التنمية الحالية: وهي العزلة، والحدود الطويلة وغير المحددة، والتخلّف في الهياكل الأساسية والبنية التحتية.

- ولكن الجانب الأكثر سلباً من هذا التجزؤ يكمن في عدم التنظيم الإقليمي، ونتج عن ذلك: أزمة الدولة ككيانٍ محدّد، ضعفٌ وتعقيدٌ في التنقل، وثغراتٌ وفجواتٌ في المساحات، ووجود تمايزٍ مكانيٍّ متباين المصالح داخل نفس الإقليم.

إنّ أزمة الدولة بوصفها «كيان محدّد» تتجلّى في المقام الأول بسبب الافتقار إلى الوسائل المالية اللازمة للعمل، إنّ ثقل الديون مؤثرٌ إلى درجة أن التدخل الخارجي الناجم عن ذلك، ولا سيما من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، يزيل عن هذه الدول الوسائل الأساسية للقيام بوظيفتها الإدارية.

وبوجهٍ عامٍ: فإنّ تجزئة الأماكن السياسية في إفريقيا هو السبب الجذري لأزمة الدولة، وأفضل طريقة للتعامل معها بشكلٍ صحيح تكمن في العمل بنهجٍ جديدٍ للتخطيط المكاني.

التحدي الثاني: تجزئة الوعي التاريخي:

يمكن ملاحظة تفتيت الوعي التاريخي في الاختلافات الموجودة بين إفريقيا البيضاء والسوداء (أي بين شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى)، ومن ناحية أخرى بين التركة الاستعمارية.

فالشمال الإفريقي، وإن كان جزءاً من الاتحاد الإفريقي، يشكّل تحالفات مع دول حوض البحر الأبيض المتوسط، ومن ناحية أخرى: ما زالت إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى مترددة- باستثناء جنوب إفريقيا- في توقيع اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي، وهي تسعى إلى تطوير علاقاتها مع الصين والهند من جهة، ومع أمريكا اللاتينية من جهة أخرى.

ويكمن الجانب الآخر من التجزؤ التاريخي في العمليتين النابعتين من الإرث الاستعماري: «الاستيعاب»: الذي طبقته فرنسا، و«التوطين»: الذي مارسته بريطانيا العظمى، وكلاهما ثبت أنه محدودٌ للغاية.

وهذا التجزؤ التاريخي لا يجعل عملية الوعي الجماعي بالمشكلات التي يتعين حلّها سهلة، لدرجة أن البلدان الناطقة بالإنجليزية الأكثر قومية تنظر إلى نظرائها الناطقين بالفرنسية على أنهم يعتمدون كثيراً على فرنسا.

التحدي الثالث: تجزئة المعرفة:

يتعلّق تجزؤ المعرفة من جهة: بالعداء بين الإنجازات الذاتية، والمعرفة الموروثة من المدرسة الاستعمارية، ومن ناحية أخرى: بتأثير كلٍّ من الأديان (ولا سيما المسيحية، الإسلام، والروحانية) على القيم الأيديولوجية للتنمية، وقد أدّت هذه الأشكال المختلفة من التجزؤ إلى اختلافات أيديولوجية قوية والافتقار إلى جذورٍ ثقافية.

والاختلافات بين السياسيين الأفارقة حاليّاً تتجلّى في شكلين: الحرب على القيادة، سواء في داخل الإقليم أو بين القوى المستعمرة، ومسألة الديمقراطية، وطبيعة النُّظم المدنية أو العسكرية.

وترتبط مسألة القيادة بالحاجة إلى رؤية تقاليد ديمقراطيةٍ حقيقيةٍ تتطور في إفريقيا في مجال سياسة الشؤون العامّة وإدارتها، إن إضفاء الطابع الديمقراطي على كلّ من الدولة والمجتمع والذي يطالب به المانحون، ويريده الشعب الإفريقي بقوة، يتعارض مع نظرة العديد من رؤساء الدول فيما بينهم، كما كان الحال خلال المواجهات بين الشرق والغرب. ويخصّ هذا التجزؤ الدول التي ما زالت تتحفظ على قياداتها الاستبدادية السابقة، بما في ذلك توغو وغينيا، وكذلك الدول التي يأتي قادتها من المؤتمر الوطني السيادي، وهكذا أصبح ظهور الديمقراطية أملاً ووسيلةً للابتزاز في الوقت نفسه، ما أضعف إرادة القادة الأفارقة للنضال من أجل تحقيق هدف التنمية.

وتضاعفت هذه الصعوبة الأيديولوجية مع الانقسامات المتعلقة بدور الثقافة في تنمية الدول، وتختلف في هذه المسألة الدول الناطقة بالبرتغالية والدول الأنجلوفونية. والفرنكوفونية، ولا سيما فيما يتعلّق بجذور مواطنيها في ثقافاتها الوطنية، وهذه الجذور أعمق كثيراً في البلدان الناطقة بالإنجليزية والناطقة بالبرتغالية؛ مقارنة بالبلدان الناطقة بالفرنسية، حيث اتجهت سياسة الاستيعاب التي تمارسها فرنسا إلى إبقاء السكان الناطقين بالفرنسية بعيداً عن الحاجة إلى جعل الثقافة قضية إنمائية رئيسية.

وبعبارة أخرى: لا توجد في إفريقيا (ولا سيما في المناطق الناطقة بالفرنسية) إشارة إلى قيمة محلية من شأنها أن توجه عمل القادة، وإن عدم وجود هذه القيمة المرجعية هو انعكاس للطبيعة التركيبية للدول التي يملك سكانها أصلاً وتاريخاً يرتبط بأماكن سياسيةٍ أخرى معادية أحياناً (مثل تشاد والسودان، أو إريتريا وإثيوبيا). ونتيجةً لذلك، توجد صراعات إثنية رئيسية على الحدود تدمر فرص التشاور الضروري بشأن القيم المحلية بوصفها عناصر أساسية لا مفرّ منها للتنمية المستدامة.

ولمواجهة التحديات المختلفة؛ يجب أن تباشر الأجيال الجديدة من القادة عدة مهمّات:

المهمة الأولى: إعادة بناء الدولة الإفريقية:

لا بدّ من إعادة بناء الدولة على أُسس إقليمية جديدة من أجل التصدي بشكلٍ أفضل لمختلف المشكلات التي تعرقل السيطرة المحكمة للظروف الراهنة للتنمية: وهي العزلة، والحدود الطويلة غير المحددة، أو المحددة بشكلٍ سيئ، والتخلّف في البنية التحتية الأساسية، إن عواقب بلقنة القارة تمنع الدول الإفريقية من السيطرة والتحكم اللازم على أراضيها.

إنّ إعادة بناء الدولة من الممكن أن تجعل إفريقيا قادرةً على مواجهة التحديات الجديدة في القارة: العولمة، ومكافحة الفقر، والأزمات الناجمة عن الحكم الديمقراطي، غير أنّ هذه الأهداف الإنمائية مكلفةٌ، وتتطلب موارد جديدة لا يمكن أن تأتي إلا من خلال خلق ثروة جديدة.

الثروات التي نقصدها هنا ليست مادية فحسب، بل ما نقصده هو العمل على جعل إفريقيا تزدهر من خلال التعامل مع المحددات الرئيسية لتلك الثروة، مثل بناء القدرات الإنتاجية والتكنولوجية والابتكارية.

وللقيام بذلك؛ سيكون من الضروري استغلال العناصر التي تمكّن من التدخل بفعالية للتأثير في تلك المحدّدات، والتي نوردها بشكلٍ موجز في:

- تعزيز رأس المال الطبيعي: المتمثل في الموارد الطبيعية الغنية.

- تعزيز رأس مال الإنتاج (أصول الإنتاج): المتمثل في الآلات والبنى التحتية، فضلاً عن الأراضي والمناطق الحضرية المتقدمة للسكن البشري.

- تعزيز رأس المال المعنوي: الذي يتشكّل من رأس المال البشري، ومن جهة أخرى من نوعية المؤسّسات، وهو أهم جزء في ثروة الأمم، وعلى الرغم من أن رأس المال المعنوي غير مكتمل في أي مكان، إلا أنه جزء من: ثمرة التكوين والتعليم والدراية الفنية التي تكتسبها الشعوب، ويجب أن يضاف إلى ذلك الثقة التي تسود بين مختلف مكونات الأمّة وقدرتها على العمل معاً بطريقة منسّقة من أجل إثراء نفسها.

- الحوكمة: التي تعزز الإنتاجية العامّة للاقتصاد.

ومن دون هذه العناصر؛ سيكون من الصعب وضع إدارة تشاركية تتسم بالفعالية والكفاءة والوظيفية، وبالمثل، فبدون وجود نخب مدرّبة تدريباً جيداً وذات توجّه استشرافي مستعدة للانخراط في إصلاحات حاسمة؛ سيكون لها آثار إيجابية على مؤسّسات الدولة، لن يتحقّق شيء.

المهمّة الثانية: تجديد النُّخب الفكرية:

تجديد النُّخب الإفريقية يقتضي السماح للإفريقيين في المهجر بالإسهام بشكلٍ أفضل في تنمية القارة، والعمل على تشكيل جيلٍ جديدٍ من القادة.

وينتشر الإفريقيون في المهجر على ثلاث مناطق جغرافية رئيسية، هي: أوروبا، والولايات المتحدة، ودول الخليج، ويمكن أن يفيدوا إفريقيا في ثلاثة مجالات رئيسة:

- تحسين المهارات التقنية والأكاديمية.

- توفير الموارد المالية لأغراض التنمية، ويُقدّر حاليّاً تحويلات الأموال الجديدة من المهجر إلى إفريقيا بأكثر من 10% من الناتج المحلي الإجمالي لبعض الدول الإفريقية.

- تمثيلٌ أفضل لإفريقيا في العالم؛ من خلال العلاقات التي يمكن لهم بناؤها في مختلف المناطق المضيفة.

ويعني تعزيز جيل جديد من القادة: ظهور النُّخب التي تجتمع فيها مهاراتٌ مختلفةٌ، بما في ذلك القدرة على:

- استيعاب المناقشات الجارية بشأن التنمية.

- اكتساب معارف جديدةٍ تفتقر إليها إفريقيا، مثل: المعرفة الاستشرافية، ومهارات التفاوض، واستغلال تكنولوجيات المعلومات والاتصالات الجديدة.

- تبنّي قيمٍ تنمويةٍ جديدة؛ مثل: الإنصاف، والنزاهة، والحكم الرشيد، والإدارة المشتركة للثروة المتاحة.

المهمّة الثالثة: تهيئة ظروفٍ جديدةٍ للسلام من أجل تعزيز الحرية:

إن إفريقيا معروفة في العالم بالأزمات التي تهزها، والعنف الذي تميزت به مجتمعاتها، وترجع هذه الأزمات إلى حدٍّ كبير إلى مصادرة السياسيين لحرية المواطنين.

وقد أصبحت مسألة «الحرية» مصدر قلق في البلدان التي لا تزال استبدادية، وهذا صحيح أيضاً بالنسبة لتلك التي تزور الانتخابات وتتعرّض فيها مؤسّسات الجمهورية للتلاعب.

لقد كانت الحرية دائماً أحد العوامل الرئيسة للتقدّم في البلدان المتقدمة النمو، فمؤسسة التراث، وهي واحدة من مراكز التفكير في واشنطن في الولايات المتحدة، نشرت في وول ستريت جورنال في عام 2008م، مؤشّر الحرية الاقتصادية في جميع أنحاء العالم، ولا يزال مؤشّر الحرية منخفضاً في إفريقيا: فمن بين 40 بلداً إفريقيا مدروسة، تحتل موريشيوس المرتبة العشرين في العالم من خلال احتلالها المركز الثامن عشر، تليها بوتسوانا في المرتبة 36، آخر الدول في هذه القائمة العالمية كلّها هي الدول الإفريقية[8].

وفقاً لمؤشر «الحرية الاقتصادية»، هناك عشر فئات من الحرية، بدونها لا يمكن لأي بلد أن يزدهر*، على الرغم من أنّ هذا المؤشر يتسق مع المفهوم الأمريكي للحرية؛ فإنه يظهر جهود القادة الأفارقة في مواكبة سياق الديمقراطية والمجتمع، وهكذا؛ فإنّ السعي إلى تحقيق هذه الفئات العشر من الحرية يصبح قضية رئيسة في ظهور وتعزيز أجيال جديدة من القادة في إفريقيا.

ثالثاً: القادة الجدد كبديل لعجز الرأس المال الاجتماعي:

يشير مفهوم رأس المال الاجتماعي عموماً إلى السكان الذين يعزّزهم التعليم والصحّة، ويعتبر الاستثمار في التعليم عنصراً أساسيّاً من عناصر السياسة الاقتصادية، ومن المعتقد أنّ البلدان ذات المعدل المرتفع من التعليم تكون في حالةٍ أفضل.

فمسألة رأس المال الاجتماعي تنطوي على ثلاثة مفاهيم: رأس المال البشري- والمؤسّسات- والقيم.

وعلى الصعيد المؤسسي؛ تظلّ طبيعة ما ينبغي أن تكون عليه الدولة الإفريقية موضوع نقاش لم يتم حسمه، هل ينبغي لنا أن نشجع دولة «الخيرية» أو «التراثية» أو «التنظيمية»؟ ومن دون تكثيف النقاش حول طبيعة «الدولة الإفريقية»؛ فمن الصعب أن نرى كيف يمكن للقادة الجُدد أن يوظّفوا أنفسهم ويتحركوا إلى الأمام.

أما بالنسبة لـ«المجتمع المدني»؛ فإنّه يواجه في إفريقيا تحديات خطيرة، مثل: عدم تجانسه، والدَوْر الذي ينبغي أن يؤديه في المجتمع الإفريقي، وفي الوقت الراهن؛ فإنّ دَوْره بعيد من دَوْر التنمية، باستثناء بعض المبادرات التي ينبع معظمها من إفريقيي المهجر، ولا سيما على طول وادي نهر السنغال، وفي منطقة كايس في مالي، فما عدا القليل من الإجراءات الإنمائية المعزولة، يؤدي المجتمع المدني دَوْراً يرتكز على رقابة الدولة من جهة، وتحريك الحركات الاجتماعية من جهة أخرى.

والمجتمع المدني بصفته الرقابية؛ يحرص على تقديم رسائل تذكير وتحذيرات ضدّ الانحرافات عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والبيئة، ولكن لا تزال قدرته على تقديم مقترحات بديلة ضعيفة.

والجانب الأخير لرأس المال الاجتماعي هو «القيم» التي تشكل أساس المجتمع: القيم المبدئية تجاه العمل ومؤسّسات الدولة والأموال، وبالنسبة لإفريقيا؛ فإنّ أهمّ هذه القيم هي: المبادئ إزاء العمل، واحترام مؤسّسات الدولة، وللأسف أصبحت القيم المالية المضادة من الأسباب الرئيسة للتملك غير المشروع والحكم السيئ.

ويجب أن يؤدي القادة الأفارقة الجدد دَوْراً رئيساً في هذه الجوانب المختلفة لرأس المال الاجتماعي، ويقتضي ذلك أن تلبّي عدداً من متطلّبات التكوين والمهارات، مثل:

- الجرأة والقدرة على التنبؤ؛ عن طريق التحكم في المتغيرات وإدارتها.

- الولاء للنفس وللشعب.

- احترام مبادئ القيادة، مثل: الواجب والشرف، والنضال من أجل الأمّة، والبصيرة، وما إلى ذلك.

- إنشاء نظام شراكة أكثر إنصافاً مع بقية العالم.

الخاتمة:

العالم الحالي يندفع إلى منافسة دائمة، حيث يكون عامل التميُّز الوحيد هو الرأس المال المعنوي؛ الذي يعوض تطبيقه الصحيح- على نحو فعّال- النقص في الموارد الطبيعية.

ويجب على إفريقيا الآن أن تعزز القيم الجديدة من تاريخها وثقافتها، من منطلق أنه فعلاً يمكن لإفريقيا الحصول عليها، ولديها القدرة الأصيلة في ذلك.

إن إفريقيا السوداء هي المنطقة الوحيدة في العالم التي لا تستخدم لغاتها إلا للتواصل داخل المجموعات الاجتماعية والثقافية، وينبغي أن يعمل قادتها على تمكين بعض اللغات الإفريقية لكي تصبح أدوات للعمل والمعرفة العلمية.

وبتحقيق ما سبق؛ ستصبح أجيال القادة الجُدد من العناصر السياسية الفاعلة المتأصلة في مجتمعاتها، وستتمكن من العمل بفعالية أكبر، واقتراح تحولات نوعية جديدة، ضماناً للتقدّم الاقتصادي والاجتماعي.

* اختصار الترجمة: مجلة قراءات إفريقية - رابط المقال:

 http://journals.openedition.org/poldev/120

* أستاذ جامعي، ووزير سابق لدولة بنين. 

* هذه الحالات النادرة موجودة في غرب إفريقيا: الرأس الأخضر، وكوت ديفوار، والسنغال.

[1] Le Roy, E. 1997. La formation de l’Etat en Afrique, entre indigénisation et inculturation. In Les avatars de l’Etat en Afrique, GEMDEV, 7-21. Paris : Karthala.

[2] Assidon, E. 1989. Le commerce captif : les sociétés françaises de l’Afrique noire. Paris : L’Harmattan.

[3] Charbonneau, J., et R. Charbonneau. 1961. Marchés et marchands d’Afrique noire. Paris : La Colombe.

Desbordes, J.-G. 1938. L’immigration libano-syrienne en Afrique occidentale française. Poitiers : Renault.

Hanna, M. 1958. The Lebanese in West Africa. West Africa, n? 2 : 142-144.

[4] Elenga-Ngaporo. 2004. Le Japon, l’Asie et l’Afrique : pour une Afrique performante. Paris : Editions Silex / Nouvelles du Sud.

Questions internationales (La Documentation française). 2005. L’Inde, grande puissance émergente. Dossier. N? 15.

* كتابات هوجيوكس (2007) و هاريل (2006): بها رصد مثير للاهتمام حول تورط رجال الأعمال في حياة الدول الإفريقية، وبخاصة السيطرة على القادة السياسيين.

[5] Do Nascimento, J., dir. 2008. La renaissance africaine comme alternative au développement : les termes du choix politique en Afrique. Paris : L’Harmattan.

[6] Koulibaly, M. 2008. Leadership et développement africain : les défis, les modèles et les principes. Paris : L’Harmattan. P.11.

[7] Barry, B. 2009. Discours d’ouverture au Symposium sur les Etats-Unis d’Afrique, suivi du Forum sur le rôle et la place de l’Afrique dans la gouvernance mondiale, Dakar, 27-30 juillet.

* الأرقام السكانية لعام 2007م مأخوذة من النشرة الإحصائية للجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا لعام 2008م.

[8] Holmes, K. R., E. J. Feulner et M. A. O’Grady. 2008. Index of Economic Freedom. Washington, DC : The Heritage Foundation ; New York : Dow Jones & Company.

* هذه الفئات العشر هي: حرية المؤسسة، وحرية التجارة، وحرية الحماية من التهم الإلزامية، وحرية التحكم في حجم الحكومة، وحرية العمل المستقل، وحرية الاستثمار، والحرية المالية، وحرية الحق في الملكية، والتحرر من الفساد، والحرية في مكان العمل.