ثورة يناير والسياسة المصرية في إفريقيا الجذور – الآفاق - وبناء استراتيجية جديدة

  • 20 -10 - 2011
  • وسام أحمد طه منصور


د. وسام أحمد طه منصور

اهتمام السياسة الخارجية المصرية بالقارة الإفريقية قديم وأصيل، بدأ منذ عهود الفراعنة، واستمر عبر العصور المختلفة، مراوحاً بين القوة والضعف تبعاً لعوامل ومتغيرات عديدة.

يمكن تصنيف هذه العوامل إلى مجموعتين:

أولاهما: تتمثل في عوامل تطوير البناء الداخلي للمجتمع المصري, ومدى قوته وفاعليته.

والثانية: ترتبط بمدى حيوية السياسة الخارجية المصرية على وجه الإجمال، ومدى قوة الدور المصري وفاعليته في المحيط الإقليمي الحيوي لمصر على وجه الخصوص.

أولاً: الجذور التاريخية للعلاقات المصرية الإفريقية:

كان الاتصال المصري بالقارة موغلاً في القدم, عبر عدد من الرحلات الاستكشافية منذ عهد ما قبل الأسرات الفرعونية 3200 ق م، وفي عهد الدولة القديمة كانت هناك مجموعة كبيرة من البعثات الاستكشافية على ظهور الدواب، عبر طريق «درب الأربعين» وصولاً إلى وسط إفريقيا، وكانوا يجلبون معهم الكثير من الحيوانات، ويعقدون العديد من المعاهدات، واستمرت الرحلات في عهد الدولة الوسطى والحديثة، ومن أهمها بعثة الملكة حتشبسوت لبلاد بونت (الصومال الحالية)([1])، ولم يتأثر دور مصر الخارجي كثيراً خلال قرون الحكم البطلمي والروماني والبيزنطي([2]).

وقد نشط الدور المصري في إفريقيا بعد الفتح الإسلامي لمصر، وإن أخذ ذلك الدور شكلاً ومحتوى جديداً، حيث انتشر الإسلام من مصر إلى عموم القارة كلها غرباً وجنوباً، من خلال التجار أو الحجاج أو الدعاة، كما نشط دور مصر من خلال عقد المعاهدات([3])، حتى انتشر الإسلام بصورة كبيرة وبطريقة علنية ورسمية في كل تلك البقاع([4]), وأعقب ذلك مرحلة توارى فيها دور مصر الإفريقي منذ القرن السادس عشر الميلادي.

ولم يظهر ذلك الدور من جديد إلا بعد بناء الدولة الحديثة في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي في عهد محمد علي باشا (1805م – 1848م) الذي سيّر حملات متتابعة حتى بسط نفوذه على السودان، ثم تبعه الخديوي إسماعيل (1863م – 1879م)، حيث بسط نفوده على بقاع شاسعة من إفريقيا، مما عُرف بعد ذلك بـاسم «السودان المصري»، ووصل حتى حدود بحيرة فيكتوريا ومنطقة القرن الإفريقي، وتقلص حينئذ حجم الإمبراطورية الحبشية إلى أدنى مستوى لها([5]).

بيد أن الوجود المصري في القارة الإفريقية لم يلبث أن انكمش وتراجع مع الاحتلال البريطاني 1882م لمصر وحتى عام 1952م على وجه الإجمال، عندئذ فقط تبلور الدور المصري الفاعل على أرض إفريقيا كأحد عناصر المشروع الحضاري الذي حاولت مصر تأسيسه على أرضها، لخدمة أهداف التحرر والاستقلال والتنمية على مستوى شعوب العالم الثالث, والتي عانت تاريخياً الظلم والقهر والتمييز والاضطهاد من القوى الاستعمارية.

ثانياً: ثورة يوليو 1952م والقارة الإفريقية:

بالرغم من الصلة التاريخية القديمة بين مصر وإفريقيا لم يكن هناك على المستوى الرسمي أو الشعبي شعور بالانتماء لشعوب إفريقيا، أو لأي حركة إفريقية شاملة، كما لم تكن هناك صلة تُذكر بين الحركة الوطنية في مصر وبين الحركات الوطنية الإفريقية.

ويرجع السبب في عدم توجه مصر شعبياً نحو إفريقيا إلى عاملين أساسيين:

العامل الأول: التصور الذي فرضه الاستعمار على إفريقيا، وما تبع ذلك من تقسيم القارة إلى إفريقيا شمال الصحراء، وإفريقيا جنوب الصحراء.

العامل الثاني: «الحركة الإفريقية» التي بدأها زنوج أمريكا كرد فعل للتفرقة العنصرية والاضطهاد الذي كانوا يلاقونه، فجاءت هذه الحركة من أجل «الرجل الأسود», تريد له حريته وكرامته, وتعيده إلى جذوره، فكل هؤلاء الزنوج لا تربطهم بالقارة سوى بشرتهم السوداء، ومن هنا جاء مولد «الأفريقانية» وكانت «الحركة الإفريقية» في بدايتها وقبل أن تنتقل إلى القارة تسير في اتجاهها بعيداً عن «إفريقيا العربية»، ومن ثم بقيت مصر بعيدة عن هذه الحركة شأنها في ذلك شأن الشمال الإفريقي كله([6]).

بعد ثورة يوليو 1952م قدمت مصر المساعدات العسكرية لحركات التحرير الإفريقية لتبدأ المقاومة المسلحة ضد الوجود الاستعماري، ووفرت مصر لتلك الحركات التدريب العسكري المناسب، واستمرت مصر تتحمل هذا العبء حتى 1963م؛ عندما أُنشئت «لجنة التحرير الإفريقية» التابعة لمنظمة الوحدة الإفريقية من 9 دول من بينها مصر.

فتحت مصر أبوابها لتدريب حركات التحرير عسكرياً، مثل حركات التحرير من روديسيا وأنجولا وموزمبيق وجنوب إفريقيا، ثم فتحت مصر المكاتب السياسية لإيجاد صلة بين حركات التحرير الإفريقية في بلادها وبين مصر([7])، كما كانت تلك المكاتب تتلقى المساعدات المصرية في مختلف الميادين بما فيها المنح الدراسية، وكانت تقوم أيضاً بالدعوة لقضاياها الوطنية من خلال إمداد الإذاعات الموجهة من القاهرة بالمعلومات والأخبار.

وتم تأسيس الرابطة الإفريقية عام 1955م على هيئة جمعية لها نشاط سياسي، حيث قامت بتقديم التسهيلات الممكنة للمكاتب السياسية التابعة لحركات التحرير والحركات الوطنية الإفريقية, وكانت هذه المكاتب تُصدر نشرة تُعرف باسم «مجلة الرابطة الإفريقية»، وكذلك قامت الرابطة بالعمل على  نشر الوعي الإفريقي بين المصريين ليتعارف المثقفون المصريين والأفارقة.

والتزمت مصر عدم التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الحركات، فقد كان الهدف الأساسي هو مقاومة الاستعمار التقليدي وتصفيته، وكان المتبع هو وقف نشاط هذه المكاتب بمجرد حصول الدولة على الاستقلال، وفتحت مصر أبوابها للاجئين من الزعماء السياسيين الأفارقة، ووفرت لهم وسائل العمل ضد الاستعمار([8]).   

كما اهتمت مصر بإنشاء جهاز إعلامي قوي, فوجهت مصر في البداية إذاعة صوت إفريقيا باللغة السواحلية، ثم وجهت القاهرة إذاعات أخرى بلغات إفريقية متعددة إلى كل أجزاء القارة، واستطاعت هذه الإذاعات بجانب مساهمتها الإيجابية في الثورة الإفريقية أن تنقل إلى مستمعيها في كل أنحاء القارة الإحساس بأن مصر هي بحق جزء من القارة الإفريقية إن لم تكن بالفعل قلبها النابض([9]).

كما تبنّت مصر قضايا التحرر وتصفية الاستعمار وتقرير المصير في الأمم المتحدة، ورأت نفسها مسؤولة مسؤولية خاصة عن قضايا إفريقيا، فكانت تدعو حركات التحرر على نفقتها لعرض قضاياها في نيويورك، سواء كان ذلك أمام الوفود أو أمام اللجنة الرباعية «لجنة الوصاية», كما بدأ تكوين جبهة من الدول للدفاع عن قضايا التحرر الإفريقي, بدءاً من مؤتمر باندونج 1955م، إلى حركة عدم الانحياز التي كانت تؤيد حركات التحرر، وكذلك تشكيل المؤتمرات الشعبية لدعم حركات التحرر الإفريقي([10]).

وقد وقفت مصر بجانب جميع الثورات الإفريقية ضد الاستعمار منذ عام 1952م ابتداءً من ثورة الماوماو في كينيا، ثم ثورة الجزائر 1954م، ثم ثورة الكاميرون 1956م، كما وقفت مصر مع ثورة الكونغو 1960م، ثم ثورات أنجولا وموزمبيق وغينا بيساو، كما أيدت حركات التحرير في جنوب إفريقيا وجنوب غرب إفريقيا وجزر القمر([11]).

وأعطت مصر أهمية خاصة لمقاومة النفوذ الإسرائيلي لاستكمال حلقات الحصار التي فرضته عليها الدول العربية، وكانت إسرائيل تقدم الخبرة الفنية والتدريب والسلاح لبعض الدول الإفريقية، فعملت مصر على تبصير الدول الإفريقية بذلك الارتباط الوثيق بين النفوذ الاستعماري والإمبريالي من ناحية والوجود الإسرائيلي من ناحية أخرى.

وأسست مصر «الصندوق الفني للتعاون مع إفريقيا»، وقدّمت قروضاً للدول الإفريقية التي تعرضت لضغوط اقتصادية نتيجة مواقفها من الاستعمار؛ كي تثبت أنها قادرة على مساندة أصدقائها الذين رفضوا التعامل مع إسرائيل، وكانت معظم القروض في مجال التشييد والبناء، سواء في مد طرق أو تطهير موانئ([12]) .

ثالثاً: معوقات العمل السياسي المصري في إفريقيا قبل ثورة يناير 2011م:

 غاب الدور المصري في معظم القضايا والتنظيمات الإقليمية في القارة قبل ثورة يناير، اللهم إلا ما يلوّح بعض الناس به دائماً عن «تجارة مصر» في دائرة «كوميسا» ببضع مئات الملايين، فقد انكمش الدور المصري عن الاقتراب المناسب من قضايا حيوية، حيث غاب الدور المصري عن قضايا الصومال ودارفور، وعن مشكلة جنوب السودان، حيث تركها للإيجاد (منظمة شرقي إفريقيا) تعالجها وحدها، وغاب عن بلدان الساحل والصحراء الممتدة من السنغال إلى جيبوتي، فترك المجال فيها لسياسات ليبيا (القذافي) بكل ما فيها من سلبيات على الصورة العربية كلها.

وارتبط بهذا الغياب فتور غير مفهوم - إلا لأسباب «رئاسية» - تجاه العلاقة مع أكبر القوى المؤثرة، مثل جنوب إفريقيا ونيجيريا وكينيا، والكونغو، كما ارتبط بذلك ضعف الموقف الجماعي في منظمة التجارة العالمية، مع ما سجله الإفريقيون على الدور المصري من موقف سلبي إزاء شروطها المجحفة([13]).

 كانت هناك عزلة مصرية عن محيطها الإفريقي، ولم يكن ذلك لضعف أجهزة العمل السياسي المصري وأدواته في العمل الخارجي؛ وإنما بسبب خضوع مصر للصمت في القضايا الحيوية.

لذلك يبقى على القائمين على الوضع الراهن في مصر أن يعيدوا النظر لوضع فلسفة جديدة لاستعادة دورها في كتلة الجنوب في مواجهة العولمة الطاغية، مع ربط هذه الفلسفة بوثائق جديدة حول الانتماء العربي والإفريقي لمصر، وتطوير الأفكار السابقة للخروج عن الدوائر التقليدية([14]).

رابعاً: آفاق العلاقات المصرية الإفريقية بعد ثورة 25 يناير:

مثّلت ثورة الخامس والعشرين من يناير نموذجاً فريداً بين الثورات العالمية المعاصرة، من حيث أهدافها, ومبادئها النبيلة، وغايتها السامية، وكذلك سماتها ووسائلها الحضارية, وأبرز تلك السمات أنها قدمت صورة جديدة لمصر والمصريين، تكشف عن مخزون حضاري يضرب بجذور راسخة في أعماق التاريخ المصري، ويؤكد دور مصر المعاصر في محيطها الإقليمي والدولي، ويأتي في بؤرة هذا محيط الدائرة الإفريقية لمصر.

وفق هذه الأهمية الاستراتيجية؛ يمكن القول إن ثورة 25 يناير أصبحت تمثّل أداة من أدوات «القوة الناعمة» للسياسة المصرية في إفريقيا، حيث صارت مصر بعد الثورة دولة جاذبة في إفريقيا، وبدأت الأدبيات الإفريقية تعرف مصطلح «ثورة على الطريقة المصرية».

 وفي هذا الإطار؛ جاءت ردود الفعل الإفريقية الرسمية مرحّبة بالثورة المصرية، ومعلنة دعمها غير المشروط للثورة الشعبية المصرية، ومعربة عن تطلعها إلى عودة مصر إلى مكانتها الريادية, كذلك كان هناك اهتمام إعلامي كبير بمتابعة أحداث الثورة، وإجمالاً يمكن القول إن التجربة المصرية قد قدّمت خبرة مهمة ومتجددة لكل دول القارة الإفريقية.

وكانت مواقف الهيئات والمجالس التابعة للاتحاد الإفريقي مواقف إيجابية، فقد اعتبر «مجلس السلم والأمن» التابع للاتحاد الإفريقي أن ما يحدث في مصر له طابع استثنائي، كما رحّب في بيان آخر بترتيبات مصر لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، كما أشادت «مفوضية الاتحاد الإفريقي»، في بيان ثالث، بالتوجّه الجديد لمصر ودورها البناء في إطار الاتحاد الإفريقي([15]).

تمثّل هذه التطورات الراهنة، على الصعيدين المصري والإفريقي، مقدمة لملامح مرحلة مفصلية مهمة، وهو ما يفرض على السياسة المصرية جملة من الفرص والتحديات على الساحة الإفريقية، وإعادة اكتشاف مصر إفريقيا، من خلال توظيف كل أدوات السياسة المصرية في المحيط الإفريقي.

ومن أهم ملامح السياسة المصرية التي ينبغي تجديدها في إفريقيا الاهتمام بقضيتين رئيستين, حدث تصعيد لهما في غمار الانشغال بالثورة:

القضية الأولى: قضية مياه النيل، خصوصاً عقب توقيع بوروندي الاتفاقية الإطارية لدول المنبع في أواخر فبراير الماضي, ليكتمل بذلك النصاب القانوني لتلك الدول (6 دول) لأول مرة منذ بدء التوقيع بعنتيبي (أوغندا) في 14 مايو 2010م، ولتبدأ كل من السودان ومصر (خصوصاً) في مواجهة تحديات لم تكن في الحسبان من خلال شروع إثيوبيا في إقامة عدد من السدود الضخمة، من أهمها سد الألفية, وتنطلق كذلك - من كبار مسؤوليها - تصريحات نارية تصف مصر بأنها لم تتغير بعد الثورة, وأنها لا تهتم بأي تعاون مع دول الحوض.

القضية الثانية: ضرورة تعزيز الأمن القومي المصري في الجنوب، خصوصاً بعد التصويت بانفصال جنوب السودان, وإعلان قيام الدولة الوليدة بدءاً من يوليو 2011م, وما يقتضيه هذا الأمر من إعادة ترتيب الأوراق بهذا الصدد, وأن نضع في الحسبان أن دول حوض النيل ستزيد دولة, لتصبح إحدى عشر دولة.

وفي هذا الصدد؛ ظهرت العديد من التحركات السياسية المصرية، كان من أهمها: إعادة تشكيل اللجنة العليا للمياه, وزيارات وفود الدبلوماسية الشعبية لكل من (إثيوبيا, أوغندا, شمال السودان وجنوبه)، وقيام د. شرف بعدة زيارات مهمة أخرى، حققت نتائج طيبة، من بينها: زيارته لإثيوبيا وأوغندا، ثم زيارته لجنوب إفريقيا لحضور اجتماعات التجمعات الإقليمية الثلاثة (الكوميسا, السادك, وشرق إفريقيا), واستعداده للمشاركة في القمة الإفريقية المقبلة.

يضاف لذلك الزيارات الإفريقية الأخرى لمصر, ومن بينها: زيارة وزيري خارجية تنزانيا وبوروندي, وزيارات د. جان بنج رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي, وغيرهم, وكذلك الأنشطة والفعاليات الدبلوماسية والعلمية الأخرى منذ قيام الثورة([16]).

خامساً: الدبلوماسية الشعبية والرسمية بعد ثورة يناير والسياسة المصرية في إفريقيا:

 قامت وفود الدبلوماسية الشعبية بعدد من الرحلات المكوكية في إفريقيا.

وكان من أهم تلك الزيارات:

زيارة إثيوبيا: كانت في الفترة من 29 أبريل وحتى 2 مايو2011م، ضم الوفد المصري الشعبي 48 من القيادات السياسية والحزبية وشباب ائتلاف ثورة 25 يناير, وقد صدرت العديد من التصريحات الإيجابية من المسؤولين الإثيوبيين, أهمها لوزير الخارجية الإثيوبي هيلا مريام ديسالين, حيث أعلن أن بلاده وافقت على طلب وفد الدبلوماسية الشعبية المصرية بتأجيل تصديق البرلمان الإثيوبي على الاتفاقية الإطارية التعاونية بين دول المنابع حتى انتخاب حكومة مصرية جديدة ورئيس جديد، لإتاحة الوقت لمصر لدراسة الاتفاقية([17])، وأضاف ديسالين أن إثيوبيا وافقت أيضاً على طلب الوفد الشعبي المصري بالسماح لفريق من الخبراء بفحص تأثيرات مشروع سد الألفية؛ حتى يطمئن المصريون بأن المشروع لن يضرهم([18]).

كما أكد رئيس الوزراء الإثيوبي ميليس زيناوي أيضاً, خلال اجتماعه مع الوفد الشعبي المصري, أنه إذا ثبت أن مشروع سد الألفية سيلحق أضراراً بمصر والسودان سيجري تعديله, مشدداً على أن المشروع لتوليد الطاقة الكهربائية فقط، كما وجّه ميليس زيناوي التحية للثورة المصرية, وقال إنها أعادت لمصر صورتها الحقيقية وستعيد دورها في المنطقة.

وعلى الجانب المصري صرح عبد الحكيم عبد الناصر (نجل جمال عبد الناصر, وأحد أعضاء الوفد الشعبي) بأن مصر لن تكون ضد أي مشروع يفيد الشعب الإثيوبي؛ وفي الوقت نفسه لا يضر بالشعب المصري، وأنه في ظل التكنولوجيا يمكن للخبراء والعلماء المصريين والإثيوبيين تعظيم الجانب الإيجابي، ومنع حدوث أية آثار سلبية, قائلاً: «يتعين أن نعمل معاً لتبديد أي شكوك بيننا»([19]).

ومن شأن هذه التصريحات المتبادلة؛ أن تضع العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا على الطريق الصحيح بعد سنوات من التوتر والفتور في عهد نظام مبارك([20]). 

زيارة أوغندا: وأقدمت الدبلوماسية الشعبية على زيارة أوغندا، في وفد مكون من 35 شخصية من مختلف التيارات الوطنية في أبريل 2011م, والتقى الوفد الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، مطالباً بتجميد التصديق على الاتفاقية الإطارية لمدة عام حتى تستقر الأوضاع في مصر, وأكد موسيفيني أن أوغندا لن تسمح بوقوع أي ضرر لمصر أو شعبها من جراء تلك الاتفاقية، كما أعرب عن احترامه لثورة 25 يناير التي قادها شباب مصر, لافتاً إلى أن هذه الثورة ستعيد مصر لمكانتها كقائدة لإفريقيا([21]).

زيارة السودان: أما بشأن زيارة وفد الدبلوماسية الشعبية للسودان؛ فقد تمت خلال الفترة من 6 - 9 مايو 2011م لكلٍّ من الخرطوم وجوبا, برئاسة د. السيد البدوي رئيس حزب الوفد, حيث لاقى الوفد الشعبي ترحيباً شعبياً وسياسياً, وهدفت الزيارة إلى تدعيم أواصر الإخوة والتكامل السياسي والاقتصادي بين شعبي وادي النيل.

وقد طلب الوفد الشعبي من الحكومة السودانية تخصيص مليون فدان للزراعة لتكوين شراكة بين الشعبين السوداني والمصري, على أن توزع أرباحها بين الشعبين. من جانبه أعرب الرئيس البشير عن سعادته بعودة العلاقات المتميزة بين البلدين, مشدداً على أن بلاده بحاجة لمصر بشرياً, وفنياً, وتقنياً. ودعا الجانب المصري إلى تنفيذ اتفاقية الحريات الأربع (الانتقال والإقامة والعمل والملكية)، وإلى إزالة العوائق أمام انتقال المواطنين, موضحاً أن حلايب ليست أزمة بين مصر والسودان.

وأكد رئيس حكومة الجنوب حينئذ (سلفا كير) حرص الجنوب بشأن عدم المساس بحصة مصر من مياه النيل وفقاً لاتفاقية 1929م, معرباً عن امتنانه للمساعدات التي قدمتها مصر لبلاده، والمتمثلة في إنشاء 4 محطات للكهرباء, ومستشفى, وفرع لجامعة الإسكندرية([22]).

جولة شرف الإفريقية: وقام رئيس الوزراء المصري د. عصام شرف بجولة إفريقية لكلٍّ من: السودان, أوغندا، وإثيوبيا، عكست مدى عمق العلاقات مع دول حوض النيل وأهميتها، باعتبار أن ذلك يمثّل أولوية استراتيجية، وتأكيداً لعمق التوجه الإفريقي في السياسة الخارجية بعد ثورة 25 يناير.

زيارة الخرطوم وجوبا: ضم الوفد المصري الذي قام بزيارة كلٍّ من الخرطوم وجوبا برئاسة د. عصام شرف وزراء يمثلون: الخارجية والكهرباء والطاقة والموارد المائية والري والزراعة والتعاون الدولي، ونوه المجتمعون بأهمية الجانب الاقتصادي الذي قطع خطوات جيدة, حيث وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 628 مليون دولار, وطالبوا بدفع مشروعي إنتاج اللحوم والوقود, واستكمال الطرق البرية بينهما([23]).

زيارة إثيوبيا وأوغندا: واستكمل رئيس الوزراء المصري د. عصام شرف جولته الإفريقية بزيارة إثيوبيا وأوغندا في مايو 2011م، لتحقيق تقارب ملموس فيما يتعلق بالتفاوض بشأن جميع القضايا العالقة، وقد استطاع د. عصام شرف  - بالرغم من أنه لم يعلن رسمياً أن مصر ستوقّع الاتفاقية الإطارية للتعاون - أن يقنع الجانبين بجدية بلاده في صياغة علاقات جديدة, مع إعطاء أولوية كبيرة للاستثمار والأعمال في البلدين, وذكر شرف أن هذا الوقت هو عصر المصالح المشتركة، وأن عصر الاحتكارات قد ولّى.

كما نوهت الصحافة الإثيوبية بأن العلاقات الاقتصادية بين البلدين قد اكتسبت قوة دفع بفضل زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين (وصل إلى 250 مليون دولار)، وزيادة المشروعات المشتركة مع المستثمرين المصريين، هذا وقد وقّع البلدان مذكرة تفاهم, وعدداً من اتفاقيات التعاون([24]).

وأكد رئيس الوزراء المصري د. عصام شرف في أوغندا، وهي المحطة التالية من جولته الإفريقية، أهمية التعاون بين الجانبين المصري والأوغندي, وبحث سبل زيادة التبادل التجاري المحدود بين البلدين, والذي يصل 25 مليون دولار فقط، كما تم الاتفاق على إنشاء مشروعات مشتركة بين مصر وأوغندا بقيمة 50 مليون دولار لإقامة سدود وحفر آبار مياه جوفية, وكذلك لاستيراد اللحوم من أوغندا.

وذكر الرئيس الأوغندي أن المشكلة الأساسية في المياه ترجع إلى سببين رئيسين؛ هما: زيادة الطلب على المياه نتيجة للزيادة العمرانية الكبيرة في البلاد, والتغييرات المناخية التي أدت إلى شح المياه، ومن ثم فهي خلافات تتعلق فقط بالتنمية([25]).

من نتائج تلك الدبلوماسية الشعبية والرسمية: وكان من أهم نتائج تلك الدبلوماسية الشعبية والرسمية استئناف أنشطة حوض نهر النيل، فبدأت دول حوض النيل الشرقي تدخل (مصر, السودان, إثيوبيا) في لقاءات مشتركة لبحث مجالات التعاون من جديد, ومحاولة الوصول لصيغة توافقية بين دول المنبع والمصب دون الإضرار بأية دولة.

وفي هذا السياق عُقدت في القاهرة في مايو 2011م أعمال اللجنة المشكلة من الدول الثلاث حول تقييم سد الألفية, ومثّلت هذه الاجتماعات خطوة مهمة من أنشطة الحوض الشرقي، والتي توقفت من قبل بسبب الخلافات، لكنها عادت في ضوء التطور الإيجابي الذي تشهده العلاقات المصرية - الإثيوبية عقب الحراك الأخير بعد الثورة([26]).

سادساً: انعكاسات الثورة الشعبية المصرية على القارة الإفريقية:

كان اندلاع الثورة الشعبية المصرية مواكباً لحالة من التوتر والقلق تعيش في ظلها بعض الأنظمة الإفريقية، وهي تراقب من كثب ما تُسفر عنه هذه الثورات الشعبية العربية، وهنا لا بد من طرح عدد من التساؤلات: هل من المتوقع أن تنتقل عدوى الثورة المصرية إلى إفريقيا؟ وما احتمالات قيام ثورة في إفريقيا, خصوصاً في الدول التي حكم زعماؤها أكثر من دورة رئاسية، مثل: الكاميرون، وأنجولا، وبوركينا فاسو، وتوجو، والكونغو الديمقراطية، والكونغو برازافيل، وجيبوتي، وزيمبابوي، وموزمبيق، وأوغندا، والسنغال، والجابون، وقد بدأ قادة المعارضة في هذه البلاد يرفعون أصواتهم بلا خوف للمطالبة بالتغيير؟

أثر ثورة يناير في منطقة القرن الإفريقي:

امتد أثر الثورة المصرية لمنطقة القرن الإفريقي، وتحديداً إريتريا وإثيوبيا، فمنذ اندلاع الثورة المصرية تخشى سلطات هذين البلدين تأثيرات الثورة في بلادهما.

ففي إريتريا: حظرت السلطات الإعلامية نشر أخبار الثورة المصرية في وسائل الإعلام الرسمية تفادياً لاندلاع ثورة مماثلة.

أما في أوغندا: فقد أعلن الرئيس يوري موسيفيني, الذي دام حكمه أكثر من 26 عاماً, أنه لا يقبل «الأسلوب الثوري على النمط المصري»، وأن ثمة دستوراً للبلاد لا يقبل اللجوء «للعنف»، وأنه «سيواجه العنف بالقوة»، وكان ذلك أول تصور «للثورة الشعبية المصرية», وفي المقابل  دعت المعارضة لمظاهرات احتجاجية ضد فوز الرئيس موسيفيني في انتخابات الرئاسة التي أُعلنت نتائجها في 18 فبراير الماضي بنسبة 68% من الأصوات.

وفي جيبوتي: شعرت السلطات الحكومية بخوف شديد إثر تجمع آلاف الأشخاص بصورة غير مسبوقة من جميع التنظيمات النقابية والشبابية في ملعب جوليد في العاصمة, يطالبون بتغيير النظام، وقد قُتل في هذه التظاهرة حوالي 3 أشخاص, ووقع أكثر من 100 جريح. ويحكم الرئيس إسماعيل عمر جيله البلاد منذ عام 1999م، ثم عدل الدستور في عام 2010م للترشح  لولاية رئاسية ثالثة في الانتخابات التي جرت 8 أبريل الماضي.

أثر ثورة يناير في منطقة غرب إفريقيا:

في بوركينا فاسو: واجه الرئيس البوركيني بوليس كومباوري  Blaise Compaoré، منذ 20 فبراير الماضي، مظاهرات احتجاجية تعد أعنف المظاهرات على الإطلاق منذ توليه السلطة في 15 أكتوبر عام 1987م، وقد بدأت المسيرة على إثر وفاة طالب يُدعى جوستين زونجو، تعرض للضرب والتعذيب على يد الشرطة خلال اعتقاله([27])، كما تظاهر عشرات الآلاف في مختلف أنحاء البلاد، وهم يهتفون ضد كومباوري وينادون بخروجه من السلطة([28]).

 وفي السنغال: واكبت السنغال هذا المد الشعبي, وبفضل الثورة المصرية تراجع رئيسها عبد الله واد البالغ من العمر 85 عاماً عن سياسة التوريث، وكان في نيته الترشح لولاية جديدة في الانتخابات المزمع إجراؤها في 2012م، وفي حال عدم تمكنه من ذلك كان سيرشح نجله الأكبر كريم واد لخلافته.

وفي توجو: وجدت المعارضة فرصة مناسبة للاحتجاج ضد الرئيس فوري جناسينجبي, حيث تم نشر التعليقات على شبكة الإنترنت لتنظيم المظاهرات تحت  شعار «حان الوقت لاتخاذ مصيرنا.. الرئيس يجب أن يذهب فوراً».

والحال نفسه في الكاميرون: حيث دعت المعارضة بقيادة «الجبهة الديمقراطية الاجتماعية، وقوات الدفاع الذاتي» للاحتجاج ضد نظام الرئيس بول بيا، البالغ من العمر 78 سنة، والذي يحكم البلاد منذ 29 سنة, ورفعت المعارضة شعاراً «هذا يكفي لتزوير الانتخابات», فالكثير من الشباب عاطلون عن العمل، والفساد منتشر، والبيئة الاجتماعية صعبة، والمناخ الاقتصادي رديء, والمناخ السياسي متوتر للغاية.

ووفقاً للمحللين؛ يتخوف الرئيس الكاميروني بول بيا منذ اندلاع الثورة المصرية من إعلان نيته للترشح في الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها هذا العام 2011م, حيث يتهمه الشعب الكاميروني بأنه غير قادر على تقديم الحلول الكافية لمشكلات البلاد في فترة حكمه التي بلغت 30 عاماً([29]).

وفي الجابون: فقد أعطى نجاح الشارع المصري الأفكار للمعارضة الجابونية لإعادة تشكيل خطابها السياسي، وبخاصة المعارض أندريه مبا أوبامي Obami الذي تحدى الرئيس علي بونجو، وقد عيّن نفسه رئيساً لحكومة مكوّنة من 18 وزيراً، ويدّعي أندريه مبا أوبامي الانتصار على منافسه علي بونجو في انتخابات الرئاسة 2009م([30]).

  وفي بلدان الجنوب الإفريقي:

 من المتوقع أن تؤثر الثورة المصرية في بلدان الجنوب مستقبلاً, خصوصاً جنوب إفريقيا، وأنجولا، وسوايزيلاند، وبتسوانا، إذا لم تغير هذه الحكومات سياساتها.

ففي دولة جنوب إفريقيا: اندلعت أعمال شغب عنيفة في 15 فبراير 2011م ضد البطالة والمحسوبية, وغيرها من الظواهر السلبية؛ على الرغم من أن البلاد تعد من أكبر الاقتصاديات على مستوى القارة، وتحكم بنظام الديمقراطية الدستورية.

وفي أنجولا: دعت المعارضة لتجمع حاشد في ليلة 6 - 7 مارس 2011م, في ساحة الاستقلال في العاصمة لواندا وبقية مدن البلاد, للمطالبة برحيل الرئيس خوسيه إدواردو دوس سانتوس, ووزرائه ورفاقه الفاسدين, ويحكم الرئيس دوس سانتوس البلاد منذ 1979م، لأكثر من 31 عاماً([31]).

وفي زيمبابوي: التي ترزح تحت حكم الرئيس روبرت موجابي Mugabe‏ منذ عام 1980م؛ اعتقلت الشرطة حوالي 46 شخصاً من الشباب والناشطين سياسياً والمحامين والنقابيين وبعض رموز الطلبة أثناء مشاهدتهم لشرائط فيديو عن الثورة المصرية, وذلك بتهمة الخيانة ومحاولة قلب نظام الحكم,  وحذّر الرئيس روبرت موجابي البالغ من العمر 86 عاماً منافسه مورجان تسفانجيراى Tsvangirai  من استخدام الشارع ضد نظامه على غرار الثورة المصرية.

سابعاً: أمور لا بد من تأكيدها - أولاً - عند وضع استراتيجية جديدة تجاه القارة:

- الاعتراف المصري بتجاهل نظام مبارك لإفريقيا طيلة الفترة الماضية: ومن ثم يجب عدم تحميل هذه الأخطاء للخارجية المصرية التي كانت تأتمر بأمر الرئاسة، حيث أشارت العديد من الدول الإفريقية (السودان، أوغندا، إثيوبيا)، إلى أن العقبة الكبيرة في تحسين علاقاتها بمصر كانت في (نظام مبارك)، بدليل اتخاذها بعض الخطوات الإيجابية «المؤقتة» نحو مصر – كما سبق -.

- النظرة الاستعلائية لدى نظام مبارك في معاملة الدول الإفريقية: وكانت من أسباب تراجع المكانة المصرية في إفريقيا بصفة عامة، ودول حوض النيل بصفة خاصة، فضلاً عن التركيز في منظور أمني فقط في ملف المياه، حيث كانت الزيارات الدبلوماسية لهذه الدول تقتصر على وزيري الخارجية والري والموارد المائية، فضلاً عن مدير المخابرات من أجل معرفة ما إذا كان لإسرائيل وجود في هذه الدول، متناسين أن مصر أول من قامت بالتطبيع مع إسرائيل، وهي نقطة كانت تصيب الأفارقة بالاندهاش في ظل الازدواجية التي كانت تمارسها السياسة المصرية فعلياً([32]).

هذه النظرة المتعالية هي التي جعلت صورة مصر الذهنية لدى الأفارقة سلبية، فقد كانت مصر توصف مثلاً في أي مؤتمر يُعقد في أديس أبابا بأنها الإمبراطورية الاستعمارية المصريةEgyptian Imperialism ، لكن بعد زيارة شرف الأخيرة كان هناك ترحاب غير معتاد، سواء بالمسؤولين الرسميين أو الأكاديميين.

- عدم اكتراث نظام مبارك بالمصالح والاحتياجات الحيوية الإفريقية: وأدى هذا التجاهل، على سبيل المثال، إلى قيام هذه الدول بالتوقيع بصورة منفردة على الاتفاقية الإطارية في عنتيبي في 14 مايو 2010م دون النظر إلى التحفظات المصرية الثلاثة([33]).

ثامناً: ملامح الاستراتيجية الجديدة:

لكي نتفاعل مع إفريقيا من جديد؛ فإن هناك مجموعة من النقاط العامة تشكّل ملامح الاستراتيجية المصرية خلال الفترة القادمة، أبرزها ما يأتي:

1 - القناعة والإرادة السياسية لدى رأس القيادة السياسية الجديدة في مصر بالأهمية القصوى لإفريقيا بعد الثورة، لأن هذه القناعة هي التي ستشكل الوقود الأساسي للتحرك صوب القارة، وبدونها قد تكون هناك خطط وأفكار، بل وآليات عمل، لكنها ستظل حبيسة الأدراج في ظل غياب هذه القناعة.

2 - يرتبط بذلك ضرورة وضع إفريقيا في الصدارة في دوائر السياسة الخارجية المصرية، بحيث تكون في مستوى دائرة الاهتمام العربية نفسها، وفي القلب منها القضية الفلسطينية.

3 - ضرورة وجود هيكل مؤسسي خاص بإفريقيا على كل المستويات العليا والدنيا، على اعتبار أن هذا الهيكل هو الذي سيستوعب الأفكار، وسيسعى إلى تنفيذها عبر آليات محددة.

4 - استحداث منصب وزير الدولة للشؤون الإفريقية، للتنسيق بين الجهات الحكومية العاملة في إفريقيا، ويرتبط بذلك استحداث مجلس أعلى للشؤون الإفريقية (أو لجنة قومية دائمة) يتبع رئاسة الحكومة مباشرة، خصوصاً إذا تم الأخذ بالنظام البرلماني، يضم الخبراء والأكاديميين جنباً إلى جنب مع رجال الأعمال، والسياسيين، ويضم جميع الوزارات المعنية؛ بما فيها الداخلية والإعلام([34])، ويمكن أن تكون داخل هذه اللجنة, أو تنبثق عنها, لجنة دائمة لمياه النيل.

5 - تفعيل دبلوماسية القمة، بحيث تكون هناك زيارات دورية لهذه الدول، بالتوازي مع الدبلوماسية البرلمانية والشعبية في آن واحد.

6 - تشكيل لجنة برلمانية خاصة بالشؤون الإفريقية، حتى يتم التواصل على المستوى البرلماني الشعبي جنباً إلى جنب مع التمثيل على مستوى القمة أو الدبلوماسية الشعبية، مع مراعاة اختيار النواب المهتمين بالشأن الإفريقي, وليس هؤلاء الذين يستهدفون تحقيق مصالح شخصية على حساب المصالح الوطنية (مشكلة الشرنوبي عضو مجلس الشعب المصري السابق).

7 - تفعيل الدبلوماسية الشعبية والمجتمع المدني بالتنسيق مع الخارجية المصرية، بحيث تكون في سياق الاستراتيجية العامة، ولا تسعى لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية ضيقة.

8 - أما في المجال الاقتصادي؛ فينبغي تأكيد قاعدة الشراكة والمنفعة المتبادلة، بدلاً من فكرة المعادلة الصفرية التي تعني أننا نحصل من دول المنبع على الماء دون تقديم فائدة لهم، وربما هذا ما أكده رئيس الوزراء خلال زيارته لأديس أبابا، حيث أشار إلى أن تنمية أي دولة إفريقية هي تنمية لمصر وجزء من أمنها القومي.

9 - أما في المجال المائي فلا بد من التركيز في أمرين:

الأمر الأول: المساهمة بتقديم الخبرات والدعم الفني- والمالي أحياناً - لهذه الدول، للمساهمة في إنشاء السدود اللازمة لتوليد الطاقة الكهربائية مقابل الحصول على المياه الناجمة بعد توليد الكهرباء، ومن ثم تستفيد مصر من هذه المياه، مقابل استفادة هذه الدول من توليد الطاقة للاستهلاك المحلي من ناحية، والتصدير من ناحية ثانية.

أما الأمر الثاني: ضرورة إعادة النظر – وبسرعة - في التحفظات المصرية السودانية الثلاثة الخاصة ببنود الاتفاقية الإطارية، خصوصاً في ظل وجود وجهات نظر ترى أن توقيع الاتفاقية لن يضر بحصة مصر، خصوصاً فيما يتعلق بعدم وجود نص يلغي الحقوق المكتسبة، كما أن مبدأ الاستخدام العادل قد يكون في مصلحة مصر في ظل زيادة حجم سكانها واحتياجاتها المائية، علاوة على أن إلغاء حق الفيتو يمكن استبداله بشرط الثلثين، وهنا يمكن ضم دولة مثل الكونغو لمصر والسودان عند أية تحفظات، وربما يمكن التأثير أيضاً في رواندا أو بوروندي.

10 - أن تشرع الحكومة المصرية في إصدار بيان عام يعبّر عن توجهاتها الشعبية، تعرب فيه عن نياتها الخارجية، وتفهمها لمطلب تحرير سياسة مصر حتى في الحدود المتاحة، وأن يتحول ذلك من قبل الكتاب والصحافيين إلى حملة توعية لإيجاد ثقافة سياسية جديدة في مصر نفسها نحو بلدان العالم الثالث, تتفق مع الصورة التي خلقتها ثورة مصر في هذه البلدان.

11 - التوسع في إيفاد الدبلوماسية الشعبية بعدما حققت قدراً من النجاح، كإرسال وفد رسمي وشعبي، أو عدة وفود، تحت شعار «تجديد الصورة» مثلاً.

12 - ضرورة إعادة النظر في دور «الصندوق المصري للمعونة الفنية لإفريقيا» ليصبح أداة تمويل للنشاط الثقافي والشعبي، وداعماً لأدوار كل التنظيمات السياسية والاجتماعية في مصر نحو إفريقيا، بدلاً من خدمته الحالية للتعاون الياباني والكوري والماليزي.

 13 - حشد الأفكار والقوى السياسية لدعم العلاقات المصرية الإفريقية، ومن ثم العربية والإسلامية الإفريقية، ليس بالزيارات والتصريحات أو العمل المنفرد فحسب، ولكن باجتماعات تنسيقية بين الأجهزة المختلفة، والتحاماً برؤى الشباب، والمنظمات السياسية فيما يشبه «المؤتمر الوطني» للعلاقات الخارجية.

14 – المتابعة والمشاركة الفعالة في النقاشات والتجمعات الإفريقية، لقد حضر ويحضر إلى مصر الآن العديد من الشخصيات، من هيئات ذات أهمية في تشكيل وعي القارة، يُذكر منها المجلس الإفريقي للبحوث الاجتماعية، ومنظمة بحوث شرقي وجنوب إفريقيا، والمنتدى الاجتماعي العالمي والإفريقي، ومركز دراسات السلم والأمن الإفريقي، ومختلف الهيئات الأكاديمية لجامعات جنوب إفريقيا التي تبدي أكبر اهتمام بشؤون القارة الآن، ومع الأسف لم تُكلف أي جهة مصرية مسؤولة أو سفارات بحضور أو ترتيب النقاشات مع هؤلاء، وبطبيعة الحال لا يعرف الرأي العام المصري ما يُقال إزاء غياب مسؤولينا بل ومثقفينا عن معظم اللقاءات الإفريقية! ومن هنا يمكن أن نعرف لماذا تأثرت صورة مصر سلباً في القارة.

وإذا كانت الحكومة الحالية ليست مطالبة بإنجاز المعجزات، فيمكنها، في الأشهر القليلة المتاحة لها, أن تُطلق المبادرات المبدئية لعمل طويل المدى لمصلحة مستقبل مصر في إفريقيا والخارج عموماً([35]).

(*) معهد البحوث والدراسات الإفريقية - جامعة القاهرة.

([1]) يوسف فضل حسن: الجذور التاريخية للعلاقات المصرية الإفريقية، في: عبد الملك عودة (محرراً): العرب وإفريقيا، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت – 1984م، ص  28 - 32.

([2]) جمال زكريا قاسم: الجذور التاريخية للعلاقات العربية الإفريقية، بيروت - 1972م، ص 96.

([3]) من أهمها معاهدة القبط 31هـ / 651م مع النوبة في عهد عبد الله بن سعد بن أبي السرح، وظلت المعاهدة قائمة حتى انهيار مملكة المقرة المسيحية في شمال النوبة، وتبعتها مملكة علوة المسيحية في النوبة العليا 1504م.

([4]) يوسف فضل حسن: انتشار الإسلام في إفريقيا، الخرطوم - 1972م، ص 3 - 5.

([5]) ولمزيد من المعلومات حول الإمبراطورية المصرية في إفريقيا في عهد أسرة محمد علي وسياستها خلال تلك الفترة؛ انظر: شوقي عطا الله الجمل: تاريخ سودان وادي النيل، الجزء الثالث، القاهرة - 1966م.

([6]) Nkrumah,K., Neo-Colonialism: The last stage of Imperialism , London, 1965,P.56.

([7]) محمد محمد فايق: ثورة 23 يوليو وإفريقيا، في: عبد الملك عودة ( مقرراً): العرب وإفريقيا، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت - 1984م، ص 108 – 109.

([8]) محمد فايق: عبد الناصر والثورة الإفريقية، بيروت، 1984م، ص 55.

([9]) عواطف عبد الرحمن وأمل الشاذلي: إفريقيا والرأي العام العربي في: محمود خيري عيسى (إشراف): العلاقات العربية الإفريقية، دراسة تحليلية في أبعادها المختلفة، القاهرة، معهد البحوث والدراسات العربية، 1978م، ص 471؛ محمد فايق: ثورة 23 يوليو وإفريقيا، بيروت مركز دراسات الوحدة العربية، العدد 53 يوليو – 1983م، ص 54 - 58.

([10]) محمد فايق: عبد الناصر والثورة الإفريقية، ص 58؛ ثورة 23 يوليو وإفريقيا، ص 54 - 58.

([11]) محمد فايق: عبد الناصر والثورة الإفريقية، ص 63 - 64.

([12]) نفسه، ص 68 - 77؛  ثورة 23 يوليو وإفريقيا، ص 65 - 80.

([13]) حلمي شعراوي: متطلبات سياسة مصر في إفريقيا بعد الثورة، www. Shrouknews. Com ، 24 مارس  / 2011م.

([14]) لست في حاجة هنا للقول بأن هذا الإطار «لفلسفة جديدة» قد يحتاج إلى معالجات «براجماتية» تجاه نفوذ دول كبيرة ومتوسطة في مناطق مصالحنا؛ من السودان والقرن الإفريقي إلى شمال القارة وجنوبها، وقد تكون إعادة النظر في فلسفة التعاون الإفريقي نفسه نافذة على المراجعات لوضع العرب بعامة في دائرة الجنوب.

([15]) إسماعيل خيرت: ثورة 25 يناير في المحيط الإفريقي، مجلة آفاق إفريقية، عدد رقم 34، أكتوبر 2011م، ص 7 - 8.

([16]) الهيئة العامة لللاستعلامات، افتتاحية موقع الهيئة, بتاريخ 13/5/2011م.

([17]) تصريحات ديسالين وزير الخارجية الإثيوبي نشرتها صحيفة ديلي مونيتور الإثيوبية يوم 4 مايو 2011م.

([18]) جوزيف رامز أمين: التوجهات الإفريقية لثورة 25 يناير، مجلة آفاق إفريقية، عدد رقم 34، أكتوبر 2011م، ص 42.

([19]) هانئ رسلان: رصد الموقف الدولي والعربي من ثورة 25 يناير في مصر, موقع إفريقيا اليوم, 8 مارس 2011م.

([20]) لم يقلل من هذا كثيراً تصريحات أدلى بها مسؤولون إثيوبيون، ذكروا أن بلدهم لن توقف مشروع سد الألفية، وذلك تعقيباً منهم على زيارة رئيس الوزراء الدكتور عصام شرف إلى أديس أبابا.

([21]) الهيئة العامة للاستعلامات: متابعة زيارة الوفد الشعبي المصري في الدول الإفريقية، المكتب الإعلامي المصري مايو 2011م.

([22]) السابق نفسه.

([23]) قناة النيل للأخبار, أرشيف الأخبار، مصر تبدأ صفحة جديدة مع الدول الإفريقية, متابعة الصحافة السودانية خلال فترة زيارة وفد الدبلوماسية الشعبية 6 - 9 مايو 2011م, المكتب الإعلامي المصري بالخرطوم.

([24]) الهيئة العامة للاستعلامات: متابعة زيارة د. عصام شرف لأديس أبابا بالصحافة الإثيوبية, منتصف مايو, المكتب الإعلامي المصري بأديس أبابا - 2011م.

(([25] السابق نفسه.

([26]) الهيئة العامة للاستعلامات: متابعة زيارة د. عصام شرف لأوغندا، المكتب الإعلامي المصري بأديس أبابا؛ جوزيف رامز أمين، مرجع سابق، ص 46.

([27]) وتبدو تلك الحادثة مثل حادثة محمد البوعزيزي في تونس, والتي كانت الشرارة لاندلاع الثورة الشعبية في تونس ثم في مصر.

([28]) كمارا عباس: ثورة يناير في المحيط الإفريقي، مجلة آفاق إفريقية، عدد رقم 34، أكتوبر 2011م، ص 153 - 155. 

 ([29])انظر:  .Thawra.alwehda.gov.sy

([30]) انظر:  www. France24.com/ar/.

[31])) كمارا عباس، مرجع سابق، 156.

([32]) حلمي شعراوي، مرجع سابق.

([33]) وهي الحفاظ على الحصة التاريخية، والتي تقدر بـ 55.5 مليار متر مكعب سنوياً، بالإضافة إلى الإخطار المسبق قبل شروع هذه الدول في إقامة أية مشروعات تؤثر في حصة مصر من المياه، وأخيراً حصول مصر، وكذلك السودان، على حق الاعتراض (الفيتو) عند التصويت على أية قرارات في إطار الاتفاقية.

([34]) هذا في حال استمرار هذه الوزارة.

([35]) بدر شافعي، مرجع سابق.