جنوب السودان بين المؤامرة والتخاذل

  • 28 -9 - 2010
  • وقيع الله حمودة شطة


وقيع الله حمودة شطة 

من المسائل المهمة التي ينبغي أن تجد الاهتمام والدراسة الموضوعية والبحث العلمي الجاد من الباحثين والأكاديميين والتربويين والعلماء والدعاة؛ مسألة الحدود والفواصل الجغرافية، الطبيعية منها والوهمية، التي وضعها الاستعمار، وتم بموجبها تقسيم العالم الإسلامي والعربي إلى دول ودويلات حتى يسهل على الدوائر الاستعمارية إحكام السيطرة عليها، للوصول إلى أهداف استراتيجية يمكن لنا أن نمثلها في أربعة أهداف رئيسة هي: الاستيلاء والسيطرة على موارد الأمة، وتمزيق وحدتها، وإضعاف مقومات هويتها ومسخها من خلال نظرية الإحلال والإبدال الثقافي والفكري، ومحاولة إهدار جهودها وكسبها الإنساني والحضاري الذي رفدت به الحضارة الإنسانية العالمية عبر حقبها التاريخية المتوالية.

ونتيجة لكثرة أدواته الفعّالة في التغريب، ومعاوله الهدامة التي عبث بها في حياة الأمة الفكرية والثقافية والعقدية، وفي مناهج التعليم فيها؛ ظلت الأمة تعاني مما خلّفه الاستعمار من مشكلات وقضايا شتى شائكة، وعلى الرغم من الجهود التي بذلها العلماء والدعاة وأهل الفكر السليم في فترة ما بعد الاحتلال؛ فلا تزال الطريق شاقة وطويلة لبلوغ الغاية العلية، وهي القضاء على مظاهر الاحتلال وآثاره, وخصوصاً إذا أدركنا مسألة مهمة وذات بال، هي أن الاحتلال خرج بجسده وشخوصه، ولكن بقيت أدواته وأفكاره ووسائله، وأخطرها تلاميذه النجباء الذين هم من أبناء الأمة نفسها لكنهم شقوا عصاها، وانساقوا بكلياتهم نحو مفهومات حضارة الغرب المادية المفلسة.

ونتيجة شد الأطراف وازدواجية المعايير التي تستخدمها دوائر الاستعمار الحديث والنظام العالمي الجديد، وتحت غطاء الحرب على الإرهاب وملاحقة الجناة، سُخّرت منظمات وهيئات الأمم المتحدة وقوانينها الوضعية التي راعى فيها المشرّع مصالحه أولاً، وصار الطريق ممهداً أمام قوى البغي والعدوان الاستعمارية للتمدد في مساحات واسعة من رقعة العالم العربي والإسلامي، والتدخل المباشر بلا إذن في شؤونه وقضاياه الداخلية، وهو الأمر الذي فاقم من حدة التشظي والانقسام الداخلي، ونبتت ظاهرة الحركات والمجموعات الانفصالية في العالم الإسلامي التي زادت من فاعلية التوترات الداخلية والاضطرابات السياسية وحِـدّة الاستقطاب، وبرزت ظاهرة خيانة الأمة لحساب الآخر، وتوالى معها ضعف التنمية والخدمات الأساسية في أجزاء واسعة من بلدان العالم الإسلامي، الأمر الذي بدوره أيضاً زاد الطين بِلة، وشجّع قيام ونمو حركات التمرد ونزعات الانفصال المسوغة وغير المسوغة، وعلى سبيل المثال لا الحصر مشكلة الصحراء الغربية، وقضية دارفور التي ضخمتها الآلة الإعلامية الغربية، وأزمة جنوب السودان.

إن ظاهرة الصراع هذه في جنوب بعض بلدان العالم الإسلامي ظاهرة تستوقف الباحث للاستقراء والتتبع والبحث، لا ينبغي تعديها في عجالة دون كشف ما وراءها من كيد، وهو أمر ربما قوّى نظرية المؤامرة وبصّر بوشائجها ومداخل خيوطها.

وسوف أخصص الحديث هنا لمشكلة جنوب السودان فقط؛ لأنها تمثل الآن التحدي الأكبر، والمشكل الأعظم، وتأتي أهمية هذه المشكلة من كون السودان يتمتع بموقع جغرافي متميز بين قارتي إفريقيا وآسيا، فهو رابط حقيقي بين مجموعة بلدان العالم الإسلامي العربية منها والإفريقية، فضلاً عن ذلك ما يزخر به السودان من موارد بشرية وطبيعية عظيمة ومتنوعة، في باطن الأرض وظاهرها، ونحاول أن نلقي الضوء على جذور هذه المشكلة التاريخية التي قامت لأسبابها واحدة من أطول الحروب في القارة الإفريقية والعالم الإسلامي في العصر الحديث، ونكشف خيوط المؤامرة الدولية، ومراحل العلاقة بين الشمال والجنوب، البنود المثيرة للجدل في اتفاقية نيفاشا، ومكاسب الحركة الشعبية من الاتفاقية، ومشروع السودان الجديد، وتنامي موجة الانفصال، والأوضاع بعد الانتخابات السودانية، والموقف العربي المتخاذل من القضية، وأخيراً واجبات الأمة نحو هذه القضية.

الجذور التاريخية لمشكلة جنوب السودان:

ظهر اسم «جنوب السودان» بوضعه الجغرافي الحالي على خريطة هذه المنطقة حديثاً؛ لأن السودان كله لم تكن له حدود جغرافية معينة، إنما كان عبارة عن مساحة واسعة ولها تخوم في أطرافها، واسم «السودان» نفسه فيه اختلاف بين المؤرخين حول مدلوله، والمساحة التي كان يتمدد فيها، ولذلك جاء في كتاب (جنوب السودان ومبدأ تقرير المصير) ما يأتي: «لم يكن الغربيون ولا المسلمون يعرفون كبير شيء عما يُعرف اليوم بجنوب السودان، وقد جاء في كتب التقاسيم والبلدان والأقاليم الإسلامية المصنفة في القرون الماضية ما يُشعر بأن تلك الأصقاع كانت مجاهل، وربما تُنسج حولها الخرافة والقصص العجيبة، ومن طالعها ربما استخلص حقيقة واحدة، وهي أن تلك البلاد كانت قفراً خراباً ليست فيها عمارة، وكانت فيها قلة من السكان يعيشون حياة بدائية»(1).

وبهذا يشير الكتاب إلى حقيقتين مهمتين الأولى ما ذكرنا أن المنطقة اكتشفت بصورة واضحة بعد دخول الاحتلال إلى العالم الإسلامي، ونشاط حركة الرّحالة والاكتشافات الجغرافية، والحقيقة الثانية هي وجود بعض المسلمين في تلك الأصقاع النائية، والذي ربما يُعزى إلى الهجرات الفردية القديمة التي قام بها بعض الدعاة والتجار المسلمين منذ عهد الخلفاء الراشدين، وبخاصة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، نحو مجاهل إفريقيا وبخاصة والجزء الشمالي الغربي منها، وهو ما مهد فيما بعد لقيام ممالك إسلامية عظيمة في غرب إفريقيا مثل مملكة وداي ومملكة البرنو ومملكة الفلان، وامتد الأمر إلى داخل السودان بتخومه القديمة حيث قامت مملكة الفور العظيمة، وهذا أمر قد شهده كثير من المعاصرين الذين حصل لهم اتصال بتلك الأصقاع، ومع ذلك فقد ذكر بعض المؤرخين وجود مسلمين من أهلها ربما تميزوا في لباسهم عن غيرهم(2).

ويرى كثير من الباحثين الدارسين أن أولى الخطوات التي أسهمت في ظهور خريطة السودان الحديث هي الفتح التركي المصري في عهد محمد علي باشا، وبعيداً عن جدلية هذا الفتح أو الغزو كما يسميه بعضهم ودوافعه؛ نجد أن كثيراً من الرحالة والمكتشفين استطاعوا بلوغ منابع النيل وتلك الأصقاع البعيدة في عهد محمد علي باشا، «وفي عهده أيضاً كانت بدايات الاتصال السياسي مع الجنوب، وذلك بعد أن عيّن أحمد باشا أبو ودان حكمداراً أو حاكماً مركزياً على أقاليم السودان»(3).

ومن هنا بدأ الاهتمام باكتشاف منابع النيل من قِـبل الأتراك والمصريين معاً، وكانت محاولة سليمان كاشف وسليم قبطان المصريين من أولى الرحلات الجغرافية الحديثة لاكتشاف منابع النيل، ونُشرت رحلتهما في الجمعية الجغرافية الفرنسية سنة 1842م، وقد بدأ سليم قبطان محاولته عام 1839م تلاها باختراقين آخرين نحو منابع النيل عام 1840م و1842م، بلغ فيها قبائل الشلك والباريا، ووصل حتى بحر الجبل بالقرب من غندكرو التي لا تبعد كثيراً عن موقع مدينة جوبا الحالية(4).

وبعد محمد علي باشا حصل التوسع الفعلي في الجنوب في عهد حفيده الخديوي إسماعيل بن إبراهيم بن محمد علي، إذ استعان ببعض تجار الرقيق الأوروبيين والرحالة، ومنهم الرحالة الإنجليزي صمويل بيكر الذي عيّنه مديراً للمنطقة الاستوائية عام 1869م من أجل تأمين حوض النيل وتبعيته لمصر، وقد فعل ذلك حتى وصل حدود أوغندا، ثم خلفه الضابط الإنجليزي شارلس جورج غوردون الذي في عهده هدأت الأوضاع الأمنية قليلاً، وسارت التجارة بين الشمال والجنوب، وعلى الرغم من ذلك فقد السودان سيطرته على أوغندا في عهده(5).

وفي عهد الثورة المهدية لم تستطع الثورة ومجاهدوها بقيادة محمد أحمد المهدي وخليفته من بعده عبد الله تورشين (ويعرف باسم الخليفة عبد الله التعايشي) من بسط نفوذهم على الجنوب كما فعلوا في الشمال لأسباب؛ منها مقاومة بقايا الجيش التركي هناك، ومقاومة القبائل الجنوبية الإفريقية لعمليات الفتوحات المهدية، وتمركز الجيش البلجيكي الذي كان في الكنغو؛ لذا اكتفت المهدية بأن احتفظت بقوة في جبل الرجاف، ولم يتجاوز نفوذها منطقة فشودة.

غير أنه لا يخفى على الباحث الجريمة النكراء التي ارتكبتها بريطانيا بعد احتلال السودان عام 1898م بعد أن قتلت خليفة الإمام المهدي عبد الله التعايشي في معركة «أم دبيكرات»، حيث أعلنت ما عُرف بقانون المناطق المقفولة، فأغلقت الجنوب منذ عام 1922م، ومنعت دخول الشماليين إليه إلا بتأشيرة، ومنعت حركة الدعوة الإسلامية، ومنعت إرسال البعثات الإسلامية مثل بعثة مؤتمر الخريجين سنة 1938م، ولكنها في المقابل سمحت للبعثات التنصيرية التي جاءت تقريباً من كل الكنائس في أوروبا وأمريكا.

وفي سنة 1947م عُـقد مؤتمر جوبا تحت ما يُسمى بمشروع جيمس روبرتسون، وهو السكرتير الإداري لحكومة الإنجليز في السودان، طُرح في هذا المؤتمر ثلاثة خيارات لتبعية منطقة جنوب السودان(6)، الأول ضم الإقليم إلى أوغندا، والثاني منح الإقليم حكماً ذاتياً، والخيار الثالث أن يتوحد الإقليم مع الشمال في دولة واحدة، وهذا الأخير كانت بريطانيا تفضله؛ لأنه يحقق لها هدفها الاستراتيجي وهو زرع شوكة في خاصرة السودان، وإثارة الفتنة بين أبنائه في الشمال والجنوب؛ وذلك بعد أن تأكد لها أن قانون المناطق المقفولة قد آتى أكُله، ونجحت عملية زرع الأحقاد في فترة تطبيق هذا القانون، حيث رسخت بريطانيا في أذهان أبناء الجنوب أن أبناء الشمال يريدون نشر الإسلام واللغة العربية في الجنوب قسراً، ولذلك لما طرحت فكرة الاتحاد مع الشمال رفضها النخب والمثقفون من أبناء الجنوب للأسباب السابقة، وذلك في اليوم الأول للمؤتمر، وطالبوا بتقرير المصير، غير أن السكرتير الإنجليزي جيمس روبرتسون مارس ضغطاً عليهم، ثم زوّر إرادتهم في اليوم الثاني للمؤتمر الذي تم فيه الاتحاد بين الشمال والجنوب.

وقد اعترف جيمس روبرتسون فيما بعد في مذكراته أنه زوّر قرارات مؤتمر جوبا سنة 1947م، الذي قرر فيه الاتحاد بين الشمال والجنوب، ولم يكن ذلك حرصاً منه على عدم انفصال الجنوب  الذي كرس له الاستعمار البريطاني كل جهوده وسياساته، بقدر ما كان موقفاً تكتيكياً، والانفصال مشروع استراتيجي يجيء وقته بعد انسحاب بريطانيا؛ ولذلك ما لبث هذا الاتحاد حتى اندلعت شرارة أول تمرد بقيادة رجل يُدعى أليبينو سنة 1955م، وقبل أن يخرج الاحتلال الإنجليزي من السودان، شمل هذا التمرد ثلاثة عشرة مركزاً ومدينة في جنوب السودان، وكانت قاعدته المركزية مدينة توريت، وقد حدثت في هذا التمرد مأساة إنسانية عظيمة، حيث ذبح النصارى والوثنيون أبناء الشمال المسلمين والعرب وأسرهم وقتلوا خلقاً كثيراً منهم، وفرّ الناجون نحو الشمال تاركين مزارعهم وأموالهم ودورهم، وبخاصة التجار منهم الذين نُهبت ممتلكاتهم، وقد عرفت تلك المأساة باسم (أحداث توريت الدامية)، وهي التي من الأسباب عكرت صفو العلاقة بين الشمال والجنوب، وغذّت مراحل التمرد التي توالت حتى تمرد جون قرنق 1983م، والذي استمر ما يقارب ربع قرن.

وفي 18 /12 / 1914م أعلنت إنجلترا الحماية على مصر، فامتدت حمايتها تبعا لذلك إلى السودان، حيث تنازلت تركيا عن سيادتها على مصر والسودان في اتفاقـية لوازن، وبعدها وقع السودان في الاحتلال حتى نال استقلاله سنة 1956م.

ويلاحظ أن جنوب السودان قد مر بعدة مراحل؛ منها مرحلة دخول جزء منه تحت نفوذ الحكم التركي المصري، ومرحلة خضوع جزء منه أيضاً للثورة المهدية، ومرحلة الحكم الثنائي الإنجليزي المصري، ومرحلة حكومة الفريق عبود الذي كاد أن ينجح في حل مشكلة الجنوب؛ حيث أدخل تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية، ونشر الدعوة الإسلامية بين القبائل الجنوبية، ولكن ثورة أكتوبر التي افتعلت سنة 1964م  أطاحت بحكم عبود أوقفت كل هذه الجهود.

تلتها مرحلة مهمة وهي فترة حكم المشير جعفر نميري الذي يُحسب له تطبيق الشريعة في السودان في الجزء الثاني من حكمه، قبل أن ينقلب عليه العلمانيون الذين سمّوا قوانين الشريعة بقوانين سبتمبر، والإعلان عن الشريعة جعل الجنوب بأكمله يقف في صف التمرد، وفي عهد نميري هدأت أوضاع الحرب في الجنوب شيئاً ما، وذلك بعد اتفاقية أديس أبابا بإثيوبيا مع القائد الجنوبي الشهير جوزف لاقو سنة 1972م، غير أن التمرد عاد مرة أخرى سنة 1983م بقيادة العقيد جون قرنق(7)، وهو رجل شيوعي ملحد لا ديني، ولكن على الرغم من ذلك استخدمه مجلس الكنائس العالمي طوال هذه الفترة كأداة من أدوات الاستعمار الجديد، وخصوصاً بعد أن ترك الاتحاد السوفييتي بعد نهاية الحرب الباردة واتجه غرباً نحو أمريكا وأوروبا، حيث وجد دعماً مستمراً طول فترة التمرد وحتى توقيع اتفاقية نيفاشا في يناير 2005م.

دحر التمرد في الجنوب:

ولما جاءت حكومة البشير إلى سدة الحكم في السودان في 30 يونيو سنة 1989م كان التمرد في جنوب السودان يسيطر على معظم جنوب السودان، ومناطق من جبال النوبة في ولاية جنوب كردفان المتاخمة لحدود الجنوب، وذلك بسبب انهيار القوات المسلحة السودانية وضعفها لقلة التمويل والدعم، نتيجة وجود حكومة ضعيفة في الخرطوم ومتشاكسة بقيادة الصادق المهدي(8).

وبعد تولي البشير الحكم اهتم بإعادة هيبة الجيش السوداني وتأهيله، وقام بحركة تجييش وتدريب واسعة في الشعب، واستجابت لها قطاعات كبيرة من الشباب والطلاب(9)، واستطاع بعد معارك ضارية في الجنوب من دحر التمرد وطرده وإعادة السيطرة على أكثر من 90% من الجنوب، بعد أن احتسب الجيش والمجاهدون أكثر من عشرين ألف شهيد.

بعدها جلس الطرفان للتفاوض في أبوجا (1) وأبوجا (2) بنيجيريا؛ حيث رفضت الحكومة وقتها إعطاء حق تقرير المصير للجنوب، وفعلت المعارضة مثلها في مؤتمر لندن سنة 1992م، لكن الحكومة والمعارضة عادتا وقبلتا بإعطاء حق تقرير المصير للجنوب من خلال إعلان دول الإيقاد (IGAD)، وهي: أوغندا وكينيا وإثيوبيا وإريتريا، وذلك سنة 1994م، لحق بذلك مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية المنعقد في 15 يونيو سنة 1995م، والذي اعترفت فيه قوى المعارضة بحق تقرير المصير وحق الانفصال لجنوب السودان، لحقهما توقيع اتفاقية الخرطوم للسلام بين الحكومة وبعض الفصائل المتمردة في 21 أبريل سنة 1997م، والتي نصت على حق تقرير المصير، وقد أُصدر بموجبها المرسوم الدستوري الرابع عشر الذي ضُمّن في دستور 1998م.

اتفاقية الانفصال نيفاشا والبنود المثيرة للجدل:

جاء بعد ذلك أيضاً توقيع الحكومة في العام 1997م على إعلان مبادئ الإيقاد (3) التي نصت على حق الانفصال للجنوب, ثم جاء توقيع الحكومة على برتوكول ميشاكوس، ومن ثم اتفاقية نيفاشا في العام 2005م التي تنص على حق الانفصال للجنوب، ثم تثبيت وتقنين دستور 2005م الانتقالي لحق تقرير المصير والانفصال، وأخيراً في سبتمبر 2009م توقيع الحركة الشعبية بقيادة سلفاكير(10) وقوى المعارضة الاتفاق الذي عُرف بإعلان جوبا الذي أكد حق تقرير المصير، وقد شارك في هذا الإعلان بجانب الحركة الشعبية كل من حزب الأمة القومي بقيادة الصادق المهدي، والحزب الشيوعي السوداني بقيادة محمد إبراهيم نقد، والمؤتمر الشعبي بقيادة حسن عبد الله الترابي، والاتحادي الأصل بقيادة محمد عثمان الميرغني.

وقد بدأت المفاوضات الشاقة بين الشمال والجنوب منذ مايو 2002م، ومرت بمراحل كثيرة بدءاً بأبوجا (1) وأبوجا (2) بنيجيريا كما تقدم، ثم كارن، فمشاكوس، فنيروبي، فناكورو ثم نانيوكي، وأخيراً نيفاشا في كينيا، حيث بدأت نهاية المؤامرة الدولية الماكرة لتقسيم السودان بإعلان اتفاقية نيفاشا التي وقّع عليها الأستاذ علي عثمان محمد طه النائب الأول لرئيس الجمهورية نيابة عن حكومة جمهورية السودان، وجون قرنق دي مبيور رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان والجيش الشعبي لتحرير السودان نيابة عن الحركة الشعبية لتحرير السودان، والعديد من الأطراف الإفريقية والدولية(11) في التاسع من يناير 2005م، هؤلاء جميعاً شهدوا وأقروا المؤامرة الدولية التي سُـميت زوراً «اتفاقية السلام الشامل»، والتي تختصر بكلمة «نيفاشا»(12)، وجه المؤامرة الدولية كان بادياً من خلال الاهتمام الدولي والإعلام الدولي والإقليمي منقطع النظير، والدعم اللوجستي، والحضور الكثيف بجانب مراقبة أكثر من ألف شرطي.

كتبت الاتفاقية في أكثر من 250 صفحة, وتتكون من ستة فصول، هي: برتوكول ميشاكوس, تقاسم السلطة, حسم نزاع منطقة أبيي, حسم  النزاع في ولايتي جنوب كردفان, والنيل الأزرق, وفصل الترتيبات الأمنية(13).

ومن أبرز بنود هذه الاتفاقية ما جاء في مفاتيح الاتفاقية البند (3) الذي يقول (النصوص العربية والإنجليزية المتفق عليها لاتفاقية السلام الشامل هي نصوص رسمية ومعتمدة, ومع ذلك فإنه في حالة وجود خلاف فيما يتعلق بمعنى أي فقرة في النص, فقط إذا كان هناك في المعنى بين النص العربي والنص الإنجليزي يسود النص الإنجليزي؛ لأن الإنجليزية هي لغة مفاوضات السلام)!

  وهذا وجه من وجوه معركة المصطلحات التي بدأت عندما جاء وقت التنفيذ, وقد حدثت اختلافات كثيرة بين طرفي الاتفاقية: المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الشعبية, وسبب هذا الاختلاف يعود إلى التدبير المقصود من خلال كتابة نصوص الاتفاقية, والتي أُعدت بدقة ومهارة في معاهد متخصصة في كل من ألمانيا وبريطانيا وأمريكا(14).

ومن البنود المثيرة للجدل أيضاً ما جاء في الجزء (ج) (الدين والدولة)، في المادة: (6 - 3) التي تقول: (الأهلية للمناصب العامة, بما في ذلك رئاسة الجمهورية, والخدمة العامة, والتمتع بجميع الحقوق والواجبات تكون على أساس المواطنة، وليست على أساس الدين أو المعتقدات أو العادات)(15).

  وقد أثار هذا البند حفيظة قطاع عريض جداً من أبناء الشمال المسلم العربي، ورأى في ذلك محاولة جادة مخططة لتغييب هوية السودان وتنفيذ مطالب الأقلية على حساب عقيدة الأغلبية وهويتها المسلمة التي تشكل أكثر من ثمانين بالمائة من جملة السكان، والباقي من النصارى والوثنين واللادينين، وأكثرهم في جنوب السودان, وقليل منهم في مناطق ولاية النيل الأزرق.

ومن المواد التي أثارت الجدل أيضاً ما ورد في الفصل الثاني (اقتسام السلطة)، تقول المادة: (1 - 6, 2 - 16) (مساواة حقوق الرجل والمرأة: (أ) كفالة مساواة حق الرجل والمرأة في التمتع بجميع الحقوق المدنية والسياسية الواردة في العهد الدولي بشأن الحقوق المدنية والسياسية, وجميع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتضمنة في العهد الدولي بشأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية)(16).

والنقد هنا يتوجه إلى دعوة الاتفاقية إلى المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات, على الرغم من اختلاف فطرتهما ومكوناتهما العقلية والجسدية, مما يعد تجسيداً وتمهيداً للدولة العلمانية التي ظلت الحركة تنادي بها، وتجسيداً أيضاً لاتفاقيات الأمم المتحدة التي رفضها الشعب المسلم في شمال السودان، مثل اتفاقية (سيداو).

ومن المحاور التي أثارت الجدل الخطأ في التعبير في عنوان الفصل الثاني (اقتسام السلطة) والثالث (اقتسام الثروة)، حيث جعلت الاتفاقية حقوق الدولة المادية المعنوية قسمة ضيزى بين مكونين فقط من قوي عريضة في السودان هما: المؤتمر الوطني والحركة الشعبية, وهو ما أثار حفيظة قوى في الشمال والجنوب معاً خرجت عن هذه القسمة والاستشارة والمشاركة في المفاوضات, بدعوى أن الأصل في السلطة والثروة المشاركة وليس الاقتسام.

ومن بنود الاتفاق التي أثارت حفيظة المسلمين في الشمال أيضاً، وكانت هي من خلافات مفاوضات أبوجا الثانية، قضية الدين والدولة، فقد (أصرت الحركة الشعبية على فصل النظام الموحد بين الدين والدولة. وفي النظام الكونفدرالي بين الشمال والجنوب يمكن تطبيق قوانين الشريعة في الشمال باستثناء العاصمة القومية حيث يجب أن تطبق قوانين علمانية)(17).   

وكان موقف حكومة السودان الإصرار (على أن تكون الشريعة هي القانون الأعلى في السودان الموحد، والحدود سوف لا تطبق على المواطنين من جنوب البلاد، ولكنها تطبق على غير المسلمين في الشمال، وكلمة (الإسلامي) سوف لا تستخدم في اسم الدولة مراعاة لغير المسلمين)(18).

 وعندها اقترحت نيجيريا بوصفها وسيط المفاوضات في أبوجا تجميد قوانين الشريعة خلال الفترة الانتقالية! وتطبيقها فقط في مجال الأحوال الشخصية، كما كان الوضع في فترة ما قبل 1983م، وذلك فيه إشارة إلى اتفاقية أديس أبابا 1972م بين جعفر نميري وجوزف لاقو، فلما أعلن نميري تطبيق الشريعة قامت شرارة التمرد مرة أخرى بالرغم من أن نميري أكد في خطابه الخاص بذكرى الاستقلال السابعة والعشرين, وفي ذكري يوم الوحدة من عام 1984م أن قوانين الشريعة لن تطبق على غير المسلمين، غير أن نخباً جنوبية شككت في ذلك وقالت: (اكتشفنا أن ذلك كان مجرد مناورة سياسية لا قيمة لها)(19).

ولذلك كانت العقبة الكؤود التي تواجه تطوير العلاقات  بين الشمال والجنوب هي التعصب ضد تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان, تطور هذا الموقف المتعصب ليصل إلى درجة رفض الدين كلياَ في الشمال والجنوب معاً, والمطالبة بدولة علمانية ذات ثقافة إفريقية وذلك من خلال  طرح مشروع «السودان الجديد»! وهو ما أدى إلى تهديد هوية السودان وعقيدته ومحاولة عزله عن محيطة الإسلامي والعربي، وذلك بالنظر إلى غالبية سكانه المسلمين ولغتهم وثقافتهم العربية الغالبة, وهذا قد شجع بقوة نشأة تيارات انفصالية في الشمال تنادي  بالانفصال من أجل حماية الهوية العقدية والثقافية لسكان شمال السودان المسلم.

ومن الأمور المثيرة للجدل حقاً في فصل (الترتيبات الأمنية) في الفترة الانتقالية طالبت الحركة في أبوجا بل (أكدت الحركة على انسحاب القوات الحكومية من الجنوب وتركه لقوات الجيش الشعبي مع مراقبين دوليين لمراقبة موقف إطلاق النار وعملية الفصل بين القوات، وأبدت الحركة انزعاجها من الاقتراح النيجيري الخاص بترك الجيش الحكومي في الجنوب ودمج الجيش الشعبي في الجيش القومي)(20).

وجاءت الحركة إلى نيفاشا بمبدأ أبوجا فيما يتعلق بالجيش السوداني، بل زادت عليه مطالب أخرى، وتم لها ذلك، حيث قُلل عدد الجيش السوداني، وسُرح عدد منه، وجرت عملية إعادة دمج فيه، وطلبت أن يتراجع الجيش السوداني نحو الشمال حتى حدود 1/1/1956م، وتم ذلك، وجيء بفكرة الوحدات المشتركة المدمجة ما بين الجيش السوداني والجيش الشعبي لتحرير السودان.

وهذه القوات المشتركة يتمثل طابعها ومهامها في الآتي:

(أ -  طابعها:  ينبغي أن يكون لها طابع جديد يقوم على أساس مبدأ مشترك.

ب -  ومهامها:

     أولاً:  تكون رمزاً للوحدة الوطنية خلال الفترة الانتقالية. 

     ثانياً:  تكون رمزاً للسيادة في الفترة الانتقالية.

     ثالثاً: تشارك في الدفاع عن البلاد إلى جانب القوتين).

ويعني نص الاتفاق بالقوتين الجيش السوداني القومي والجيش الشعبي، وهنا بيت القصيد ومحور المؤامرة الدولية التي رعت نيفاشا, فقد قصد من ذلك إلغاء دور الجيش القومي كما جرى في العراق بعد احتلال بغداد؛ بدليل النقطة الرابعة القادمة التي تقول:

(رابعاً: [القوات المشتركة] تكون نواة لجيش السودان مستقبلاً في الفترة ما بعد الانتقالية إذا أكد التصويت في الاستفتاء على الوحدة. 

    خامساً: تكون مشاركة في إعادة بناء البلاد)(21).

 وجاء فيها أيضاً فيما يتعلق بحجم هذه القوات وأماكن انتشارها:

(أولاً:  جنوب السودان: أربعة وعشرون ألفاً (24000).

ثانياً:  جبال النوبة: ستة آلاف (6000).

ثالثاً:  جنوب النيل الأزرق: ستة آلاف (6000).

رابعاً:  الخرطوم: ثلاثة آلاف (3000) ).

وفيما يتعلق بشرق السودان نصت الاتفاقية على الآتي: (أن إعادة نشر قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان من شرق السودان إلى جنوب الحدود الجنوبية / الشمالية كما في 1/1/1956م يتم اكتمالها خلال عام واحد من ابتداء فترة ما قبل الفترة الانتقالية)(22).

غير أن الأخطر من ذلك كله ما جاء في فصل (الترتيبات الأمنية) ونصه: (يتم تشكيل وحدات مشتركة / مدمجة تتكون من أعداد متساوية من القوات المسلحة السودانية والجيش الشعبي لتحرير السودان خلال الفترة الانتقالية، وتشكل الوحدات المشتركة المدمجة نواة لجيش السودان فيما بعد الاستفتاء إذا ما أكدت نتيجة الاستفتاء الوحدة)(23).

وهذا النص يكشف عن قصور كبير في روح اتفاقية السلام الشامل الذي جعل قسمة الجيش والأمن أيضاً حكراً على طرفين متجاهلاً حقوق القوى السياسية الأخرى وخصوصاً في الجنوب، حيث إن الجيش الشعبي لتحرير السودان لا يمثل الجنوب كله، وإنما يمثل الحركة الشعبية فحسب، وإن كانت الحركة الشعبية قد فاوضت باسم الجنوب فهذا لا يشفع لها؛ لأنها ليست حركة قومية على مستوى السودان ولا على مستوى الجنوب، فهي حركة عنصرية يسيطر عليها في الغالب قبيلة واحدة وهي قبيلة الدينكا.

بيد أن المشكل الكبير في نيفاشا يكمن في أنها جعلت حق تقرير المصير بأيدي القلة وهم أبناء الجنوب, إذ لا تتجاوز نسبتهم 21% مقابل 79% من سكان الشمال، فهو قرار غير عادل أن يُعطى الحق للأقلية لتقرر في مصير وطن بأكمله، وأن يكون قرارها ملزماً للأطراف الأخرى؛ ولذلك جاءت الاتفاقية ممهدًة للانفصال من أول سطر فيها.

وقد حققت الحركة الشعبية من اتفاقية السلام مكاسب كثيرة من السلطة والثروة، أصابت قادتها بتيار جارف من الغرور وبخاصة أتباع  قرنق بعد هلاكه، ومن أبرزهم باقان أموم الأمين العام للحركة، وياسر عرمان - وهو شمالي الأصل، ولكنه تربي في أحضان الشيوعية ثم التحق بالحركة الشعبية - وهو نائب الأمين العام، ثم إدورد لينو الذي أحرق أبيي قبل أن يهرب منها بعد سيطرة الجيش السوداني عليها، ودينق ألور وزير الخارجية السابق الذي خلف الدكتور لام أكول وزير الخارجية الأسبق.

معضلة «السودان الجديد» أو الانفصال:

غير أن أكبر خلاف وقع وكاد يُرجع الأمر إلى مربعه الأول هو دعوة قرنق وأتباعه من بعد هلاكه  إلى مشروع «السودان الجديد», وهو مشروع ظلت الحركة تدعو إليه بقوة, وهو يعني إقامة وحدة السودان في إطار دولة علمانية ذات ثقافة إفريقية خالصة, ولأجل إقامة هذا المشروع ذهب قرنق أبعد من ذلك حين سئل عن الهدف من مشروع السودان الجديد ورؤيته، وذلك في جامعة فرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 2002م, حيث تحدث في تلك المحاضرة عن نظرية الإحلال والإبدال بين نموذجين, ويقصد بهما النموذج الإسلامي والعربي من جهة والنموذج العلماني الإفريقاني من جهة أخرى؛ ولذا قفز بعيداً حيث قال: «نريد طرد العرب والمسلمين من السودان كما طُردوا من الأندلس، وقد طال بقاؤهم»(24).

وفي الفصل الأول: البند الرابع من منفستو الحركة الشعبية، يقول: « «السودان الجديد»، الجديد يعني التدمير الشامل للنموذج الإسلامي والعربي, وإنهاء فترة الأقلية الحاكمة», ولذلك ظهرت دعوى خجولة متخفية في ثوب عنصري تزعم أن العرب والمسلمين ما هم إلا جالية في السودان، غير أن هذا الكلام ليس ذا قيمة علمية؛ لأن دخول العرب والمسلمين السودان فرادى وجماعات كان قبل أكثر من1400 سنة، بينما تتحدث دراسات أن دخول المجموعات النيلية وبعض القبائل الجنوبية أرض السودان بشكله الحالي لا يتجاوز نحو600 إلى 700 سنة.

وقد برزت بعد الانتخابات وقبلها وأثناء الدعاية لها شعارات مشروع «السودان الجديد»، مثل: شعار (الأمل والتغيير), و (الحرية والمساواة من أجل المهمشين), إلخ من شعارات فارغة عملياً, بعد أن حكمت الحركة الشعبية كل جنوب السودان، حيث وضح جلياً عدم قدرة قيادة الحركة على إدارة الدولة، وظهرت إشكاليات أساسية استعصت على الحل؛ مثل فوضى الجيش الشعبي نفسه, وعدم تقيده بأوامر القيادة العليا، فحدثت صراعات قبلية قاتلة ومعارك دموية وحمام دماء في جونقلي وملكال وولاية الوحدة وغيرها, وكثر النهب والاعتداء على الأرض والمتاجر والأملاك والقتل, والاعتقال التعسفي والتحفظي حتى داخل قيادة الجيش، وأخيراً زورت نتائج الانتخابات في الجنوب.

ولكن ظلت الحركة الشعبية على الرغم من حكم الجنوب بالحديد والنار والأغلال؛ ظلت تدعو إلى مشروع «السودان الجديد»، وهي تشارك في حكم الشمال بنسبة 28% وفق اتفاقية نيفاشا, والآن زيدت حصتها لتبلغ 30% في الشمال بعد الانتخابات! وقد زاد الاستقطاب السياسي أثناء الحملة الانتخابية لدرجة جعلت دعاة مشروع «السودان الجديد» بقيادة الحركة والذين انحازوا إليها من علمانيين وشيوعيين ينادون بحريات مطلقة, وإباحة الخمور, وتعطيل الحدود والعقوبات, بل وصل بهم الأمر إلى أن نظموا مظاهرة حاصروا بها المجلس الوطني القومي (المجلس التشريعي) يطالبون بتعطيل الحدود وإقصاء الشريعة من العاصمة، ومنع تدخل الأجهزة الأمنية مهما كان الفعل والسلوك الأخلاقي والسياسي!

هذا هو مشروع «السودان الجديد» الذي ظل قرنق يبشر به, حيث قال في خطابه في حفل توقيع اتفاقية السلام في يوم 9 يناير 2005م قال: «أما الحل لمشكلة السودان الأساسية فهو إنشاء وتطوير دولة سودانية تضم الجميع، أطلق عليها تسمية «السودان الجديد» والحكم السوداني السياسي الجديد, سيشترك فيه كل السودانيين على قدم المساواة, بصرف النظر عن دينهم أو عرقهم أو قبيلتهم أو جنسهم, وإذا لم ينجح هذا الحل فسوف نبحث حينئذ عن حلول أخرى، مثل: تقسيم البلاد. لكننا نؤمن أن «السودان الجديد» ممكن! والسؤال المطروح هنا هل هناك أساس للسودان الجديد؟ وإجابتي هي: نعم هناك أساس, وهذه الإجابة الإيجابية التوكيدية هي التي وجهت ودعمت رؤية الحركة الشعبية لتحرير السودان طوال الواحد والعشرين سنة الماضية، ومكنتنا من التوصل إلى اتفاقية السلام الشامل»(25).

وبعد توقيع الاتفاقية جاء قرنق إلى القصر الرئاسي نائباً أول  لرئيس الجمهورية - كما مضى– ولم يعش فيه سوى واحد وعشرين يوماً، إذ قضى في حادثة تحطم الطائرة الرئاسية الأوغندية في 31 يوليو 2005م في أدغال جنوب السودان وهو في طريقة الى مدينة نيوسايت بجنوب السودان من العاصمة كمبالا، فسبحان الله.

ولما وقعت الأحداث الدامية في الخرطوم بين أبناء الشمال والجنوب في أول أغسطس 2005م عقب مقتل قرنق فيما عرفت بأحداث الاثنين الأسود، وتلتها أحداث أخرى متفرقة في الشمال، أدرك الشماليون أن الحرب انتقلت من الجنوب إلى الشمال، وأن رقعتها قد اتسعت حتى شملت دارفور وأجزاء من كردفان والشرق، وبدا واضحاً أن نيفاشا قد أوقفت الحرب في الجنوب، ولكنها نقلتها إلى الشمال الذي كان آمناً من  قبل!

ثم تعالت دعوات دعاة مشروع «السودان الجديد» بالعلمانية وإقصاء الشريعة الإسلامية حتى في الشمال، وأعلنوا تأييدهم العريض للمحكمة الجنائية الدولية التي تطالب بالقبض على البشير الذي يلقى تأييداً كبيراً في الشمال وآخرين معه، منهم أحمد محمد هارون الوزير السابق وعلي كوشيب، وأجروا اتصالات مكثفة بمتمردي دارفور، مثل حركة تحرير السودان التي أسسها عبد الواحد محمد نور ومني اركو مناوي  وغيرهما.

وقد بلغ ببعضهم ازدراء الأحكام الشرعية من خلال التصريحات في الصحف والقنوات شبه اليومية، وبخاصة باقان أموم وعرمان ولينو واتيم قرنق، فهذا هو الذي نزع الثقة من نفوس الشماليين، ولذا تنامى صوت الانفصال حتى كاد أن يكون هو الغالب.

 وفي المقابل نشأت وظهرت أحزاب وقوى سياسية انفصالية جنوبية، وظهرت أيضاً قوى أخرى مناوئة  للحركة الشعبية، مما زاد من حدة الصراع بين الشمال والجنوب من جهة، وبين الجنوب والجنوب من جهة أخرى، وقام الجيش الشعبي في الجنوب بقتل عدد كبير من الشماليين في الجنوب وتعذيبهم ونهب ممتلكاتهم  وبخاصة التجار منهم، وأغلقت المصارف الإسلامية والمساجد والمؤسسات الخيرية، وحوّل بعضها إلى بارات مثل مسجد رومبيك الكبير، وقتل عدد كبير من أئمة المساجد والدعاة والمؤذنين، وأغلقت جامعة القرآن الكريم فرع جوبا، واحتل مقرها من قبل الجيش الشعبي، ومنع الأذان بمكبرات الصوت في جوبا، وبدأت مظاهر الانفصال ماثلة ظاهرة للعيان.

ومن الإجراءات التي تعضد الاتجاه الانفصالي في الجنوب منع تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية هناك، بل استبدلت المناهج الدراسية بمناهج من كينيا وأوغندا، كما اتخذت الحركة الشعبية علماً خاصاً بها يختلف عن علم السودان ذي الألوان الأربعة (الأخضر - الأسود - الأحمر - الأبيض)، وكُثفت نقاط التفتيش على الحدود، وصارت مكاتب الحركة بالخارج تعمل دون استشارة وزارة الخارجية السودانية أو الرجوع إليها، ولا يعقل أن يكون هناك جيشان في دولة واحدة؛ حيث تصر الحركة الشعبية على الاحتفاظ بجيشها بعد الاتفاقية، وتأهيله وتدريبه على أحدث الأسلحة، فقد قام ببعث بعض أفراده إلى دورات تدريبية في جنوب إفريقيا وغيرها دون تنسيق مع الحكومة المركزية.

وفي بادرة مقصودة في ذاتها احتفلت الحركة الشعبية بالمجرمين الذين قتلوا أبناء الشمال في أحداث توريت في 18 أغسطس 1955م، وعدّتهم أبطالاً لقتلهم من أطلقوا عليهم بالمستعمرين، وجَعلت تلك الذكري عيداً وطنياً في الجنوب في يوم 18 من أغسطس من كل عام، فهي ذكري أليمة في الشمال مستحسنة في الجنوب! وهو ما يورث الأحقاد بين الطرفين، فضلاً عن انعدام الثقة منذ أيام الحرب؛ ولذا خاطب سلفاكير الجنوبيين العام الماضي في كنيسة جوبا وقال لهم: «إن كنتم تريدون أن تظلوا مواطنين من الدرجة الثانية صوتوا للوحدة».

وحين سُـئل باقان أموم أمين عام الحركة الشعبية في برنامج ساعة من الخرطوم الذي كانت تبثه قناة العربية في الانتخابات الماضية، هل الانفصال يؤثر في الجنوب وليس في الشمال؟ أجاب قائلاَ: «دائماَ الاستعمار يقول إن المستعمَرين لا يستطيعون حكم أنفسهم», وقال في المقابلة نفسها: «كان الجنوب يرزح تحت سيطرة المجموعة الحاكمة في السودان», وأضاف «ما لا يقل عن 95% سوف يصوتون للانفصال»، وقال: «إن المشروع الحضاري (يقصد المشروع الحضاري الإسلامي الذي جاءت به ثورة الإنقاذ في السودان) منع الفرصة للسودان الجديد، وهذا سيؤدي إلى انهيار السودان»، ولعله يقصد بانهيار السودان حدوث الانفصال.

وهذه المواقف من باقان وغيره تُظهر أنهم قد يئسوا من إقامة مشروع السودان الجديد العلماني، نتيجة موجة الرفض الشديدة التي قوبل بها من قبل شعب شمال السودان المسلم.

ومن دعوات الانفصال ما قال به مارتن ماجوك السكرتير القومي للاتصال الجماهيري والفئوي بحكومة الجنوب قال: «إن كل من يتحدث عن الوحدة يعتبر واهماً, إن الأوان قد فات، وإنه لن يكون هنالك استقرار في السودان إلا بالانفصال»، وأضاف: «إن البترول سينفصل مع الجنوب، وستؤول ملكيته لحكومة الجنوب وعلى الشركات الأجنبية العاملة في مجال البترول أن تقوم بإعادة صياغة عقودها مرة أخرى، ولن نترك جالون بنزين واحد للسودان، وإذا أراد أهل الشمال جالوناً من البنزين فعليهم أن يستوردوه من دولة الجنوب»(28).

وفي تصريح لدينق ألور قال: «أنا لا أريد أن أكون في دولة تضطهدني بالعروبة والإسلام»، وقال رئيس تحرير صحيفة سيتزن الإنجليزية التي تصدر بالخرطوم قال: «أنا أكره اللغة العربية؛ لأنها لغة المستعمر»، فهم يرون أن سكان الشمال المسلم مستعمرون.

وقد كان الصراع يظهر من وقت لآخر بين قيادة الحركة من أتباع  قرنق، والفريق سلفاكير ميارديت الذي خلف قرنق رئيس الحركة الحالي، حيث يتبنى أتباع قرنق وحدة السودان لتنفيذ مشروعهم «السودان الجديد»، بينما يبدو واضحاً أن سلفاكير يرغب في الانفصال، وهو رجل بطبيعة حاله انفصالي مثله مثل كثيرين من النخب والمثقفين الجنوبيين يفضلون الانفصال على الوحدة.

وهنالك أسباب أخرى تدفع بالأمور صوب الانفصال، منها: اختلاف العقيدة واللغة والعادات والتقاليد, وضعف الاتصال الاجتماعي بالمصاهرة والعلاقات الاجتماعية، هذا بجانب سعي طرفي نيفاشا نحو رسم الحدود بين الشمال والجنوب، وهذا الأمر يبدو غريباً! إذ كيف ترسم الحدود بين إقليمين في بلد واحد إلا إذا كانت هناك نيات حقيقية مبيته لانفصال الجنوب في الاستفتاء القادم! وقال سيلفاكير يوم تنصيبه نائباً أول بعد الانتخابات الماضية: «إن زمن الوحدة قد ولّى» وكررها في مناسبات عدة.

والرئيس البشير نفسه أكد في أكثر من مناسبة أنه سوف يعترف بدولة الجنوب الجديدة إذا اختار الجنوبيون الانفصال, لكنه عاد وقال: «لكننا نعمل ونسعى لكي تكون الوحدة جاذبة»، ويرى كثير من المراقبين أن مصطلح «الوحدة الجاذبة» يعني تخلي أهل الشمال عن الشريعة مهراً للوحدة، وهذا ما يرفضه الانفصاليون الشماليون بشدة؛ ولذلك فإن النتيجة المتوقعة تتلخص في أن الانفصال واقع لا محالة، وبقي فقط وقت إعلانه!

الموقف العربي والإسلامي من أزمة جنوب السودان:

أما فيما يتعلق بالموقف العربي من جنوب السودان وعملية السلام في دارفور؛ فهو موقف يكتنفه الغموض وقلة الحيلة, باستثناء الدور القطري الذي حقق كثيراً من النجاحات، بالإضافة إلى الدور السعودي والكويتي واليمني المتعاطف والداعم.

بينما ظل موقف القاهرة متردداَ غامضاً، فهي تريد أن تجلس بين المسافتين بين الشمال والجنوب، مع أنها أقرب جيران السودان والأعمق صلة بالسودان تاريخياَ واستراتيجياً, وبدا واضحاً موقف طرابلس التي تدعم موقف الانفصال؛ وقد نسبت تصريحات للقذافي أنه يرى خيراً للجنوبيين الانفصال، وأنه يؤيد ذلك، وسوف يعترف بقيام دولة الجنوب، فيما ذكر باقان أموم الأمين العام للحركة الشعبية أن: «الحركة تلقّت تعهداً غربياً بدعم انفصال الجنوب»(32).

وظل العالم الإسلامي والعربي في مكان الصامت إلا من دعوات فردية وبيانات شذرات من بعض الجهات، وفتاوى من بعض العلماء جزاهم الله خيراً, ولكن يبدو أن هذا كله لا يفيد شيئاً في تغيير مجريات الأحداث هنا في السودان الذي يتوقع أن  يكون دولتين بعد يناير 2011م.

الانتخابات ومدخل القوى الشريرة:

الانتخابات السودانية التي أُجريت في الحادي عشر من أبريل 2010م كانت من أكثر الانتخابات التي مرّت على البلاد إثارة للجدل منذ انتخابات 1958م, حيث جرت هذه الانتخابات في ظروف طارئة، وأوضاع استثنائية معقدة، أبرزها الحرب في دارفور، ومخرجات اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا)، وسريان تطبيقات الدستور الانتقالي، واتساع رقعة التعددية الحزبية والسياسية، حيث بلغ عدد الأحزاب السودانية ما يقارب ثمانين حزباً، وموقف الحركة الشعبية الغريب، حيث تشارك في الحكومة وتقود المعارضة في الوقت نفسه، وقد اتخذت لها مستشاراً أجنبياً هو الأمريكي روجر ونتر.

يضاف إلى هذه العوامل الداخلية عوامل خارجية؛ أبرزها: إصدار المحكمة الجنائية الدولية قراراً بتوقيف البشير ومذكرة بالقبض عليه، وضغوط أمريكا السياسية والدبلوماسية على حكومة الخرطوم، وشركاء منظمة (الإيجاد) وأصدقاؤها الذين رعوا بل وضعوا بنود اتفاقية السلام الشامل.

ومن العوامل الخارجية أيضاً وجود أعداد كبيرة من القوات الدولية داخل السودان لأول مرة منذ خروج الاحتلال سنة 1956م، وكذلك تدفق المنظمات الأجنبية مستترة بثوب الإنسانية، وهي في حقيقتها عبارة عن جواسيس ورجال مخابرات، مثّلت طلائع الاستعمار الجديد، وهي التي عقّدت الجوانب الأمنية وأشعلت أوضاع النازحين، وخصوصاً في دارفور في المعسكرات الكبيرة، مثـل «معسكر كلمة»، و «معسكر السريف»، و «معسكر دريج»، وجميعها في ولاية جنوب دارفور، و «معسكر أبوشوك»، و «معسكر زمزم»، والأخيران في ولاية شمال دارفور، و «معسكر مورني» في ولاية غرب دارفور.

هذه العوامل الداخلية والخارجية مجتمعة فرضت أجواء غريبة على الانتخابات، وهيأت لثلاثة أمور رئيسة وخطيرة:

أولاها: التدخل الخارجي المباشر بدعوى تقديم المساعدات، ورعاية العملية الانتخابية ومراقبتها.

وثانيها: نشطت حركة جواسيس المنظمات الأجنبية والطابور الخامس في جمع المعلومات, وتحريك آلة الإعلام وفق التصوير والتحليل والتصوّر الغربي، وتشويه صورة المنظمات الإنسانية والخيرية الوطنية، والتشكيك في مصداقية تقاريرها.

وثالثها: تهيئة الأوضاع الداخلية، ومحاولة تعبئتها على قبول انفجار الأوضاع ونشر الشائعات والفوضى المفتعلة، مستخدمين في ذلك بعض أذناب القوى السياسية من علمانيين وشيوعيين ودعاة مشروع السودان الجديد، حيث نفث في روع هؤلاء دواعي الثارات فوثبت نفوسهم، واستجابت لمكر قوى الاستعمار.

ومن ثمّ جرت الانتخابات وسط هذه القيعان الملبّدة سماؤها بالغيوم، وصاحبتها كثير من الاتهامات المتبادلة من هنا وهناك حتى انجلت غيومها على دخن، ومن أبرز مفاجآتها سحب مرشح الحركة لرئاسة الجمهورية ياسر سعيد عرمان في آخر أيام الحملة الانتخابية وهو مُكره، وذلك نتيجة تفاعلات كيميائية داخل الحركة؛ وصفها بعض المراقبين بأنها صفقة تمت بين بعض النافذين في الحركة والمؤتمر الوطني الذي فاز فقط في الشمال وخسر في الجنوب؛ حيث لم يحصل الرئيس البشير في جنوب السودان إلا على نسبة ضئيلة لم تتجاوز 8% من جملة الأصوات في الجنوب، غير أن المؤتمر الوطني غضّ الطرف لشريكه الأكبر الحركة الشعبية عن سير العملية الانتخابية في جنوب السودان، وعجزت المفوضية القومية عن متابعة الأمور هنالك، وتركت الأمر للجيش الشعبي لتحرير السودان الذي سيطر على مراكز الاقتراع، ومارس كل أنواع الغش والتزوير، والسجن والقتل، والترويع والتهديد للمناوئين والمستقلين، ثم حسم الأمر في نهايته بفوز الحركة الشعبية الكاسح في الجنوب.

ومن غرائب الأحوال أن الإعلام الغربي والمنظمات والمراكز التي راقبت العملية غضّت الطرف عن التزوير والغش في الشمال والجنوب، فالهدف هو إكساب الشريكين الشرعية بأي كيفية ليواصلا المشوار في تنفيذ ما بقي من أجندة اتفاقية المؤامرة (نيفاشا)، وأهمها الاستفتاء، وقد أكدت ذلك معظم الدوائر الغربية.

وهكذا انتهت الانتخابات في السودان بفوز المؤتمر الوطني الذي ترغب الدوائر الغربية في بقائه للمرحلة المقبلة، وقد ساهمت القوى السياسية جميعها في مهزلة الانتخابات، وكل بما كسب رهين، ولم تكن الانسحابات إلا خططاً تكتيكية مدروسة بمكر ودهاء بأهدافها، وأساليبها وتوقيتها، وقد أفضت إلى غاياتها، دون إدراك العامة لحقيقتها وما ورائها.

وهنا تكون مشكلة جنوب السودان قد وصلت إلى مرحلتها الأخيرة بتآمر دولي، وصمت وخذلان عربي، وتواطؤ داخلي بين كثير من النخب السياسية, إن غالبية شعب الجنوب من جهة, وقيادة حكومة الجنوب من جهة أخرى، سعت إلى تحقيق مخطط تمزيق السودان بانفصال الجنوب عن الشمال, هذا المنحى الذي غرس جذوره الاستعمار، ورعته جهات عديدة، وكرسته الاتفاقات الأخيرة ووثقت بنوده، وبخاصة ما جاء في مؤامرة نيفاشا التي أعطت الجنوبين فقط دون الشماليين حق التصويت في الاستفتاء القادم، وأن يقرروا وحدهم الانفصال أو مواصلة الاتحاد مع الشمال في دولة واحدة.

وإلى هنا ندرك مدى غفلتنا، وخطورة أخطائنا -  نحن معشر المسلمين - حين تنكبنا صراط ربنا المستقيم في فعلنا السياسي والفكري وتعاملنا مع عدونا، وبعد مئات السنين وتعدد التجارب لا نزال نجهل أو نتجاهل الهدف الأول والاستراتيجي للغرب وملة الكفر بصورة عامة، ونحن ما بين غافل أو متغافل، أو متواطئ فيما يُحاك ضدنا، وذلك على الرغم من الأحداث والوقائع الكثيرة، والحروب طويلة الأمد التي أشعلها الاستعمار.

وانفصال جنوب السودان ليس كغيره، فهو كارثة حضارية، يتوقع أن تتلوها انقسامات أخرى، وقد وصفه الرئيس التشادي بقوله: «إن انفصال جنوب السودان كارثة لإفريقيا كلها، فما من دولة إفريقية إلا وفيها شمال وجنوب، ومسلمون ونصارى».

وإذا عرفنا كل هذه الحقائق، وعرفنا ما هو أعظم منها وهو دور السودان التاريخي وجهوده في خدمة الدعوة والحضارة الإسلامية والثقافة العربية في إفريقيا؛ أدركنا خطر ما خطط له الأعداء لإضعاف شأن السودان، والخسارة العظيمة بانحسار المد الحضاري الإسلامي والثقافة العربية عن جنوب السودان، وقد بدئ بتصفية الوجود الإسلامي ومؤسساته حتى قبل الانفصال، ليتحول إلى أعظم مركز للتنصير في إفريقيا، وقد أصبح الآن مرتعاً للوجود الأمريكي والوجود الإسرائيلي اللذين وضعا أقدامهما فيه بقوة.  

لقد جاءت اتفاقية نيفاشا محصلة للتآمر الدولي والتخاذل العربي والتواطؤ الداخلي بالسودان، لتضعف أو تقضي على هذا الدور الحضاري، وتمكن للعلمانية من خلال مخططات وأجندة أنجلوسكسونية وصهيوأمريكية، عبر مشروع (صدام الأطراف والهوامش بالمركز)، وتحت غطاء الدعوة إلى حريات بلا سقف أو ضوابط لتقويض النسيج الاجتماعي، وتفكيك مراكز القيم الدينية، وإنهاء الخصوصية الثقافية والحضارية الإسلامية (جوامع الهوية) من خلال نظرية المؤامرة والإسقاط التاريخي.

ونخلص إلى أنه مهما كان مكرهم فالله خير الماكرين، وما بذلوه وأنفقوه سيكون عليهم حسرة، والانفصال ليس هو كلمة الفصل، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، ولئن سبق فيه السيف العذل وقدر ما أرادوه، فيبقى الهم المشترك إذا كان هنالك هم مشترك بين المجتمعين الإقليمي والدولي، وبخاصة منظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية والاتحاد الإفريقي وغيرهم، أن يعملوا معاً وبمسؤولية أخلاقية تامة وموضوعية وواقعية لإيجاد تسوية حاسمة تجعل الانفصال مسالماَ وسلساً لا انفصالاً عدوانياً، وهذه هي المسؤولية المتاحة الآن إن كان هناك من واجبات نحو القضية، بيد أن هنالك بوناً شاسعاً بين طبيعة التيارات الانفصالية في العالم العربي والإسلامي إن جاز هذا التعبير وقضية جنوب السودان التي ستكون التحدي القادم.

(*)  باحث لغوي وكاتب صحافي -  السودان - الخرطوم.

(1)  جنوب السودان ومبدأ تقرير المصير، إبراهيم عبد الله محمد الأزرق،  ص 18. بناء على ما في كتاب زكريا بن محمد بن محمود القزويني (آثار البلاد وأخبار العباد)، وكتاب أبي الحسن علي بن موسي بن سعد المغربي في (الجغرافيا)، وكتاب البكري (المسالك والممالك).

(2)   جنوب السودان ومبدأ تقرير المصير، إبراهيم عبد الله محمد الأزرق، ص 18.

(3)  جنوب السودان ومبدأ تقرير المصير، ص 19.

(4)  جنوب السودان ومبدأ تقرير المصير، ص 19.

(5)  ذكر هذا كثير ممن كتبوا في تاريخ السودان الحديث منهم: د. مكي شبيكة, ضرار صالح.

(6) هي منطقة غنية بالغابات والثروة الحيوانية وغزارة الأمطار التي تمتد لتسعة أشهر في العام، بجانب البترول في ولاية الوحدة وهي أصغر ولايات الجنوب، بالرغم من أن الدراسات تشير إلى أن هذا البترول سينضب قريباً.

(7)  ينتمي العقيد جون قرنق إلى قبيلة الدينكا كبرى قبائل الجنوب، حيث ولد في بور، وحصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد الزراعي من جامعة أيوا بالولايات المتحدة الأمريكية، انشق وتمرد على الجيش السوداني.

(8)  أحد كبار العقلانيين والعلمانيين في السودان.

(9)  الدفاع الشعبي والمجاهدين الدبابين.

(10) خلف جون قرنق الذي هلك في حادثة تحطم الطائرة الأوغندية، وقد مكث فقط واحداً وعشرين يوماً في القصر الرئاسي نائباً أول لرئيس الجمهورية.

(11) كل من: الرئيس مواي كيباكي رئيس جمهورية كينيا نيابة عن اللجنة الفرعية للإيقاد بشأن السودان، والرئيس يوري كاقوتا موسفيني رئيس جمهورية أوغندا نيابة عن دول الإيقاد، وأحمد أبو الغيط وزير خارجية جمهورية مصر العربية نيابة عن حكومة جمهورية مصر العربية، والسيناتور الفريدو مانتيكا نائب وزير خارجية إيطاليا نيابة عن الحكومة الإيطالية، وفديدراكي المبعوث الخاص لمملكة هولندا نيابة عن مملكة هولندا، وهيلدا جونسون وزير التنمية الدولية النرويجية نيابة عن الحكومة النرويجية، وهيلاري بن وزير التنمية البريطاني نيابة عن المملكة المتحدة وإيرلندا الشمالية، وكولن باول وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية نيابة عن الولايات المتحدة الأمريكية وألفا عمر كوناري رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي نيابة عن الاتحاد الإفريقي، وشارلس قورينز وزير التعاون التنموي الهولندي نيابة عن الاتحاد الأوروبي، والسيناتور الفريدو مانتيكا نائب وزير الخارجية الإيطالي نيابة عن منتدى شركاء الإيقاد، وهيلدا جونسون وزير التنمية الدولية النرويجية نيابة عن منتدى شركاء الإيقاد أيضاً، وعمرو موسي الأمين العام لجامعة الدول العربية نيابة عن جامعة الدول العربية، وجان برونك ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في السودان نيابة عن الأمم المتحدة.

(12)  ضاحية في كينيا جرت فيها المفاوضات الأخيرة،  انظر: كتاب الاتفاقية  - الاستهلال.

(13)  انظر: اتفاقية السلام الشامل بين حكومة جمهورية السودان والحركة الشعبية لتحرير الجنوب - الفهرس.

(14)  انظر: اتفاقية السلام الشامل بين حكومة جمهورية السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان، ص 5.

(15)  المصدر السابق نفسه، ص 5.

(16)  المصدر السابق نفسه، ص 18.

(17)  السودان الطريق الشاق, مرجع سابق, ص 305. 

(18)  المصدر نفسه، ص 305.

(19)  جنوب السودان ومبدأ تقرير المصير عرض تاريخي ورؤية شرعية، ص 29.

(20)  السودان الطريق الشاق للسلام، ص 306.

(21) انظر: اتفاقية السلام الشامل نيفاشا في9 يناير 2005م نيروبي- كينيا، الفصل السادس: الترتيبات الأمنية, ص 94 .

(22)  اتفاقية السلام الشامل مصدر سابق, ص 95.

(23)  اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا)، ص 94.

(24)  محاضرة لقرنق، في جامعة فرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية، سنة 2002م.

(25)  انظر: صحيفة آخر لحظة العدد 1362 الاحد 23/5/2010م

(28)  انظر: صحيفة القوات المسلحة - العدد 2497 مايو 2010م - عمود (ثالثة الأثافي) لعبد الماجد عبد القادر، تحت عنوان (لن نترك جالون بنزين).  

(32)  صحيفة الانتباهة، العدد 1642 - بتاريخ الثلاثاء 10 رجب 1431 هـ الموافق 22/6/2010م.