تقسيم إفريقيا .. من معاهدة برلين إلى النزاعات الحالية

د. عبد العالي بروكي

جامعة محمد الخامس- الرباط

 

 

غالباً ما كانت إفريقيا بالنسبة للكتابات التاريخية الإسبانية تتلخّص في شمال إفريقيا، وبالتحديد، في المغرب، خاصّةً منذ القرن التاسع عشر، عندما فقدت إسبانيا تقريباً كلّ مستعمراتها في أمريكا اللاتينية، بحيث وجهت اهتمامها نحو شمال إفريقيا لتعويض بعضٍ من البريق الضائع، والذي جعل منها- حسب وصف المثقفين الإسبان لها خلال هذه الفترة- «هيكل عملاق» لم يتبق منه سوى أطلال التاريخ الغابر، الذي كان يحكي عن القرون الذهبية للإمبراطورية الإسبانية التي لم تكن تغيب عنها الشمس.

فنجد أنّ الكتابات التاريخية أو الأدبية التي جعلت من «حرب إفريقيا» La guerra de Africa[1]- مثلاً- موضوعاً لها، لم تكن تعني سوى الحرب التي نشبت بين إسبانيا والمغرب بتطوان سنة 1859م.

وفي النصف الثاني من القرن العشرين، وبعد أن توطّد الوجود الإسباني بشمال المغرب وجنوبه، أصبحت هذه الأقاليم تُسمّى بالأقاليم الإسبانية بإفريقيا، لهذا فإفريقيا بالنسبة للكتّاب والمؤرخين الإسبان كانت تتلخّص في «المغرب».

غير أنّ الأمر اختلف لدى الكتّاب والمؤرخين في الوقت الراهن، حيث أصبحت الأشياء تُسمّى بمسمياتها، وأضحت إفريقيا كياناً جغرافيّاً محدّداً، وهو الذي يقع جنوب أوروبا.

وفي هذا الباب؛ نسجّل أنّ الكتابات التاريخية التي خُصّصت لإفريقيا بشكلٍ عامٍّ من طرف المؤرخين الإسبان قليلة[2]، وذلك راجعٌ إلى كون مركز اهتمام المؤرخين الإسبان ينصبّ على أمريكا اللاتينية وشمال إفريقيا على الخصوص، في حين يبقى الرابط الوحيد للإسبان بباقي إفريقيا هو علاقة دولتهم بغينيا الاستوائية التي كانت مستعمرةً إسبانية.

يندرج الكتاب، الذي نسعى لتقديم قراءة بخصوصه، ضمن تلك الإصدارات التي تلتفت إلى إفريقيا بعد شحّ الأبحاث طيلة العقود الماضية، وهو للمُؤرّخ الإسباني روبيرتو ثيامانوس Roberto Ceamanos المتخصّص في تاريخ كلٍّ من إسبانيا وفرنسا، جاء التأليف تحت عنوان: (تقسيم إفريقيا: من معاهدة برلين إلى النزاعات الحالية)[3]، ويضمّ مقدمةً وثلاثةَ فصولٍ وخاتمة.

يتحدّث الفصل الأول عن «معاهدة برلين»:

ويتطرق فيه الكاتب للحضور الأوروبي (الإسباني والبرتغالي، ثم بعده البريطاني) بإفريقيا، ومعلومٌ أنّ هذا الحضور بدأ منذ القرن الخامس عشر للميلاد، وتميّز بتجارة الرّقيق، سواء نحو الأسواق الأوروبية أو أسواق أمريكا عبر المحيط الأطلسي، وبالموازاة مع هذه التجارة، زاول الأوروبيّون كذلك أنواعاً أخرى من التجارة في بعض المواد، كالعاج والذهب على الخصوص.

 وفي القرن التاسع عشر؛ افتتحت فرنسا مشروعها الاستعماري بالقارة عندما احتلت الجزائر تحت ذريعة القضاء على القرصنة بالمنطقة، في حين أنّ هدفها الأساسي كان هو التوسُّع نحو الضّفة الأخرى للمتوسط، وبخاصّةً شمال إفريقيا الذي تمّ تقسيمه ابتداءً من عقد المعاهدة بين كلٍّ من (فرنسا وإنجلترا وإيطاليا وإسبانيا)، حيث احتلت هذه الدول على التوالي كلّاً من (تونس ومصر وليبيا والمغرب).

غلبت على الفِكر المؤيد للاستعمار تلك النّزعَة الفوقية للرجل الأبيض على باقي الأجناس، ومن ثَمَّ فهو مؤهلٌ لينقل الحضارة إلى كلّ المناطق المتخلّفة

حينها؛ جاء مسلسلٌ استعماريٌّ آخر في سياق ما سُمّي بـ«مسألة المشرق»، ويتعلّق بما بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، مما استدعى تنظيم مؤتمر برلين الأول سنة (1878م)، الذي استغلّته بريطانيا لصالحها لتضع حدّاً للأطماع الروسية والنمساوية–المجرية، وتُقدّم نفسها منافساً لفرنسا، وقد اضطُرت هذه الأخيرة لتقديم تنازلاتٍ في مصر لبريطانيا، التي ضمّت كلّ أسهم الشركة العالمية البحرية لقناة السويس، مما ساعد على تحكمها في التجارة البحرية التي كانت تمرّ عبر المنطقة نحو آسيا.

وقد اهتمّ الغربيون على الخصوص بالشواطئ والأنهار الإفريقية التي كانت تصبّ في المحيط الأطلسي، مثل نهر النيجر ونهر السنغال، ثم نهر الكونغو في الجنوب. ولتنفيذ مخططهم الاستعماري استعانوا بالعديد من الرحَّالة والمستكشفين الغربيّين، مثل روني كالييRenCailié  ووالتر أودني Walter Oudney، وديكسون دينهام Dixon Denham، الذين توغلوا في النيجر وتنبكتو والصحراء.

ولم يقتصر هذا التوغل الغربي على رحلات المستكشفين التي كانت لأغراضٍ تجارية، بل تعدّاها كذلك إلى جنودٍ وقساوسةٍ كاثوليك وبروتستانت، نشطوا في مجال التبشير ونشر المسيحية بين الشعوب والمجتمعات الإفريقية، فعلى سبيل المثال؛ احتلت البرتغال كلّاً من (جزر الرأس الأخضر، وساو تومي، وبرينسيب)، ثم أخذت تقترب من اليابسة واحتلت كلّاً من شواطئ (غينيا، وأنغولا، والموزمبيق).

والأمر نفسه حاولته إسبانيا، حيث شيّدت بعض المراكز والثغور في الشواطئ المقابلة لجزر الكناري، في كلّ من (جزر بيوكو، وأنوبون، ونهر نومي)، غير أنّ استغلالها لم يبدأ حتى أواخر القرن التاسع عشر.

في حين وسّعت فرنسا مراكزها الأطلسية في شواطئ (غينيا، وساحل العاج، وداهومي والغابون)، أما مستعمرتها الرئيسية فكانت في السنغال التي توغلت من خلالها نحو المناطق الداخلية. وقد عمدت فرنسا إلى نهج سياسة حمائية للتجارة بالمنطقة.

وخلافاً لهذه الدول؛ قامت بريطانيا، التي احتلت كلّاً من (غامبيا، وسيراليون، ولاغوس، وشاطئ غينيا)، بتطبيق سياسةٍ جمركية أكثر انفتاحاً.

أما جنوب القارة الإفريقية؛ فعرفت التدُّخل الأوروبي في عهدٍ مبكّر، حيث أنشأ الهولنديّون منذ 1652م المركز التجاري «كاب»، الذي سيُسمّى مستقبلاً «كيب تاون»؛ بوصفه محطةً رئيسيةً في الطريق نحو الهند الشرقيّة الهولندية.

وبعد الحروب النابوليونية؛ سقطت «كاب» في يد البريطانيّين، مما دفع الهولنديّين المستقرّين بالمنطقة، والمعروفين باسم «بويرس»، إلى النزوح نحو أراضٍ جديدة في الشمال بعيداً عن المستعمرين البريطانيّين، وهي العملية التي عُرفت باسم «النزوح الأكبر» (1835-1840م)، غير أنهم اصطدموا في طريقهم بقبائل «الزولو» بزعامة «شاكا»، حيث هزموهم وأسّسوا «جمهورية ناتال» سنة 1838م. بعدها عملت بريطانيا على ضمّ هذه الجمهورية الفتية سنة 1843م، وهو ما دفع «بويرس» إلى الهجرة من جديدٍ نحو شمال نهر أورانج، حيث أسّسوا الجمهورية الحرة «أورانج وترانسفال». ثم بعدها أخضع البريطانيون قبائل (باسوتو، وشوسا، وتسوانا، وكورانا) وقبائل أخرى إفريقية. وخلال هذا المسلسل الاستعماري دارت مواجهةٌ شرسةٌ بين البريطانيّين والزولو سنة 1879م، وقد انهزم البريطانيون في أول الأمر في معركة «إساندهلوانا»، غير أنهم تمكّنوا من حسم الحرب لصالحهم في النهاية.

في أواسط القرن التاسع عشر؛ بلغ المستعمرون في جنوب إفريقيا حوالي 300.000 نسمة؛ مقابل السكان الأفارقة الذين قُدّر عددهم بما بين مليون ومليونِي نسمة. وقد ساهم اكتشاف مناجم الماس بمستعمرة «كاب» في تطوّر المنطقة وجلب سكانٍ جُدد.

وتبقى ليبيريا حالةً خاصّةً بالمنطقة، حيث تشكّلت بعد أن استوطن بها عبيدٌ من أمريكا الشمالية، لتتحول إلى جمهوريةٍ مستقلةٍ منذ سنة 1847م.

أسباب التوجّه نحو إفريقيا:

خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر؛ كانت القوى الأوروبيّة قد بلغت وضعاً اقتصاديّاً وتقدُّماً علميّاً ساعدها على احتلال إفريقيا، فالرحلات الاستكشافية التي قامت بها الشركات الجغرافية ساهمت في المعرفة الجيدة بنقاط ضعف هذه القارة، كما أنّ التطور الكبير الذي عرفه الطبُّ ساهم بشكلٍ كبيرٍ في تدنّي نسبة الوفيات بين الأوروبيّين وتحسّن ظروفهم الصّحية، إضافةً إلى تفوّقهم العسكري وتطوّر أسلحتهم.

صحيحٌ أنّ الحكومات الأوروبيّة كانت مترددةً في الإقدام على المغامرة الاستعمارية مخافةَ التكاليف الباهظة التي قد تنتج عن هذه العملية، ولم يكن مداها في البداية يتعدّى الجزائر ومصر وجنوب إفريقيا، وكانت تركّز بالخصوص على مراقبة الشواطئ من خلال التعامل مع التجّار الأفارقة الذين كانوا يتحكمون في الطرق الداخلية.

بدأ مسلسلٌ استعماريٌّ في سياق ما سُمّي بـ«مسألة المشرق»، ويتعلّق بما بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، مما استدعى تنظيم مؤتمر برلين الأول سنة 1878م

 غير أنّ الأزمة الدولية لسنة 1873م غيّرت هذه النَّظرة إلى إفريقيا، فالثورة الصناعية الثانية، ونهاية الحرب الأهلية بالولايات المتحدة الأمريكية، ساهمت في ارتفاع الإنتاج الصّناعي، مما جعل القطاع الفلاحي وتربية الماشية بأوروبا تعرف منافسةَ ما وراء البحار، إضافةً إلى الطفرة التي عرفها عالم النقل. كلّ هذا أدى إلى انخفاض الأثمان وارتفاع البطالة. وكان من الضروري إيجادُ مخرجٍ لفائض الإنتاج، وإيجادُ مخرجٍ لملايين الأوروبيّين الذين اضطرّوا للهجرة، فقد قفز عدد سكان أوروبا- من نهاية الفترة النابوليونية إلى غاية الحرب العالميّة الأولى- من 190 مليوناً إلى 450 مليون نسمة، وطيلة هذه الفترة اضطر حوالي 40 مليون أوروبي للهجرة نحو قارات أخرى. وهؤلاء المهاجرون هُم مَن استقرّوا بشواطئ المغرب العربي، وقاموا بإدارة دول إفريقيا الغربية، واستعمروا إفريقيا الشرقية، وتوسّعوا في جنوب إفريقيا.

إلى كلّ هذه الأسباب؛ يجب إضافة تنامي الفكر الوطني ذي الأبعاد الإمبريالية الذي بدأ ينتشر في أوروبا، وبخاصّةٍ فرنسا (بتأييدٍ من طرف بعض المفكرين الاقتصاديّين، مثل بول  بوليو[4] Paul Leroy-Beaulieu)، وبريطانيا التي تغنَّى بأمجاد إمبراطوريتها مفكرون مثل الأديب تشارلز ديكنز Charles dickens، إضافةً إلى العديد من المعارض التي كانت منتشرة في أوروبا، وتُقدّم «الإنسان الأسود» على أنه جنسٌ نادرٌ وغريبٌ؛ أقرب إلى الحيوان من الإنسان. وقد عمّت نقاشاتٌ حادةٌ  خلال هذه الفترة بين مختلف الفاعلين.

وقد غلبت على الفِكر المؤيد للاستعمار تلك النّزعَة الفوقية للرجل الأبيض على باقي الأجناس، ومن ثَمَّ فهو مؤهلٌ لينقل الحضارة إلى كلّ المناطق المتخلّفة. وعلى الرّغم وجود آراءٍ أخرى مخالفة لهذا الطرح، والقائلة بمساواة الأجناس البشرية[5]،  فإنّ النظريات العنصرية ظلّت هي المسيطرة.

مؤتمر برلين:

جاء «مؤتمر برلين»، الذي امتدّ من 15 نونبر (نوفمبر) 1884م إلى غاية 26 فبراير 1885م، نتيجةً للتطورات التي عرفها التوسّع الأوروبي في القارة الإفريقية، خاصّةً بعد محاولة المملكة البلجيكية الاستفراد باستغلال الموقع الاستراتيجي لنهر الكونغو وإنشاء مراكز على طوله، وكذا إعلان دولة الكونغو الحرة، في منافسةٍ مع فرنسا التي حاولت بدَورها استغلال طول مجرى نهر أوكوي. غير أنّ الوجود المسبق للبرتغال بالمنطقة، والتي كانت تطالب بضرورة احترام حدودها على مصبّ نهر الكونغو، جعلها تجلب دعم بريطانيا التي اعترفت بسيادة البرتغال على المصبّ؛ في محاولةٍ منها لتقليص الوجود الفرنسي بالمنطقة.

ورغبةً في إيجاد حلٍّ لهذه النزاعات؛ دعا المستشار الألماني بيسمارك إلى عقد لقاءٍ دولي لتفادي نزاعٍ قد يُزعزع التوازن الأوروبي، على الرغم من أنّ ألمانيا لم تكن لديها في البداية أطماعٌ واضحةٌ بالمنطقة، غير أنّ استراتيجيتها كانت تكمن في إضعاف الوجود البريطاني بإفريقيا وإلهاء الفرنسيّين بهذه النزاعات؛ فيما كانت أعينها مركزةً على استرجاع الألزاس واللورين؛ لهذا انضمت ألمانيا بدَورها لوليمة تقسيم إفريقيا.

وعلى الرّغم من أنّ قرارات المؤتمر كانت تعني بالدرجة الأولى: (بريطانيا العظمى وفرنسا وألمانيا والبرتغال وشركة الكونغو الدولية)، إلا أنه عرف حضور ممثّلين عن دول كلٍّ من: بلجيكا وإسبانيا وإيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية والإمبراطورية النمساوية-المجرية والإمبراطورية العثمانية وروسيا والسويد والدنمارك، غير أنه لا أحدَ مثّل «الضحية الإفريقية» في هذا المؤتمر.

كان الهدف من المؤتمر ضمان الملاحة الحرّة والتجارة في الأنهار الإفريقية الكبيرة التي كانت تصبّ في المحيط الأطلسي (النيجر والكونغو)، ووضع الأسس لشرعنة الاحتلال، وإيجاد حلٍّ للنزاع حول الكونغو.

وعلى الرّغم من أنّ إسبانيا والبرتغال، لكونهما متواجدتَيْن على الشواطئ قبل هذه الفترة، كانتَا تحاولان فرض فكرة أولويّتهما في استغلال المناطق الداخلية، فإنّ القوى الأوروبية الكبرى قرّرت منح الأولويّة للدول التي تحتل فعليّاً المناطق الداخلية شريطة إعلانها للدول الموقّعة للمعاهدة، ومن ثَمَّ تمّ السماح لفرنسا باستغلال المجرى العلوي لنهر الكونغو، في حين تستغل بريطانيا المجرى السفلي للنهر.

وقد خرجت بلجيكا- هي الأخرى- مستفيدةً من المؤتمر؛ بعد أن تمّ الاعتراف بـ«شركة الكونغو الدولية» بوصفها «دولة الكونغو الحرة» التابعة لبلجيكا، والتي لديها مخرجٌ نحو المحيط الأطلسي عبر مصبّ نهر الكونغو. وبالنسبة لإسبانيا؛ فقد عمدت إلى احتلال الشواطئ الأطلسية الصحراوية المقابلة لجزر الكناري بهدف حماية مصالحها الحيوية بالمنطقة.

إلى جانب بنود التقسيم الترابي للمعاهدة؛ تضمّنت هذه الأخيرة بنوداً أخرى تُسوّغ احتلال القارة، وتتعلق خاصّةً بالشعوب الإفريقية، من قَبيل: حرص القوى الأوروبيّة على «الحفاظ على القبائل الأصلية»، و«القضاء على العبودية، وعلى الخصوص تجارة الرّقيق»، و«منع أيّ وسيلة نقلٍ تعمل في تجارة الرّقيق كيفما كان مصدرها».

ولئن اجتهدت بنود المعاهدة في التركيز على الشواطئ والأنهار، إلا أنه بعد ثلاثة عقود سقطت إفريقيا بأكملها في يد القوى الأوروبية.

جاء الفصل الثاني من المؤلف لينتقل بنا إلى الحديث عن الموضوع الرئيسي، وهو «تقسيم إفريقيا»:

فتطرق لعملية توغّل الدول الأوروبية في القارة وبداية الاستعمار الفعلي لها مباشرة بعد «معاهدة برلين».

كما توقّف عند بعض النزاعات التي صاحبت عمليات هذا الاحتلال بين مختلف القوى الأوروبية حفاظاً على مصالحها الاقتصادية بالقارة، وقد شَهِدت نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حدثَيْن بارزَيْن، كادَا أن يؤدّيَا إلى حروبٍ بين بعض القوى الاستعمارية، يتعلّق الحدث الأول بنزاعٍ بريطاني-فرنسي (1898م) حول منطقة «فاشودة» جنوب السودان على النيل الأبيض، والثاني بين فرنسا وألمانيا حول «المغرب» في بداية القرن العشرين.

من فاشودة إلى الريف:

كان احتلال مصر بالنسبة لبريطانيا يعني التقدُّم نحو السودان، للسيطرة كليّاً على نهر النيل ومنابعه، علماً أنّ مصر سبق أن غزت السودان ما بين 1820م و 1842م، وظلّ الحال على ما عليه إلى غاية ثورة محمد أحمد (المهدي) سنة 1881م، الذي تمكّن من بسط نفوذه على الخرطوم وأم درمان التي اتخذها عاصمةً له. وبعد وفاته واصل عبد الله التعايشي مهمّة تحرير السودان، وهزم الإثيوبيّين في الشرق، ومنطقة دارْفُور في الغرب، واصطدم بدولة الكونغو الحرة في الجنوب.

حينها، ورغبةً منها في السيطرة على مجرى النيل، وخوفاً من دخول دولة أوروبية أخرى على الخط، بادرت بريطانيا إلى إعادة احتلال السودان بجيشٍ مصري-بريطاني بقيادة الجنرال كيتشنيرKitchener، الذي هزم التعايشي في أم درمان سنة 1898م.

وغنيٌّ عن البيان؛ أنّ المخطّط التوسعي البريطاني، الذي شمل المحور الممتد من مصر بالشمال إلى مستعمرة «الكاب» بالجنوب، جاء مزاحماً للأطماع الفرنسية التي كانت ترغب في الجمع بين أطراف إمبراطوريتها الاستعمارية من إفريقيا الغربية إلى الصومال الفرنسية في الشرق، الأمر الذي دفع بالفرنسيّين إلى التوجّه نحو «فاشودة» والرّباط بها إلى غاية وصول الجيش البريطاني، لينتهي هذا الصدام دبلوماسيّاً بعد انسحاب الفرنسيّين وتوقيع اتفاقٍ؛ رُسمت فيه الحدود بين المستعمرات الفرنسية والمناطق البريطانية المِصرِيَّة في السودان.

وقد شكّلت هذه الحادثة منعطفاً تاريخيّاً في العلاقات بين فرنسا وبريطانيا اللّتَين قرّرتَا ترك الصراعات العسكرية جانباً وبداية عهدٍ للاتفاقات السلمية، ومن حينها تمّ تغيير اسم «فاشودة» إلى اسم «كودوك» Kodok لنسيان هذه الحدث الذي كاد يتسبّب بحربٍ لم تكن لتُعرف نهايتها، ليتمّ توقيع الاتفاق البريطاني الفرنسي المعروف باسم Entente Cordial (التفاهم الودّي)، والذي انضمّت إليه روسيا كذلك، لترسم بذلك معالم الحرب العالمية الأولى ضدّ الإمبراطورية الألمانية والنمساوية المجرية وإيطاليا المجتمعة في التحالف الثلاثي.

أمّا الأزمة الثانية؛ فكانت حول «المغرب»، وبدأت بزيارة القيصر فيلهلم الثاني لطنجة في مارس سنة 1905م، حيث دافع عن بقاء المغرب مستقلاً عن التدُّخل الأجنبي. وقد خلقت زيارته وتصريحاته هذه ردود فعلٍ لدى فرنسا وبريطانيا، مما أدى إلى الدعوة لعقد مؤتمر «الجزيرة الخضراء» سنة 1906م، وقد سمح جوّ التفاهم بين فرنسا وبريطانيا بتقسيم المغرب بين فرنسا وإسبانيا، بحيث ستمارس فرنسا الحماية على المغرب، وتحتفظ إسبانيا بالمنطقة الشمالية، مع الإبقاء على طنجة منطقةً حرة، والتأكيد على التجارة الحرة بها، ليتمّ توقيع معاهدة الحماية بفاس سنة 1912م بين فرنسا وإسبانيا، في حين احتفظت بريطانيا بجبل طارق الذي يسمح لها بمراقبة المضيق، ومن ثَمَّ تفادت تحكُّم قوةً أخرى، مثل فرنسا أو ألمانيا في الضّفة الجنوبية للمضيق.

وكان الردّ الألماني أمام هذا التقسيم؛ أن أرسلت سفينةً بحريةً قبالةَ شاطئ مدينة أكادير سنة 1911م؛ بهدف الضغط من أجل الحصول على أجزاء من المغرب؛ غير أنّ الموقف الفرنسي الحازم والمدعوم من طرف بريطانيا دفع ألمانيا إلى الاعتراف بالحماية الفرنسية بالمغرب؛ مقابلَ تنازل فرنسا لها عن بعض الأراضي في الكونغو الفرنسية.

ولم يمرّ هذا التقسيم بسلامٍ بالنسبة لإسبانيا، التي لاقت مقاومةً شديدةً من طرف مغاربة الريف الذين هزموا الإسبان في «معركة أنوال» سنة 1921م، قبل أن تعود إسبانيا مدعومةً من فرنسا، ومستعملةً الأسلحة الكيماويّة، لتهزم زعيم المقاومة بالريف المغربي «عبد الكريم الخطابي» سنة 1925م.

مسارٌ بين الفرنسيين والبريطانيين:

كان الاقتصاد الاستعماري يرتكز على الإنتاج الفلاحي، إذ فرض المستعمرون على الأفارقة مجموعةً من الزراعات المضمونة من حيث التسويق في الأسواق العالمية؛ ولكي تتمكن من ربط المنتجات بالموانئ، كان لزاماً عليها إنشاء البنيات التحتية من طرقٍ وسككٍ حديدية، وفي سبيل إنجاز هذه البنيات تعرّض العمّال الأفارقة للقهر جرّاء الأعمال المُضنية وظروف العمل الشاقّة، ناهيك عن قلّة التغذية والأمراض التي كانت تفتك بهم.

وقد اختلفت بريطانيا في تعاطيها مع العملية الاستعمارية عن فرنسا؛ ذلك أنّ بريطانيا كانت تعمد إلى الحوار مع الزعماء والشيوخ الأفارقة، في حين كانت فرنسا تنتهج سياسةً عسكريّة، وكان الجنود السنغاليون سلاحها الفتاك لقَمع مطالب الأهالي، ولم تشكّل الإدارة المدنية حتى احتلت معظم المناطق.

تمكّنت فرنسا من ضمّ غالبية الأراضي، وشكّلت ما يُسمّى بـ«إفريقيا الغربيّة الفرنسية»، ويتكوّن أساساً من فيدراليتَيْن كبيرتَيْن: (إفريقيا الغربية، وإفريقيا الإستوائية)، وكانت تتشكّل من: موريتانيا والسنغال والسودان الفرنسي (مالي) وغينيا الفرنسية (غينيا) وساحل العاج والنيجر وفولتا العليا (بوركينا فاسو) والداهومي (بنين)، بالإضافة إلى الغابون والكونغو الفرنسية وأوبانغي شاني (جمهورية إفريقيا الوسطى) والتشاد. وكانت هاتَان الفيدراليتَان تُسيَّرانِ من باريس من جانب وزارة المستعمرات، وعلى رأس كلّ فيدراليةٍ كان هناك حاكمٌ عامٌّ مدعومٌ من طرف مجلسٍ حكوميٍّ وإدارةٍ مكلّفة بالدفاع.

في الفترة نفسها؛ توغل البريطانيّون نحو الداخل انطلاقاً من الشواطئ، وشيّدوا مستعمراتهم في: غامبيا وسيراليون وكاب ونيجيريا. وفي سنة 1900م تشكّلت الحماية البريطانية في الشمال، ثم لاحقاً بنيجيريا الجنوبية. وكان نظام الحكم البريطاني غير مباشر، بحيث كانت غالبية الشؤون الإدارية تُسلّم للمؤسسات الإفريقية.

أما القوة الثالثة التي كانت حاضرةً بدَورها في إفريقيا فهي ألمانيا، هذه الأخيرة أنشأت مستعمرتَيْن طوغولاند والكاميرون التي كانت تشكل إلى جانب نيوكاميرون (الكونغو الفرنسية)، أو ما سُمّي بـ«إفريقيا الغربيّة الألمانية»، إضافةً إلى رواندا وأوروندي. كان مخطط ألمانيا طموحاً جدّاً للتوسّع نحو نيجيريا البريطانية وداهومي الفرنسية، غير أنّ هزيمتها في الحرب العالميّة الأولى أفقدها مستعمراتها التي قُسّمت بين فرنسا وبريطانيا.

من جهتها ضمّت إسبانيا كلّاً من (شمال المغرب ووادي الذهب وجزيرتي فيرناندو بو (بيوكو) وأنونبون ووادي موني)، في حين احتلت البرتغال (غينيا وجزر الرأس الأخضر وبورت أوبرانس  وساو تومي).

نهب الكونغو:

شَهِدت المنطقة الوسطى لإفريقيا إحدى أبشع صور النهب والسلب التي عرفتها الفترة الاستعمارية في القارة، ويتعلّق الأمر بدولة الكونغو الحرة التي كانت تحت إمرة الملك ليوبولد الثاني. وكان استغلال هذه المنطقة بهدف جلب العاج والمطاط الذي كان مطلوباً في السّوق الدولية لصناعة السيارات، وقد أدى الجشع المفرط في جلب أكبر كَميّةٍ ممكنةٍ من هذه المواد إلى الاستغلال البشع للسكان الأفارقة، نظراً للتعويضات التي كان يتلقاها الوكلاء المشرفون على هذه التجارة كلما ارتفع الإنتاج.

ومن أجل ضمان سَيْرٍ منتظمٍ للأشغال؛ تمّ إنشاء القوة العمومية التي كانت تضمّ مرتزقةً من شتَّى مناطق العالم، وعلى الرّغم من أنّ عددهم لم يكن يتجاوز عشرين ألفاً؛ فإنهم كانوا  يشكّلون الحرس الخاصّ للملك ليوبولد الثاني. وقد أدت الأشغال الشاقّة والعنف الممارس على العمّال والمجاعة والأمراض إلى وفاة عددٍ كبيرٍ منهم، بحيث تحصرها المراجع بين 5 و 15 مليوناً. ومهما كان الفارق كبيراً بين هذه المراجع إلا أنّ العدد الأدنى يبقى كبيراً.

ولم تكن الصورة التي يتم تقديمها للرأي العام تعكس ما كان يقع في إفريقيا من جرائم، لهذا قام العديد من الكتّاب والمؤرخين بفضح ما كان يُقترف في حوض الكونغو من تجاوزات، نورد منهم- على سبيل المثال- المؤرّخ والسياسي القسّ البروتستانتي الأمريكي جورج ويليامز (ذو البشرة السوداء) George W. Williams الذي فضح الجرائم المرتكبة في الكونغو، حيث بعث برسالةٍ إلى الملك ليوبولد الثاني ينتقد فيها الممارسات التي يقوم بها المستعمرون ضدّ السكان الأفارقة، ويطالب فيها ببعث لجنةٍ للبحث والتقصي. غير أن ويليامز تُوفي في طريقه للعودة، ولم تلق كتاباته نجاحاً كبيراً، بينما تمكّن الصحافي البريطاني إيدموند موريل من إيصال صوت إفريقيا إلى العالم.

ولم يقتصر هذا الوضع على دولة الكونغو الحرة، بل وقع حتى في المستعمرات الفرنسية المجاورة، ففرنسا بدَورها كانت توظّف شركاتٍ لاستغلال العاج والمطاط والخشب؛ مقابلَ أداء قسطٍ من الأرباح للحكومة الفرنسية، وهو ما كان يمرّ في صمتٍ تامٍّ للإدارة الاستعمارية الفرنسية. ومن بين الجرائم التي وثّقتها اللجنة التي بعثتها الحكومة الفرنسية بمنطقة بانكي، احتجاز 58 امرأةً و 10 أطفال كرهائن؛ بهدف إجبار الرجال على العمل في المطاط لمدة 5 أسابيع، ولم ينج منهم سوى 13 امرأةً و 8 أطفال. وقد قام الدكتور فولكونيس Fulconis، عضو الإدارة الاستعمارية، بفضح هذه التجاوزات.

المعمّرون الأوروبيون:

استوطن العديد من الأوروبيّين في إفريقيا الشرقية والجنوبية من إريتريا إلى جنوب إفريقيا، وأنشؤوا شركاتٍ وتحكّموا في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وقد بقيت إثيوبيا معزولةً عن المشهد الاستعماري قبل أن تعمل إيطاليا على احتلال جزءٍ من شاطئ إريتريا الذي يعتبر محور ميناء ماساوا، وهي تضع نُصب أعينها إثيوبيا. ودارت حربانِ بين الدولتَيْن، انهزمت إيطاليا في أولاها (1896م) قبل أن تربح الحرب الثانية في عهد موسوليني (1935-1936م)، لتضمّ كلّاً من إثيوبيا وإريتريا والصومال، وتكوّن إمبراطوريتها في إفريقيا الشرقية. وقد شجعت إيطاليا توافد المعمّرين إلى هذه المناطق قصد إحكام القبضة عليها، بينما لجأ العدد الأكبر من الإيطاليّين إلى إريتريا التي كانوا  يشكّلون فيهاعند بداية الحرب العالميّة الثانية 10% من السكان؛ الذين كان عددهم يُقدّر بحوالي مليون نسمة.

لم تكن الصورة التي كان يقدمها الاستعمار للرأي العام تعكس ما كان يقع في إفريقيا من جرائم، لهذا قام العديد من الكتّاب والمؤرخين بفضح ما كان يُقترف من تجاوزات

وكانت البطالة في أوروبا سبباً في البحث عن مناطق أكثر جاذبيةً بإفريقيا، وبالخصوص بإفريقيا الجنوبية. وفي بداية القرن العشرين؛ لم يكن عدد المُعمّرين الأوروبيّين في المنطقة الممتدة ما بين كينيا والموزمبيق، وخاصّةً في روديسيا الجنوبية، يتجاوز 10.000 مُعمّر، في حين كانوا لا يتجاوزون 5.000 في باقي المناطق. ويُعدّ كلٌّ من المغرب والجزائر البلدَيْن اللَّذَين عرفَا أكبر عددٍ من المُعمّرين الأوروبيّين. وقد استطاعوا أن يؤسسوا شركاتهم، ويمارسوا سلتطهم على الأغلبية المسلمة في هذه المناطق.

ينتقل بنا المؤلف في الفصل الثالث: للحديث عن «إفريقيا المستقلة»:

ويتناول الحركات التحررية من أجل الاستقلال بالدول الإفريقية، التي لم تتخلّص بعدُ من تبعات الاستعمار؛ المتمثلة أساساً في تقسيم الحدود والتبعِية الاستعمارية، والبحث عن نماذج فعّالة للحكم.

من الحزب الواحد إلى الربيع العربي:

خلّف مسلسل إخلاء الاستعمار العديد من الصراعات بين الدول الحدودية، نظراً لكون التقسيم الاستعماري للحدود كان يعتمد معايير اعتباطية في الكثير من الأحيان، ومبنيةً على أُسسٍ لا تأخذ بعين الاعتبار العوامل الدينية والإثنية والاقتصادية.

نتيجةً لهذه الاختلالات؛ نجد ثلث الحدود الإفريقية فقط هي التي رُسمت بشكلٍ واضح دون أن تُخلّف صراعات بين الدول المتجاورة أو تُفرز دولاً جديدة بأسماء جديدة.

إضافةً إلى نشأة العديد من الدول الحديثة بقيادة الأحزاب الوطنية والتحررية، التي كانت ترى نفسها أهلاً للحكم لما صنعته من ملاحم مرتبطة بالاستقلال عن القوى الغربية، وهو ما أدى بها إلى التفرد بالحكم دون غيرها من القوى السياسية الأخرى. وهو الحال بدول المغرب العربي مثلاً، وخاصّةً في الجزائر وليبيا وتونس، حيث سادَ نظام الحزب الواحد بعد الاستقلال. الشيءُ نفسه حدَثَ في مصر؛ بالرغم من اختلاف السياق المصري عن نظرائه في الدول العربية الأخرى.

وقد خلّفت هذه الأوضاع مجموعةً من الحروب الأهلية والصّراعات العسكرية بين مختلف الدول الإفريقية، مثل الحروب الطويلة بين المغرب والجزائر، وبين شمال السودان وجنوبه، وفي منطقة الساحل، شمال مالي. وكان لهذه الصراعات تأثيرٌ مباشرٌ على العديد من الدول المجاورة، مثل بوركينا فاسو وموريتانيا والجزائر ونيجيريا وتشاد، وفي المنطقة الحدودية بين جنوب غامبيا وشمال غينيا بيساو، وبين جنوب شرق نيجيريا المسيحي والغني بالبترول وباقي البلاد ذات الغالبية المسلمة في الشمال، وفي سيراليون بين الفصائل العرقية وحول الماس، وفي ليبيريا التي شَهِدت حربَيْن أهليتَيْن بين الأقلية الأفروأمريكية وباقي الإثنيات، وفي الكاميرون البريطانية؛ حيث الشمال فضّل الانضمام إلى نيجيريا، في حين فضّل الجنوب الاندماج في الكاميرون الفرنسية، وبين نيجيريا والكاميرون حول شبه جزيرة باكاسي.

حروب المياه ومأساة اللاجئين:

تعاني إفريقيا من ندرةٍ في المياه، ومن عدم توزيع الثروات المائية بين الدول، وقد زادت المشكلات المرتبطة بالتغيّرات المناخية في تعقيد الأمر بالعديد من الدول، وخاصّةً في القرن الإفريقي الذي عرف موجاتٍ متتاليةً من الجفاف، الأمر الذي تسبّب في هجراتٍ جماعية وصراعاتٍ دموية. ومن بين الدول الأكثر تضرّراً من ندرة المياه نجد السودان، وجنوب السودان، وإثيوبيا، والصومال.

وتعتبر المياه سبباً في العديد من الحروب في القارة الإفريقية، كما تُنذر بوقوع حروبٍ أخرى في المستقبل. ويُعدّ نهر النيل أحد الموارد المائية البالغة الأهمية في القارة، نظراً لعدد الدول التي يمرّ عَبْرها، والتي ترى أحقيتها في الاستفادة من مياهه، علماً أنّ مصر والسودان هما البلدان الأكثر استفادةً من هذا النهر. ومما يزيد الأمر تعقيداً أنّ النيل يتغذى من مجريَيْن اثنَيْن (النيل الأبيض، والنيل الأزرق) يلتقيان في الخرطوم؛ ويمرّ النيل الأبيض عبر بوروندي، ورواندا، وتنزانيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وأوغندا وكينيا والسودان، والسودان الجنوبي، ويمثّل 15% من سعة النيل الإجمالية؛ أمّا النيل الأزرق الذي توجد منابعه بإثيوبيا، قرب الحدود مع السودان وبعضها في الحدود مع إريتريا، فيوفّر 85% من المياه، لذلك وجب إيجادُ صيغةٍ توافقيةٍ للاستفادة من هذه المياه تفادياً لأيّ صراعٍ محتمل.

وبغرض تجاوز هذه الصعوبات، عملت الدول المعنية على تشكيل تجمّع «مبادرة حوض النيل» سنة 1999م، والذي يضمّ كلّ الدول التي يخترقها النهر، أملاً في إيجاد صيغةٍ للاستعمال المشترك لمياه النيل بشكلٍ منصفٍ ومستدام. وفي مارس من سنة 2015م تمّ توقيع مذكرة تفاهم ين مصر والسودان وإثيوبيا، تعهّدت فيه هذه الأخيرة بعدم المساس بالمصالح المائية المِصرية والسودانية؛ مما سمح لإثيوبيا باستكمال مشروعها- قيد الإنجاز- الرامي  لبناء سدّ النهضة على نهر النيل.

وفي مناطق أخرى؛ يشكل استغلال نهر أوكابانغو مصدر قلق بين بوتسوانا وناميبيا؛ كما تتنازع الكاميرون والنيجر ونيجيريا حول حوض التشاد.

أحياناً؛ تنشب النزاعات بسبب الحدود المسطّرة، أو بسبب الخلاف حول استغلال المياه، كما الحال بالنسبة لمياه حوض الملاوي الذي يسقي أراضي بالموزمبيق وتانزانيا والملاوي، وعلى الرّغم من أنّ تنزانيا لديها شاطئ على الحوض؛ فإنها لا تستفيد من مياهه؛ باعتبار أنّ الحدود الاستعمارية البريطانية كانت موجودة في الشاطئ التنزاني نفسه. وتطالب تنزانيا بأن يمرّ خطها الحدودي مع الملاوي من وسط الحوض، مثلما كان الحال سابقاً (قبل الحرب العالمية الثانية)، أي قبل أن تفقد ألمانيا مستعمرة تنزانيا بعد انهزامها وتعود إدارة البلد لبريطانيا.

وفضلاً عن الخلافات حول أحقّية الاستفادة من المياه المشتركة بين الدول، والتي تزيدها حدّة الصراعات السياسية والدينية والعِرقية، نقف على عوامل موازية مستجَدّة، تساهم بدَورها في تعميق الجروح والنزاعات في إفريقيا، ومن أهمّها تلك المرتبطة أساساً بضمّ الأراضي من طرف الشركات الفلاحية الكبرى، مما طرح دائماً مشكلة تمليك هذه الأراضي لشركاتٍ أجنبية تستغل مساحات شاسعة داخل دولة معيّنة.

كلّ هذه العوامل تسبّبت في نزاعاتٍ طويلةٍ داخل القارة الإفريقية، نتجت عنها مآسٍ كثيرةٌ وهجراتٌ جماعية ولاجئين نحو دولٍ أخرى مجاورة. ويحتل الصوماليون المرتبة الأولى إفريقيّاً والثالثة عالميّاً من حيث عدد اللاجئين، يليهم السودانيون، ولاجئوا جمهورية الكونغو الديمقراطية، وجمهورية إفريقيا الوسطى، وإريتريا ثم نيجيريا وبوروندي. ومن بين أكبر الدول استقبالاً للاجئين نجد: إثيوبيا وكينيا وأوغندا والتشاد.

نهاية الهَيمَنة البيضاء:

باستثناء بعض الدول القليلة؛ حصلت غالبية المستعمرات الإفريقية على استقلالها في بداية الستينيات من القرن العشرين، لكن بقي العديد من الدول تعاني من تبعات الاستعمار؛ الكامنة في استمرار أقليات متحكمة في السُّلطة أو في الاقتصاد، سواء من المُعمّرين أو من السكان الأصليّين من فلول الاستعمار بالعديد من الدول، نجمت عنها صراعاتٌ دموية وحروبٌ أهلية طويلة.

والأمثلة على ذلك كثيرة، منها المجازر التي ارتكبتها إدارة الاستعمار بكينيا عشية الاستقلال سنة 1963م، أو ثورة الأهالي في تنزانيا ضدّ العرب والهنود على جزيرة زنزبار في تنزانيا سنة 1964م، أو الصراع الذي نشب بين الجيش التنزاني المدعوم من اللاجئين الأوغانديّين سنة 1979م؛ ضدّ مملكة بوغاندا المدعومة من الإدارة الاستعمارية السابقة ومن القذافي، والذي انتهى بانتصار تنزانيا. وتُمثّل المستعمرات البرتغالية في الموزمبيق وأنغولا نموذجاً لسيطرة الأقليّات على الحكم والحيلُولة دون استقلال الدول الإفريقية، إذ كان عدد المُعمّرين في أنغولا قُبيل الاستقلال بقليلٍ لا يتجاوز 250.000، وفي الموزمبيق 130.000، مقابلَ خمسة ملايين وثمانية ملايين- على التوالي- من الأفارقة.

أما إفريقيا الجنوبية؛ فتبقى الأقرب زمنيّاً كدليل على حكم الأقليات البيضاء في إفريقيا، والتي استمرت حتى نهاية القرن العشرين، ففي ستينيات القرن الماضي كان المستعمرون البيض، ذوو الأصول الألمانية في غالبيتهم، لا يتجاوزن 10% من مجموع سكان ناميبيا الذي كان يُقدّر بمليون نسمة، غير أنهم ارتكبوا جرائم بشعة في حقّ الأغلبية الناميبية، حتى هزيمة القوات الألمانية في الحرب العالمية الأولى، وعلى الرّغم من أنّ ألمانيا اعتذرت رسميّاً، على إثر زيارة المستشار الألماني هيلموت كول Helmut Kohl لناميبا سنة 1990م، فإنّ هذا الأخير رفض الحديث عن إبادةٍ ألمانيةٍ للسكان الأصليّين. واستطاع المستعمرون الألمان الاستمرار في ناميبيا بفضل الدّعم الذي كانوا يتلقونه من جنوب إفريقيا، التي كانت النموذج الأشهر للعنصرية ضدّ السود في القارة إلى جانب ناميبيا. ولم تؤثر العقوبات التي تعرضت لها جنوب إفريقيا دوليّاً بسبب توجهها العنصري، واستمرت بفضل القوة الاقتصادية للبلد إلى بداية التسعينيات، حين تمّ السماح للأحزاب المعارضة بالمشاركة في الحياة السياسية، وتمّ إطلاق سراح «مانديلا» الذي ترأس البلاد بعد أربع سنوات من مغادرته للسجن.

خلاصات:

يظهر جليّاً كيف تطوّر المسلسل الاستعماري الأوروبي في إفريقيا، بدءأً من تحسين الطرق التجارية، وبخاصّةٍ البحرية، إلى توسيع مجال استغلال الأراضي تلبيةً لطلبات السّوق الأوروبية المتزايدة، إلى البحث عن أراضٍ لهجرة الأوروبيّين الذين ضاقت بهم الأرض بسبب توالي الأزمات، إلى استغلال الموارد الطبيعية لتطوير الصناعات الجديدة، إلى الصراع حول الحدود المائية والمعادن النفيسة، إلى الصراع ضدّ الحركات التحريرية من أجل الإبقاء على الامتيازات الاقتصادية، إلى العمل على توفير استمرار التبعيّة بعد استقلال الدول الإفريقية، بما فيها خلق نزاعاتٍ حدوديةٍ؛ تفرض العودة دائماً إلى الدول المستعمرة للتدخل كطرف لفضّ هذه النزاعات.

خلال كلّ هذه المحطات كان لزاماً على الأوروبيّين إيجاد صيغ ومسوِّغاتٍ لإقناع الرَّأي العام في بلدانهم لكلّ ما سيقومون به في القارة الإفريقية من عنفٍ وإبادة، وأحياناً بالتكتم على الأحداث، وتسويق المهمّة الإنسانيّة المتمثلة في نشر الحضارة المتقدّمة بين الشعوب الإفريقية.

على أنّ تاريخ إفريقيا مليءٌ أيضاً بنزاعاتٍ لم تكن نتيجةً للحدود التي كانت تفصل بين الشعوب قبل وصول المستعمر؛ فالعديد من المجموعات تفرّقت وعاشت في بلدانٍ غير بلدانهم الأصلية، وأخرى تعايشت مع مجموعاتٍ داخل دولة لم تكن تربطها بها أية روابط ثقافية ولا دينية ولا اقتصادية. بل تنامت النزاعات بين الشعوب الإفريقية بعد أن تمّ توظيفها من طرف القوى الأوروبية للإبقاء على الاستعمار.

صحيحٌ أنّ النزاعات الحدودية هي مصدر عدم استقرارٍ في العديد من دول إفريقيا، وتؤدّي أحياناً إلى أزماتٍ إقليمية، لكنّ السبب الرئيس وراء النزاعات لم يكن سوى الرغبة في الحفاظ على الموارد الطبيعية الموجودة في المناطق ذات الحدود غير المستقرة، وهذه الثروات لا تتعلق فقط بالغاز أو البترول أو اليورانيوم، بل تتعداها إلى زمنٍ سيتّسم بالاحتباس الحراري والنموّ الديموغرافي العالمي الكبير، وستصبح المناطق الخصبة والاحتياطات المائية أكثر أهمية، خصوصاً أنّ الأوروبيين بالرغم من فقدانهم السيطرة السياسية على العديد من الدول؛ فإنهم ما يزالون متحكّمين في اقتصاداتها بوسائل وآلياتٍ متعدّدة.

 

 

 

 

[1]  نورد كمثال على ذلك كتاب (مذكرات  شاهد على حرب إفريقيا) Diario de un testigo de la guerra de Africa، لكاتبه الذي حضر «حرب تطوان» بيدرو أنطونيو دي ألاركون Pedro Antonio de Alarc?n.

[2] INIESTA FERRAN, Kuma, Historia del Africa Negra, Ed. Bellaterra, Barcelona, 1997.

- MART?NEZ CARRERAS, José, Africa Subsahariana, Ed. S?ntesis, Madrid, 1993. 

[3] CEAMANOS, Roberto, El Reparto de Africa. De la Conferencia de Berl?n a los conflictos actuales, Ed. Catarata, Madrid, 2016.

[4] De la colonisation chez les peuples modernes (1874).

[5] نذكر على سبيل المثال: الباحث الأنثروبولوجي الهايتي: جوزيف أنتينور فيرمين Joseph Anténor Fermin الذي ألف كتاباً سنة 1885 تحت عنوان:  De L’égalité des races humaines (في مساواة الأجناس البشرية).